الثلاثاء 14 يوليو 2026
المحرر العام
محمد الباز

أبى هشام بركات.. الأسرة تروى مشاهد من «دفتر الذكريات»

الأب والأم والأبناء
الأب والأم والأبناء

لم يعرف المصريون المستشار الشهيد هشام بركات إلا وهو يشغل منصب النائب العام، يقود النيابة العامة فى واحدة من أدق المراحل التى مرت بها الدولة المصرية، قبل أن يطاله الإرهاب فى التاسع والعشرين من يونيو عام 2015، لكن الفيلم الوثائقى «هشام بركات.. حكاية المستشار الشهيد»، الذى أنتجه قطاع الإنتاج الوثائقى بالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، يقترب للمرة الأولى من الجانب الإنسانى فى حياته عبر شهادات زوجته وأبنائه وزوج ابنته، الذين يروون تفاصيل لم يعرفها الرأى العام من قبل، عن الزوج والأب والإنسان الذى عاش بعيدًا عن الأضواء، حتى وهو يتولى أحد أهم المناصب القضائية فى مصر.

وتعكس الشهادات التالية التى قدمها الفيلم الوثائقى «هشام بركات.. حكاية المستشار الشهيد» جانبًا مختلفًا من شخصية رجل عرفه المصريون نائبًا عامًا بينما عرفته أسرته زوجًا محبًا وأبًا حاضرًا وإنسانًا بسيطًا، ظل يحمل القيم نفسها منذ نشأته فى حى السكاكينى وحتى آخر يوم فى حياته، وبينما يوثّق الفيلم واحدة من أهم الشخصيات القضائية فى تاريخ مصر الحديث، فإنه يمنح المشاهد فرصة نادرة للتعرف إلى الوجه الآخر للمستشار الشهيد هشام بركات، كما رآه أقرب الناس إليه بعيدًا عن المنصب وقريبًا من الناس.

محمد بركات: كان يهتم بكل التفاصيل رغم انشغاله

أكد المستشار محمد هشام بركات، نجل الشهيد، أن شخصية والده لم تتشكل داخل قاعات المحاكم فقط وإنما بدأت منذ طفولته الصعبة، بعد وفاة والده وهو فى العاشرة من عمره، موضحًا أن تلك التجربة صنعت منه رجلًا عصاميًا اعتمد على نفسه منذ سنواته الأولى وسعى إلى بناء مستقبله بإصرار، تقديرًا لما بذلته والدته فى تربية أبنائها الأربعة.

وأضاف أن والده كان يعتبر النجاح مسئولية قبل أن يكون طموحًا، لذلك حرص على التفوق فى دراسته بكلية الحقوق ثم كرّس حياته للعمل داخل النيابة العامة، مؤكدًا أن أكثر ما كان يميزه هو الانضباط والالتزام وأنه لم يكن يفصل بين ما يؤمن به فى حياته وما يطبقه فى عمله، إذ ظل الضمير هو البوصلة التى تحكم جميع قراراته.

وأوضح أن الشهيد لم يكن أبًا يصدر الأوامر وإنما كان يربى أبناءه بالمواقف اليومية، ويغرس فيهم قيم احترام القانون وتحمّل المسئولية وإتقان العمل وحب الوطن، مشيرًا إلى أنه كان يردد دائمًا أن الإنسان يجب أن يترك أثرًا طيبًا أينما ذهب وأن يكون ضميره حاضرًا قبل أى اعتبارات أخرى.

ولفت إلى أن والده، رغم انشغاله الدائم، كان قريبًا من جميع أفراد الأسرة ويحرص على متابعة تفاصيل حياتهم، وأن الجميع كانوا يشعرون بوجوده حتى فى أكثر الفترات التى كان يقضيها فى العمل، لأنه كان يوازن بين مسئولياته الوطنية وواجباته الأسرية.

وعن سنوات توليه منصب النائب العام، قال المستشار محمد هشام إن والده لم ينظر إلى المنصب باعتباره تشريفًا وإنما مسئولية وطنية كبيرة، ولذلك بدأ منذ الأيام الأولى العمل على تطوير النيابة العامة، من خلال إدخال النظم التكنولوجية الحديثة والاهتمام بتدريب أعضاء النيابة، وإنشاء معهد الدراسات والبحوث الجنائية، إيمانًا منه بأن تطوير المؤسسة جزء لا يتجزأ من تحقيق العدالة.

وأضاف أن والده كان يعتبر أعضاء النيابة أبناء له وكان مكتبه مفتوحًا للجميع، من أصغر الموظفين إلى أكبر القيادات، وهو ما جعل سنواته القليلة فى منصب النائب العام تترك أثرًا كبيرًا داخل المؤسسة القضائية.

وتوقف نجل الشهيد عند أصعب لحظة فى حياته، وهى لحظة إعلان استشهاد والده، موضحًا أنه كان داخل المستشفى، وأنه هو من أبلغ أفراد الأسرة بالخبر بعد خروجه من غرفة العمليات، مؤكدًا أن تلك اللحظة على قسوتها، أصبحت مصدر قوة بالنسبة له ودافعًا للاستمرار فى الطريق الذى سار فيه والده.

دعاء بركات: سمعت صوت الانفجار وأنا فى عملى

كشفت دعاء هشام بركات أن والدها لم يكن يتحدث كثيرًا عن نفسه، لكنه كان يحرص دائمًا على تقديم النصيحة لأبنائه، مؤكدة أن أكثر ما كان يردده هو ضرورة أن يترك الإنسان أثرًا إيجابيًا فى كل مكان يعمل فيه أو يعيش داخله.

وأضافت أن والدها كان يحترم اختيارات أبنائه ويمنحهم مساحة كبيرة من الحرية، لكنه كان يتابعهم باستمرار ويشجعهم على الاجتهاد، معتبرة أن تلك الثقة كانت من أهم أسباب نجاحهم فى حياتهم العملية.

واستعادت «دعاء» الساعات الأولى التى أعقبت استهداف موكب والدها، مؤكدة أنها سمعت صوت الانفجار وهى فى مقر عملها، لكنها لم تتخيل للحظة أن يكون المستهدف هو والدها، قبل أن تبدأ رحلة البحث عنه والانتقال إلى المستشفى، وهى لحظات وصفتها بأنها ما زالت عالقة فى ذاكرتها بكل تفاصيلها.

زوجته:  كان نعم الزوج والأب والصديق

قالت السيدة نجلاء وهبة، زوجة المستشار الشهيد هشام بركات النائب العام الأسبق، إن زوجها ظل حاضرًا فى تفاصيل الحياة اليومية للأسرة رغم مرور السنوات على استشهاده، مؤكدة أنهم يفتقدونه فى كل لحظة لأنه كان بالنسبة لهم نِعم الزوج والصديق والأب، مضيفة أن رحيله ترك فراغًا كبيرًا فى الأسرة، خاصة أنه كان يمثل لها السند الحقيقى بعد وفاة والدها أثناء سنوات دراستها الجامعية، حتى أصبح بالنسبة لها «كل شىء».

وأوضحت أن قصة تعارفهما بدأت أثناء الدراسة بكلية الحقوق، قبل أن تجمعهما رحلة طويلة امتدت لعقود، عرفت خلالها فيه الإنسان الهادئ والمنظم الذى كان يمتلك قدرة كبيرة على تحمل المسئولية منذ سنوات شبابه، مشيرة إلى أن شخصيته اتسمت بالالتزام الشديد وحسن إدارة وقته، وهو ما انعكس لاحقًا على حياته المهنية ومسيرته القضائية.

وأضافت أن منصبه لم يغيّر من طبيعته داخل المنزل، إذ ظل بسيطًا فى تعاملاته قريبًا من أسرته، حريصًا على متابعة تفاصيل حياتهم اليومية رغم حجم المسئوليات التى كان يتحملها داخل النيابة العامة. وعن صباح التاسع والعشرين من يونيو ٢٠١٥، حيث يوم الاستشهاد، قالت نجلاء وهبة إن ذلك اليوم سيبقى الأصعب فى حياتها، موضحة أن زوجها خرج من المنزل كعادته فى شهر رمضان، وبعد دقائق قليلة فقط دوّى انفجار هائل لتدرك أن أمرًا جللًا قد وقع، موضحة أنها سارعت إلى النزول مع ابنتها مروة، واستقلتا السيارة التى نقلته إلى مستشفى النزهة، مؤكدة أن ذلك اليوم ما زال من الصعب عليها استعادته أو الحديث عنه حتى الآن.

أحمد خفاجى: كان يعتبر العدالة مسئولية وطنية

أما المستشار أحمد خفاجى، زوج ابنة الشهيد، فأكد أن علاقته بالمستشار هشام بركات لم تكن علاقة عائلية فقط وإنما جمعتهما أيضًا علاقة عمل داخل النيابة العامة، وهو ما أتاح له أن يرى عن قرب طريقة إدارته القضايا وتعامله مع مختلف الملفات.

وأضاف أن الشهيد كان يتمتع بحكمة كبيرة فى إدارة التحقيقات ولم يكن يتأثر بضغوط الرأى العام أو مكانة الأشخاص، وإنما كان يحتكم دائمًا إلى ما تنتهى إليه التحقيقات والأدلة، ولذلك شعر كل من عمل معه بأنه أمام قاضٍ لا يعرف سوى القانون.

وأوضح أن أكثر ما لفت انتباهه خلال سنوات عمله معه هو حرصه على استكمال التحقيقات وعدم التسرع فى اتخاذ القرار، مؤكدًا أن العدالة بالنسبة إليه لم تكن مجرد إجراءات قانونية، وإنما مسئولية أخلاقية ووطنية. وأشار «خفاجى» إلى أن الأيام التى أعقبت استشهاده كشفت حجم المحبة التى كان يحظى بها، بعدما امتلأت سرادقات العزاء بآلاف المصريين من مختلف المحافظات، وهو ما اعتبره شهادة حقيقية على المكانة التى احتلها فى قلوب الناس، ليس بسبب منصبه فقط وإنما بسبب سيرته وسلوكه وعدالته.

مروة بركات: طلب الاطمئنان على الحراسة بعد إصابته

شددت المستشارة مروة هشام بركات، ابنة الشهيد، على أن والدها كان يترك أثرًا إنسانيًا عميقًا فى كل من عرفه، مؤكدة أن أكثر ما بقى فى ذاكرتها ليس منصبه وإنما مواقفه اليومية، سواء داخل الأسرة أو فى عمله. وأضافت أن أصعب لحظة عاشتها كانت عقب استهداف موكبه، عندما شاهدته يُخرج من السيارة متأثرًا بإصاباته، فسارعت إليه لتطمئن عليه إلا أنه فاجأها بطلب لم تنسه أبدًا، إذ طلب منها أن تطمئن أولًا على أفراد الحراسة الذين كانوا رفقته، مؤكدة أن هذه اللحظة كشفت لها عمق إنسانيته، وأنه ظل يفكر فى الآخرين حتى فى أصعب لحظات حياته.

وأشارت إلى أن والدها ظل يمثل بالنسبة لها القدوة فى العمل القضائى، لافتة إلى أنها عندما اعتلت منصة القضاء أوصاها بكلمات قليلة لكنها بقيت دستوًرا لها فى عملها، إذ قال لها: «إوعى الظلم.. العدل» موضحة أن هذه الوصية تختصر شخصيته ومسيرته كلها.

وأكدت أن السؤال الذى يتردد دائمًا حول أسباب اغتياله قد لا تجد له إجابة كاملة، لكنها على يقين بأن الرجل الذى عاش حياته مدافعًا عن الحق، ترك أثرًا لا يمكن أن يمحوه الزمن، وهو ما تلمسه كلما استعاد الناس سيرته أو تحدثوا عن مواقفه.