الثلاثاء 06 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

الصراع الهُويَّاتى

حرف

المعارك الدائرة بعنف عبر وسائل التواصل الاجتماعى بين أبناء البلدان العربية المختلفة، ومن بينهم مصريون تستحق التوقف والتأمل كثيرًا، رغم أن بعضها والمتخصص فى الهجوم على مصر جاء من قِبل الكتائب الإلكترونية المشبوهة ومَن يقف وراءها.

هذه المعارك هى بالأساس عَرَض لمرض، وإلا ما تفسير أنها تحدث الآن ولم تحدث فى عقود سابقة؟. فالمرض الحقيقى هو أن المنطقة العربية برمتها هى منطقة مأزومة بالكامل، فحتى هؤلاء الذين يملكون فوائض هائلة من الأموال هم مأزومون أيضًا، فعلى الصعيد السياسى، والاقتصادى والحضارى هناك أزمة للجميع فى عالم تتلاحق أحداثه، ويحقق منجزات حضارية سريعة الوتائر ولا يمكن اللحاق بها.

مصر أزماتها من نوع مختلف، ومشاكلها معقدة، لكنها ما زالت دولة قوية وعميقة وقادرة على إدارة هذه المشكلات وعلى طريقتها الخاصة وهى محافظة على حدودها التى رسمتها منذ آلاف السنين، أما على الصعيد الدولى فهى ناجحة فى إدارة جملة من الملفات الصعبة التى تواجهها، وحتى على مستوى ملف حقوق الإنسان والذى عادة ما يستخدم كورقة ضغط عليها، فقد حافظت على تصنيفها الائتمانى وحازت مؤخرًا على تصنيف «أ».

لذلك فمصر أصبحت ضمن حدود عالمها العربى بلدًا مثيرًا للغيرة والحسد من قِبل كثيرين حولها وخصوصًا من تلك الكيانات السياسية الحديثة والتى لم تعرفها الخرائط، إلا بعد منتصف القرن الماضى، ومعظم هذه الكيانات تبحث عن هويات سياسية وهويات ثقافية خاصة، وتبذل أموالًا طائلة فى سبيل ذلك الأمر، لذلك فمصر دائمًا تحت المجهر بالنسبة لهؤلاء والمقارنات بينهم وبينها لا تنقطع، وهناك دائمًا أصوات تستهدف أى منجز مصرى فى أى مجال من المجالات وتقلل من شأنه، أو تسعى للبحث عن مواطن الضعف فى مصر لإبرازها، وهذا لا يحدث مع البلدان العربية الأخرى، فلا نجد على وسائل التواصل الاجتماعى، سعوديًا مثلًا، ينتقد الأحوال فى ليبيا أو المغرب، ولا نجد جزائريًا ينتقد أردنيًا أو لبنانيًا، وما لدى مصر هو دومًا محط رغبة فى الاستحواذ، فهناك عشرات الأصوات من هنا وهناك، تحاول نسبة الحضارة المصرية لها، بينما لا يوجد مغربى يزعم أن الحضارة الآشورية هى مغربية الأصل، ولم يفكر أحد فى تقليد بوابة عشتار الآشورية، أو خزنة فرعون النبطية فى بلده، مثلما قام البعض فى المملكة السعودية بإنشاء مُقلدات للأهرام المصرية وتمثال أبى الهول الشهير، والأمثلة على ذلك لا تعد ولا تحصى كل يوم على وسائل التواصل الاجتماعى.

لا يفهم أمثال هؤلاء أن مصر نصف العرب كمًا وكيفًا، وأنها عمود الخيمة العربية إن جاز التعبير، رغم مشاكلها المتراكمة ورغم ما تحتاجه من عمل مُضنٍ على كل الأصعدة لتجاوز هذه المشاكل، ولا يفهم أمثال هؤلاء أيضًا، أن مصر بتوسطها للجغرافيا العربية، إنما هى رمانة الميزان اللازمة لإحداث التوازن العربى فى أكثر من مجال، فلولا قوة مصر العسكرية فى المنطقة لكانت بعض الكيانات السياسية الصغيرة فى بعض المناطق فى خبر كان الآن، ولولا ثقل مصر الثقافى، لما كان للعرب ذكر على مستوى الثقافة العالمية، رغم ما يملكه البعض من ثروات هائلة تبذل فى هذا الجانب.

المصريون الذين تأخذهم الغيرة على بلدهم وهم مُحقون بالطبع فى ذلك كثيرًا، عليهم ألا يتناسوا البديهيات الأولى التى ربما تناساها البعض وهى أن العرب جيران أزليون بحكم الجغرافيا التى صنعت تاريخًا مشتركًا بينها وبينهم وقبل ظهور الإسلام بأزمنة سحيقة، تعود إلى زمن المصريين القدماء، فقد كان التجار العرب يحملون الصمغ والبخور ومواد التحنيط إلى مصر القديمة عبر البحر الأحمر، وقد وُجدت مومياوات لبعض هؤلاء التجارة محنطة ومحفوظة فى منطقة سقارة، وهناك كتب علمية آثارية تتعلق بهذه العلاقات.

مصر والعرب لديهما ثروات لا يستهان بها، يمكن أن تشكل قاعدة اقتصادية متينة، وثمة عناصر قومية مشتركة عديدة، ثم هناك اللغة والدين، ولو سعى الجميع استنادًا إلى ذلك، باتجاه تكامل اقتصادى حقيقى لكان ذلك أجدى وأفضل لجميع الأطراف، فالاتحاد الأوروبى الذى قام على أساس من الرؤية الاقتصادية والسياسية المشتركة والمبنية على أساس المصالح، ما زال قائمًا حتى اليوم كقوة دولية يعتد بها.

روح الفرقة والتنابذ لن تفيد أحدًا، والمشتركات القومية لا تنفى الخصوصيات القومية، أما القومية العربية فمشكلتها كانت أنها ظلت مشروعًا عاطفيًا لا وجود له إلا فى الموسيقى والأغانى من نوع «وطنى حبيبى.. وطنى الأكبر».