يوميات الغناء.. أسرار كتاب جديد يحتفى بأم كلثوم
- مَن يكون المهندس العراقى مصطفى المدرس جامع المقتنيات الموثقة بالكتاب؟
- قصة الكتاب تعود إلى دعوة من مواطن كويتى لـ«سليم سحّاب» فى التسعينيات
- كيف أذهلت أصول الكتاب ڤكتور سحّاب مؤلف موسوعة أم كلثوم؟
اختارت دار «ريشة للنشر والتوزيع» منذ تأسيسها وإطلاق إصداراتها فى يوليو 2020، أن تعمل بالأساس على إحياء الذاكرة الوطنية، وتعزيز الهوية المصرية، من خلال استحضار سيرة رموز الثقافة والفنون والآداب ومختلف مجالات الإبداع الإنسانى، واهتمت فى هذا دائمًا بإعادة التأسيس لحزمة من القيم رأت أن معطيات العصر وانعكاساتها طوال خمسة عشر عامًا مضت قد جارت عليها فأهدرتها إلى حدٍ كبير فاعل ومؤثر، وفى هذا كان حرص وحذر «ريشة» طوال الوقت بحيث لا تنساق إلى ما ينافى استراتيجيتها الطموحة هذه بعيدًا عن أى مغريات تجارية، إيمانًا برسالتها وتأكيدًا على أهمية ما تطمح له من أثر، وفى سبيل تحقيق آمالها رغم آلامها، انتبهت إلى ضرورة أن تكون مُبَادِرَة ترصد وتبحث وتجتهد وتوثق، فلا ترهن مشروعها بأهواء أو ظواهر أو أنماط أو سياسات استهدفت، ولا تزال، الهوية المصرية فى الصميم، بل رأت «ريشة» أن عليها واجب المواجهة ولو وفق مواردها وقدراتها المحدودة دائمًا، مقارنةً بما تطمح إليه وتنافس فيه اختلافًا فى المقام الأول.

كتاب جديد
فلما تم عرض فيلم «الست» وتباينت توابعه على اختلاف مستوياتها، سلبًا وإيجابًا، وبينما نعمل بالتزامن على خطة «ريشة» لمعرض القاهرة الدولى للكتاب يناير ٢٠٢٦، وجدت أنه من الضرورة بمكان الاحتفاء بسيدة الغناء العربى أم كلثوم ضمن هذه الخطة، ومن خلال إصدار غير نمطى يكشف ملمحًا جديدًا من ملامح إعجاز الست أو يرصد مجددًا مساحة وجودها ورسوخها فى وجدان الشعوب العربية الشقيقة، وليس فقط وطنها مصر وجمهورها الأصيل السَّميع، وكانت «ريشة» قد عطفت على سيرة أم كلثوم فى إصدارين سابقين لها، الأول هو «اللاتى رأين الله.. مثقفات ومتصوفات» لمؤلفه الكاتب الصحفى أيمن الحكيم، وفيه كشف عن الجانب الصوفى فى حياتها، والثانى هو «السبعة الكبار فى الموسيقى العربية المعاصرة» لمؤلفه الباحث والمؤرخ والناقد الموسيقى اللبنانى الدكتور ڤكتور سحّاب، وفيه استعرض من موقع المتخصص البصمة المتفردة لـ«أم كلثوم» ضمن صحبة صنفها الأكبر فى تاريخ الموسيقى العربية المعاصرة ضمت كلًا من العِظام سيد درويش وزكريا أحمد ومحمد القصبجى ومحمد عبدالوهاب ورياض السنباطى وأسمهان، وكنا فى «ريشة» قد تعاونا مع «سحّاب» من قبل فى مشروعين، الأول «محمد عبدالوهاب.. سيرة موسيقية» صدر عام ٢٠٢١، والثانى «سيد درويش.. المؤسس» صدر عام ٢٠٢٢ فى شراكة توأمة ونجاح مثمرة مع دار نلسن للنشر فى العاصمة اللبنانية بيروت.
أعود إلى احتفاء دار ريشة للنشر والتوزيع بسيدة الغناء العربى أم كلثوم ضمن خطتنا لمعرض القاهرة الدولى للكتاب يناير ٢٠٢٦، حيث تواصلت مع الناشر الصديق سليمان بختى مؤسس دار نلسن للنشر بخصوص الموضوع، فكان أن بشرنى بوجود مشروع كتاب جديد يخص الست بعنوان «أم كلثوم.. يوميات الغناء» انتهى منه صديقنا المشترك الدكتور ڤكتور سحّاب، وقدمه شقيقه المايسترو سليم سحّاب، وأكد أنه لا يراه فقط يسلط الضوء مجددًا على عبقرية هذه السيدة الاستثنائية، وإنما يكشف إلى أى مدى هى مكون أساسى فى نسيج الوجدان العربى، وعلى الفور طلبت منه إرسال ملف الكتاب لأطلع عليه فى أسرع وقت ممكن، ولم يتأخر الرجل لأجد نفسى أمام وثيقة نفيسة لا يقوم عليها إلا من أدركوا قيمة كوكب الشرق أم كلثوم، حد أن شغلتهم وأخذت من جهودهم وأوقاتهم وأموالهم، وهى أغلى ما فى حياة الإنسان.

رواية سليم سحاب
دع ما فى يدك، وخذ نفسًا عميقًا، واقرأ معى ما رواه المايسترو الكبير سليم سحّاب فى مقدمة الكتاب:
«فى آخر رحلة لى مع الفرقة القومية العربية للموسيقى إلى الكويت فى التسعينيات من القرن المنصرم، هذه الفرقة التى أسستها فى دار الأوبرا المصرية وترأستها سنة ١٩٨٩ وتركتها للقادة الشباب من الفرقة سنة ٢٠١٤ بعد ٢٥ سنة من قيادتى لها، فى هذه الرحلة اتصل بى أحد المواطنين الكويتيين ويدعى عبدالله الصايغ ودعانى لزيارته فى منزله ليرينى أشياء مهمة موجودة عنده. بصراحة، ومع اعتذارى للسيد عبدالله، لم أنوِ القيام بهذه الزيارة لضيق الوقت أولًا، ثم لشكى فى أن السيد عبدالله سيرينى شيئًا مهمًا فكيف بالأشياء كما وعد. لكن الفضول غلبنى أخيرًا وقررت أن أقتطع من الوقت الباقى لى لأزور هذا الرجل احترامًا لرغبته بعد إصراره العجيب.
وما إن دخلت منزله حتى شعرت بأنى فى محراب لفن سيدة الغناء العربى أم كلثوم، وكأن المكان لم يكن مكان سكن الرجل مع عائلته، بل شقة خاصة للسماع، سماع أم كلثوم فقط. الجدران مليئة بصورها: قديمًا وحديثًا، مع آلات موسيقية: أعواد وغيرها. دخلنا المحراب الأساسى: غرفة السماع وإذا بها مليئة بأنظمة الصوت وآلات السمع: آلات تسجيل كاسيت، وآلات تسجيل بَكَر، ومسجلات سلك ماركونى وبسترشيكاجو التى يُقَّدر وزنها بعشرات الكيلوجرامات، وآلات سماع الأسطوانات المدمجة المضغوطة «C.D». كانت المفاجأة الأولى أن الرجل قال لى إنه ينقل كل تراث أم كلثوم الموجود عنده فى أشرطة الكاسيت والبَكَر والسلك إلى الأسطوانات المدمجة وأرانى آلة تسجيل الأسطوانات هذه. ثم أسمعنى أسطوانة منها سجّل عليها أغنية قديمة لأم كلثوم أعترف بأنى لم أسمعها فى حياتى حتى ذلك الوقت، عنده للمرة الأولى، مع صفاء مذهل فى الصوت. الأغنية كانت «أتعجل العمر» التى أصبحت شبه معروفة الآن.
وفى أثناء الجلسة هذه أرانى هذا الرجل مجلد مُغَلّفات من النايلون فى كل مُغَلّف ورقة طُبعت على صفحة واحدة منها أسماء أغنيات لأم كلثوم ووعدنى بأن يهدينى نسخة منه. وانتهت زيارتى له وعدت إلى الفندق ونسيت الموضوع. وإذ فى يوم سفرى بل بالتحديد ساعة مغادرة الفندق، إذ بى أرى الرجل حاملًا المجلد الذى وعدنى به، فأخذته معى ومرت الأيام... وأخذتنى طاحونة العمل فى القاهرة نسيت معه المجلد وما يحتويه، إلى أن وجدته فى خضم بيتى فى مكتبتى مع كتب قديمة مهمة. فقررت أن آخذه معى إلى لبنان لدراسته أثناء أسبوع إجازة قضيته. وفى لبنان أعطيته لأخى الأصغر ڤكتور وهو دكتور فى التاريخ الإسلامى ومولع بالموسيقى «كجميع أعضاء أسرتنا» لدرجة أنه حوّل نفسه إلى مؤرخ للموسيقى العربية، وله فيها لغاية الآن أكثر من عشرة كتب. غير موسوعة أم كلثوم التى ألفها مع أخينا الأكبر إلياس، الذى له هو الآخر باع كبير فى الكتابة الموسيقية، بالرغم من كونه محللًا وكاتبًا سياسيًا. وإذ بنا نكتشف فى هذا المجلد ثروة معلوماتية بكل أبعادها وتفاصيلها التوثيقية لتاريخ تراث سيدة الغناء العربى أم كلثوم. فما كان من أخى أمام هذا الاكتشاف، إلا أنّه نسخ هذه الأوراق وحوّلها إلى مجلد سماه: أم كلثوم.. يوميات الغناء (١٩٢٥-١٩٧٣) -عبدالله الصايغ- الكويت. وصنع منه عدة نسخ أعطانى منها واحدة».

كواليس الحكاية
زاد فضولى لمعرفة المزيد من كواليس الحكاية بعدما قرأت مقدمة المايسترو سليم سحّاب، وخاصة ما يتعلق بمصدر كل هذه الثروة المعلوماتية عن الست طرف الكويتى عبدالله الصايغ، فكان أن وجدت ضالتى فى القائم الأمين على إعداد الكتاب الوثيقة شقيقه الدكتور ڤكتور سحّاب، حيث جاء فى توطئته للكتاب ما يلى:
«كان هذا الكتاب مجموعة أوراق مركونة فى منزل فى الكويت، احتفظ بها أحد أشد هواة أم كلثوم دأبًا وتصميمًا على جمع أغنياتها، وتدقيق تواريخها وتسجيل حفلاتها وأسطواناتها، هو الجامع الدءوب والحافظ المجلّى، السيد عبدالله الصايغ. أما مصدر هذه الأوراق التى حظى بها السيد الصايغ، فهو ما وضعه ونضده هاوٍ آخر من أشد هواة أم كلثوم إنفاقًا من ماله واجتهادًا من تعبه، على جمع ما أمكن جمعه من تسجيلات أغنياتها وأسطواناتها، مع التدقيق اليومى لأداء هذه التسجيلات وإصدار تلك الأسطوانات، تدقيقًا تامًا لا يفوقه تدقيق على الإطلاق.
أما هذا الهاوى الكبير لفن أم كلثوم، والمتابع الأدق ليومياتها، فهو المرحوم المهندس العراقى مصطفى المدرّس، الذى كان مقيمًا فى محرابه فى لندن، العاصمة البريطانية، لكنه كان مواظبًا وُظوبًا مداومًا لا مزيد ممكنًا عليه، فى ملاحقة أى خبر عن تسجيل هنا أو معلومة هناك، ولو كانت فى آخر الدنيا. حتى استقرت لديه فى مكتبته فى لندن أكمل مجموعة من أغنيات أم كلثوم، فاقت فى كمالها ما لدى أعرق الإذاعات العربية فى هذا المضمار، ناهيك عن أدق المعلومات عن تلك الأغنيات.
كان المهندس مصطفى المدرّس متزوجًا من سيدة ماليزية، وقد عزم على حفظ مكتبته التاريخية، من التسجيلات والأسطوانات، كيلا تذروها رياح الزمان ويطويها النسيان. فسعى لدى إذاعة عربية عريقة، عارضًا ما لديه من أغنيات، نسميّها مفقودة، لم تكن تلك الإذاعة، ولا الإذاعات العربية الأخرى تملكها. غير أن وفاة المدرّس وزوجته فى حادثة سير فى ماليزيا، حيث كانا يمضيان إجازة، أوقفت مشروع تعميم المفقودات، التى ظلت حبيسة فى مكتبته فى لندن. لكن المدرّس كان قبل وفاته قد ترك نسخة من أوراق يوميات غناء أم كلثوم، لدى السيد عبدالله الصايغ فى الكويت، بحكم علاقة بينهما، من خلال هوايتهما الاستثنائية لفن كوكب الشرق الساطع».

ذهول فيكتور سحاب
يستطرد الدكتور ڤكتور سحّاب فى توطئته:
«حين قرأت مضمون تلك الأوراق، لم تصبنى الدهشة، بل الذهول، لدقة ما فيها من معلومات، يومًا بيوم، عن مسيرة أم كلثوم الغنائية، منذ بداية سيرتها الفنية عام ١٩٢٥، حتى ختام هذه السيرة عام ١٩٧٣، قبل وفاة كوكب الشرق عام ١٩٧٥. فسارعت إلى تصوير خمس نسخ، وتجليدها فى كراس بالغ النفاسة، أسميته، أم كلثوم- يوميات الغناء».
إلى هذا الحد بلغت دهشة ڤكتور سحّاب صاحب موسوعة أم كلثوم التاريخية فى مجلداتها الثلاثة -شاركه فيها شقيقه إلياس سحّاب وصدرت عن دار موسيقى الشرق فى بيروت عام ٢٠٠٣- والتى وصفها بأنها ليست فقط فعل إيمان بتراثنا الموسيقى العربى، لكنها أيضًا فعل ثقة بمستقبل هذا التراث، وكان الرجل قد ألقى كلمة فى معرض الكتاب العربى الدولى فى بيروت بتاريخ ٢٠ مايو الماضى قال فيها ضمن ما قال:
«فى القرن الماضى، قبل رحيل السبعة الكبار فى الموسيقى العربية المعاصرة، كان العرب يعيشون من خليجهم إلى محيطهم، عيشًا ثقافيًا مشتركًا، وكانت أم كلثوم من الوجوه القلّة التى أسهمت فى حبك خيوط هذا العيش المشترك. سأل أحد المثقفين الأجانب، زميلًا له: من هم العرب؟.. فأجابه زميله: قُد سيارتك من وسط آسيا إلى غرب إفريقيا، مساءً يوم أولِ خميسٍ من كل شهر، وأنصت إلى ما يسمعونه فى البيوت والمنازل والمقاهى والنوادى، فستسمع صوتًا صادحًا بغناء مطربة اسمها أم كلثوم، حينما تجدهم ينصتون إليها وقد استبد بهم الطرب، فهؤلاء هم العرب».

ما الجديد؟
مراجع عديدة وثقت سيرة سيدة الغناء العربى أم كلثوم على مدار أكثر من نصف قرن منذ وفاتها فى ٣ فبراير ١٩٧٥، فما الجديد الذى قد يكون أتى به كتابنا هذا «أم كلثوم.. يوميات الغناء» ويجعلنا نضيفه لقائمة المصادر والمراجع عن الست؟
أترك الإجابة لمن قام على إعداد المشروع الدكتور ڤكتور سحّاب، وهو فى ذات الوقت صاحب أحد أهم هذه المراجع:
«إن يوميات الغناء التى وضعها المرحوم المهندس مصطفى المدرّس، هى أكمل وأتم سجل يومى لمسيرة أم كلثوم الغنائية حتى الآن، إذ إنها تمكّن المؤرخين للفن، من ضبط عدة أمور:
• فى أى سنة ظهرت أغنيات الأسطوانات بين ١٩٢٥ و١٩٧٣.
• فى أى يوم ظهرت أغنيات الحفلات المسرحيّة اعتبارًا من العام ١٩٣٧.
• فى أى مسرح ظهرت هذه الأغنيات.
• فى أى أيام أُعيد غناؤها على المسارح.
• كم مرة أُعيد غناء الأغنية الواحدة.
• كم استغرق غناء الأغنية من وقت، فى كل مرة أُعيدت فيها.
وبحيث يكتمل السجل التاريخى للأغنيات، إذا أُضيف إلى «يوميات الغناء» هذه، ما جاءت به «موسوعة أم كلثوم» من معلومات أخرى أساسية، أى اسم مؤلف الأغنية واسم ملحنها ومقام الأغنية وبحر شعرها وإيقاعها، ونوعها «قصيدة، طقطوقة، موشح، دور، مونولوج...»، وخصوصًا كلماتها المحرَّكة تحريكًا كاملًا، وفق لفظها فى الأغنية، ولا ينقص فى هذا السجل سوى التدوين الموسيقى، الذى يمكن أن ينطوى عليه التسجيل نفسه».
الكتاب يوثق أيضًا تفاصيل تاريخية مهمة، كأن يذكر أن حفلة ٢٤ سبتمبر ١٩٤٤، والتى أُقيمت بنادى الأهلى، حضرها الملك فاروق وأنعم فيها على الآنسة أم كلثوم بنيشان الكمال المصرى، ومنها أن كوكب الشرق لم تُقْصِر حفلاتها فقط على الخميس الأول من كل شهر، بل غنت فى مواسم كثيرة أكثر من حفلة فى الشهر، كموسم ١٩٤٤ حين أقامت حفلتين فى مسرح الأزبكية فى الثالث والسابع عشر من فبراير، ناهيك عن أن الكتاب يكشف عن أكثر من ثلاثين أغنية مفقودة لسيدة الغناء العربى، فلا تعتقد أنك فى الكتاب سوف تقرأ فقط أرقامًا وإحصاءات -على أهميتها فى التوثيق- وإنما تنتظرك معلومات وقصص وحكايات فى عشق سيدة الغناء العربى.




