الجمعة 17 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

الجد الأكبر.. ما المشكلة فى أن يكون أصل الإنسان قردًا؟

حرف

- ليست هناك آية فى القرآن الكريم تتعارض مع نظرية التطوّر

- الاختلاف بين الخطاب الدينى والتفسير العلمى لا يعنى بالضرورة التعارض

- العلم لا ينتقص من الإيمان كما أن الإيمان لا ينبغى أن يقف فى مواجهة الاكتشاف العلمى

اكتشف فريقٌ من العلماء المصريين بجامعة المنصورة مؤخرًا واحدًا من أبرز الاكتشافات العلمية فى العصر الحديث، وهو ما سيعيد رسم الخريطة التطورية فى تاريخ البشر؛ إذ عُثر على نوعٍ جديد من القِرَدة العليا القديمة فى منطقة وادى مغرة بالصحراء الغربية، أُطلِق عليه اسم «مصرى بيثيكوس». والمثير فى هذا الاكتشاف أنه يُغير واحدة من أكثر الفرضيات استقرارًا فى علم التطور، وهى أن أصول القردة العليا- ومن بينها الإنسان- تعود إلى شرق إفريقيا بعدما كانت النشأة محصورة فى شرق القارة. كما يمثّل هذا النوع حلقة وصل تطورية تُفسّر الكيفية التى انتقلت بها أسلاف القردة من إفريقيا إلى أوروبا وآسيا.

كما يحدث غالبًا مع كل اكتشاف جديد فى هذا المجال، بمجرد أن يُعاد طرح سؤال «من أين جئنا؟ وما أصلنا؟»، يعود جدل لا ينتهى، يتجاوز العلم إلى الفلسفة والدين.

فى الوقت الذى يرى فيه العلم أن هذه الاكتشافات تُضيف قطعًا جديدة إلى لغز معقد لم يكتمل بعد، ينظر إليها البعض باعتبارها تحديًا لروايات دينية راسخة حول الخلق والبداية. 

سؤال يبدو صادمًا، وربما يبدو مستفزًا للبعض، لكنه فى جوهره يكشف عن ارتباك أعمق فى فهمنا لأنفسنا. فهل تكمن المشكلة فعلًا فى الأصل، أم فى المعنى الذى نربطه بهذا الأصل؟

العلم فى الأساس لا يقول إن الإنسان كان قردًا ثم أصبح إنسانًا بهذا التصوّر المبسّط. فـنظرية التطوّر، كما طرحها تشارلز داروين، تفيد بأن الإنسان والقردة العُليا المعاصرة مثل الشمبانزى يشتركون فى سلفٍ واحدٍ قديم؛ أى إنهم أقرباء على مسافةٍ زمنية بعيدة تُقدّر بالملايين، لا أنّ أحدَهم تحوّل مباشرةً إلى الآخر.

فأين تكمن المشكلة إذن؟ المشكلة الأساسية أن تلك الحقائق العلمية تتعارض مع التصور الدينى للخلق، ففى الإسلام مثلًا، هناك تصوّر واضح بأن الإنسان مخلوق خلقًا مباشرًا من آدم، لا نتيجة سلسلة تطورية من كائنات أخرى. لذلك قد تُفهم فكرة السلف المشترك على أنها نفى لهذه الخصوصية. إضافة إلى أن ثمة تصوّرًا شائعًا يربط بين قبول نظرية التطوّر وإنكار وجود الله. كذلك يرى البعض أن ربط الإنسان بأصول حيوانية قد ينتقص من قيمته، خاصة أن النص الدينى يؤكد أن الإنسان خُلق «فى أحسن تقويم».

وعليه، تواجه نظرية التطور رفضًا قطعيًا عند المتشددين، وتتفاقم الإشكالية حين تُفهم النصوص الدينية فهمًا حرفيًا صارمًا، بحيث يُنظر إلى أى تفسير علمى مختلف على أنه تهديد مباشر، بدلًا من اعتباره مجالًا للتأويل أو للفهم الأوسع. وهو ما يؤكده كتاب بعنوان «هل يمكن أن يكون المسلم تطوريًا؟» لجانر تسلمان، وترجمة إسلام سعد، صادر عن دار مصر العربية للنشر، حيث يشير إلى أننا «نعيش منذ عقود طويلة، هجومًا حادًا على العلم، يشنه مشايخ وناطقون رسميون باسم الوقوف ضد العلم فى أثواب الملتحين المتدينين، ونجد منهم مَن يساير النمط الشكلى الحداثى بروحٍ مذهبية لا ترضى بأقل من كشف نفسها فى لحظات الجدل الثقافى». وأن «ثَمَّة مؤتمرات ومجالس علمية ذائعة الصيت تنبرى للدفاع عن الدين عبر تقويض العلم ودعم القول بعجزه عن هزيمة الدين».

الكتاب يناقش سؤالًا أساسيًا، وهو: هل يمكن أن تتعارض نظرية التطوّر فعلًا مع الإيمان فى الإسلام؟ 

يقول الكاتب: «ليست هناك آية فى القرآن الكريم تتعارض مع نظرية التطوّر» لذا لا يمكن رفض النظرية أو إبطالها باسم الدين الإسلامى، أو أن يكون المسلم مُلزمًا باعتناقها كجزء من عقيدته. فالطرح المُقدم هو طرح علمى خالص لا يتعارض مع الإيمان، وينتمى أساسًا إلى المجال العلمى، لأنه يشرح كيفية نشوء الكائنات الحية وتنوعها. أما السؤال عن وجود قصد إلهى وراء هذا النظام، فلا يدخل ضمن نطاق العلم التجريبى. ومن هنا، فإن الخلط بين المجالين يؤدى إلى صراع غير ضرورى بين العلم والدين، فى حين يمكن لكل منهما أن يعمل فى مجاله دون أن ينفى الآخر.

ويوضح الكاتب: «لا يمكن القول إن أى طرح يتعلق بنشأة الحياة أو البشر يتعارض مع الدين بشكل مباشر. فالقرآن يذكر أن الله هو خالق كل الكائنات الحية، لكنه لا يقدّم شرحًا تفصيليًا لكيفية حدوث هذا الخلق أو آلياته، لذلك، فإن إمكانية أن يكون المسلم مؤيدًا للتطوّر لا يعنى فى الوقت نفسه أن تكون النظرية جزءًا إلزاميًا من العقيدة الدينية».

ويلقى الكاتب الضوء على سبب آخر لرفض نظرية التطور: أن بعض المتدينين يذهبون إلى أن استخدام الملحدون للنظرية ضد الدين يستوجب رفضها دفاعًا عن الإيمان. لكن هذا الطرح، وفق الكاتب، يحتاج إلى مراجعة؛ لأن تحويل العلاقة بين الدين والعلم إلى صراع دائم هو ما يمنح هذه الحجج قوتها فى المقام الأول. فحين يُصر البعض على أن قبول الدين يستلزم رفض التطوّر، فإنهم بذلك يفتحون الباب أمام الاستخدام الإلحادى للنظرية فى الجدل ضد الدين.

وفى محاولة لتفكيك الصراع المحتدم بين مؤيدين النظرية ومُكفريهم، يقول الكاتب إن القرآن الكريم لا يمجّد الجهل، سواء كان جهلًا متعمّدًا أو متستّرًا بلباس دينى، بل على العكس، يحثّ بشكل واضح ومتكرر على طلب العلم والمعرفة والتفكر فى الكون. وبالتالى، فإن الدعوة إلى فهم أعمق للطبيعة لا تتعارض مع الإيمان، بل يمكن أن تكون جزءًا من هذا الإيمان نفسه.

هذا الطرح يتوافق مع عالمة الأحياء الأردنية د. رنا دجانى، التى ترى- وفق لقاءاتها التليفزيونية- أن نظرية التطور فى أصلها تعكس التناغم الموجود فى الطبيعة، خاصة أنها رؤية علمية تحاول تفسير انسجام الكائنات الحية وعلاقتها ببعضها. مضيفة أن أى فكرة علمية يمكن أن تُفهم وتُستخدم بطرق مختلفة، لذا لا يصح لوم العالم الذى قدّم النظرية أو مهاجمتها دون فهمها أولًا بشكل دقيق. فالنقد العلمى، فى رأيها، يجب أن يكون مبنيًا على معرفة مباشرة بالمصدر الأصلى، لا على انطباعات أو سماعات غير دقيقة.

وتطرح تساؤلًا مباشرًا: هل قرأ الرافضون للنظرية كتاب «أصل الأنواع» قبل انتقاد داروين أو تكفير من يصدق النظرية؟ فإذا لم يحدث ذلك، فلا يمكن الدخول فى نقاش علمى حوله دون قراءة وفهم. فالدين نفسه يدعو إلى البحث والتحرّى وطلب المعرفة قبل إصدار الأحكام.

وعليه، فإن جزءًا كبيرًا من رفض نظرية التطور فى العالم الإسلامى يعود إلى عدم قراءة كتاب داروين نفسه، وتصديق الأخطاء التى انتشرت مثل فكرة أنه يقول إن الإنسان أصله قرد، وهى فكرة لم يطرحها بهذا الشكل أصلًا، كما أنه لم يستخدم مفاهيم الإلحاد أو يناقشها، بل ركز على الجانب العلمى فقط، أى كيف تطورت الكائنات بعد نشأتها، وليس كيف بدأت الحياة من الأصل.

الأهم من ذلك، هناك فى التراث الفكرى الإسلامى إشارات فكرية عند بعض العلماء مثل الجاحظ وإخوان الصفا وغيرهما، تناولت أفكارًا قريبة من فكرة التغير والتدرج فى الكائنات، ولم يتم تكفير أصحابها، بل عُدّوا من أهل الاجتهاد العلمى فى زمانهم.

تكمن الإشكالية فى تعارض بعض التصورات العلمية مع الفهم الدينى السائد للخلق، إذ فى الإسلام مثلًا يُنظر إلى خلق الإنسان على أنه خلق مباشر، كما ورد فى فكرة خلق الإنسان من طين. ويفند كتاب تسلمان هذا الطرح بأن الخلق لا يعنى بالضرورة تكوّنه من مادة طينية كما قد يُفهم حرفيًا، بل يمكن فهمه باعتباره إشارة إلى أن العناصر المكوِّنة للجسد الإنسانى أصلها موجود فى الأرض. فالجسم البشرى يتكوّن باستمرار من عناصر غذائية مصدرها النباتات والحيوانات، والتى تعود بدورها إلى التربة. فعندما نأكل النباتات أو اللحوم، تتحول هذه المواد إلى جزء من أجسادنا فى عملية مستمرة ومتجددة، وكأن دورة «التكوين من الأرض» لا تتوقف. كما أن عناصر الجسد الإنسانى، مثل الحديد والمغنيسيوم والكالسيوم وغيرها، موجودة أصلًا فى التربة. وبذلك يمكن القول إن هناك أساسًا ماديًا مشتركًا بين الإنسان والعالم الطبيعى.

ومن هذا المنظور، يمكن فهم الآيات القرآنية التى تتحدث عن خلق الإنسان من طين دون الحاجة إلى تأويلات بعيدة أو متكلفة، بل بطريقة تنسجم مع المعطيات العلمية المتعلقة بتركيب الجسد البشرى ودورة العناصر فى الطبيعة. كما أن هذا الفهم لا يتعارض بالضرورة مع فكرة التطوّر، لأن الإشارة إلى الخلق من طين يمكن أن يُفهم باعتباره مرحلة بدائية تستلزم حدوث مراحل أخرى متعددة من التكوّن والتغيّر عبر الزمن، وليس كعملية لحظية مكتملة انتهت فى لحظة واحدة.

وهنا يجب الإشارة إلى نقطة مهمة، وهى أن نظرية التطور لا تفترض أن الإنسان امتداد مباشر للقردة الحالية، بل إن الإنسان والقردة العليا الموجودة اليوم يشتركون فى أسلافٍ مشتركة قديمة، عاشت قبل ملايين السنين، ثم تفرعت منها مسارات تطورية مختلفة، وأن هناك نمطًا من التشابه بينهم هو ما أشار إلى أصل مشترك.

لذا، وبشكل عام، فإن الاختلاف بين الخطاب الدينى والتفسير العلمى لا يعنى بالضرورة التعارض، بل قد يعكس اختلافًا فى طبيعة السؤال المطروح أصلًا. وكذلك النصوص الدينية تهدف إلى تقديم المعنى العام للخلق، وتتكامل معها النظريات والاكتشافات العلمية بالشرح التفصيلى لآليات الخلق. 

وفى سياق محاولة فهم العلاقة بين الخطاب الدينى والتفسير العلمى، يمتد الجدل من كيفية نشأة الإنسان إلى معنى «الإنسان» نفسه كما يرد فى النصوص الدينية. 

يقول الكاتب جانر تسلمان فى «هل يمكن أن يكون المسلم تطوريًا؟»: تنطبق كلمة «إنسان»، كما استخدمها القرآن، مع النوع البيولوجى المسمَّى بـ«الإنسان العاقل»؛ بدلًا من ذلك، قد تشير الكلمة لجماعة تنشأ عن هذا النوع. لا وجود لأى صراع بين هذا الادعاء والأفكار التَطَوُّريّة. وبما أن القرآن الكريم لا يحتوى على شَرحٍ مُسْهَبٍ لمثل هذه الادعاءات، ليس من المُلْزِم إسلاميًا قبول رفض الأفكار التَطَوُّريّة المرتبطة بهذه المسألة. بالتالى، يمكننا القول بأريحية إنه ليس ثَمَّة مشكلة فى قبول المسلم لهذه الأفكار. ‏كما يمكن للمفكرين المسلمين التَّحَلِّى بالهدوء ومقاربة الموضوع بانفتاح، وأن يفحصوا التَّطَوُّر بعناية فى ضوء المكتشفات العلمية والتقييمات الفلسفية، وبالتالى يتوصلون لاستنتاجاتهم الخاصة عن التَّطَوُّر.‏ 

وفى النهاية، يمكن القول إن إعادة النظر فى هذا الجدل تقتضى أولًا التمييز بين مجالات المعرفة المختلفة، والاعتراف بأن لكل منها أدواته وأسئلته الخاصة. فالعلم لا ينتقص من الإيمان، كما أن الإيمان لا ينبغى أن يقف فى مواجهة الاكتشاف العلمى، بل يمكن أن يكون دافعًا لفهم أعمق للعالم. وفى هذا الإطار، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نبحث عن الحقيقة كما هى، أم كما نرغب فى أن تكون؟