إحياء الوجه القبيح.. إعلانات ممولة عن مذكرات وجيه غالى وسط إيقاعات الحرب على غزة وطهران
- محرر فى «أخبار الأدب» يتهم غالى شكرى بالتسرع ومخالفة الحقيقة.. ويبنى دفاعه عن «وجيه» على معلومات كاذبة
- أيهما نصدق.. اعتراف وجيه غالى بأن روايته الوحيدة «تافهة» أم وصف محمود الوردانى لها بأنها فاتنة وترجمتها بديعة؟!
- مَن نشر مذكرات وجيه غالى أولًا ومن دفع تكاليف الترجمة.. «الكتب خان» أم الجامعة الأمريكية؟! وما سر انفراد محررين فى «أخبار الأدب» بالترويج لكتبه والتغنى بها؟!
فى الوقت الذى تتوالى فيه أنباء الحرب الإسرائيلية الأمريكية على غزة وطهران، ووسط الضربات الجوية التى تستهدف القواعد الأمريكية فى عددٍ من الدول العربية، ظهر لى إعلان لدار «الكتب خان» على صفحتها بأحد مواقع التواصل الاجتماعى عن طبعة جديدة من مذكرات شخص يدعى وجيه غالى، وهو المعروف فى دوائر المثقفين باعتباره الوجه الأول للتطبيع مع «إسرائيل» تحت ستار الدعوة للسلام، تلك الدعوة التى تتبناها بعض فصائل اليسار المصرى والعربى غير معروف التمويل، وتحترف الدفاع عن أمثاله والترويج لهم!!
توقفت كثيرًا أمام هذا الإعلان الذى تشير صفحة الموقع إلى أنه «ممول»، وكانت التساؤلات بشأنه أكثر من الدهشة من توقيت ظهوره، أو رفضى له ولشخص المعلن عن مذكراته.. هل هى طبعة جديدة من تلك المذكرات التى لا أظن أنها تشهد إقبالًا من القراء، أم أنه مجرد إعلان عن الطبعة القديمة التى تكدست فى مخازن الدار ويريدون تصريفها، أم هو مجرد تذكير بها لأمرٍ ما؟! وبعيدًا عن تاريخ الطبعة، جديدة أم قديمة، فما دلالة إعادة تقديمها والترويج لها فى «بوست ممول»، وفى هذا السياق والتوقيت؟! وما سر تلك الطبعات المتتالية والكثيرة لكتابات ذلك الشخص؟! وما الهدف من الإلحاح على تقديمها باعتبارها كتابة «فاتنة» و«بديعة» بلفظ أحدهم، بينما حقيقة الأمر أنها كتابة متوسطة الجودة، و«تافهة» بلفظ كاتبها نفسه؟!
من أين يستمد صحفى تلك الجرأة التى تدفعه لتشويه ناقد ومفكر كبير مثل الدكتور غالى شكرى، لحساب ذلك «الخائن» لوطنه ومواطنيه، على الأقل بزيارته للعدو، والعمل فى «إسرائيل» بينما لم تكن دماء جنودنا الذين استشهدوا فى حرب 1967 قد بردت بعد؟!

طبعتان فى شهرين أم طبعة واحدة
الطبعة الأولى لتلك المذكرات المشبوهة، والتى لم أقرأها ولن أفعل، يذكر الكاتب الصحفى محمد شعير، المنتسب لصحيفة «أخبار الأدب»، فى مقال بموقع «الشرق بلومبرج» بتاريخ ١٨ أغسطس ٢٠٢١، أنها صدرت عن الجامعة الأمريكية التى تعلن عن عملها فى ترجمة الكتب العربية إلى الإنجليزية لا العكس، ويقول فى بداية تقريره المنشور تحت عنوان «وجيه غالى.. الروائى الذى اختُزلت مسيرته بزيارة إسرائيل فى ١٩٦٧»: «ومؤخرًا، أصدرت الجامعة الأمريكية بالقاهرة يوميات غالى التى حررتها مى حواس، وترجمها محمد الدخاخنى إلى العربية، وحملت عنوان «يوميات وجيه غالى: كاتب مصرى من الستينيات المتأرجحة».. بينما أبدى الكاتب الكبير محمود الوردانى دهشته وتعجبه من كثرة ترجمات كتب المذكور فى وقت قصير، وذلك فى مقال منشور قبل تقرير شعير بشهرين فى موقع «المنصة»، وتحديدًا فى ١١ مايو من ذات العام ٢٠٢١، بعنوان «قصة وجيه غالى: شهاب لمع فهوى»، وجاء فيه ما نصه «فى غضون الأعوام الثلاثة الأخيرة، أصدرت دور النشر المصرية ترجمات لخمسة كتب لوجيه غالى، الذى كان قد غادر عالمنا ومات منتحرًا عن عمر سبعة أو ثمانية وثلاثين عامًا، فى شقة صديقته الكاتبة والمحررة الإنجليزية ديانا أتهيل، بإحدى ضواحى لندن فى اليوم التالى لليلة عيد الميلاد عام ١٩٦٨»، وأضاف الوردانى: «بدا الأمر مدهشًا، وهذا الاهتمام مفاجئًا، ليس فقط لأن غالى كان قد رحل منذ أكثر من نصف قرن، بل أيضًا لأن روايته الوحيدة، الفاتنة فى حقيقة الأمر، (بيرة فى نادى البلياردو)، كانت صدرت بالفعل قبل أكثر من نصف قرن».. غير أن الأستاذ الوردانى يقول فى مقاله «أعد وحرر الطبعة الإنجليزية مى حواس وترجم المجلدين محمد الدخاخنى، وصدرا عن دار الكتب خان»!! وهو ما جعلنى أتساءل.. من أى دار نشر بالضبط صدرت ترجمة تلك المذكرات التى وصلت نسخها إلى «أخبار الأدب»، «الكتب خان» أم الجامعة الأمريكية؟! طيب.. من دفع تكالف الترجمة؟!.. وما معنى اختلاف دار النشر فى مقالين لرفيقى غرفة واحدة وصحيفة واحدة، وإن اختلفت جهة نشر مقاليهما، هل هما طبعتان مختلفتان لكتاب واحد، صدرتا فى ذات العام عن ناشرين مختلفين؟! أم أن أحدهما كتب عما لا علم له به، فنشر ما تم إرساله إليه دون مراجعة؟! أم خانته الذاكرة فكتب دون أن يستوثق من معلوماته؟! أم أن المسألة تتعلق بحسابات وأمور أخرى لا يعلم بشأنها أحد؟!
الأرجح أن طبعة «الكتب خان» الموعودة إصداراتها دائمًا بجائزتى «ساويرس» والجامعة الأمريكية فى مصر وبعض الجوائز الصديقة، هى المقصودة، فهى الوحيدة التى توجد صور لغلافها، حتى فى نفس التقرير الذى نشره شعير، وهو الذى يتهم فيه الدكتور غالى شكرى بالتسرع و«محاولة الإيهام» بغير الحقيقة، بينما هو من تسرع، ونشر معلومات غير دقيقة، أو لا علم لها بها!!
وإذا ما اخترت التغاضى عن اختلاف جهة النشر وطبيعة التمويل، ستبقى الدهشة بشأن تلك الكتابة الاحتفالية لمحررى «أخبار الأدب» فى مواقع ممولة، وبشأن تلك الجرأة التى تجعل شخصًا مثل شعير يقلل مما كتبه المفكر المصرى الراحل الدكتور شكرى لصالح ذلك المجهول الذى جاهد مخلصًا لإعادة إحياء سيرته، وتقديمه فى صورة «البطل التراجيدى»؟!

جرأة الغرض والمرض
يقول شعير فى تقريره الاحتفالى بوجيه غالى: «على الرغم من أن غالى شكرى، استخدم فى بداية كلامه فعل تذكرتُ، ليوحى بأنه ينطلق فى حديثه من معرفة تكاد تكون شخصية بوجيه، وأنه سيقدم حقائق لا تقبل الشك، إلّا أنه على الرغم من قصر الفقرة لم يقدم معلومة واحدة حقيقية باستثناء انتحار غالى»، ويضيف: «ربما يلتمس البعض العذر للناقد، إذ كان كل شىء وقتها متعلق بوجيه لغزًا، محاطًا بالشكوك، وإن كان يمكنه قبل أن يكتب سطوره أن يطّلع على الرواية المتاحة، وعلى مقالات الرحلة المثيرة إلى إسرائيل، ربما كانت قد خفّفت قليلًا من لغته الحادة»!!
فماذا يوحى بالمعرفة الشخصية فى كلمة «تذكرت» التى استخدمها الدكتور غالى شكرى لذكر واقعة كانت معلومة للجميع، وهو منهم؟! فإذا قلت إننى تذكرت علاقة المتنبى بكافور الإخشيدى مثلًا، وأنه هجاه لمجرد أن كافور لم يعطه ما كان يريده، فهل يعنى ذلك أننى أحاول الإيحاء بعلاقة شخصية بينى وبين المتنبى؟! بالتأكيد لا.. فالفعل «تذكرت» لا يتضمن أى إيحاءات، ولا يعنى أكثر مما قيل من أجله، وهو هنا ذكر واقعة وصل إلى الكاتب علم بها، لا أكثر ولا أقل، لكنه الغرض، والغرض كما يقولون مرض..
هذه الفقرة التى كتبها شعير لا معنى لها ولا وظيفة إلا للوصول إلى العبارة التالية، والادعاء بأن ما كتبه الدكتور غالى شكرى «لم يقدم معلومة واحدة حقيقية باستثناء انتحار غالى»!! وهى عبارة كاذبة ومفضوحة تمامًا، وتعالى معى لنقرأ ما كتبه الدكتور غالى شكرى فى الفصل الأول من كتابه «من الأرشيف السرى للثقافة المصرية» الصادر عام ١٩٧٥، والذى يحمل عنوان «الأدباء يعقدون مؤتمر جنيف»، ويقول فيه الناقد الأدبى والمثقف الكبير ما نصه: «تذكرتُ شابًّا مصريًّا كان طالبًا فى كلية الطب يُدعى وجيه غالى، وكان ينتمى إلى إحدى الحركات اليسارية، ولكنه استطاع الهرب إلى لندن. وهناك تلقَّفَته إحدى الجهات، وكانت تعرف ميوله الصحفية وموهبته الأدبية، واستطاعت أن تُغريه بالسفر إلى إسرائيل، وعاد ليكتب مجموعة من التحقيقات المثيرة لجريدة «صنداى تايمز» إلى جانب إسرائيل.. وزيادة فى التكريم والغواية نُشرت له رواية فى سلسلة «بنجوين» عن تعذيب فى سجون مصر. وما زالت الرواية فى المكتبات وعلى ظهر غلافها تعريف بوجيه غالى يقول إنه أول مصرى شجاع يزور إسرائيل ويكتب عنها بحرية كاملة»، مضيفًا: ولكن هذا «الرائد الشجاع» وُجد منذ عامين منتحرًا فى إحدى غرف البنسيون الذى يقيم به فى لندن! وترك رسالة بخط يده اعترف فيها بخطيئة العمر، أشارت إليها الصحف الإنجليزية بصورة عابرة؛ لأن البوليس احتفظ بها … فلم تكُن موجَّهة إلى أحد بالذات».
كلها كما ترى معلومات صحيحة تمامًا، وموثقة، ومذكورة فى مذكرات المدعو وجيه غالى، ربما كان الاختلاف الوحيد فى اسم إحدى الصحف التى كان يكتب لها وجيه، على عكس ما أراد شعير أن يوحى به فى مقاله المدفوع من ممولى موقع «الشرق بلومبرج» ومقره الرئيسى فى الرياض!!
ما لم يذكره الناقد الكبير الدكتور غالى شكرى، وذكره شعير فى تقريره، هو أن وجيه ذهب إلى «إسرائيل» عام ١٩٦٧، كمراسل صحفى لجريدتى «ذا أوبزرفر»، و«ذا تايمز» البريطانيتين.. أى أنه ذهب إلى الأراضى التى يحتلها العدو لتغطية مجريات حربه ضد مصر، وتقديم صورة من الداخل «الإسرائيلى» للقارئ البريطانى!!
ألا توجد أى علامات استفهام هنا؟! ألا توجد أى مبررات للاستغراب أو الاستهجان؟!

تافهة وفاتنة وبديعة
فى موضع آخر من التقرير يذكر شعير عن المذكرات التى لم يقرأها، أن وجيه غالى كان «مولعًا بشكل خاص بالأدب الروسى، بل حاول أن يتعلم الروسية، وكان يرى أنطون تشيكوف أعظم كاتب عاش على الإطلاق، وهو مع مكسيم جوركى، وفلاديمير نابوكوف، ينظر إليهم باعتبارهم سادة الكلمة»، مضيقًا أنه كتب فى إحدى رسائله: «كيف يمكن لأى شخص، يكنّ حبًا للأدب، أن يكتب رواية تافهة بعد قراءة مثل هذه الأعمال، وهو ما يعنى على ما أعتقد أننى لن أكتب رواية أخرى».. وهذا ما حدث بالفعل، فلم يكتب غالى غير رواية واحدة «تافهة» بنص رسالته، هى رواية «بيرة فى نادى البلياردو»، وهى الرواية التى يصفها محمود الوردانى فى مقال «المنصة» بأنها «فاتنة»، ويقول إن أول ترجمة عربية لها «صدرت عن دار الشروق عام ٢٠١٣ بمناسبة مرور خمسين عامًا على صدور الرواية باللغة الأصلية التى كتبت بها عام ١٩٦٤، وهى ترجمة بديعة قامت بها إيمان مرسال وريم الريس»!!
هكذا.. الرواية التى رآها كاتبها «تافهة»، يقول لنا الأستاذ محمود الوردانى إنها «فاتنة»، وأن ترجمتها «بديعة».. فما علامات الفتنة فيها وما البديع فى الترجمة غير أنها لإيمان مرسال وريم الريس؟!
يقول الوردانى: «أما روايته الفاتنة حقًا وبالغة العذوبة بيرة فى نادى البلياردو، فقد كانت قادرة على أن تنقل روح الستينيات وجوهرها من خلال راويها رام الأقرب لشخصية وجيه غالى ابن الأرستقراطية المسيحية القبطية التى يكرهها ويسخر منها»، مضيفًا: «وغالى قادر على نحو خاص ونادر على أن ينقل ذلك الجوهر، دون أن يعتمد على الأصوات الجهيرة والحوادث الزاعقة، بل هناك سحر خاص يتمثل فى نقل التفاصيل والإيماءات».. و«هى رواية الستينيات واضطرابها وعنفها المكتوم فى ظل دولة بوليسية غير رشيدة. هى إيقاع الستينيات التى تتسلل للقارئ بخفة وبما يشبه الحياد.. ومن المثير للدهشة أن هناك ملامح مشتركة، ولا أقول تأثيرات، بين كتابة غالى وكتابة الستينيات فى مصر».
أين الفتنة التى رآها الأستاذ الوردانى؟! ما الجديد فى ذلك؟! هل هو «نقل التفاصيل والإيماءات» أم الملامح المشتركة بينها وبين كتابة الستينيات؟! لا شىء كتبه أكثر من هذه العبارات الإنشائية الخاوية من المعنى.
الطريف أن الأستاذ الوردانى نفسه هو من قال فى ذات التقرير المنشور بالموقع الذى يعمل به رفائيل كوهين عضو لجنة تحكيم جائزة الجامعة الأمريكية ما نصه أن «غالى إذن كاتب أوروبى بامتياز، ولا ينبغى محاكمته بوصفه مصريًا، فهو لم ينتم يومًا لا على المستوى الفكرى أو الأيديولوجى أو حتى على مستوى النشأة والعمر لمصر، وروايته الوحيدة تؤكد هذا اللانتماء».
فهل هو ناقل روح الستينيات وجوهرها، وهو الأقدر على نقلها على نحو خاص ونادر، أم أنه هو الأوروبى الذى لم ينتم يومًا إلى مصر ولا ينبغى محاكمته بوصفه مصريًا؟!
ما رأيك بالضبط يا أستاذ محمود؟!
أما الأطرف فهو ما ينقله الوردانى عن مقدمة مى حواس لمذكرات غالى، والتى تقول فيها: «كان وجيه غالى ماجنًا، وعالة، وطفيليًا، ومنشقًا سياسيًا، وكئيبًا، وسكيرًا ومقامرًا، وعلى الأرجح تهديدًا لكل من أذنوا له بالدخول إلى حيواتهم، غير أنه كان أيضًا قوميًا غيورًا، ومعلقًا سياسيًا متبصرًا على الحكم العسكرى الناشئ آنذاك فى مصر، ومدافعًا عن السلمية والتسامح»!!
هكذا فى فقرة واحدة ومقال واحد.. هو قومى، وغيور، ومعلق سياسى متبصر.. وهو أيضًا أوروبى بامتياز، ولا تجوز محاكمته بوصفه مصريًا.. ما هذا العبث؟! وما كل هذا التخبط؟!
وقبل هذا وذاك.. ماذا يدفع كاتبًا متحققًا إلى هذه الحالة من التناقض وعدم الاتزان، ولماذا الإصرار على إحياء سيرة شخص باع وطنه، وخان جسده، والإلحاح على تقديمه فى صورة الكاتب الذى لم تأت مصر بمثله؟!
أغلب ظنى أن الصورة يا صديقى أقرب إلى قطع البازل الصغيرة، لا تحتاج سوى قراءة متأنية لطبيعة العلاقات والروابط، ووضعها فى سياقها الصحيح، ساعتها يمكنك أن ترى بوضوح ما يجاهد البعض لتجميله، وإخفاء وجهه القبيح.







