نساء ضد الملالى.. الإيرانية شهرنوش بارسيبور: سُجنت بسبب الحديث عن العذرية
- جدتى تزوجت فى سن الـ13 دون أن تعرف أى شىء عن العلاقة الجنسية
- كثير من الإيرانيات أصبحن غير ملتزمات بالحجاب دون خوف من النظام
- زوجة مسئول كبير قالت إن روايتى «نساء بلا رجال» مُعادية للإسلام
- الزواج دون تسجيل رسمى أصبح شائعًا فى إيران رغبة فى الاستقلال الشخصى
بينما تُكتب هذه السطور، يعيش الإيرانيون فى الداخل والخارج حالة من الترقب المشوب بالقلق، يحبسون أنفاسهم انتظارًا لنهاية نظام يرونه مسئولًا عن سنوات طويلة من العنف والقمع.
وبعد مرور أكثر من 3 سنوات على انطلاق حركة «المرأة- الحياة- الحرية»، التى هزّت الشارع الإيرانى ولفتت أنظار العالم، لا تزال الاحتجاجات تتجدد بين الحين والآخر، فى مواجهة قمع أمنى شديد، يترافق اليوم مع تصعيد عسكرى خارجى يزيد من تعقيد المشهد.
فى خضم هذا الواقع المتوتر، يعود اسم الكاتبة الإيرانية شهرنوش بارسيبور إلى الواجهة، ليس فقط كصوت أدبى، بل كرمز من رموز التمرد النسوى فى إيران. ومؤخرًا صدرت ترجمة روايتها القصيرة «نساء بلا رجال» فى المملكة المتحدة، وهى الرواية التى ظلت محظورة فى بلدها سنوات طويلة، قبل أن تحصد اهتمامًا دوليًا وتصل إلى القائمة الطويلة لجائزة «البوكر» العالمية لعام 2026.

نساء بلا رجال
رغم بلوغها الـ٨٠، لا تزال حاضرة بقوة فى المشهد الثقافى، بوصفها واحدة من أهم الكاتبات الإيرانيات المعاصرات، وأكثرهن جرأة فى تناول قضايا المرأة. فمنذ بداياتها، لم تتردد شهرنوش بارسيبور فى الاقتراب من مناطق شائكة، مثل الجسد، والحرية، والعلاقة بين المرأة والمجتمع، وهو ما جعل كتاباتها محط جدل واسع.
فى ثمانينيات القرن الماضى، كانت أعمالها حديث المثقفين فى إيران، قبل أن تتحول حياتها نفسها إلى مواجهة مفتوحة مع السلطة. فقد اعتقلت، وقضت ما يقرب من ٥ سنوات فى السجن، دون أن تُوجَّه إليها تهم رسمية، فى تجربة تركت أثرًا عميقًا على مسيرتها الأدبية والإنسانية.
بعد الإفراج عنها بـ٣ سنوات، عادت إلى الكتابة بقوة، فنشرت عام ١٩٨٩ روايتى «طوبا ومعنى الليل» و«نساء بلا رجال». ولم تمضِ فترة طويلة حتى بدأت هذه الأعمال تنتشر سرًا بين النساء الإيرانيات، فى ظل رقابة صارمة كانت تمنع تداولها بشكل رسمى.
ورغم السرية وصلت إحدى نسخ «نساء بلا رجال» إلى زوجة مسئول فى الجمهورية الإسلامية، وسرعان ما جرى اعتقالها مرة أخرى، هذه المرة بسبب تناولها الصريح جسد المرأة والجنسانية، وهى موضوعات مُحرّمة فى الخطاب الرسمى.
تدور أحداث الرواية فى طهران، على خلفية الانقلاب الذى شهدته إيران عام ١٩٥٣، وتمزج الكاتبة فيها بين الواقعية السحرية والأسلوب الرمزى الإيرانى التقليدى، لتقديم عمل أدبى جرىء ينتقد القيود المفروضة على جسد المرأة وحريتها.
تعتمد الرواية على حكايات ٥ نساء، لكل واحدة منهن تجربة مختلفة مع القمع والخوف والرغبة فى التحرر. نلتقى أولًا بـ«مونِس» التى تعيش تحت السيطرة الصارمة لأخيها، فلا تجد مخرجًا سوى القفز من سطح المنزل هربًا من هذا القيد، لكنها تواصل السرد حتى بعد موتها، فى كسر واضح للمنطق التقليدى وفتح باب التأويل.
ثم هناك «فائزة»، الفتاة المتدينة التى تتعرض لصدمة قاسية بعد اغتصابها، وهو ما يهز إيمانها، ويجعلها تعيد النظر فى كل ما كانت تؤمن به. أما «زرّين»، وهى عاملة فى مجال الدعارة، فتدخل فى حالة نفسية غريبة تجعلها ترى وجوه زبائنها بلا ملامح، ما يدفعها فى النهاية إلى الهروب بحثًا عن خلاص.
وفى مسار مختلف، تظهر «مهدخت» التى تعيش خوفًا شديدًا من العلاقة الجسدية إلى درجة أنها تتحول بشكل رمزى إلى شجرة، فى واحدة من أكثر صور الرواية شاعرية وغرابة. بينما تقرر «فروخ لَقا» كسر حياتها التقليدية، فتترك زوجها المنتمى للطبقة الوسطى، وتشترى حديقة خارج المدينة، لتبدأ حياة جديدة بعيدًا عن القيود الاجتماعية.
وفى النهاية، تلتقى هؤلاء النساء فى حديقة «فروخ لَقا»، التى تتحول إلى مساحة مؤقتة للنجاة والاحتماء. مكان بعيد عن سلطة الزواج وهيمنة الرجال، وثقل الشعور بالذنب المرتبط بالجسد. هناك، تحاول كل واحدة منهن إعادة تعريف نفسها، ولو بشكل مؤقت، فى عالم أكثر حرية وإنسانية. ورغم أن الرواية لا تزال محظورة داخل إيران حتى اليوم، نجحت فى عبور الحدود والوصول إلى قرّاء حول العالم، بعد أن تُرجمت إلى عدة لغات. كما تحولت إلى فيلم سينمائى عام ٢٠٠٩، ما منحها حضورًا دوليًا لافتًا.
بنبرة هادئة، تقول «شهرنوش» عن الرواية: «لقد وجدت مكانها فى العالم»، فى إشارة إلى الرحلة التى قطعتها خارج القيود التى فُرضت عليها فى بلدها.

السجن بسبب العذرية
تتحدث شهرنوش بارسيبور من منزلها فى ولاية كاليفورنيا الأمريكية، حيث تعيش بالمنفى منذ منتصف التسعينيات، بعد سنوات من الصدام مع السلطات الإيرانية.
يأتى هذا الحوار فى لحظة شديدة الحساسية، إذ أجريته معها قبل أيام قليلة فقط من تصاعد التوترات العسكرية، وسقوط قنابل أمريكية وإسرائيلية على الأراضى الإيرانية، فى مشهد يعكس حجم الاضطراب الذى لا يزال يحيط بالبلاد. وبسبب لغتها الإنجليزية المحدودة، أُجرى الحوار باللغة الفارسية، التى لا أجيدها بطلاقة كاملة، إذ أستخدمها فى حدود الحياة اليومية فقط، وليس فى النقاشات الأدبية أو السياسية المعقدة. لكن ما لفت الانتباه منذ اللحظات الأولى، هو دفء أسلوبها الإنسانى. فبعد دقائق قليلة من بدء الحديث بدأت تنادينى بـ«عزيزتى» وهو ما أضفى على الحوار طابعًا حميميًا خفف من رهبة اللقاء. وعندما حاولت، بشكل ربما بدا مرتبكًا، أن أسألها عن تجربتها فى السجن، صغت السؤال ببساطة: «كيف كان السجن؟».
ضحكت «بارسيبور»، وردّت بروح ساخرة: «كان رائعًا. السجن دائمًا رائع». كانت إجابة تحمل مفارقة لافتة بين قسوة التجربة وخفة التعبير، لكنها فى الوقت نفسه كشفت عن شخصية قادرة على تحويل الألم إلى سخرية. عندها، شعرت بانجذاب فورى إليها، ليس فقط ككاتبة، بل كإنسانة تمتلك حضورًا خاصًا يصعب تجاهله.
سألتها إذا كانت كتابة الرواية تستحق كل هذه التضحيات الشخصية، والخطر الذى واجهته على حياتها وحريتها. أجابت بروح صادقة وصارمة فى الوقت نفسه: «الجمهورية الإسلامية أرادت إخافتى ومعاقبتى»، مشيرة إلى أن «السيدة. ك، زوجة المسئول بالجمهورية، قالت إن الكتاب مُعادٍ للإسلام». وأضافت بحزم: «الكتاب ليس معاديًا للإسلام. مشكلتها كانت فى وجود جزء يتناول مسألة العذرية».
وعادت «بارسيبور» وكررت مرات عدة هذه الكلمة «بكارات» أو «العذرية»، وكأنها محور كل ما حدث معها. عندما سألتها إذا كانت هذه هى كل أسباب اعتقالها، أجابت ببساطة: «نعم، كل شىء يتعلق بالعذرية، هذا كان الموضوع المحظور»، مضيفة: «باقى أحداث الرواية كان يمكن أن يقع فى أى مكان آخر بالعالم».
كنت أميل إلى عدم الاتفاق الكامل، لكن بدا واضحًا أنها ما زالت حذرة، ربما خوفًا مما يمكن أن تفعله الجمهورية الإسلامية، حتى وهى فى المنفى، وفى سنوات عمرها الأخيرة. حاولت تهدئتها بالحديث عن القيم العالمية التى تتناولها الرواية، وقلت لها: «نعم، الرغبة الأساسية للمرأة فى التحرر من متطلبات ورغبات الرجال، هذه الأمور عالمية، وليست محصورة بمكان أو زمان».
عادت «بارسيبور» لتتحدث عن العذرية، مؤكدة أهميتها فى السياق الإيرانى. تقول: «لكلمة العذرية معنى عميق جدًا لدى الإيرانيين. إنها تشير إلى أن هذه المرأة لم تكن مع أحد آخر من قبل. هذا الأمر ذو تأثير كبير فى إيران. كانت جدتى دائمًا تقول لى إن المرأة غير العذراء ستذهب إلى الجحيم». وتستعيد «بارسيبور» ذكرياتها الشخصية، لتوضح كيف أثر هذا القيد الاجتماعى على حياتها منذ الصغر. تقول: «عندما كنت صغيرة، كنت أفحص جسدى وأظن أننى فقدت عذريتى، لأن أحدًا لم يشرح لى الفرق بين الشفرين والمهبل. لم يكن أحد يخبر الفتيات بأى شىء عن أجسادهن. عانيت كثيرًا وأنا أعتقد أننى غير عذراء».
وتضيف: «تلك المعاناة الطويلة هى التى دفعتنى لكتابة هذا الكتاب. أردت أن تمنع الفتيات الأخريات من المرور بنفس التجربة، من أن يعانين مثلما عانيت أنا».
هنا يظهر بوضوح البُعد الإنسانى لعملها. الكتاب ليس مجرد قصة أدبية أو نقدًا اجتماعيًا، بل رسالة شخصية تحاول من خلالها حماية الفتيات والنساء من الوصمة والجهل الذى يعانى منه الكثيرون فى مجتمعها، وجعل تجربتها الشخصية أداة للتغيير.

حامل فى الرابعة عشر
تواصل «بارسيبور» حديثها عن موضوع العذرية مؤكدة أن الأمر يتجاوز مجرد مسألة جسدية، ليصبح قضية اجتماعية وثقافية عميقة. تقول: «هذا الموضوع مهم جدًا للنساء. فلسنوات طويلة، كان المجتمع يهيئ الفتيات ليكن ملتزمات برجل واحد فقط طوال حياتهن».
تروى: «والدتى كانت تحكى لى قصصًا مشابهة. أما جدتى من جهة الأم، التى ولدت وعاشت تقريبًا فى نفس الحقبة الزمنية، فقد تزوجت فى سن الثالثة عشرة، وكانت ليلة زفافها بالنسبة لها غامضة تمامًا، لأنها لم تكن تعرف شيئًا عن العلاقة الجنسية».
وتضيف: «عندما بلغت الرابعة عشرة، ذهبت إلى الطبيب معتقدة أنها تعانى من ديدان فى معدتها، وفوجئت بأن الطبيب قال لها إنها حامل منذ ستة أشهر».
سألتها إن كانت والدتها أسهمت فى الشعور بالعار أو القيود التى تحيط بالمرأة فى المجتمع الإيرانى. ابتسمت وأجابت بسرعة ووضوح: «لا، لم تفعل والدتى ذلك». وشرحت: «كانت والدتى متنورة حديثة الفكر، ولم تكن ترتدى الحجاب أو الشادور». وتسترجع «بارسيبور» موقفًا من طفولتها يوضح الفرق الكبير بين تجربتها وتجارب الفتيات الأخريات: «ذات مرة قلت لها إننى لا أعتقد أننى عذراء. فقالت لى: لا مشكلة، يمكنك أن تعملى وتعيشى حياتك وتكونى إنسانة».
وتضيف: «لم يكن هناك أى ضغط من والدتى، ولم أُضطهد كما يحدث مع النساء فى العائلات المتعصبة دينيًا، اللواتى قد يفقدن حياتهن، أو يُقتلن على يد إخوتهن».
تقول «بارسيبور» إن الضغوط لم تأتِ من والدتها، بل من كل الأماكن الأخرى كالجدات والعمات والمجتمع بشكل عام، وبالأخص الرجال، مضيفة: «كل رجل يريد أن يكون الأول. حتى الرجال الإنجليز الأمريكيين لا يريدون المقارنة، أو أن تقولى هذا الرجل أفضل أو ذاك أكثر لطفًا».
عندما اقترحتُ عليها أن هذا لا ينطبق على الرجال فى العصر الحديث، أجابت بشكل حازم: «هذا عالمى»، قبل أن تتابع: «هم يقولون دائمًا، إذا لم تكن المرأة عذراء، فقد انتهت. لكن والدتى كانت مختلفة، وأزالت عنى هذا القلق».
سألتها إذا كانت والدتها ساعدت أيضًا أختها، التى تصغرها بـ١٣ عامًا، على فهم جسدها، فقالت: «فى إيران، تغير الكثير من الأمور بحلول الوقت الذى وُلدت فيه أختى. كانت النساء يتمتعن بمزيد من الحريات، وكانت حياتها أسهل».
تحدثت كذلك عن موقف عائلتها من كتاباتها، وقالت إنها لا تعرف إن كان أى من أسرتها قد قرأ كتبها. كل ما كان يهمهم فى الواقع هو حالتها أثناء السجن، لا الكتاب نفسه. وأضافت: «كانوا منزعجين فقط لأننى كنت فى السجن. حاولوا بكل طاقتهم إخراجى. لكن الكتابة نفسها لم تكن مهمة بالنسبة لهم».
سألتها إذا كان هذا الشعور مؤلمًا بالنسبة لها كفنانة، فأجابت بهدوء: «لم يكن مؤلمًا. كنت فى مواجهة المجتمع والمجتمع تلقانى. الناس أحبوا الكتب».

الزواج الأبيض
عن أثر روايتها «نساء بلا رجال» على القراء، خاصة النساء، قالت شهرنوش بارسيبور: «أخبرتنى امرأة ذات مرة أن رواية نساء بلا رجال أنقذتها. كانت تعانى كثيرًا بسبب عدم كونها عذراء. بعد أن قرأت الكتاب، شعرت بسعادة كبيرة، وأدركت أن الأمر ليس بهذه الأهمية. وأن حياتها ستستمر رغم فقدان العذرية، وأن الزواج ممكن حتى دونها». حاولت أن أجادلها بأن موضوع العذرية لم يعد يمثل ضغطًا كبيرًا على النساء الشابات فى إيران اليوم، لكنها ردت بسرعة وحزم: «حتى النساء الأصغر سنًا لا يقمن علاقات بسهولة. إذا كانت المرأة لديها عدة رجال فى حياتها، يصفها الناس بألقاب سيئة»، مضيفة: «لقد تم تدريب النساء على التفكير بأن العلاقة الجنسية تجعلهن مختلفات عن باقى النساء».
لكنها اعترفت بأن الأمور بدأت تتغير تدريجيًا. تقول: «بعض النساء يحاولن الحصول على وظيفة ليصبحن مستقلات، يعملن، ويُدرن حياتهن بأنفسهن»، مشيرة إلى ظهور ما يُعرف بـ«الزواج الأبيض» حيث يعيش الأزواج معًا دون تسجيل رسمى. وتوضح: «أصبح هذا طبيعيًا الآن. الجمهورية الإسلامية لا تعرف. لا أحد يراقب. الأمر ليس بسبب صعوبة الطلاق، بل لأنهم يريدون استقلالهم الشخصى».
خلال الـ٢٠ عامًا الماضية، عاشت «بارسيبور» فى مجتمع إيرانى قرب سان فرانسيسكو، بعيدًا عن العالم الغربى الذى يحيط بها. نادرًا ما تتحدث الإنجليزية، وتمضى وقتها فى لعب «البريدج»، وتحتفل بالعام الفارسى الجديد «النيروز» وفق التقاليد، مع إعداد طاولة «هافت- سين» التقليدية. تقول «بارسيبور» عن حياتها هناك: «لا أرى أحدًا سوى الإيرانيين».
لكن رغم هذه الحياة الهادئة، توقفت «بارسيبور» عن الكتابة منذ ٤ أو ٥ سنوات. تشرح سبب ذلك: «الأفكار والخواطر التى كانت لدى بدأت تتلاشى. أنا لست فى إيران، لذلك لا أستطيع كتابة شىء جديد. لقد كتبت جميع قصصى بالفعل. لا أستطيع كتابة قصة كاليفورنيا».
وحين انتقلت للحديث عن احتجاجات إيران، قالت «بارسيبور» إن النساء الإيرانيات قد تغيرن كثيرًا فى السنوات الأخيرة. وتوضح: «هناك كثيرات منهن غير ملتزمات بالحجاب. لا يهمهن ما يعتقده النظام الإيرانى». ثم توقفت قليلًا وأضافت بحزم: «نساء إيران سيتسببن فى سقوط الجمهورية الإسلامية. ذات يوم سيحدث ذلك».




