الثلاثاء 13 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

الصفصاف والآس والفسطاط

حرف

لا توجد دراسة محددة حتى الآن يستبين من خلالها نصيب الفرد القاطن بالمدن الكبرى فى مصر من المساحات الخضراء، قياسًا بما هو موجود بالبلدان الأخرى من العالم، صحيح أن نصيب الفرد فى الريف من المساحات الخضراء أكبر من حصة ذلك الذى يسكن المدينة، بحكم المساحات المزروعة، ولكن تظل التجمعات السكانية بالصعيد أو الدلتا تحتاج إلى مزيد من الرئات الخضراء المزروعة بالأشجار والورود، كى يتنفس من فيها تنفسًا حقيقيًا من الطبيعة.

هذا الكلام هو بمناسبة حديقة الفسطاط المزمع افتتاحها رسميًا فى العام ٢٠٢٦، لأن هناك بعضًا من عواجيز الفرح الذين لا همّ لهم إلا انتقاد أى شىء، إن لم يكن كل شىء، والذين يرون أن هذه الحديقة المقامة على مساحة تبلغ حوالى خمسمائة فدان لا ضرورة لها، ولن يتمتع بها إلا قلة من المصريين، لأن أسعار دخولها سوف تكون مرتفعة بالنسبة لمداخيلهم المحدودة.

الحقيقة هى أن إنشاء هذه الحديقة ربما كان خبرًا من أهم الأخبار المفرحة خلال هذا العام الذى يوشك على الرحيل، فالقاهرة كانت ومنذ القرون الوسطى عامرة بالحدائق والمتنزهات بسبب الترع والجداول والبرك التى كانت منتشرة بها، ووجود الزراعات فى ضواحيها. 

ويذكر المقريزى أن أحد المماليك، وقبل دخول الحملة الفرنسية فى القرن الثامن عشر، أنشأ حديقة، وكانت بها أشجار وزراعات ومقاهٍ وأسماها حديقة الصفصاف والآس، لمن رُغب فى الائتناس، ولكن القاهرة، ومنذ عدة عقود تعود إلى القرن الماضى، باتت تفتقد الكثير من المساحات الخضراء التى تليق بها، وتتناسب مع عدد سكانها المتزايد يومًا بعد يوم، وأسباب تراجع اللون الأخضر فيها كثيرة ومتباينة، وليس موضوع الكلام هنا، لذلك فهذه الحديقة الشاسعة سوف تكون بمثابة إعادة الاعتبار للأخضر فى هذه المدينة العريقة، والتى أصبحت، ومن خلال تمددها العمرانى، عدة مدن فى واقع الأمر، كما أنها سوف تكون رئة كبرى حقيقية لكل من يسكنها، وقدر له خلال سنوات طويلة تنفس كل ذلك الكم الكبير والخطير من عوادم السيارات والمخلفات والملوثات الأخرى المنتشرة هنا وهناك، خصوصًا أن خرائب مدينة الفسطاط القديمة والكيمانات وتلالها، التى ظلت موجودة منذ قرون، ظلت بؤرة بيئية خطيرة داخل القاهرة، مثلما كانت حديقة الأزهر الآن، والتى كانت بدورها تلالًا خربة على مدى أزمنة طويلة.

طرح الحديقة للاستغلال التجارى ليس بمشكلة، ولا غبار على أن تكون مواردها المتوقعة جزءًا من موارد الدولة، ولكن المهم هو الحفاظ عليها وعلى مزروعاتها ومنشآتها، ووضع ضوابط ولوائح تُلزم كل من يرتادها، سواء أكانوا من فقراء المصريين أو من أغنيائهم، بحيث تظل هذه الحديقة مكانًا بيئيًا جماليًا ينتفع الجميع به. 

ولنتذكر تلك التصرفات المؤسفة من البعض داخل ممشى أهل مصر عند إنشائه، فقد تدفق إليه المواطنون، وهو مشروع جميل وغير مسبوق، ومتنفس حقيقى للترويح والتسلية، خصوصًا لأولئك الذين يقطنون بالقرب من النيل، لكن سرعان ما تم تخريب أرضيات هذا الممشى وبعض من منشآته، بسبب غياب اللوائح والجزاءات المشددة على كل من يقوم بعمليات تخريب، ويجب الاعتراف بغياب أى دور إعلامى يستهدف توعية الناس وتثقيفهم فيما يتعلق بالتعامل مع الأماكن العامة، ونتمنى وجود ولو برنامج واحد بالتليفزيون المصرى يخاطب الشباب على وجه التحديد، ويدفعهم للتعامل الإيجابى مع كل ما هو عام وملك للجميع.

القاهرة تحتاج إلى مزيد من الأخضر، وتحتاج للجمال، وتحتاج للنظافة، وتحتاج إلى حزم وإرادة جادة مع كل من يستهين بمرافقها وموجوداتها العامة وينسى أنها مدينة جميلة وعريقة ولا مثيل لها.