الخميس 15 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

صُنع فى أمريكا.. لماذا يعد ترامب وجهًا أصيلًا للتاريخ الأمريكى وليس استثناءً؟

ترامب
ترامب

- من «جون وينثروب» إلى «دونالد ترامب».. رحلة فى العقل الباطن للسياسة الأمريكية

- ترامب نتيجة منطقية لتاريخ أمريكا وممثل حديث للتيار غير الليبرالى والإمبريالى فى السياسة الأمريكية

- جذور «الترامبية» كتاب جديد يحلل كيف أحيا دونالد ترامب النزعات الإمبريالية والدينية المنسية فى أمريكا

يبدو معظم ما يفعله الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، متهورًا؛ فبينما تظهر تصرفاته وسياساته وكأنها انقطاع عن أسلوب القيادة الأمريكى المعتاد، يجادل الصحفى إدوارد ستورتون فى كتابه الجديد «صُنع فى أمريكا.. التاريخ الأسود الذى قاد إلى دونالد ترامب» بأن السياسات الترامبية من قبيل الرسوم التجارية، وازدراء سياسة القانون، والسياسات العنصرية، متجذرة بعمق فى التاريخ الأمريكى. 

يوضح كتاب «صُنع فى أمريكا» كيف واجهت الحرية تحديات فى أجيال سابقة، من الحجاج المتعصبين الأوائل إلى الغزو الوحشى للمكسيك، كاشفًا عن الجانب المظلم من الحلم الأمريكى، ومقدًمًا دروسًا مهمة لعالمنا المضطرب اليوم. وفى هذه المراجعة التى تقدمها صحيفة الـ«جارديان» للكتاب يتبدى أوجه من المقاربات التى يجريها ستورتون فى كتابه.

الذكرى السنوية لتنصيب ترامب

فى حوار حديث مع صحيفة «التلجراف»، توقّف الكاتب والصحفى البريطانى جون ستورتون عند كتابه الأخير «صُنع فى أمريكا»، قائلًا إنه كتبه فى عجلة عارمة وخلال ثلاثة أشهر فقط، ليصدر فى يناير متزامنًا مع الذكرى السنوية الأولى لتنصيب دونالد ترامب لولايته الثانية فى ٢٠ يناير. 

لم يكن ظهور الكتاب فى هذا التوقيت متوافقًا فقط مع ذكرى التنصيب، وإنما مع لحظة سياسية مضطربة، بعد أن اعتقل ترامب الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة فى عملية عسكرية أمريكية خاطفة أثارت موجة واسعة من الجدل القانونى والسياسى، وأعادت إلى الواجهة أسئلة حول حدود القوة، ومعنى السيادة، ومكانة القانون الدولى فى عالم تحكمه موازين القوة، كما دفعت خبراء فى القانون الدولى إلى وصف ما جرى بأنه انتهاك صارخ لسيادة الدول. بدا هذا الحدث متسقًا مع ما يحاول الكتاب تفكيكه؛ إذ كشف كيف تتحول سياسات ترامب، مهما بدت صادمة أو استثنائية، إلى امتداد تاريخى لمنطق أمريكى قديم يقدّم القوة على القانون، والهيمنة على القواعد الدولية.

وُلد الكتاب فى الأصل، حسب صحيفة التليجراف، من فقرة فى برنامج Sunday، كان ستورتون قد حلّل فيها طريقة تفكير المسيحيين اليمينيين المنتمين إلى حركة «ماجا» (MAGA)، قبل أن تتسع الفكرة إلى مشروع أكبر، ليحاول المؤلف تفكيك العلاقة المعقّدة بين شعبية ترامب الجارفة، وبين تاريخ أمريكا نفسه. 

فى مقدمة الكتاب، يكتب ستورتون بنبرة تجمع بين التحذير والرجاء: «الأخبار فى عالم ترامب قد تصيبك بالدوار. هذا الكتاب سيمنحك نقطة ارتكاز، لن يوقف العاصفة، لكنه قد يثبت السفينة ونحن نحاول فهم أوقاتنا المضطربة. 

ليس ستورتون وافدًا جديدًا على المشهد الأمريكى. فقد عمل مراسلًا لواشنطن فى قناة Channel ٤ عام ١٩٨٦، ثم شغل لاحقًا منصب محرر الشئون الدبلوماسية فى ITN. ومنذ ذلك الوقت، ظل اهتمامه بالسياسة الأمريكية حاضرًا بقوة فى مسيرته المهنية. وحتى فى انتخابات ٢٠٢٤، كان فى الولايات المتحدة، يغطّى المشهد من قلب معسكر الجمهوريين، وتحديدًا من حفل مراقبة النتائج فى أتلانتا. ومع ذلك، يعترف فى حواره مع التليجراف أنه حين وصل إلى أمريكا للمرة الأولى فى الثمانينيات، كان محمّلًا بـ«كل الأحكام المسبقة التى تتبناها غرف الأخبار الليبرالية فى لندن».

يحرص ستورتون فى كتابه على النأى بنفسه عن الخطاب الوعظى أو الدعائى، لكنه، فى الوقت ذاته، لا يخفى انشغاله الفكرى العميق بالعلاقة بين السياسة الأمريكية وجذورها التاريخية. وعن فوز ترامب بولاية ثانية، كتب: «شعرت، للمرة الأولى على الإطلاق، بعدم الحماس للقيام بأى رحلات مستقبلية إلى الولايات المتحدة. لم يكن السبب نتيجة الانتخابات بحد ذاتها، بل الطريقة التى بدا فيها أن الفظاظة والخشونة قد استولتا على السياسة الأمريكية».

وفى حديثه مع التليجراف، يقدّم ستورتون مفتاحه الأساسى لفهم ظاهرة ترامب، قائلًا: «إذا أردت حقًا أن تفهم ترامب، فعليك أن تدرك أنه أمريكى أصيل، فالتعريفات الجمركية، وكل هذا الكلام عن الاستيلاء على جرينلاند، وضم كندا لتصبح الولاية الحادية والخمسين، والخلفية الكاملة لجدل الترحيل والهجرة؛ كل ذلك يعود إلى الحرب الأهلية، وإلى أفكار تفوق العرق الأبيض، وقوانين جيم كرو «التى فرضت الفصل بين السود والبيض فى المدارس والمواصلات والأماكن العامة».

ويضيف: «كنت أقود سيارتى على أحد تلك الطرق السريعة الطويلة، فى طريقنا إلى منزلنا فى فرنسا، وأدركت فجأة أنك إذا نظرت إلى ترامب من زاوية معينة، ستجد أن كل ما فعله، وكل ما يصدم الناس فيه، ليس خروجًا متمرّدًا على المألوف، بل متجذر بعمق فى التاريخ الأمريكى، وهذا بالضبط ما يحاول الكتاب أن يثبته»

التناقضات الأمريكية

يقول إدوارد ستورتون فى مقدمته لكتاب «صُنع فى أمريكا»: يكاد يكون الجميع واقعين فى حب الولايات المتحدة الأمريكية. ولم لا؟ فهى أرض الإبهار والمبادئ السامية، من موسيقى الجاز إلى بوجارت وباكال «أحد أشهر الثنائيات الرومانسية فى هوليود»، ومن هاريت توبمان «رمز النضال ضد العبودية» إلى هاميلتون «أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة»، أمة كانت مناهضة للاستعمار ومؤيدة للحرية منذ نشأتها، إذ تنص وثيقة الاستقلال على أن الجميع خُلقوا متساوين. ولكن، لماذا تنتج هذه الدولة نفسها، فى كثير من الأحيان، سياسات عبثية، وعنصرية فى الداخل والخارج، وطموحات إمبريالية، مؤخرًا فى جرينلاند وكندا؟ لماذا تُظهر باستمرار ازدراءً للنظام العالمى الذى ساعدت فى تأسيسه؟ ولماذا انتخبت دونالد ترامب مرة أخرى؟

أبقت هذه التناقضات، حسبما توضح مراجعة صحيفة الجارديان للكتاب، جيلًا من الصحفيين ومراقبى البيت الأبيض والمحللين مشغولين على مدى أجيال، فقد درس الكاتب البريطانى أليستير كوك أمريكا من خلال تفاصيل الحياة اليومية، مثل ملاحظة الناس على الشاطئ أو أثناء ركوب المترو، فيما اتخذ ستورتون، وهو مخضرم آخر فى هيئة الإذاعة البريطانية «BBC» وكان أول مراسل لها من واشنطن فى عهد ريجان، نهجًا معاكسًا، إذ نظر إلى ترامب والترامبية من خلال مجرى التاريخ، مجادلًا فى سلسلة من المقالات بأن الرئيس السابع والأربعين للولايات المتحدة ليس استثناء أو انحرافًا أمريكيًا، بل هو استمرار وصدى لجوانب مظلمة غالبًا ما تم تجاهلها من ماضى البلاد.

يستعرض ستورتون ستة جوانب رئيسية من ترامب وعقيدته، ويغربل تاريخ الجمهورية بحثًا عن سوابق أو موازيات. وبشكل عام، تركز هذه الجوانب على الدين، الإمبريالية، الهجرة، الرسوم الجمركية، الاضطهاد السياسى، والطريقة التى يمارس بها الرئيس السلطة، والعقيدة الأمريكية.

جون ستورتون

أمريكا المستنيرة ونظيرتها غير الليبرالية

من المحيّر لمن يعيشون خارج «عالم ترامب» أن يشكّل المسيحيون القوميون جزءًا أساسيًا من أتباع حركة «ماجا» (مؤيدو شعار: اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى). كيف يمكن لشخص يدّعى الالتزام بالقيم المسيحية أن يؤيد فى الوقت نفسه شخصًا واضح الفساد، وغير أخلاقى؟ بحثًا عن تفسير، يعود ستورتون إلى فترة أمريكا الاستعمارية، وإلى جون وينثروب، الذى وصل إلى مدينة سالم بولاية ماساتشوستس عام ١٦٣٠ على رأس ٧٠٠ مستوطن إنجليزى من البيوريتان «مذهب مسيحى بروتستانتى». صاغ وينثروب العبارة الشهيرة التى وصف بها المستعمرة الدينية الجديدة بأنها «مدينة على تل»، أى نموذج أخلاقى يراقبه العالم، وهو تشبيه اقتبسه لاحقًا عدد من الرؤساء الأمريكيين، من كنيدى إلى ريجان وصولًا إلى أوباما. شغل وينثروب منصب حاكم مستعمرة خليج ماساتشوستس لسنوات عديدة، وكان هو وزملاؤه فى الدين يعاقبون المخالفين لرأيهم الدينى بالجلد، أو النفى، وأحيانًا حتى بالإعدام. ومن وجهة نظره، كان هذا مبررًا، لأن الدولة وُجدت لحماية القوانين الإلهية، وإذا تطلبت وسائلها الأرضية القسوة، فليكن.

يتضح التشابه مع العصر الحديث؛ فالقوميون المسيحيون يدعمون ترامب طالما أنه يساعدهم فى إعادة أمريكا، التى يعتقدون أنها تأسست بتفويض إلهى، إلى الدولة المسيحية التى كانت عليها ذات يوم، وهو بالفعل يفى بجانبه من الصفقة من خلال أفعال مثل تعيين قضاة المحكمة العليا الذين أبطلوا حكم «رو ضد ويد» (إبطال القرار الذى كان يضمن حق الإجهاض). وإذا نُظر إلى هذا التحالف من منظور البيوريتانية المسيحية المبكرة، فإنه يبدو أكثر منطقية بكثير مما يبدو عليه فى سياق الدستور، الذى لم تظهر ضماناته للحريات الدينية إلا بعد قرن ونصف قرن من الزمان.

ينسج ستورتون من هذا التوتر، بين أمريكا المستنيرة ونظيرتها غير الليبرالية، خيط كتابه. ففى القرن العشرين، على سبيل المثال، كان رؤساء الولايات المتحدة يحبون تعريف الأمة بأنها مناهضة للإمبريالية، ما يوحى بأن رغبة ترامب الحالية فى الاستحواذ على كندا وجرينلاند هى حالة شاذة، لكن التوسع الإقليمى ظل هدفًا رئيسيًا للولايات المتحدة طوال جزء كبير من القرن التاسع عشر.

ويشرح المؤلف فكرته بالعودة إلى صفقة لويزيانا عام ١٨٠٣، إذ يعدها نموذجًا لذلك. فقد حصل توماس جيفرسون على ٥٣٠ مليون فدان من نابليون، بما فى ذلك أراضٍ تشكل جزءًا أو كل من ١٥ ولاية أمريكية حالية. تضاعفت مساحة البلاد بين ليلة وضحاها. لم تكن هذه الأراضى بالطبع ملكًا لفرنسا لتبيعها؛ فمالكوها الحقيقيون كانوا حوالى نصف مليون من السكان الأصليين الأمريكيين. ومع ذلك، وضعت صفقة جيفرسون النموذج لما وصفه ستورتون بـ«قرن من المصادرات» والتطهير العرقى الذى جاء لاحقًا.

فبعد أربعة عقود، قامت الحكومة الأمريكية بمحاولة استحواذ ضخمة أخرى على الأراضى، مجبرة المكسيك على التنازل عن أكثر من نصف أراضيها، بما فى ذلك كاليفورنيا ونيفادا ويوتا ومعظم أريزونا ونيو مكسيكو وأجزاء من كولورادو ووايومنج وأوكلاهوما. بشكل عام، حدثت حوالى ٢٠ عملية توسع أمريكى فى القرن التاسع عشر، بما فى ذلك محاولتان لضم كندا.

ويشير ستورتون إلى أن الولايات المتحدة استخدمت كل الحيل الممكنة لتحقيق طموحاتها، بما فى ذلك صفقات عقارية، الرشوة، المعاهدات، الدبلوماسية الحادة، الترهيب، التطهير العرقى والغزو. ويضيف: كانت النتيجة دائمًا هى الأهم، أما الوسائل فكانت أقل أهمية.

سوابق لتصرفات ترامب

هناك سوابق لمعظم تصرفات ترامب تقريبًا من اعتقالات وترحيل سريع وهجمات على وسائل الإعلام الموصوفة بـ«الأخبار الكاذبة»، ففى عام ١٧٩٨، وقع جون آدامز قوانين الأجانب والفساد التى منحته الحق فى سجن أو نفى الأجانب دون محاكمة، وحظرت الكتابات «الكاذبة والخبيثة» ضد الرئيس والحكومة. 

وفيما يتعلق بازدراء ترامب للقضاة والقانون، نجد سوابق لذلك عند أندرو جاكسون، الرئيس السابع، الذى وصفه ستورتون بأنه «وحش» بالنسبة لترامب، فقد رفض جاكسون تنفيذ حكم المحكمة العليا الذى لم يوافق عليه، ويُزعم أنه قال عن رئيس المحكمة: «جون مارشال أصدر حكمه؛ فليطبّق هو القرار!».

كذلك فيما يخص الرسوم الجمركية التى يفرضها ترامب، نجد سوابق عند الرئيس ويليام مكينلى الذى رفع الرسوم على الواردات إلى حوالى ٥٠٪، وهو مستوى يصفه ستورتون بـ«ترامبى»، وكانت له عواقب كارثية على الحزب الجمهورى، وكذلك فإن حظر مهاجرين مسلمين لا يخص ترامب وحده، إذ يشير ستورتون مرة أخرى إلى وينثروب، الذى كان نظامه يعاقب الناس بناءً على هويتهم أو طائفتهم، وكان يطلب من الغرباء الراغبين فى الإقامة بمقاطعة ماساتشوستس الحصول على إذن مسبق.

يُعد كتاب صُنع فى أمريكا تمرينًا فكريًا موجزًا وممتعًا وغنيًا بالمعلومات. يقدم ستورتون حجة مقنعة بأن ترامب هو نتيجة منطقية لتاريخ أمريكا، وممثل حديث للتيار غير الليبرالى والإمبريالى فى السياسة الأمريكية، الذى يتناقض بحدة مع القيم الدستورية المألوفة. ويقول ستورتون إنه أراد أن يثبت أنه «لا يمكن فهم دونالد ترامب دون فهم تاريخ أمريكا»، وفى النهاية اكتشف أن «لا يمكن فهم أمريكا دون فهم ترامب».