الولاء للشعر.. زيارة إلى عالم سارة حواس
- لم تتعامل المترجمة سارة حواس مع الأدب والشعر والفن والترجمة وفق أيديولوجيا معينة
- جوهر عمل واختيار سارة حواس للترجمة هو وضع القارئ فى مناخ مختلف عما تعوده فى ثقافته اليومية
سواء فى كتابها الأول «ثقب المفتاح لا يرى.. 20 شاعرة أمريكية حائزات على جائزتى نوبل وبوليتزر»، يناير 2024، الصادر عن مجموعة بيت الحكمة للصناعات الثقافية، أم كتابها الثانى «ولاؤهم للروح»، الصادر عن الدار نفسها، يناير2025، لم تتعامل المترجمة سارة حواس، مع الأدب والشعر والفن والترجمة وفق أيديولوجيا معينة، بل كان تلقيها وإنتاجها الثقافى بريئًا تمامًا من أى انحياز مسبق، وذلك سر الحيوية التى تميز بها هذان الكتابان، وفى الكتاب الثانى «ولاؤهم للروح» ترسخ وعى المترجمة بذاتها، فجاءت اختياراتها أكثر دقة وعمقًا، ووضح منهجها البسيط فى فكرة إتاحة أهم رموز الشعر الأمريكى، الذى لسبب ما لم يكن جزءًا من الوعى الشعرى المصرى فى القرن العشرين، على ما فيه من قيم فنية وشعراء كبار، وتيارات حيوية، وما أظنه إلا ضحية لفن أمريكى آخر، هو السينما التى مدت ظلها، وظل أمريكا على العالم فهمشت فنونًا أمريكية أخرى، والموضوعية تقتضى أن نقول إن هناك أسماء نجت من هذا التهميش مثل هيمنجواى وفوكنر وجون شتاينبك، من الروائيين، وريتشارد رايت، وبعض الشعراء السود لأسباب أيديولوجية، وجاء عمل سارة حواس ليضع الشعر الأمريكى فى بؤرة ضوء الأجيال الجديدة من القراء، فى سياق نهضة ثقافية جديدة.
من علامات أى نهضة ثقافة، تنوع الإنتاج الإبداعى والثقافى، والذهاب إلى أماكن جديدة فى الكتابة، أماكن لا تجعل الرواية وحدها بطلًا مهيمنًا، إذ يبدو أننا نستعيد زمام الأمور، ونضعها فى طريقها الصحيح، بعد أن ظن بعض التافهين أنهم حسموا المعركة لصالحهم، كما قال آلان دونو، الفيلسوف الأمريكى أيضًا، ولدت المترجمة إذن فى سياق هذه النهضة الجديدة، حيث اختفت فكرة الأجيال، والكثير من الأفكار التقليدية عن الثقافة، مما كان رائجا من أفكار الحرب الباردة، مثل: الحداثة وما بعد الحداثة، وتصنيف كل إنتاج ثقافى وفق هذا المنظور الضيق، لذلك لم تذهب سارة حواس إلى ترجمة النظريات، أو الأفكار المتداولة، أو حتى إلى الرواية، وهى الأكثر تداولًا، اختارت الشعر الأمريكى وركزت عليه، وجعلت منه عالمها وهدفها فى ترقية وجدان القارئ المستهدف، فالفكرة لا تصلح لكل الناس، العلمانية، التفلسف، نظريات السرد، الوجود، النسوية، هذه أمور لا يقبلها الجميع، ولا يتفاعل معها الجميع، لكن الوجدان أمر مشترك بين كل الناس، وليست مصادفة أنه يشبه حبة الدواء، فحبة الدواء يأخذها الشرقى والغربى، الهندى والصينى، وتؤتى الأثر نفسه، كذلك الوجدان إذا ارتقى اقترب البشر من بعضهم البعض، وهذه هى قوة الأدب وجماله وعالميته.
جوهر عمل واختيار سارة حواس للترجمة هو وضع القارئ فى مناخ مختلف عما تعوده فى ثقافته اليومية، مناخ فيه الشاعر الوجودى والشاعر العدمى، الشاعر المستغرق فى حب الحياة، والكاره لها الناقم عليها، خلطة من المشاعر والوجدانات التى إن أضفتها مخلصًا فى القراءة إلى وجدانك، سوف تنقلك إلى عمق لحظته الخاصة، وربما تسهم فى أن تفهم نفسك، فكل قصة أو قصيدة أو ترجمة جميلة هى خطوة فى طريق المعرفة والحرية والإنسانية.
فى هذا الكتاب نحن أمام فرصة عظيمة لمعرفة الذائقة الأمريكية والتباساتها بين العديد من الوجدانات المختلطة بها، فالمعروف أن الشعر الأمريكى فيه تأثيرات متعددة من ثقافات مختلفة أوروبية وآسيوية، كما أن الحرية الإنسانية، بمعناها الاجتماعى والفكرى هى من أبرز قضايا هذا الشعر، كذلك التوحد مع الطبيعة، وأشير هنا إلى والت ويتمان ومارى أوليفر وروبرت فروست، إن أهم ما لفت نظرى فى هذا الشعر المترجم، وأبرزته المترجمة بوضوح، هو مركزية التأمل ودوره فى الشعرية الأمريكية.

ثلاث سمات
لقد أطلعتنا سارة حواس فى كتاب أدبى ثان عن البلد نفسه وشعرائه، على بعض السمات الأبرز فى الشعر الأمريكى، وهى التركيز على الفردية والهوية الشخصية، وعلاقة الفرد بالعالم من حوله، سواء كان ذلك من خلال العزلة الذاتية، أم البحث عن المعنى فى الطبيعة أم المجتمع، إنه البحث عن الذات، سواء فى السياق الفردى أم الجماعى.
ومن هذه السمات أيضًا التأثيرات العميقة للطبيعة، مع التركيز على الجمال الطبيعى للأرض والبحث عن التوازن ما بين الإنسان والعالم الطبيعى.
والسمة الثالثة، هى التجريب فى الأسلوب حيث يميل أغلب الشعراء الأمريكيين إلى استخدام تقنيات حديثة، مثل تكسير الأشكال التقليدية، والتلاعب باللغة، والرمزية، والكتابة المفتوحة المتحررة من الرقابة الذاتية.
القصائد القصيرة
الشعر الأمريكى فى بداياته كان يتسم بطول القصائد، كما رأينا فى «أوراق الشعب» لوالت ويتمان، وشيئًا فشيئًا استقر جل هذا الشعر على القصائد القصيرة، مع ظهور الحداثة والشعر الحر، وكانت محاولات «إزرا باوند» و«جى إيه ريتشاردز» مثمرة فى هذا السياق، فقد وعيا إلى التخلص من الزخارف وتعدد الموضوعات فى القصيدة الواحدة، وإلى التعبير بشكل مكثف وأكثر تجريدًا.
التجريب اللغوى، وهذا لا يقتضى مساحة واسعة للقصيدة، وكذلك الجمهور الأمريكى لا يميل إلى القصائد الطويلة.
ولنأخذ قصيدة مثل: «كل الأشياء البهية» لكونراد أيكن:
ستنتهى
ستأفل
ستموت
كل الأشياء الرائعة
والشباب الذى ينفق بشجاعة الآن
سيتوسل لأجل بنس واحد
فيما بعد
ستُنسى النساء الجميلات
سريعًا
ستصير عصا الذهب رمادًا
عند موته
سيتعفن أعذب
اللحم والأزهر
ستعشش أنسجة العنكبوت
فى أذكى الرءوس
عودى يا حبى الحقيقى
عد أيها الشباب الجميل
يمر الوقت ولا يبالى
ستمتد الأيادى، ستشتاق العيون
ستجعل الأيام الوحشية
القلوب الصادقة
تنزف
عودى يا حبى الحقيقى
ابق أيها الشباب الجميل
سيذبل عصا الذهب والأقحوان
سيهب مطر الخريف فوقها
يمرون
ويمرون
ولا يعلمون

فى ٢٩ سطرًا فقط موضوع الجمال والوجود والإحساس بالعالم، وبأن كل شىء فى العالم ملك لنا بطريقة ما، سواء من خلال تجربتنا الحسية أم الروحية، وأن جمال الأشياء ليس بامتلاكها وإنما الإحساس بها، والجمال ليس تجربة لحظية، بل هو شعور داخلى يستمر فور أن ندركه فى لحظات الوعى والتأمل.
لقد توقفت أمام شعراء أحبهم مثل هذا الشاعر صاحب هذه القصيدة الموجعة: كونراد أيكن، المعروف بتنوعه الأدبى، حيث يتراوح شعره بين الرومانسية والوجودية، ويستخدم لغة معقدة وأسطورية، ويعبر عن مشاعر الوحدة والضياع بطريقة عميقة ومبتكرة، أسلوبه يخلق جوًا من التوتر بين الفكرة والمشاعر المتضاربة، أما «أرشيبالد ماكليش، وهو من أول الشعراء الذين قرأتهم فى حياتى، فهو مسرحى إلى جانب كونه شاعرًا، يمزج بين الرمزية والتجريد، قدرته رائعة على التعبير عن الأفكار الكبيرة باستخدام لغة بسيطة بليغة، شعره ليس فقط تعبيرًا عن الجمال، بل لطرح أسئلة فلسفية حول الحياة والموت.
ويأتى ثالثًا روبرت هاس، الذى يعبر فى شعره عن صراعات داخلية، وتحديات تتعلق بالوجود، والبحث عن معنى، ويستخدم الطبيعة مصدرًا للإلهام، ولخلق توازن بين المشاعر الشخصية والواقع المعاش، جماله حزين، وحزنه لا يخصه وحده:
صباح رأس سنة
كل شىء يزهر
أشعر أننى فى الوسط
أنا وضفدعة ضخمة
نحدق فى بعضنا
وكلانا لا يتحرك
رأت تلك الفراشة
ضوءًا فى غرفة امرأة
احترقت إلى رماد

والرابع من هؤلاء الشعراء الذين ترجمتهم سارة حواس فى هذه المختارات الجميلة المعبرة عن روح أمريكا، فى حيويتها واغترابها، هو «جيمس رايت» المغمور والغارق فى همومه الشخصية والاجتماعية، الميال إلى الفقراء، العطوف على الظروف الإنسانية القاسية، الشاعر الذى قتلته أسئلته عن الذات والمجتمع، والذى أنقذ الشعر حياته، بطرق كتيرة وفى مراحل مختلفة:
ماذا تفعل تلك المرأة الطويلة
هناك فى الأشجار
أستطيع سماع الأرانب
والحمام الحزين
تتهامس معًا
فى العشب المظلم
هناك تحت الأشجار
....
أنظر حولى بوحشية

لدى ملاحظة أخيرة، ربما لا يلتفت إليها الكثيرون، إذ المترجمة مالت فى اختياراتها، واختيار المرء وافد عقله، إلى القصائد التى تعلى وتقدر الحس الأنثوى، وهو اختيار ربما غير مقصود، وإن كان طبيعيًا، فبعض القصائد التى اختارتها، مفعمة بالفهم والدقة فى التعبير عن المرأة، أو ذات حس نسوى، وسأقف عن قصيدتين الأولى لويليام كارلوس ويليامز بعنوان: «ربة البيت الشابة»:
فى العاشرة صباحًا
تتحرك ربة البيت الشابة
بقميصها الشفاف
خلف الجدران الخشبية
لمنزل زوجها
أمر وحيدًا بسيارتى
ثم تأتى مرة أخرى
إلى الرصيف
لتنادى على
رجل الثلج وبائع السمك
تقف خجولًا
من دون مشد
تشد أطراف شعرها المتناثرة
وأقارنها بورقة شجر متساقطة
تندفع عجلات سيارتى الهادئة
محدثة صوت طقطقة
فوق أوراق شجر جافو
وأنا أنحنى وأمر مبتسمًا
والقصيدة الثانية لروبرت هاس بعنوان «سوناتة»:
رجل يتحدث مع زوجته السابقة
على الهاتف
أحب صوتها
صار ينصت بكل اهتمام
لكل تغير لنغمته
يعرفه جيدًا
لا يدرى
ما الذى يريده
من صوتها
من رقتها وحنوها
يدرس النافذة
أشكل بذور القرون المكسورة
من أشجار الزينة
النوع الذى ينمو
فى حدائق الجميع
لا يمكن لأحد
أن يسميه غير البستانيين
أربع غرف مجدولة
بأقواس
خضراء باهتة
نباتية وصغيرة
زوج من البذور السوداء
راسخان
فى كل غرفة
هندسة الرغبة
المصغرة
هندية أو فارسية
والعشاق والآلهة
فى منازلهم
فى الخارج
حيوانات
بيضاء صبور
وأشجار كروم متشابكة
ومطر

كل واحد من هؤلاء الشعراء الذين اختارتهم سارة حواس، وترجمت لكل واحد منهم ثلاث قصائد كما حددت لنفسها فى كل عملها، مع سيرة ذاتية وافية وضافية لكل شاعر، وهو المنهج الذى التزمت به فى كتابيها عن الشعر الأمريكى، كل واحد من هؤلاء الشعراء، يعكس جانبًا مختلفًا من التحديات الإنسانية، من الصراع الداخلى إلى التأمل فى الحروب والمجتمعات والتحول من الاستغراق إلى التحرر، إلى الهجر، إلى ما لا يمكن وصفه بغير القصيدة، وبغير شعراء كبار مثل هؤلاء، كل ذلك، بالإضافة إلى أن المترجمة لا تميل إلى ترجمة القصائد الطويلة، ما منح الكتاب هذه الحيوية، وهذا التدفق المعرفى والوجدانى.



