الأربعاء 07 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

نقاش هادئ مع صديق ناقد: «أماديوس».. حقائق وأكاذيب لا علاقة لها بـ«الست»

حرف

- المقاربة بين «أماديوس» و«الست» لا محل لها من الإعراب والأسباب واضحة لا لبس فيها ولا تحتاج إلى برهان

- أرملة موتسارت هى من تحدثت عن تسميمه فى شهادة موثقة لاثنين من كتاب سيرته.. ودعمتها اعترافات سالييرى بخط يده فى «دفاتر محادثات بيتهوفن»

- أول من اتهم سالييرى بتسميم موتسارت هو الشاعر الروسى الأكبر بوشكين.. واكتفى مؤلف فيلم ومسرحية «أماديوس» بتحويله إلى قتل معنوى

- لم يسلم نص «أماديوس» من رفض النقاد والجماهير.. لا المسرحية ولا الفيلم أو المسلسل الذى هوجم فى اليوم التالى لعرضه.. وما زالت حقيقة مقتل موتسارت محل خلاف لوجود 4 متهمين لا دليل مؤكدًا ضد أى منه

قبل أيام كتب الناقد الفنى والأدبى الكبير محمود عبدالشكور، ما يشبه المقاربة الساخرة لاستقبال الجمهور للفيلم الأمريكى «أماديوس» المأخوذ عن حياة الموسيقار النمساوى الأشهر وولفجانج أماديوس موتسارت، وتصور كثيرون أنه يمكنهم استخدام ما ورد فى «البوست» للمقارنة بين الفيلم الأمريكى وبين فيلم «الست» الذى كتبه أحدهم حديثًا عن حياة السيدة أم كلثوم، والسخرية من ردود فعل الجمهور الرافض للفيلم، بينما حقيقة الأمر أن ما كتبه الصديق محمود عبدالشكور الذى أحتفظ له بتقدير كبير، لا يخلو من إدانة للمدافعين عن فيلم «الست»، فلا يخلو فيه سطر واحد من معلومة خاطئة أو غير صحيحة، ربما لم يعرف بها الكاتب، وربما لم تكن مصادره على دراية كافية بالموضوع.. وربما كان حماسه للدفاع عن «الست» سببًا مباشرًا فى تجاهله لبعض الحقائق والمعلومات المؤكدة والموثقة تاريخيًا بخصوص موتسارت وسالييرى.. والفيلم الأمريكى الأقرب إلى قطعة أدبية كلاسيكية عالية الجودة والفخامة، خصوصًا فيما يتعلق بالكتابة والحوار الذى يقف خلفه نص فاتن لشاعر كبير، هو ألكسندر بوشكين.

على أى حال، فإننى لست هنا للدفاع عن فيلم «الست» ولا إدانته أو توجيه أى اتهامات له أو لصناعه، فالأمر الآن بين يدى شباك التذاكر، ولكن لأنها ربما كانت ذريعة جيدة لكى نحكى عن موتسارت، ذلك الطفل المذهل، والموسيقار المولع بصناعة البهجة والرقص مع الحياة، والذى ربما لا يعرف صديقنا الناقد الفنى والأدبى أن شبكة «سكاى» بثت نهاية الأسبوع الماضى مسلسلًا جديدًا من خمس حلقات عن ذات النص المسرحى المأخوذ عنه فيلم «أماديوس»، وبذات العنوان، والملامح الجسمانية للأبطال، بل والأداء التمثيلى وبعض الكادرات وجمل الحوار.. ويختتم حلقاته الخمس بظهورٍ نادرٍ لألكسندر بوشكين وزيارته لأرملة موتسارت بعد رحيل سالييرى بستة أشهر، وذلك ضمن رحلة بحثه عن حقيقة الأسباب التى أدت إلى موت موتسارت، لكتابة نصه المسرحى «موتسارت وسالييرى» الذى عرض للمرة الأولى فى 1830.

من سمع ومن رأى

ما لم يلتفت إليه أحد ممن تناقلوا «البوست» أنها مقارنة لا محل لها من الإعراب، لا تصلح من الأصل، والأسباب كثيرة جدًا، وواضحة جدًا، ولا لبس فيها.. منها مثلًا، أن السيدة أم كلثوم كانت هنا، على هذه الأرض بيننا قبل خمسين عامًا، وكنا نشاهدها تمثل وتغنى وتتحدث، بالصوت والصورة، والرؤية الحية، بينما ولد موتسارت فى ٢٧ يناير ١٧٥٦، وتوفى فى ٥ ديسمبر ١٧٩١، أى أنه لم يعد هنا منذ ٢٣٤ سنة بالتمام والكمال.. لم يكن هناك تصوير فوتوغرافى، ومن ثم فلا توجد صورة واحدة له، مجرد رسومات قديمة وغير واضحة، والأرجح أنها رسمت بناء على أوصاف قال بها بعض معاصريه، تمامًا مثل الصورة الوحيدة المعروفة لموسيقار مصر الأكبر سيد درويش، فلا أهمية هنا للاقتراب من الملامح الخارجية للجسم أو الصوت، ولاحظ أننى قلت «الاقتراب» فقط، مجرد الاقتراب من الملامح الخارجية، وهو ما يتحول إلى ضرورة فى حالة الست التى نعرفها، ويعرفها العالم كله بلا أدنى مبالغة.

ألكسندر بوشكين

يمكنك أن تأتى بأى ممثل لتقديم شخصية الخديو إسماعيل، أو سيد درويش أو أحمد شوقى بك، ويمر الأمر فى ميزان الجمهور بسهولة شديدة، بالضبط كما فى حالة موتسارت الذى رحل عن عالمنا قبل أكثر من قرنين من الزمان، لكن عبدالحليم حافظ أو عبدالوهاب أو أم كلثوم، فلا أظن أن عاقلًا يظن أن الأمر يكون بذات السهولة، فلا يستوى من سمع بمن رأى! ولا يستوى من كان ملء السمع والأبصار قبل سنوات معدودة ومن رحل قبل قرنين بلا صورة ولا صوت ولا شىء سوى كثير من الموسيقى والحكايات التى لا يقوم على صحتها دليل.

هذه واحدة، أما الثانية فتخص أول عبارة فى «البوست» المشار إليه، والذى يقول: «مش عارف إزاى الفيلم ده أفلت من الرقابة بتاعة بلاد بره؟! وفين الورثة اللى سكتوا ع التهريج ده؟! فيلم إنتاج «أمريكى» يشوّه متعمدًا «سيرة» اثنين من «رموز» الموسيقى «الأوروبية»: النمساوى موتسارت والايطالى سالييرى.

الفيلم كمان حافل «بأخطاء تاريخية فاحشة» أبرزها: سالييرى لم يكن عدوًا لموتسارت، بل كان مقدّرا لموهبته ومعجبًا به، والاثنان كانا صديقين.. ليس صحيحًا أن سالييرى تسبّب فى موت موتسارت بإرهاقه فى تأليف عمل موسيقى.. لم يكن موتسارت طفلًا كبيرًا طيبًا له ضحكة بلهاء، ولم يكن سالييرى موسيقارًا حقودًا أو محدود الموهبة.. عزاؤنا أن الفيلم، الذى فاز بعدة جوائز أوسكار (بالرشوة طبعًا)، قد أصبح الآن فى مزبلة التاربخ، ولم يعد يتذكره أحد».

هكذا يبدأ البوست بمعلومة غير صحيحة بالمرة، «إذا كانت هناك معلومات فيما يقول به السطر الأول أصلًا»، والحقيقة أننى لا أظن أن أحدًا يفهم ما أهمية هذه الجملة الافتتاحية هنا، فمبلغ علمى أن الرقابة على المصنفات الفنية فى مصر لم تعترض على فيلم «الست»، بل أجازت عرضه دون أن تتدخل فى أحداثه أو تحذف منه شيئًا.. فلا مجال لمقارنة أو تعجب، هى جملة افتتاحية زائدة لا لزوم لها، خصوصًا أن الصديق العزيز ربما يعرف أن فيلم «مارلين» أيضًا أفلت من الرقابة «بتاعة بلاد بره»، بما فيه من مشاهد جنسية مخجلة لها مع أحد المنتجين ومع الرئيس الأمريكى جون كينيدى.. فهل يريد الأستاذ محمود عبدالشكور من الصديق الكاتب عبدالرحيم كمال أن يمرر لنا مشاهد مشابهة باعتباره مسؤلًا عن الرقابة «بتاعة بلاد جوه»؟!، أو يكتب لنا ذات المؤلف المتخصص فى أنسنة الأساطير فيلمًا عن نزوات رشدى أباظة مثلًا، أو عن زيجات صباح، أو غراميات سعاد حسنى؟! عن اعترافات اعتماد خورشيد أو صداقات برلنتى عبدالحميد؟!

هو بالتأكيد يعلم أن المجتمع هنا يختلف كثيرًا عن المجتمع الذى لم يحتف بفيلم مثل «مارلين»، أو غيره من أفلام السيرة التى يتم إنتاجها لديهم، رغم أن معاييرهم وتقاليدهم وأخلاقياتهم تختلف تمام الاختلاف عن معاييرنا وتقاليد مجتمعنا، وبطريقة ربما تجعلنا على طرفى نقيض.. ولكن، ليكن.. قلها وكن على قدر الرأى.. أنا شخصيًا أعترف بأننى ربما لست ضد الوضوح الكامل، والصراحة المطلقة، ولا مانع عندى من مشاهدة أفلام مبنية على العناوين التى ذكرتها، شريطة أن تكون فى حدود الفن، وبلا ادعاءات التأريخ، ولا تصوير المشاهد الجنسية الكاملة.. فالحقيقة أننى ضد العرى الكامل بمشاهده التفصيلية المتجاوزة، كما تقدمها السينما الأمريكية وبعض السينمات الأوروبية، لا أشاهدها ولا تقبلها نفسى، وإن ادعيت ما أدعى من حريات وما شابه ذلك، يظل هناك شىء ما بداخلى لا يرحب بالمشاهد العارية بمثل هذه الكيفية التى تقدمها بعض الشبكات الآن.

المسلسل.. أخطاء بالجملة.. وبالحلقة

يقسم نيكولاس كينيون كبير نقاد الأوبرا فى «تليجراف» مقاله إلى خمسة أجزاء، يتناول فى كل جزء منها ما ورد فى كل حلقة من حلقات المسلسل، حلقة بحلقة، بداية من المشهد الافتتاحى، الذى يتضمن اعتراف سالييرى بقتل موتسارت، ويقول إن هذه المعلومة هى أساس أعظم خرافة عن موتسارت، والتى استند إليها شافير فى مسرحيته، إذ عانى سالييرى من الخرف فى شيخوخته، واتهم نفسه بالتسبب فى وفاة موتسارت، لا شك أنه كان يشعر بالغيرة، فقد كان يعلم مدى عظمة موتسارت كملحن، ولا شك أنه تآمر لمنع تقدمه، الدليل القاطع الوحيد فى ذلك الوقت هو أن سالييرى كان على علم بشائعات تسميمه لموتسارت، وأنه هو نفسه نفى هذه الشائعات للملحن موشيلس.. ويُصور الفيلم سالييرى العجوز محتجزًا يعترف لكاهن فى مصحة عقلية صاخبة، أما المسلسل فيُظهره فى حوار دافئ بجانب المدفأة مع زوجة موتسارت المسنة، كونستانزا.

ويقول كينيون إن من أبرز إنجازات المسلسل أنه يبتعد عن فكرة شافير عن موتسارت كطفلٍ مرح، وهى المعلومة التى استقاها شافير من بعض الرسائل اللاذعة التى كتبها موتسارت لابن عمه، والتى نجت من الضياع بعد رحيله، وبدلًا من ذلك، يقدم ويل شارب ملحنًا وعازف بيانو يتمتع بحيويةٍ مُفرطة، أحيانًا بذىء اللسان، وغالبًا ما يكون ثملًا، ولكنه مُلهم. 

بعدها يوضح كينيون أن الحلقة الثانية تضمنت خطأ لم يكن له أى مبرر، «اختراع غير ضرورى» بنص كلماته، وذلك بتقديم أوبرا «الاختطاف من السراى» على أنها أول أوبرا لموتسارت، وأنها فشلت، فالحقيقة أن أول أعمال موتسارت فى الواقع هى أوبرا «أبولو وهياسينثوس»، التى كتبها بنص لاتينى، عندما كان عمره ١١ عامًا فقط، ثم واصل تأليف أوبرات جادة مثل «إيدومينيو» الرائعة. وكانت «الاختطاف من السراى» أول أوبرا له فى فيينا، لكن بحلول ذلك الوقت كان موتسارت ملحنًا ذا خبرة واسعة فى تأليف الأوبرا التى عُرضت فى أوروبا، وقد لاقت نجاحًا كبيرًا، حتى إن جوته صرّح لاحقًا بأنها «غزت كل شىء».

ويضيف كينيون «فى عدة مشاهد، يقود موتسارت الأوركسترا بحماس، فى المسلسل كما فى الفيلم، على طريقة المايسترو الحديثة، ويظهر أسلوبه فى قيادة الأوركسترا مشابهًا تمامًا لأسلوب ليونارد برنشتاين، وهذا غير صحيح تمامًا، ففى ذلك الوقت، كانت القيادة تتم من على آلة «الهاربسكورد» أو من «الكمان الأول»، لم يتبلور المفهوم الحديث لقائد الأوركسترا إلا فى قاعات الحفلات الموسيقية العامة الكبيرة فى أوائل القرن التاسع عشر، حين لم يكن أمثال ليونارد برنشتاين قد ظهروا بعد.

كما يرد كينيون على مشاهد تدريس موتسارت للأميرة إليزابيث وغوايتها له قائلًا: «لا نعلم ما إذا كان موتسارت قد استغل أيًا من تلاميذه، مع أننا نراه هنا فى علاقة حميمة مع مغنية السوبرانو كاترينا كافالييرى، التى كان سالييرى يراقبها ثم اتخذها عشيقةً له، لكن علاقة موتسارت بالأميرة، التى تظهر هنا كشابة مدللة تغويه، هى من نسج الخيال، إذ إن سالييرى هو من طُلب منه أن يصبح معلمًا لإليزابيث». أما عن علاقة موتسارت بزوجته، فيقول «لا شك أن موتسارت أحب زوجته حبًا جمًا، مع أن حبه السابق غير المتبادل لأختها الكبرى ألويزيا، المغنية الأكثر نجاحًا بكثير، لم يُذكر هنا، وهذا يعد تحولًا كبيرًا فى المسلسل، إذ تُجسد جابرييل جريفى شخصية كونستانزا كشخصية قوية ومستقلة، بدلًا من الفتاة الساذجة التى ظهرت فى دراما وفيلم شافير، والتى تعود جذورها إلى الانتقادات المتحيزة لشخصيتها فى السير الذاتية الأولى لموتسارت، ونرى فى المسلسل أنه خلال غياباته المتكررة، تلجأ كونستانزا إلى تلميذ موتسارت المتعاطف، فرانز سوسماير، وتفوتها مشاهدة العرض الأول لأوبرا فيجارو، بينما الواقع أن آل موتسارت أسميا ابنهما الثانى فرانز تيمنًا به، وأنه ساعدها فى إكمال قداس الموتى بعد وفاة موتسارت، وهو أمرٌ يُمكن تفسيره بكلا التفسيرين معًا. ويتوقف كينيون عند مشهد دفع سالييرى أموالًا لبعض المشاغبين لتعطيل العرض الأول لأوبرا «زواج فيجارو»، مؤكدًا أنها معلومة خاطئة، وإن كان يذهب إلى أن هذه المعلومة أضيفت على الأرجح لإضفاء مزيد من الوضوح على قصص تقويض سالييرى لموتسارت، لكن الحقيقة أن الأوبرا حققت نجاحًا كبيرًا، وكان موتسارت سعيدًا للغاية بترديد الناس لأغانيها الشهيرة فى شوارع فيينا، ومع ذلك، واجه مشكلة مع نص بومارشيه التحريضى، وفى الفيلم والمسرحية مشهدٌ طريفٌ للغاية يتناول رقابة سلطات البلاط على فقرة الرقص فى الأوبرا، إذ لم يرغب جوزيف الثانى فى وجود عروض باليه فرنسية لا حصر لها فى أوبراته، فحظرها، لكن موتسارت أصرّ على أن رقصته كانت رقصة زفاف، وليست باليه، فأعادها الإمبراطور بنفسه. كما يفند كينيون مشهد إهانة موتسارت لمعجب شاب أمام الملأ فى الحلقة الرابعة من المسلسل بقوله «معلومات غير دقيقة.. يستند هذا المشهد إلى رواية مباشرة من التلميذ جوزيف فرانك عن عزفه فانتازيا لموتسارت، وكيف أظهر له الملحن مدى تفوقه فى العزف، لكن هذا كان على انفراد، وليس أمام الملأ، إذ كان موتسارت قاسيًا جدًا، خاصةً مع الملحنين الآخرين، لكنه بالتأكيد لم يكن بهذه القسوة»، كما يرد على مشاهد مساعدة سالييرى لموتسارت فى تأليف قداسه الجنائزى، والذى يوحى بأن سالييرى سرق بعض مسودات موتسارت لاستخدامها فى قداسه الجنائزى، وهو ما يؤكد أنه لم يحدث ولا أصل له فى الحقيقة.

«أماديوس» لم يكن تهريجًا.. ولم يسلم من رفض الجمهور والنقاد

دعك من الفقرة الثانية من العبارة الافتتاحية، تلك التى تخص الورثة، فأغلب معلوماتى أن بعضًا من ورثة أم كلثوم نشرت المواقع صورًا لهم وهم يضحكون للكاميرات بعد مشاهدتهم الفيلم، أما ما قد لا يعرفه العزيز محمود عبدالشكور، فهو أنه لا ورثة لموتسارت، لا يوجد نسل مباشر لعائلته منذ أكثر من مائتى سنة، فالثابت تاريخيًا أنه أنجب من زوجته كونستانزا ستة أطفال، رايموند ليوبولد، وكارل توماس، ويوهان توماس ليوبولد، وتيريزيا كونستانزيا، وآنا ماريا، وفرانز زافير فولفجانج، إلا أن اثنين فقط نجيا من الموت فى سن الطفولة، هما كارل توماس وفرانز زافير، ولكنهما للأسف الشديد لم ينجبا أطفالاً، ولم تكن لهما ذرية، وهو ما أنهى النسل المباشر لعائلة موتسارت، فلا ورثة له ليرفضوا التهريج الذى تدعيه أو يعترضوا عليه، أو يحتفلوا به، خصوصًا أنه لم يكن تهريجًا كما تظن أو كما تقول ساخرًا، بل عملًا كلاسيكيًا عميقًا وممتعًا، تقف وراءه أسماء كبيرة ومهمة فى تاريخ الأدب العالمى، ودعنى أوضح لك يا صديقى أن «أماديوس».. المسرحية والفيلم والمسلسل لم يصمت عنها أحد، ولم يمر أى منها هكذا بسهولة ويسر، إذ قوبلت المسرحية التى كتبها بيتر شافير، وعرضت للمرة الأولى عام ١٩٧٩، بعاصفة رفض عنيفة من المتخصصين فى سيرة موتسارت، وكتب كثيرون عنها أنها مجرد «خرافات» وترديد لشائعات لا أصل لها.. ولم ينج بالفيلم، ويذهب به إلى الفوز بأربعين جائزة من أصل ثمانية وخمسين رشح لها، منها ثمانية جوائز أوسكار، غير الأداء المرعب للنجم السورى الأصل «إف موراى أبراهام»، والخلفية الموسيقية المتواصلة لروائع موتسارت الموسيقية، تلك التى لم تخفت ولو للحظة واحدة طوال ساعتين وأربعين دقيقة هى زمن الفيلم، موسيقاه التى هى صوته الحقيقى، والتى عاشت تشغل العالم من بعده لقرون طويلة وممتدة.. ولولا الحبكة المتقنة، والحوار الفاتن الذى كتبه بيتر شافير، والذى لا تشويه فيه مطلقًا لموتسارت أو الإيطالى أنطونيو سالييرى، اللهم إلا إذا كان صديقنا يقصد مسألة الغيرة الفنية التى عاش سالييرى حياته يعانى منها، ووصلت به إلى حد اتهامه لنفسه، وهو فى سن الشيخوخة، بأنه هو من قتل موتسارت.

ربما لا يعرف صديقنا أن مصدر هذه المعلومة، ومصدر مسرحية شافير المأخوذ الفيلم عنها، هو مسرحية سابقة للشاعر الروسى الأشهر ألكسندر بوشكين، الذى ولد بعد رحيل موتسارت بثمانى سنوات، ويظهر فى الحلقة الأخيرة من المسلسل فى زيارة إلى كونستانزا، أرملة موتسارت التى عاشت حتى بلغت الثمانين من عمرها، ليسألها عن طبيعة وفاة زوجها، ومدى صحة اعتراف سالييرى واتهامه لنفسه بضلوعه فى ذلك الرحيل المبكر، وهل مات نتيجة للسم أم لأسباب أخرى؟!.. وهى المعلومات التى كتبها بوشكين بالفعل، وظهرت فى مسرحيته القصيرة «موتسارت وسالييرى»، ونقل عنها شافير، وبسببها جاء القول المشهور: «لم يقتل سالييرى موتسارت، لكن بوشكين قتل سالييرى بلا شك».

أما المسلسل الذى بدأ عرضه الأسبوع الماضى، فلم تمض ٢٤ ساعة على بثه، حتى أفردت صحيفة «تليجراف» البريطانية صفحاتها لمقال مطول لكبير نقاد الأوبرا لديها نيكولاس كينيون، وهو مؤلف وأكاديمى، ولديه العديد من المؤلفات والمحاضرات حول الموسيقى الكلاسيكية، بعنوان «تدقيق الحقائق.. ما أصابت فيه شبكة سكاى بخصوص موتسارت وما أخطأت»، وقال فيه إنه عندما عُرضت مسرحية بيتر شافير الرائعة «أماديوس»، من بطولة بول سكوفيلد فى دور الملحن أنطونيو سالييرى وسيمون كالو فى دور موتسارت الشاب، لأول مرة، سارع محبو موتسارت إلى اعتبارها عملًا خياليًا، مجرد نص أدبى يستند إلى بعض الخرافات، وعندما حوّلها ميلوش فورمان إلى فيلم حائز على عدة جوائز أوسكار، ضمن نجاح الفيلم الباهر أن تصبح أساطيره وخرافاته جزءًا لا يتجزأ من أسطورة موتسارت، واستوحت شبكة «سكاى» الآن مسلسلًا فخمًا من خمس حلقات عن مسرحية شافير، أعاد كتابتها جو بارتون، ويؤدى فيه بول بيتانى دور سالييرى وويل شارب دور موتسارت. فإلى أى مدى يقترب هذا العمل الدرامى الجديد من الحقيقة، أو على الأقل إلى أى مدى يقترب مما نعرفه عنها؟

المرشحون للاتهام بقتل موتسارت.. ثانيهم سالييرى

فى كتابه «ألغاز تاريخية محيرة» يفرد الكاتب الأمريكى بول آرون فصلًا كاملًا للبحث فى حقيقة وفاة أسطورة الموسيقى العالمية فولفجانج أماديوس موتسارت، وتحت عنوان «هل مات موتسارت مسمومًا؟!»، يكتب أنه بعد وفاة زوجها بفترة قصيرة، روت كونستانزا موتسارت قصة غريبة عن مقطوعة «القداس الجنائزى» التى مات خلال عكوفه على تأليفها، تقول القصة إنه فى وقت مبكر من عام ١٧٩١، وصل رسول غامض إلى شقتهما فى فيينا، وعرض عليه تأليف قداس جنائزى مقابل مبلغ كبير من المال، ليسارع الموسيقار الذى كان فى أمس الحاجة إلى المال بالموافقة، ويدفع له الرسول نصف المبلغ.. فراح موتسارت يواصل العمل ليلًا ونهارًا، حتى صار مهووسًا به، حتى إنه تعرض للإغماء عدة مرات، ولكنه لم يستطع التوقف عن التأليف، ووصفت كونستانزا حالة زوجها الذهنية لفريدريش روخلتس، الذى نشر مجموعة من النوادر عن موتسارت عام ١٧٩٨، والذى كتب أن موتسارت كان يعتقد يقينًا أنه يكتب هذه المقطوعة من أجل جنازته، وهو ما قال به أيضًا أحد كتاب سيرته الأوائل، وكاتم أسرار كونستانزا، فرانس نيمتشك الذى كتب ما نصه: «بدأ موتسارت فى الحديث عن الموت، وصرَّح بأنه يكتب القداس الجنائزى من أجل نفسه قائلًا: لدىّ شعور قاطع بأننى لن أعيش لأطول من ذلك، أنا واثق من أننى قد تعرضت للتسمم».

وقال آرون «إنها قصة مقبولة تمامًا، قال كلٌّ من روخلتس ونيمتشك إنهما سمعاها منها، وكذلك فعل فينسنت ومارى نوفيلو اللذان نشرا روايةً مشابهة فى عام ١٨٢٨، والملفت أن شائعة قتل موتسارت ظهرت بعد وفاته بفترة قصيرة، حتى قبل ظهور روايات روخلتس ونيمتشك، ففى عشية رأس السنة لعام ١٧٩١، نشرت صحيفة برلينية أنه (نظرًا لانتفاخ جثته بعد الوفاة، فإن الناس يظنون أن موتسارت قد تعرض للتسمم)»، وكان من أوائل المشتبه بهم فرانس هوفديميل، زوج إحدى تلميذات موتسارت، والتى تعدَّى عليها زوجها، وانتحرت يوم جنازة موتسارت؛ ما دفع البعض إلى الاعتقاد بأنها كانت حاملًا بطفل منه، ولم ينفِ ذلك الاتهام سوى أنه لم يكن هناك دليل حقيقى يربط هوفديميل بموت موتسارت.

وفى عشرينيات القرن التاسع عشر ظهر مشتبه به أكثر معقولية، وتمثل فى شخص أنطونيو سالييرى، الموسيقار السابق بالبلاط الإمبراطورى النمساوى، وذلك بعد أن ظهر اسمه فى عدد من المواضع فى «دفاتر المحادثات» الخاصة ببيتهوفن، والتى كان ضيوفه يستخدمونها من أجل التواصل معه بعد إصابته بالصمم.. وكتب كارل نجل بيتهوفن، وزائر آخر يُدعَى أنطون شيندلر، أن سالييرى اعترف بتسميم موتسارت؛ فى حين دوَّن آخرون أن شائعة قيامه بذلك انتشرت فى كل أنحاء فيينا، إذ لم يُطِق سالييرى أن يشاهد موتسارت يتفوق عليه ليصبح الموسيقار الأبرز فى البلاط الفيينى، لا سيما أن موتسارت كان دائمًا فظًّا ومتغطرسًا، فى حين كان سالييرى لطيفًا ومهذبًا، وكان أول من نقَّب عن هذه المعلومة واكتشفها مسرحيًّا هو الروسى الأشهر ألكسندر بوشكين فى مسرحية «موتسارت وسالييرى» التى عُرضَت عام ١٨٣٠، والتى استلهمها بيتر شافير فى مسرحيته «أماديوس»، ونجحت نجاحًا كبيرًا على مسارح برودواى عام ١٩٨٠، ثم تحوَّلت فيما بعد إلى فيلم سينمائى، وفيها تعمد شافير ألا يصور سالييرى كقاتل سمم موتسارت، بل منافس منبهر بعبقرية منافسه، ويستغل تماهيه مع موسيقاه لإضعافه جسديًا ومعنويًا، خصوصًا مع غياب الدليل على تسميمه، كما حدث مع هوفديميل، وبحسب يوميات عازف البيانو إجناتس موشيليس، أحد تلاميذ بيتهوفن، فإن سالييرى «دمر موتسارت معنويًّا من خلال المؤامرات والمكائد؛ ومن ثم سمَّم له ساعات عدة من حياته».

القاتل الثالث المقترح فى وفاة موتسارت، لم يكن فردًا، بل منظمة، هى «منظمة المحافل الماسونية» أو «البنَّاءون الأحرار»، الذين انضم موتسارت لأحد محافلهم الصغيرة فى فيينا عام ١٧٨٤، لكنه أغضبهم بما تضمنته أوبرا «الناى السحرى»، آخر عمل مكتمل له، من أفكار ورموز وإيحاءات، خصوصًا اللعب على الرقم ١٨ الذى ينفرد بمدلولات مهمة فى الطقوس الماسونية، وهو ما تم الكشف عنه منتصف القرن التاسع عشر، ففى بداية الفصل الثانى يوجد ثمانية عشر كاهنًا، وثمانية عشر مقعدًا، ويُقسَّم الجزء الأول من الكورس الذى يغنونه إلى ثمانية عشر فاصلًا، كما تحتوى المقدمة الأوركسترالية لهذا المشهد على ثمانى عشرة مجموعة من النغمات، وتقدم الطبعة الأصلية لنص كلمات الأوبرا دليلًا آخر أكثر وضوحًا على أن موتسارت وواضع كلمات أوبراه إيمانويل شيكانيدير كانا يقصدان أن تكون الأوبرا قصة رمزية ماسونية ولو بشكل جزئى، إذ تضم صفحة العنوان نجمة ذات خمسة رءوس، ومربعًا، وساعة شمسية؛ وغيرها من رموز ماسونية، وكان أول من طرح ذلك الاتهام هو جى إف دومر، عام ١٨٦١، وتبنَّى هذه النظرية عدد من كتاب القرنين التاسع عشر والعشرين، لكنها أيضًا اصطدمت بعدم وجود دليل حقيقى، مثلما حدث مع الاتهامين الأولين، خصوصًا أن محفله أقام احتفالية تأبين له بعد رحيله، وطبعوا نسخًا من الخطبة التى أُلقيَت على شرفه.

المتهم الرابع المرجح فى تسميم موتسارت هم أطباؤه، إذ روت كونستانزا واقعة واحدة على الأقل عن تسبب الأطباء فى إصابته بالنزيف باستخدام علاج لم يكن شائعًا فى ذلك الوقت، ويعتقد الكثير من المؤرخين أن يكون ذلك العلاج أسهم فى موته، وأَدرجت شهادة وفاته السبب بأنه «حمَّى دُخنيَّة شديدة»، وهو تشخيص لا يعنى شيئًا لأطباء اليوم، فما كان يعانيه من أعراض متفاوت ومبهم للغاية، حتى قيل إنه ربما كان يعانى من عدد من العلل، من بينها اللوكيميا، والالتهاب الشعبى الرئوى، ونزيف المخ، وجاء فى المنتدى الطبى الذى عُقِد عام ١٩٩١، بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لوفاة موتسارت، أنه كان على رأس أسباب الوفاة الفشل الكلوى والحمَّى الروماتيزمية، ولم يكن هناك إجماع واضح بين الخبراء إلا على شىء واحد، هو أنه لم يظن أحد منهم أنه تعرض للتسمم.

أما قصة الرسول الذى جاءه يطلب تأليف قداس جنائزى مقابل مبلغ سخى، فهى الأخرى لم تتكشف حقيقتها إلا بعد ١٧٣ عامًا من رحيل موتسارت، ففى عام ١٩٦٤، نشر الباحث الموسيقى النمساوى أوتو إريك دويتش وثيقة اكتُشفت فى أرشيفات بلدة «فينر نيوشتات»، وهى بلدة تقع على بُعد قرابة ثلاثين ميلًا جنوب فيينا.

كانت الوثيقة بعنوان «التاريخ الحقيقى والتفصيلى للقداس الجنائزى لدبليو إيه موتسارت، بدءًا من تأليفه عام ١٧٩١، وحتى الفترة الحالية من عام ١٨٣٩»، وكانت بقلم أنطون هيرتسوج، وهو موسيقى كان يعمل لدى كونت فون فالسيك، أحد كبار ملاك الأراضى فى المنطقة، وأوضح هيرتسوج أن الكونت كان محبًّا للموسيقى لحدِّ الولع، وكان يحب شراء أعمال الموسيقيين الواعدين وتقديمها على أنها من تأليفه، وفى فبراير من عام ١٧٩١، توفيت زوجته الشابة، فقرر إحياء ذكراها بقداس مهيب ومميز، لذا أرسل أحد الخدم إلى موتسارت، بنفس عرضه السخى، ونفس التحذير بألَّا يحاول معرفة هوية المكلف بالعمل.

كان هيرتسوج ورفاقه الموسيقيون يسايرون سيدهم، ويتذكر هيرتسوج ما حدث قائلًا: «كان معروفًا لنا جميعًا أن الكونت يريد تضليلنا، مثلما فعل مع المقطوعات الأخرى التى اتفق عليها، ففى حضورنا كان دائمًا ما يقول إنها من تأليفه، ولكنه كان يبتسم حين يقول ذلك».

ويختم بول آرون فصل كتابه بالتأكيد أنه «هكذا اتضح أن تحفة موتسارت الفنية الأخيرة لم تؤلَّف لتنذِر بالموت على نحو مخيف، ولكن من أجل لص غريب الأطوار يسرق أعمال الغير، ولأن كونستانزا ليست حمقاء، فربما تكون نشرت قصة الرسول المجهول على أمل أن تعزز سمعة زوجها الراحل، والتى كانت تتنامى بشكل سريع؛ فضلًا عن قيمة مؤلفاته الآخذة فى التزايد على نحوٍ متسارع.

وإذا كان هذا هو الحال، فقد حققت نجاحًا يفوق أحلامها؛ إذ صار «القداس الجنائزى» واحدًا من روائع موتسارت، ولا يزال كذلك، بغض النظر عن كيفية تأليفه.