الثلاثاء 20 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

مصر تتحدث عن نفسها فى ٦ أكتوبر

حرف

إذا أردت أن تستمتع وتبتهج وتفرح وتتفاءل ويزداد شعورك بالفخر لأنك مصرى فاذهب إلى مدينة السادس من أكتوبر، وشاهد العرض المسرح الغنائى «أم كلثوم».

فهذا العمل الفنى، والذى يستعرض جانبًا من حياة كوكب الشرق أم كلثوم، وسيرتها الغنائية، يدخلك فى حدائق المتعة منذ لحظاته الأولى، فهو يعتمد على إنتاج ضخم يتحقق من خلاله إبهار بصرى ولغة مسرحية مدروسة تتأتى من تضافر الأداء التمثيلى مع الديكور والإضاءة والملابس والموسيقى، دون ترهل أو ثرثرة مجانية، ناهيك عن استخدام السينوجراف، ليُنتج ذلك كله خطابًا مسرحيًا تنويريًا محوره الفن فى علاقته بالناس والمجتمع، وليؤكد أن الفنان الحقيقى لا يموت، بل يبقى خالدًا فى الذاكرة الجمعية الإنسانية الى أبد الآبدين.

المسرحية الغنائية، إذا ما اُتقنت، بحيث يكون الغناء والموسيقى ضمن لحمة النسيج الدرامى الكلى، فإن البهجة تتحقق، ليس بسبب الأصوات المختارة بدقة وجمال، ولكن لأن ذلك هو ضرورة لا يمكن التخلى عنها، وهى ليست بمثابة مكملات ولا علاقة لها بالبناء الدرامى.

أما الفرح، الذى يستشعره الإنسان، فهو ولا بد، لأن هذا العمل الكبير فنيًا، والضخم إنتاجًا، يؤكد أن المسرح المصرى سوف يعاود أمجاده القديمة منذ أن كان على يد يعقوب صنوع وسلامة حجازى، ثم بلوغ عزه مع جيل العمالقة وبروز سيد درويش وأعماله الغنائية المسرحية العظيمة، وخلال ستينيات القرن الماضى كان لمصر مسارح ومسارح تقدم عشرات الأعمال، ويكفى تذكر الدراما اليونانية فى مسرح الجيب، والأعمال الطليعية المعاصرة فى المسرح القومى، إضافة إلى الكلاسيكيات المصرية، ومسرح الطليعة والسامر والنهر والشباب.. إلخ، ناهيك عن مسارح الثقافة الجماهيرية والمسرح المدرسى والمسرح الجامعى.

وفرحك كمشاهد سيتعاظم لأن «أم كلثوم» مسرحية غنائية لها ملامح عالمية بامتياز، وهى تتناول ملامح حياة أعظم مطربة عرفها الشرق طوال تاريخه الحديث، وهذه المسرحية تضارع ما يُقدم على مسارح برودواى فى أمريكا، أو مسرح ألبرت هول فى لندن، فهى عمل كبير وضخم.

والتفاؤل عند مشاهدة هذه المسرحية مبعثه رؤية كل تلك المواهب الشابة والفذة وهى تتفتح مثل الزهور مع طلوع النهار، فالذين شاركوا بالغناء والتمثيل، أو الأداء الراقص، يستحقون التقدير والإعجاب، خصوصًا أن معظم هؤلاء يقفون على خشبة المسرح لأول مرة بحياتهم، وهذا معناه أن مصر ولّادة، وقادرة على أن تنهض مثلما ينهض طائر الفينيق، وتستعيد نفسها وقوتها الناعمة من خلال فن كبير وحقيقى مثلما كانت دائمًا، فهذه المواهب الشابة تدعو إلى الفخر والاعتزاز.

ولعل أجمل وأهم ما أبرزته هذه المسرحية هو الدور الذى قامت به أم كلثوم خلال حرب الاستنزاف وقبل نصر أكتوبر ١٩٧٣ العظيم، ففى جملة من المشاهد التوثيقية «سيموجراف» ظهرت السيدة أم كلثوم وهى تسافر هنا وهناك لتجمع ملايين الجنيهات لصالح المجهود الحربى، ولعل الرسالة أو الخطاب الذى رغب فى إبرازه مؤلف العمل، د. مدحت العدل، هو أن الفنان مهما كان عظيمًا وفارقًا، إلا أنه لا ينفصل عن هموم وطنه ومجتمعه، وهذا يضفى عليه عظمة تضاف إلى عظمته.

احتلت سيرة أم كلثوم عددًا من الأعمال الروائية مؤخرًا، وتم تناولها من أكثر من منظور، ولكن ما يميز هذا العمل المسرحى هو طرحه لجملة من الإشكاليات المتعلقة بعلاقة الفنان بفنه، وبعض هذه الإشكاليات ذات طابع وجودى، فأم كلثوم وقفت فى مفترق طرق يوم أن خيرها الأطباء بين إجراء جراحة الغدة الدرقية، والتى ربما تنهى قصة حنجرتها الأسطورية، والاستمرار مع المرض والآلام، لكن فى النهاية اختارت المعاناة والألم، ليبقى صوتها حتى الخلود.

مسرحية أم كلثوم عمل يستحق التوقف والاهتمام، وكنت أتمنى أن يكون هناك كتيب تعريفى مطبوع «بروشور»، يتعرف المشاهد من خلاله تفصيليًا على كل الذين شاركوا فى العمل، خصوصًا ذلك المخرج الشاب القدير، ولا يتم الاكتفاء بالباركود المثبت على الكراسى، فهذا الكتيب ليس له دور إعلامى فقط، أو دور تعريفى بالمشاركين، لكنه يظل تذكارًا صغيرًا لعرض استثنائى جميل.