الخميس 02 يوليو 2026
المحرر العام
محمد الباز

صدمات مفكر مغربى.. الروائى حسن أوريد: أحداث 2011 «هجير عربى» وليست «ربيعًا»

حسن أوريد
حسن أوريد

- مؤلف «اللاروب»: ليست رواية تاريخية.. لكنها لا تنفصل عن الواقع

- جمال عبدالناصر يتصدر الشخصيات الحقيقية فى الرواية

- نكسة 67 كانت دفنًا حقيقيًا للحلم والطموح الجماعى

فى أحدث إبداعاته السردية الروائية الصادرة، مؤخرًا، عن دار «نوفل/ هاشيت أنطون»، بعنوان «اللاروب»، التى تدور أحداثها فى المغرب قبل استقلاله، وتقع فى 320 صفحة، يحكى الكاتب المغربى، حسن أوريد، قصة «محمد بنيس»، الذى يعمل واشيًا لدى سلطات الاستعمار الفرنسى.

وخلال الرواية، يكلف «بنيس» بمراقبة كباريه «سنترا»، حيث يجتمع مثقفون وفنانون يمثلون تيارات فكرية ودينية وسياسية مختلفة، لكن يتفقون على فكرة واحدة: معارضتهم الاستعمار الفرنسى فى بلادهم. 

لكن ما يبدأ كعملية مراقبة يتحول لاحقًا، فى هذا الفضاء الزاخر بالشعر والأحاديث السياسية والغناء والطرب وبنقاشات الفلسفة وبالسخرية والتندّر، إلى رحلة فى الزمن يتنقل فيها البطل بين الماضى والمستقبل، والواقع والخيال.

وهكذا، يجد نفسه فجأة فى الدار البيضاء فى زمن لاحق، وفى جغرافيا يبدأ فى استكشافها، وهكذا أيضًا، يصادف زوجته وقد أصبحت عجوزًا، بعد أن قالوا له إنها ماتت بعد أن انتقلت إلى إسرائيل وتزوجت من بولندى وأنجبت منه طفلًا وطفلة.

فى هذا السرد، يُجرى الكاتب- حسن أوريد- تشريحًا لوضع محتقن، موظفًا السوريالية لينفذ إلى قضايا معقدة ومسكوت عنها أو مطمورة، مازجًا بين التفكير والهزل، فى سياق حديثه عن حانة يكتشف مرتادوها عن جوانب مجهولة من أنفسهم، وهم يستعيدون الحكى، ويترنّمون الشعر، ويستدعون الغناء.

«اللاروب» هى تحريف بالدارجة المغربية لكلمة إلا «ربع»، وتعنى «لا شىء على ما يرام»، وهى إشارة لشىء غير مكتمل. ولشىء معيب، والظاهر يحيل إلى عدم الاكتمال، والباطن إلى العجز أو السكون أو الاضطراب.

فى حواره مع «حرف» يكشف «أوريد» عن مفاجأة من العيار الثقيل عن روايته «اللاروب»، وكيف أنها لاقت انتشارًا وقبولًا فى المشرق العربى على النقيض من مغربه، رغم استخدامه اللهجة المغربية فى مساحة من الرواية، ويحدثنا أيضًا عن بطل الرواية الذى عاش فى مصر خلال الفترة من 1947 إلى 1956.

■  ما الذى تعنيه لفظة «اللاروب»؟ وهل يمكن اعتبارها جزءًا من مشروع استعادة الذاكرة؟

- «اللاروب» ترخيم لـ«إلا ربعًا»، وتستعمل فى الدارجة المغربية والجزائرية، للتعبير عن شىء غير مكتمل أو ناقص. مثلًا حين تم انتخاب الرئيس الجزائرى عبدالعزيز بوتفليقة سنة ١٩٩٩، استعمل التعبير نفسه، قائلًا إنه لن يكون رئيس «اللاروب»، أى ناقص الصلاحيات، وهو ما ترجمته الصحافة الفرنسية بـ«ثلاثة أرباع رئيس»، ما لا يعنى شيئًا.

واستعملت للتدليل عن حالة عدم الاكتمال، وهى متلازمة تطبع مجتمعاتنا. نعى بالتحديات، ونسعى أن نرفعها، ولكننا لا نذهب إلى أبعد حد، فيكون مصيرها كالموج المرتد. وهى الحالة التى رصدها لورنس العرب، فى كتابه أعمدة الحكمة السبعة.

ومن المؤكد أن رواية «اللاروب»، جزء من استعادة الذاكرة ليس فقط المغربية، ولكن العربية، لمدة تزيد على نصف قرن، من ١٩٤٧ إلى ٢٠١٨. تاريخ وفاة بطل الرواية «محمد بنيس»، وفى عملى الروائى استعدت جزءًا من الذاكرة المغربية، والعربية، سياسيًا وثقافيًا.

■ هل تمثل «اللاروب» حالة تاريخية عاشها المغرب أم حالة إنسانية عامة؟

- المكان الذى تجرى فيه الرواية يوجد فى المغرب، فى الدار البيضاء، فى حانة، مع أمكنة رديفة، فى القاهرة وبيروت وسيدى بلعباس، ولكن المكان معبر عن حالة، تتجاوز المغرب إلى العالم العربى. 

لا أزعم أنها حالة إنسانية عامة، ولكن روايتى معبرة عن حالة تبدأ من أمل الانعتاق عقب الحرب العالمية الثانية، وما طبعها من آمال، على مستوى العالم العربى لتدخل المنطقة فى دوامة من الاهتزازات، منها هزيمة ٦٧، واحتلال بيروت سنة ١٩٨٢، بل إلى ما عرف بـ«الربيع العربى»، وغدا هجيرًا، ليعرب، «بنيس» بطل الرواية، عن أن العالم العربى واجه تحديًا وجوديًا كبيرًا مع الاستعمار، وكانت موازين القوى مختلة، واستطاع أن يكسب الرهان، لأنه كان محتفظًا بمناعة، أو حلم جماعى، أما اليوم فيلوح تحد وجودى ثانٍ، دون أن تكون للعالم العربى المناعة التى كانت له قبل نصف قرن.

■ إلى أى مدى يعبر الربع الناقص عن إخفاقات مشروع النهضة العربية؟

- الرواية ليس عملًا فكريًا، وإن تضمنت مساحات من الفكر. تعالج الرواية حالة اختلاط الأزمنة، أى أن المجتمعات فى العالم العربى موزعة فى أزمنة متعددة، منها التى تعيش فى القرون الوسطى، ومنها التى هى فى الحداثة، ومنها التى هى ما بعد الحداثة، ومنها المتأرجحة بين القرون الوسطى والحداثة، وهذه الحالة مثبطة لا تتيح انطلاق مؤهلات مجتمع.

لا بد لكل فئات المجتمع أن تعيش نفس الزمن، ولا بد من ترتيب الزمن بالفكر، والفكر لا يبزغ من فراغ، تلزمه الحرية، والحرية تفترض التحرر، والتحرر يفترض طموحًا جماعيًا، من مادة ثقافة مجتمع ما. هذه بعض العناصر التى حملتها الرواية. لكن هناك عناصر لم أعرض لها فى الرواية، ولكن تُستشف من العمل، وهو إقبار حلم جماعى، أو طموح جماعى، الذى انتهى عمليًا مع ٦٧.

■ لماذا اعتمدت تقنية المشاهد السردية؟

- العمل فكرى بالأساس، وقد يكون مملًا، لذلك كان السرد وسيلة لكى يكون مستساغًا، بطريقة عفوية، وشعبية، وبالدارجة، سواء الدارجة المغربية، أو المصرية، لأن بطل الرواية عاش فى مصر من ١٩٤٧ إلى ١٩٥٦، مع المزج بين الهزل والجد، لكننى لم أعتمد السرد لوحده، بل الشعر كذلك. يحضر الشعر بشكل قوى، ليعبر عن فترة الحلم والاهتزازات التى اعتورت المنطقة العربية، من شعراء مغاربة، أو عرب، مثل بدر شاكر السياب فى «المومس العمياء»، أو قصيدة «لا تصالح» لأمل دنقل، أو قصيدة عبدالمعطى حجازى عن عمر بن جلون، أو محمود درويش فى جملة من قصائده، وكذلك الغناء، يحضر بقوة، لأنه مناط تعبير وذاكرة مشتركة، من محمد عبدالوهاب وأم كلثوم، وعبدالحليم حافظ، وفريد الأطرش، وفهد بلان، وشريفة فاضل فى أغنية وحياتك يا شيخ مسعود، وناس الغيوان، والشيخ إمام، وعبدالهادى بلخياط فى أدائه للمنفرجة.

■ لماذا يستحضر المثقف العربى التاريخ بديلًا عن النظر للمستقبل؟

- هذا سؤال عام، ولا أستطيع أن أجيب عنه. لأن من المثقفين العرب من يقرأ التاريخ قراءة ناقدة، مثل جمال حمدان، ولو أنه جغرافى، ولا تنفصل هذه القراءة عن تصور للمستقبل، وهناك من يحلل الحاضر، ومن يستشرف المستقبل. لكن عمومًا لا يمكن بناء تصور عن المستقبل دون قراءة نقدية للتاريخ. التاريخ ليس هو الماضى.

■ إلى أى مدى يعكس بطل الرواية «بنيس» تاريخ المنطقة العربية، وهل يحمل من سيرة جيل فى المغرب؟

- حالة «بنيس» معبرة عن جيل، وتاريخ المنطقة. حمل «بنيس» الأفكار الكبرى التى تخللتها، وكان قوميًا، وعاش مؤثراتها، والحلم الذى حملته، والانكسار الذى آلت إليه. هناك جيل عاش هذه الفترة بأحلامها، وربما بأوهامها وخيباتها. طبعًا يمكن القول إن شخصية «بنيس» فى الرواية شخصية حقيقية، عرفتها حق المعرفة. لم يكن حاضرًا فى الساحة العامة، وهو غير الشاعر محمد بنيس المعروف. بدأ شيوعيًا، وانتهى قوميًا.

أذكر أنه مرة زارنى فى بيتى، ووجد عندى الكتاب الوحيد مما احتفظت به من مكتبة الوالد-رحمه الله- «مواطنون لا رعايا» للمفكر خالد محمد خالد، وأراد أن يستعيره منى، فأبيت لأنه الوديعة التى بقيت لى من الوالد، فاختار كتابًا آخر، عن جمال عبدالناصر، كنت اقتنيته من مكتبة «مدبولى» سنة ٢٠١٥، وأخذه، ومات «بنيس» دون أن أسترجع الكتاب. فى خريف عمره، كان «بنيس» حزينًا لما آل إليه العالم العربى، وهو ما عبرت عنه فى الرواية.

■ ما حدود العلاقة بين التاريخ والتخييل فى «اللاروب»؟

- الرواية ليست تاريخًا، لكن لا تنفصل عن الواقع، أو إن شئنا مادتها، كمواد بناء من الواقع والتاريخ، لكنها مواد مصقولة ومرصوفة. «بنيس» وجد حقيقة. لكن العلاقة التى تضمنتها الرواية مع امرأة نوبية، مجرد خيال. 

«محمد أمزيان» وجد فعلًا، وكان قائدًا لانتفاضة الريف، وعاش فى حى القبة بالقاهرة، لكن العلاقة مع الصبى «ممدوح» خيال. لكن هذا الاختلاق يعبر عن حقائق، وهو الآصرة الوجدانية أو «الابستمولوجية» المعرفية. فالرواية مثلما أقول دومًا هى الكذب الصادق، ولكنها ليست صدقًا كاذبًا فى جميع الأحوال.

■ هل استندت الرواية إلى شخصيات وواقع تاريخية حقيقية إذن؟

- بكل تأكيد. شخصية المهدى بن بركة حقيقية، وعبدالكريم الخطابى، كذلك، ومحمد أمزيان، وعمر بنجلون. بل حتى جمال عبدالناصر يحضر فى الرواية، أو يتم استحضاره. السردية عن معارك توغل المستعمر التى يقوم بها السارد المعطى حقيقية، أو تعبر عن جوانب من الحقيقة. وتصوير معارك الحرب العالمية الثانية فى جبل «مونتى كاسينو» فى إيطاليا تحيل إلى حقائق تاريخية، معبر عنها بشكل هزلى، بل حتى ملابسات هزيمة ٦٧، وكيف يحكى عنها السارد المعطى بشكل عفوى وساذج، لكنها تعبر عن حقائق، وكلها حقائق مؤلمة، وقد يكون البعض منها مجهولًا، مثلما تبينت هنا فى المغرب.

■ يبدو الزمن بطلًا خفيًا فى الرواية، كيف تنظر إلى حضوره؟

- بالفعل الزمن بطل، لكنه زمن غير خطى، لأن الزمن انفلت، لم يعد يخضع لتسلسل ماضٍ وحاضر ومستقبل، بل هناك تداخل الأزمنة، أو كما فى تصوير شكسبير خرج الزمان من رتاجه. كان للشبح أن يخرج ويحدث «هاملت» بما يراد التستر عنه. نفس الشىء فى «اللاروب»، تخرج هواجس الذكرى والشعر والقفشات، لتحدث من غير انتظام عن واقع كاد يمطره النسيان. حالة مرتادى كابريه «سنترا» شبيهة بحالة الحلم، لكن ينبغى الصحو. لا يمكن العيش فى زمن غير مستقيم، أو متداخل.

■ هل الزمن هنا رمزى أم واقعى؟

- هو الاثنان، واقعى، لأن فئات من المجتمع تعيش أزمنة متعددة فى نفس الرقعة، وهو رمزى، لأنه الزمن ينفلت، حين ينهار حلم جماعى.

■ ما علاقة سؤال الزمن بالهوية الذى يلازم معظم أعمالك؟

- التنوع الثقافى حاضر فى هذا العمل، لكن قضية الهوية ليست حاضرة إلا بشكل عرضى، وموضع نقد، باستشهاد «بنيس» بـ«إدوارد سعيد»، الذى يعتبر أسئلة الهوية أو حول الهوية مملة. تحضر القضايا الهوياتة كما فى الشجار بين الشاعر عنيبة الحمرى، القومى، والشاعرة مليكة، ذات التوجه الأمازيغى.

أن أرصد حالة أو حالات ليس معناه أننى أتماهى معها، أو أزكيها. لا ينبغى تجاهل الهويات، ولا ينبغى الانغلاق فى قضبانها. أو مع عبّر عنه الشاعر ادريس المليانى فى الرواية، عن حالة «مَن يخرج من السجن ليبقى ببابه»، وهو تعبير مغربى.

■ هل يمكن اعتبار «اللاورب» نقدًا للواقع العربى الراهن؟

- نعم، بكل تأكيد، ويظهر ذلك فى البوح الأخير لـ«بنيس»، الذى يرى ما آمن به ينهار. تؤلمه حالة الوهن التى تعترى العالم العربى، ويكون آخر ما يستمع إليه وهو على وشك الرحيل أغنية لأم كلثوم «ذكريات عبرت أفق خيالى».

■ ألم تخش أن تكون الخصوصية اللغوية عائقًا أمام القارئ العربى الراهن؟

- كان هذا التخوف حاضرًا، لذلك سعيت لنقل محتويات الحديث باللغة العربية فى بعض المقاطع. لكن لو أجريت الحوارات بلغة عالمة أو فصيحة لفقدت الرواية نكهتها. والطريف، أن اللغة لم تكن حاجزًا مع القارى فى المشرق العربى، لأنها حدثته عن أشياء يعرفها وعاشها، ولطموح جماعى اعتور جيلًا. لكن بالمقابل لم يُبد القارئ المغربى حماسًا للرواية، لأنها تتحدث عن قضايا مجهولة لديه، أو لم تعد تعنى له شيئًا.

■ ما الإضافة التى تقدمها رواية «اللاروب»؟

- أولًا شكلها، أى «السريالية»، شخوص من عالم الأموات تحل بين الأحياء وتحدثهم. أو مكان ينفلت من الزمن، أو تداخل الأزمنة بل الأمكنة. ليس الزمن خطى، وليس فى الرواية حبكة. وقد يختلف القراء فى تقييم ذلك. ثم استعمال الدارجة، فى حوارات الهامشيين، أو من تسمونهم أنتم فى مصر بـ«الحرافيش». هؤلاء «الحرافيش» يحملون وعيًا. هذا العمل يقطع ما كتبت من حيث تقنية الكتابة.

■ بعد «اللاروب»، ما المشروع الأدبى الذى يشغلك الآن؟

- أفضل ألا أتحدث عن المشروع الأدبى الذى أشتغل عليه إلى أن يكتمل. وينبغى كذلك أن أترك مساحة زمنية لـ«اللاروب» لتُعرف عن نفسها وتعانق قراءها. الناس الآن مشغلون بالحرب فى الخليج، وارتفاع أسعار الطاقة، والتضخم. لكن يمكن أن أفسر لك، بأنى أشتغل على كتاب حول الجيوسياسية. أنا بالأساس أستاذ للعلوم السياسية، والعلوم السياسية قرينتى، وينبغى أن أوفيها حقها، أما الأدب، فهو خليلتى. ولا ينبغى للخليلة أن تأخذ أكثر من حق الحليلة.