الأربعاء 21 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

إمام المُجددين.. حرف تحاور صاحب أول تحقيق علمى لكتاب «المُجددون فى الإسلام»

عبدالمتعال الصعيدى
عبدالمتعال الصعيدى

- عبدالمتعال الصعيدى: الشافعى «متشدد» ولا يستحق لقب «مُجدد»!

- الثقافة الفقهية لـ«الشافعى» ضيقة والخليفة المأمون أولى منه بلقب «مُجدد»!

- أحمد بن حنبل اتسم بـ«عدم التسامح وتكفير مخالفيه»

- مؤسس البهائية وأتاتورك من مُجددى الأمة.. وعبدالعزيز آل سعود آخر المُجددين

- لا يشترط الالتزام بقطع يد السارق وتكفى أى عقوبة يراها القاضى

لا يمكن الحديث عن التجديد فى الإسلام ورجاله، دون الحديث عن العالِم المُجدد، الذى يستحق دون أدنى مبالغة لقب «إمام المُجددين»، الشيخ عبدالمتعال الصعيدى، الذى إلى جانب تخصصه فى اللغة العربية، وعضويته فى «مجمع الخالدين»، يعتبر من أشهر أصحاب الفكر التجديدى بالأزهر، والمنادين بالمنهج الإصلاحى فى التعليم والفكر والتجديد الدينى.

وكما لا يمكن الحديث عن التجديد دون ذكر الشيخ عبدالمتعال الصعيدى، لا يمكن الحديث عن الرجل دون أن يكون ذلك متبوعًا بكتابه الأيقونة «المجددون فى الإسلام من القرن الأول إلى الرابع عشر»، الذى يقدم قراءة تاريخية فكرية تحليلية لأعلام التجديد فى الإسلام من القرن الأول إلى القرن الرابع عشر الهجرى، مبينًا الظروف التى أحاطت بنشأتهم، ومسوغات عدهم من المجددين، وتأثيرهم فى محيطهم العلمى والفكرى والسياسى. 

ورغم أهميته، لم ينل «المجددون فى الإسلام» حظًا كبيرًا من الاعتناء به، لذا أصدرت دار «ضياء المعرفة» للنشر الكتاب، فى نسخة جديدة بتحقيق عماد غزير، الذى يصف هذه النسخة بأنها «أول تحقيق علمى» لرائعة «الصعيدى».

«حرف» تحاور صاحب أول «تحقيق علمى» للكتاب المثير للجدل والتفكير معًا «المجددون فى الإسلام»، لمعرفة مهمة المُحقق من الأساس، وأهم ما جاء فى المؤلَف الشهير، والجديد الذى يقدمه فى هذا الكتاب، وغيرهما من التفاصيل الأخرى فى السطور التالية.

■ بداية.. هل لك أن تعرّف القارئ بكتاب «المجددون فى الإسلام»؟

- «المجددون فى الإسلام» من أشهر كتب الشيخ عبدالمتعال الصعيدى، ومن الكتب التى أثارت جدلًا واسعًا بسبب اختياراته للمجددين. الكتاب فكرته مبنية على حديث: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها». وبعد أن تكلم عن الحديث وشرحه، وذكر أقوال العلماء فى المجددين، بدأ فى مناقشتهم والترجمة لهم.

ترجم «الصعيدى» لـ٥٨ شخصية فى الكتاب، منها ما ذكره العلماء فى المجددين، ومنها اختياراته الشخصية لأشهر شخصيات كل قرن، معتمدًا فى ذلك على فكرة مهمة، مفادها أن المُجدد ليس هو عالم الدين، وإنما المراد به مَن يكون له أثر ظاهر فى النهوض بالأمة. وبسبب هذا استبعد كثيرًا من الفقهاء، راميًا إياهم بالجمود أو التشدد، وقدم عليهم الفلاسفة.

ورتب المؤلف شخصيات الكتاب على حسب القرون، من القرن الأول حتى عصره «القرن الرابع عشر»، ابتداء بأبى بكر الصديق «رضى الله عنه» وانتهاء بعبدالعزيز بن سعود آخر المجددين فى رأيه. ويستهل الباب بنبذة عن حال المسلمين فى هذا العصر، ثم يترجم لأشهر رجالاته الذين وصفهم العلماء بأنهم مُجددون، منتقدًا بعضهم، ومُقدمًا آخرين عليهم، ومُضيفًا شخصيات أخرى يرى أنها أحق بوصف المُجدد منهم.

والملاحظ أن المؤلف كان ينقل كثيرًا عن الصوفية. ورغم مهاجمته لهم واعتراضه عليهم، كان من أبرز مصادره فى الكتاب كتب تراجم الصوفية، خاصة طبقات الشعرانى الكبرى والوسطى والصغرى.

■ لماذا فكرت فى تحقيق «المجددون فى الإسلام»، رغم أنه طُبِع عدة طبعات وموجود فى المكتبات بالفعل؟

- هذا سؤال مهم، وقد أجبت عنه فى مقدمة تحقيقى للكتاب. رغم طبعاته العديدة، لم يُخدَم كتاب «المجددون فى الإسلام» بالشكل الذى يليق به وبمؤلفه. فى الطبعات المطروحة لا توجد «كشافات» تساعد فى الوصول للمعلومة، ولا تخريج للنصوص وتوثيق لها، ولا تخريج للأحاديث والأشعار، ولا دراسة عن الكتاب من الأساس.

كما أن أغلب الطبعات الموجودة مليئة بالأخطاء والتصحيفات، لذا قررت تحقيق هذا الكتاب المهم، الذى يُستحَق أن يُخدَم جيدًا ويُحقَق حسب أصول فن التحقيق. وفى الطبعة الجديدة حرصنا على الاعتناء بالكتاب وخدمته قدر جهدنا، بتوثيقات وتخريجات و«كشافات»، ودراسة عن المؤلف. وهى طبعة أرجو أن تيسر على القارئ التفاعل مع النص وفهمه، وتفتح له آفاقًا جديدة للتأمل فى مسار الفكر الإسلامى وحركته الإصلاحية.

■ لماذا اخترت هذا الكتاب تحديدًا ليكون أول أعمالك فى التحقيق، ولم تبدأ بغيره مما لم يُنشَر من قبل مثلًا؟

- هذا الكتاب كنت قرأته قديمًا، واستوقفتنى فيه الآراء الجريئة لمؤلفه الإمام المُجدد عبدالمتعال الصعيدى، والمعارك التى خاضها فى حياته مع كبار الكُتَّاب وعلماء الأزهر، رغم أنه واحد منهم. وقتها وددت لو انبرى له أحد المُحققين ليحققه وفقًا لأصول علم التحقيق، وبما يسهل على القارئ الوصول إلى المعلومة، ومعرفة مصدر آراء المؤلف.

■ ألم تفكر فى تحقيق الكتاب بنفسك وقتها، وأنت تنظر إليه وإلى تحقيقه بهذه الأهمية؟

- فكرت أن أحققه، لكن لم يسمح لى الوقت بذلك، ونسيت الأمر سنوات طويلة، حتى جاء صديقى خالد زكى، صاحب دار «ضياء المعرفة»، وعَرَضَ على تحقيق الكتاب، فصادف عرضه هوى فى نفسى، وأمنية قديمة طالما تمنيت تحويلها إلى واقع، فقبلت على الفور.

فى هذا الوقت، كنت قد بدأت تحقيق كتاب فى النحو بالاشتراك مع صديقى الدكتور مصطفى محمود، لكنه كتاب ضخم، يصدر فى عدة مجلدات قريبًا. لذا أرجأت العمل فى هذا الكتاب الأخير، وشرعت فى تحقيق «المجددون فى الإسلام». كنت أظن أنه لن يستغرق منى شهرًا، فإذا به يمتد أكثر من ٨ أشهر حتى خرج للنور بتوفيق من الله وعونه.

■ قد لا يعرف بعض القراء المقصود بـ«تحقيق» كتاب ما.. ما عملك فى الكتاب تحديدًا كى نوضح لهؤلاء المقصود بهذا الاصطلاح والمجال؟

- ربما لا يدرك القارئ العادى ما مهمة المُحقق، ويظن أنها مراجعة النص فقط وإخراجه، لكن التحقيق صار علمًا له قواعد وأصول ومعايير تجب مراعاتها، وبفضل الله التزمت بها عند تحقيق «المجددون فى الإسلام»، أو حاولت قدر جهدى ذلك.

أما عملى فيه، فأول خطوة فى التحقيق هى اختيار النسخة الأقدم التى كُتبَت فى حياة المؤلف، أو طُبعَت فى حياته، وبفضل الله وصلنا إلى نسخة مكتبة «الآداب» المطبوعة سنة ١٩٥٩، أى فى حياة المؤلف، فقد توفى الشيخ عبدالمتعال الصعيدى سنة ١٩٦٦.

بعد اختيار النسخة المطلوبة دققتها لغويًا، مع الضبط بالشكل لما يحتاج لذلك، ثم بدأت مرحلة التحقيق بعد ذلك، بداية من تخريج الآيات والأحاديث المذكورة والأشعار من مصادرها، وإحالة النصوص المنقولة إلى مصادرها الأصلية، وأين يجدها القارئ.

كذلك علقت على بعض المواطن المُستشكَلة، لكن فى أضيق الحدود، فليس غرضى مناقشة المؤلف فى آرائه، فأفكار المؤلف مسئوليته، ومُعبرة عنه لا عن المحقق، ثم أتبعت الكتاب بـ«كشافات علمية». مثلًا، قدم المؤلف فهرسًا للأعلام فقط، فأضفت له «كشافًا» بالآيات والأحاديث والأشعار والكتب المذكورة فى الكتاب مع فهرس المراجع والموضوعات، ليُسهل على القارئ الوصول لأى معلومة داخل الكتاب. إضافة إلى ذلك كله، قدمت للكتاب بدراسة ترجمت فيها للمؤلف، وأهم مؤلفاته، وبيّنت منهجه، والمدرسة الفكرية التى ينتمى لها، ومصادره فى الكتاب، وآراءه المثيرة للجدل.

■ بذكر «آراؤه المثيرة للجدل».. من خلال دراستك كتاب «المجددون فى الإسلام».. هل يمكنك أن تذكر لنا ملامح فكر مؤلفه عبدالمتعال الصعيدى وأهم آرائه؟

- المؤلف- رحمه الله- كان شخصية مثيرة للجدل، فى حياته وبعد موته، فقد امتاز بالجرأة فى الطرح. وفى حياته، خاض معارك عديدة مع عدد من شيوخ الأزهر، بسبب آرائه الجريئة، مثل رأيه فى «حد الردة» وإنكاره، فقد كان يرى أن «المرتد يُستَتَاب فقط، ولا عقوبة عليه».

هذا إلى جانب رأيه فى حد السرقة، وهو أن «قطع اليد» حد أقصى للعقوبة، ولا يُشترَط الالتزام به، وأنه يُجزَئ عنه الحبس أو أى عقوبة أخرى يراها القاضى. كما أنه رفض كل أحاديث المهدى بناءً على تضعيف ابن خلدون، وكان يرى أن «المجدد المُنتَظَر أولى من المهدى المُنتَظَر».

ورفض اعتبار أن الإمام الشافعى كان مُجدِدًا من الأساس، ووصف إياه بأنه كان «متزمت لا يقبل تأويل النصوص، ويرفض الاستفادة من علم المنطق، وثقافته الفقهية ضيقة». كما اتهم الإمام أحمد بن حنبل بـ«التزمت والتشدد»، ورأى أنه «لا يستحق وصف المجدد»، خاصة مع اتصافه بـ«عدم التسامح وتكفير مخالفيه». بناءً على ذلك، اعتبر أن «الخليفة المأمون أولى بلقب المُجدد من الشافعى»، وأن «نصير الدين الطوسى أولى بلقب المجدد من ابن حنبل».

وبسبب كل تلك الآراء الجريئة، خاصة فى زمنه بأحداثه ورجاله، خاض الرجل معارك طاحنة مع شيوخ عصره، مثل الشيخ الخضر حسين، شيخ الأزهر الشريف، والشيخ محمد إسماعيل عبدالنبى، وغيرهما الكثير.

■ هذه «آراؤه الجريئة».. فماذا عن ملامح فكر صاحب «المجددون فى الإسلام»؟

- من خلال دراستى شخصية الشيخ عبدالمتعال الصعيدى، وكتابه «المجددون فى الإسلام»، أرى أنه ينتمى لما يسمى «المدرسة العقلية»، وأشهر رجالها الشيخ محمد عبده، والمفكر جمال الدين الأفغانى، ورائد الإصلاح الإسلامى محمد رشيد رضا.

ومن المهم ذكره هنا، أن الرجل كان يرى أن المُجدد ليس العالم الدينى، بل المُصلِح الذى يمتد تأثيره إلى الأمة كلها، سواء كان عالم دين أو سياسيًا أو فيلسوفًا أو عالم اجتماع، فهو مثلًا يرى أن الخليفة المأمون «أحق بوصف المجدد» من الإمام الشافعى. 

والشيخ عبدالمتعال الصعيدى من دعاة الإصلاح والتجديد، ويرى أن سبب تأخر الأمة هو الجمود على القديم، وعدم مسايرة الغرب فى الأخذ بالعلوم الطبيعية، وفى نظرتهم إلى علوم الفلسفة، علاوة على تأييده نظام الحكم الديمقراطى، أو «الشورى» بالمفهوم الإسلامى.

■ كمحقق، كيف تعاملت مع الآراء الجريئة الواردة فى كتاب «المجددون فى الإسلام»؟

- ليست مهمة المُحقق مناقشة المؤلف فى آرائه، بل نقل كلامه كما أراده، ليتولى أهل الفكر والعلم ومعارضوه مناقشته كما شاءوا، فالفكر يُعارَض بالفكر، والقارئ هو المستفيد من هذا الاختلاف فى النهاية.

ومع لك كانت لى تعليقات عابرة، مثل تعليقى على مقارنته بين الإمام الشافعى والخليفة المأمون، حيث قال: «وأين الشافعى من المأمون؟!»، فكتبت معلقًا: «بل أين المأمون من الشافعى، الذى اتفقت الأمة على إمامته؟!».

قال «الصعيدى» فى ذلك تحديدًا: «وأين الشافعى فى هذا كله من الآفاق الواسعة التى حلق فيها المأمون، لأن ثقافته كانت ثقافة فقهية ضيقة، ولم تكن مثل ثقافة المأمون، التى ألم فيها بالثقافة الإسلامية والثقافات الأجنبية على اختلاف أنواعها، فكان أكثر سماحة فى دينه من الشافعى؟!».

■ أخيرًا هل سنرى لك أعمالًا أخرى قريبًا فى مجال التحقيق؟

- بإذن الله هذه البداية، وإلى جانب كتاب النحو الذى سبق أن ذكرته فى إجابة سؤال متقدم، هناك مشاريع أخرى أعمل عليها حاليًا، وسترى النور قريبًا بإذن الله.

■ كم مجددًا ذكرهم المؤلف فى كتابه؟

- الشيخ عبدالمتعال الصعيدى لم يكن يرى التجديد مقتصرًا على شخص واحد فى كل قرن، بل يمكن أن يكون أكثر من شخص، المهم التأثير الاجتماعى والإصلاحى للأمة. لذا ترجم لـ58 شخصية فى الكتاب، يرى فى كل شخصية منها جانبًا من جوانب التأثير والتجديد والإصلاح كما يراه.

وفى الكتاب، كان يفضل بعضهم على بعض، ويذكر وجهة نظره فى تقديم فلان على غيره. كما أنه أدخل فى كتابه شخصيات غير إسلامية، مثل البهاء الميرزا حسين على محمد، الذى أسس فرقة «البهائية»، ومصطفى كمال أتاتورك، الذى قضى على الخلافة العثمانية، وذلك لما كان لهما من تأثير كبير فى الأمة، وأفكار تجديدية.