طه لا يغيب.. صاحبة أول ترجمة لـ«الأيام» إلى السلوفينية: إسكندرانى علّمنى العربية وعشت مع سيرة العميد
- المترجمة زاريا فرشيتش: طه حسين بارع فى تصوير الأصوات والروائح
- «الأيام» يرسم صورة لمجتمع القاهرة وصعيد مصر مطلع القرن العشرين
- لا يوجد قاموس عربى واحد فى سلوفينيا.. وعدد مترجميها قليل جدًا
- قرأت لكلٍ من يحيى حقى ونجيب محفوظ وبهاء طاهر ومحمد البساطى
لا يزال كتاب «الأيام»، السيرة الذاتية لعميد الأدب العربى الدكتور طه حسين، قادرًا على إثارة الدهشة والإعجاب، وبعد أن تُرجم لأكثر من حوالى 30 لغة، صدرت قبل أيام ترجمة جديدة له إلى اللغة السلوفينية، بتوقيع المترجمة السلوفينية الشابة زاريا فرشيتش، الحاصلة على دكتوراه فى الأدب المقارن، التى سبق لها أن ترجمت العديد من الأعمال المهمة.
وتعد هذه النسخة، التى صدرت قبل أيام عن دار النشر «سانكاريفا»، فى العاصمة ليوبليانا، هى أول ترجمة لكتاب «الأيام» فى سلوفينيا، هذه الدولة الصغيرة الواقعة فى وسط أوروبا.
ويعد «الأيام» من كلاسيكيات الأدب العربى، يحكى فيه طه حسين عن نظرته للحياة، رغم عدم قدرته على الإبصار، ليتركنا الكتاب مع قلم كاتب فقد البصر، لكنه لم يفقد البصيرة، وجعل من الأدب عصا يسير بها فى الطريق.
وصدرت النسخة الأولى لكتاب «الأيام»، الذى يمثل سيرة ذاتية لواحد من أبرز رواد النهضة المصرية، لأول مرة باللغة العربية فى عام 1927، فى جزئها الأول، قبل أن يصدر الثانى فى عام 1929، ثم الثالث فى 1939.
حول كواليس تعرفها على اللغة العربية وآدابها، وأسباب اختيارها «الأيام» لترجمته إلى السلوفينية، والصعوبات التى واجهتها خلال الترجمة، وأبرز ما توقفت عنده فى شخصية طه حسين، وحضور الأدب العربى فى سلوفينيا، يدور حوار «حرف» التالى مع المترجمة السلوفينية الشابة زاريا فرشيتش.

■ متى وكيف تعرفت على اللغة العربية؟.. وما الذى جذبك إليها؟
- تعرفت على اللغة العربية لأول مرة فى ٢٠١٨ عندما سافرت إلى المغرب، حيث عملت متطوعة فى تدريس اللغة الفرنسية. كانت تلك أيضًا أول مرة أزور فيها بلدًا عربيًا وألتقى به بشكل مباشر.
أقمت فى المغرب لمدة شهرين، وهناك انجذبت إلى الثقافة المغربية والناس، وشعرت برغبة قوية فى معرفة المزيد عن لغة وثقافة ومجتمع هذا البلد. وأنا منذ صغرى مهتمة جدًا باللغات والثقافات الأجنبية والسفر.
فى الدار البيضاء، كنت أسكن فى الغرفة نفسها مع «سارة»، وهى فتاة من السعودية كانت تدرّس اللغة العربية الفصحى فى المدرسة نفسها، ومن خلالها تعرفت على أساسيات الفصحى لأول مرة.
بعد عودتى إلى بلدى، واصلت دراسة اللغة بمفردى فى البداية، لكن فى نوفمبر سنة ٢٠٢٠ بدأت أبحث عن أستاذ متخصص حتى اقترح علىّ صديق تركى، أستاذًا مصريًا كان يدرس معه عن بُعد، وهكذا تعرفت على الأستاذ الرائع محمد السيد، من الإسكندرية، وهو متخصص فى تعليم العربية لغير الناطقين بها. أدرس معه الفصحى والعامية منذ ٦ سنوات، ولا أستطيع أن أتخيل دراستى اليوم من دونه.

■ ما الذى دفعك لاختيار كتاب «الأيام» دون غيره من مؤلفات طه حسين لترجمته إلى السلوفينية؟
اقترح علىّ الناشر والمحرر أندرى بلاتنيك ترجمة رواية ضمن سلسلة ترجمة أدبية تُسمى «الكلاسيكيات الحديثة» من العربية. لا توجد فى بلادنا ترجمات كثيرة من اللغة العربية. كما أن عدد المترجمين منها قليل جدًا. لذلك يبقى العديد من الأعمال العربية المشهورة غير مترجم. لهذا السبب اخترنا «الأيام»، الذى كان المحرر قد اطّلع عليه مسبقًا من خلال ترجمته الإنجليزية، وأنا عرفته أيضًا وقرأت بعض أجوائه.
■ كيف قرأت شخصية طه حسين أثناء العمل على نص «الأيام».. مفكر أم كاتب سيرة أم شاهد على عصر كامل؟
- بالنسبة لى، يجمع بين الثلاثة معًا: مفكر وكاتب سيرة وشاهد على عصر كامل. وأعتقد أن أهمية هذا الكتاب تكمن فى هذا التعدد.

■ «الأيام» كتاب شديد الخصوصية لغويًا وثقافيًا.. كيف تعاملت مع لغته الكلاسيكية ونبرته التأملية؟
هذا صحيح! كان هذا العمل معقد وتحديًا بالنسبة لى. أولًا، قرأت الترجمتين الفرنسية والإنجليزية، وكانت كلتاهما مرفقة بالهوامش اللغوية والثقافية. كما درست قدرًا جيدًا من الأدبيات والأبحاث الثانوية.
■ هل واجهتك صعوبة فى نقل البيئة والثقافة المصرية التى يستحضرها طه حسين إلى القارئ السلوفينى؟
- نعم، واجهت بعض الصعوبات. بالنسبة إلى القارئ السلوفينى، تُعد رواية «الأيام» بعيدة عنه من حيث الزمن والثقافة والدين واللغة والعالم الفكرى والجغرافيا. ولكن من جهة أخرى، هو معتاد قراءة الأعمال أجنبية، لأن الغالبية الساحقة من الكتب فى سلوفينيا هى ترجمات. لهذا السبب اعتمدنا، كما هو معتاد فى سياقنا، على حواشٍ واسعة توضيحية فى الكتاب.
■ ما أكثر مقاطع الكتاب التى أثّرت فيك شخصيًا أثناء الترجمة؟
- أحببت وصف طفولة طه حسين فى الريف، بالإضافة إلى ذلك، أعتقد أن وصف الحياة فى شوارع القاهرة رائع. طه حسين بارع فى تصوير الأصوات المحيطة به وروائحها وملمسها وتفاصيلها الحسية.

■ لماذا لا يزال «الأيام» قادرًا على مخاطبة القارئ المعاصر بعد كل هذه العقود؟
- لا يقتصر الأمر على أن طه حسين كان شخصية بارزة لعبت دورًا مهمًا فى النهضة المصرية، بل أرى أن عمله يتجاوز كونه مجرد سيرة ذاتية. فكتاب «الأيام» مثير لأنه يرسم صورة للمجتمع المصرى فى القاهرة وصعيد مصر مطلع القرن العشرين.
وما أجده آسرًا على نحو خاص هو موضوع العلاقة بين الشرق والغرب. وقد لاحظت حضور هذه القضية أيضًا فى أعمال عدد من الكتّاب المصريين الآخرين، مثل يحيى حقى ووجيه غالى وتوفيق الحكيم. ولا تزال هذه الأسئلة المتعلقة بالهوية والتحديث والعلاقة بالآخر ذات صلة بالقارئ المعاصر حتى اليوم.
■ لو أتيحت لك فرصة لقاء طه حسين.. ما السؤال الذى تودين طرحه عليه؟
- كنت سأسأله: كيف ينظر إلى ترجمة أعماله إلى لغات بعيدة مثل السلوفينية؟ وما الذى كان يتمنى أن يفهمه القراء الأجانب عن المجتمع المصرى من خلال كتبه؟
■ هل اطلعت على مؤلفات غير «الأيام» لكتّاب مصريين أو عرب؟
- نعم، كثيرًا. قرأت لعدد من الكتّاب المصريين مثل يحيى حقى ونجيب محفوظ وبهاء طاهر ومحمد البساطى وإيمان مرسال، وغيرهم. ومن غير المصريين أحببت أعمال خالد خليفة وغسان زقطان وطالب الرفاعى وجبرا إبراهيم جبرا.
■ فيما أطلعت عليه من آداب مصرية أو عربية.. كيف ترين الأدب العربى؟
- بالنسبة لى، أرى أن الأدب العربى أكثر تنوعًا وتعددًا مما قد يتصوره القارئ الأوروبى عادة. وهذا ينطبق أيضًا على المستوى اللغوى، إذا أخذنا بعين الاعتبار العلاقة بين الفصحى واللهجات. كما أرى أن كثيرًا من الأعمال العربية مرتبطة بالسياقات الاجتماعية والسياسية، وهذا يوفر مدخلًا مهمًا لفهم العالم العربى والتعرف إليه.

■ حصلت مبكرًا على جائزة للمترجمين الشباب.. ماذا مثّل لك هذا التقدير فى بداية مسيرتك؟
- الحصول على هذه الجائزة لم يكن متوقعًا حقًا، خاصة أننى حصلت عليها عن أول ترجمة لى عندما كنت لا أزال طالبة فى الجامعة. الجائزة منحتنى ثقة أكبر وشعورًا بأننى قادرة على العمل فى هذا المجال.
■ هل تتذكرين أول نص شعرت بالخوف أو التحدى الحقيقى أثناء ترجمته؟
- نعم، أتذكر أننى شعرت بالخوف منذ البداية، خاصة أن مشروعى الأول كان ترجمة مجموعة شعرية. لكننى أعتقد أن شعور الخوف والتحدى، إذا كان بقدر معتدل، هو جزء طبيعى من عمل كل مترجم.
■ يُلاحظ حضور الشعر بقوة فى أعمالك المترجمة.. ما الذى يجذبك تحديدًا إلى ترجمة الشعر؟
- ترجمت مجموعات شعرية أكثر من الروايات! بدأت مسيرتى الأدبية كشاعرة ولا يزال الشعر قريبًا منى. أحب ترجمة الشعر أكثر، خاصة أنها تسمح لى باللعب باللغة، وإحساسى الشخصى وتفسيرى للنص يلعبان دورًا أكبر بكثير فيها.

■ كيف تتعاملين مع الموسيقى الداخلية للنص الشعرى عند نقله إلى لغة أخرى؟
- أحاول أن أُحدث نفس الأثر من خلال لغتى. وهذا يعنى أن الجمل قد تتضمن أحيانًا تكرارًا، أو شيئًا من الإيقاع أو القافية الداخلية، وقد تكون أطول وأكثر سلاسة فى تدفقها.
من جهة أخرى، أعتقد أنه ينبغى أن يبقى فى الترجمة دائما شىء من الألفة مع الغرابة. فالسلوفينية والعربية بعيدتان جدًا من حيث الأسلوب، وأرى أنه من الجميل أن يحتفظ النص بشىء من موسيقى الأصل.
■ ترجمت أصواتًا شعرية فرانكوفونية متعددة مثل طاهر بن جلون.. هل يختلف التعامل مع النص العربى عن الفرنسى من حيث الحساسية الثقافية واللغوية؟
- نعم، بالطبع. الشعر الذى ترجمته يحمل داخله صدى الثقافة التى ينتمى إليها، سواء كان عربيًا أو فرانكوفونيًا. لذلك يختلف التعامل معه من حيث الإحساس بالإيقاع والدلالات الثقافية، لكن فى الحالتين يظل التحدى الأساسى هو محاولة نقل تلك الموسيقى الداخلية دون فقدان روح النص.

■ هل تؤمنين بأن المترجم شريك إبداعى للنص أم وسيط أمين فقط؟
- تذهب نظريات دراسات الترجمة الحديثة إلى أن المترجم ليس مجرد وسيط، وهو يشارك فى تشكيل النص من خلال تفسيره له. فالترجمة ليست أبدًا نقلًا بسيطًا، ويزداد ذلك واضحًا فى حالة الترجمة الأدبية.
■ إلى أى مدى يمكن للترجمة أن تُعيد تشكيل صورة الشعوب والثقافات لدى بعضها البعض؟
- تؤدى الترجمة دورًا حاسمًا فى تشكيل صورة الشعوب والثقافات. لطالما استجاب الأدب للتغيرات الاجتماعية والسياسية، وفوق كل شىء، يؤثر على أرواح الناس بطريقة تختلف كثيرًا عن أنواع الخطاب أخرى. رأيت هذا عندما ترجمت مجموعة من شعراء غزة المعاصرين. فالشعر يلامس الناس على مستوى إنسانى عميق، بخلاف الأرقام الواردة فى وسائل الإعلام.
■ كيف تنظرين إلى حضور الأدب العربى فى سلوفينيا اليوم؟
- يشهد المجال الأدبى فى سلوفينيا انفتاحًا على الآداب الأجنبية لم يكن متاحة لدينًا سابقًا، مثل الأدب من العالم العربى أو الصينى أو اليابانى. بلادنا صغيرة جدًا، وعدد المترجمين من العربية أو الصينية مثلًا محدود. ومع ذلك، نشهد اهتمامًا متزايدًا بالثقافات الأجنبية. كما أصبح الناشرون يولون اهتمامًا أكبر بإصدار كتب مترجمة منها. ويزيد عدد الكتب العربية الصادرة كل عام، وأعتقد أنها تلقى استقبالًا جيدًا جدًا لدى القرّاء.

■ ما أبرز التحديات التى واجهتك أثناء ترجمة نصوص عربية إلى السلوفينية؟
- بالنسبة إلى التحديات اللغوية، لا يوجد- للأسف- أى قاموس من العربية إلى السلوفينية. بالإضافة إلى ذلك، تشكّل الإشارات الثقافية صعوبة كبيرة بالنسبة لى، وفى هذه الحالة أطلب المساعدة من أصدقائى العرب، لأن محررى لا يعرف العربية.
■ هل هناك صورة نمطية عن الأدب العربى اكتشفتِ أنها غير دقيقة بعد احتكاكك المباشر بالنصوص؟
- ألاحظ أن كثيرًا من الناس يعتقدون أن الأدب العربى يدور حول الحرب أو الإسلام، وأن الكتّاب ما زالوا يكتبون بأسلوب زخرفى قريب من الشعر الجاهلى الكلاسيكى. لكن الاحتكاك المباشر بالنصوص يظهر صورة أكثر تنوعًا وتعقيدًا بكثير.
■ ما النصوص العربية التى ترغبين فى ترجمتها مستقبلًا؟
- «النجدى» للكاتب الكويتى طالب الرفاعى، و«الموت عمل شاق» للروائى السورى الراحل خالد خليفة، و«طوق الحمام» للكاتبة السعودية رجاء عالم.

■ هل هناك مشروعات جديدة تعملين عليها حاليًا؟
- أترجم حاليًا رواية «وادى الفراشات» للكاتب العراقى أزهر جرجيس.
■ ما الذى تعلمته زاريا فرشيتش من اللغة العربية بعيدًا عن الترجمة؟
- تعلمت الكثير عن تطور اللغة العربية، وعن اللهجات المختلفة، بالإضافة إلى ثقافات الدول العربية المتعددة وآدابها. بالنسبة لى، كان تعلّم العربية، ولا يزال، نافذة على عالم يدهشنى دائما بغناه وعظمته.







