الجمعة 12 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

«فيلة سوداء بأحذية بيضاء».. سلوى بكر تكتب شهادتها عن تحولات مصر

سلوى بكر
سلوى بكر

أعترف بأننى لم أقرأ من قبل لسلوى بكر.. وقد آن أوان التوبة والتكفير عن ذنبى هذا.
أمضيت ليلتى الماضية فى حضرة سلوى وكلماتها؛ فقد أمسكت بروايتها «فيلة سوداء بأحذية بيضاء» ولم أشعر بنفسى إلا وقد فرغت منها تمامًا.
عشت الرحلة مع «عفت» و«حسام».. بطلى الرواية.. اللذين هما فى الحقيقة صورة مصغرة لمصر وما جرى بها ولها.. فى سنوات النكسة والنصر والانفتاح.
أعرف أن لسلوى موقفًا، سياسيًا ونفسيًا من السادات وعصره ومصره.. كغيرها من مثقفى يسار الستينيات والسبعينيات.. هؤلاء الذين أرجعوا كل مصائب مصر للسادات وكأنها كانت جنة من قبله، وليست بلدًا محتلًا.
لكن هذا الموقف من «دولة العلم والإيمان» لم يؤثر كثيرًا على جمال هذا العمل الأدبى.. الذى قد يكون شخصيًا فى بعض أحداثه وأبطاله.
لقد رسمت سلوى بكر فى روايتها الواقعة فى ١٢٧ صفحة والصادرة عن دار دون، صورة شديدة الإبداع لحجم التحولات التى جرت فى مصر.
هذه الصورة كان بطلها «حسام»، المهندس اليسارى الناقم، المثقف صاحب الذوق الفنى الرفيع، و«عفت»، الطالبة الجامعية البسيطة التى لا تعرف شيئًا عن السياسة سوى أن الاقتراب منها خطر مثل أسلاك الكهرباء.
غير أن أحوالها تتغير حين تقترب من «حسام» ويأسرها بشخصيته الثورية الجامحة.. ويجمع بينهما «قصر الحب».. زوجان يتطلعان لحياة «لطيفة».
كان كل شىء على ما يرام.. ثم جاء الطوفان.
والذى جرى لـ«عفت» و«حسام» هو ما جرى لمصر ذاتها.
فما الذى جرى إذن؟ 
لنقرأ معًا.
نحن الآن فى الثانى والعشرين من فبراير ١٩٦٨.
أنهت «عفت» يومًا دراسيًا حافلًا فى كلية التربية الرياضية بمنطقة الجزيرة قرب الثانية ظهرًا، وتحركت فى طريقها إلى بيتها فى منطقة الزيتون، ومعها زميلتها وصديقتها «هدى».
عندما وصلا إلى «أسدى قصر النيل» رأيا حشودًا تتدافع إلى ميدن التحرير.
أسرعت «عفت» ومعها «هدى» لاستباق الحشود والوصول إلى «محطة الأتوبيسات الرئيسية» حيث اعتادتا الركوب منها إلى منزليهما.
لكن الحشود، وكانت من طلاب الجامعات، حاصرتهما وهى تهتف منددة بالأحكام المخففة الصادرة ضد قادة سلاح الطيران المتسببين فى هزيمة ٦٧.
المشهد المهيب لاندفاع الأفندية والفلاحين والباعة وحتى ركاب الأتوبيسات، وصوت الهتاف المدوى، ومعهما أحزان الهزيمة، «جعل الحجر ينطق».
غلى الدم فى عروق «عفت» وشعرت بسخونة يد «هدى» فى كفيها عندما علا هتاف «عاوزين حكومة حرة.. العيشة صارت مرة».. وزادت السخونة مع «بالروح بالدم نفديكى يا سينا».
فى لحظة، ودون تبادل كلمة واحدة، اندفعت الفتاتان، اللتان لم يكن لديهما أى اهتمام سياسى، باتجاه المظاهرة وراحتا تهتفان «عاوزين حكومة حرة».
وما حدث بعدها كان غير متوقع.. بالنسبة إليهما على الأقل.
فجأة ظهر مئات من عساكر الأمن المركزى وأولئك الراكبون على ظهور الخيل، وبدأ الرصاص المطاطى يلعلع فى الميدان، وطرقعات راكبى الخيول تسمع هنا وهناك.
صرخت «هدى» عندما كان «السوط» فى طريقه إلى ظهر «عفت».. لكن يدًا قوية ظهرت فجأة ودفعتها بعيدًا عن «السوط» فنجت من «لسعاته الموجعة».
هذه اليد ظلت تدفعها حتى صارت عند محطة الأتوبيسات دون أن تدرى كيف وصلت إلى هناك.
لم تعرف صاحب اليد لكنه كان بطلها المُخلص فى ذلك اليوم.

الليلة هى العاشرة من أبريل لعام ٦٨.
قبلها، بنحو ٨ أيام، كانت مصر على موعد مع «لفتة روحانية» تخفف من آلام الهزيمة.. فها هى السيدة العذراء تتجلى للمصريين فوق قباب كنيستها بالزيتون.
هذه الكنيسة تسكن «عفت» على بُعد أمتار منها.. وصارت فى الأيام التالية لـ«الظهور» موطنًا يشد إليه الرحال من كل مصر.
كانت «عفت»، مثل غيرها، تنزل كل يوم انتظارًا لـ«أم النور».. علها تجد عندها «خلاصها».
«كل شىء وارد، وأم النور تقدر، وهى صاحبة شفعات ولها بركات».. قالت لها أمها عندما استنكرت «عفت» ما قالته له «طنط أتينا» جارتهما التى تسكن الدور الأرضى.
«نفسى أشوفها يا عفت وأطلب منها إما تردلى صحتى وأمشى زى كل الناس، أو تعطينى عيل أفرح بيه ويبقى ذكرى فى الدنيا بعدى وبعد وليم».
وكانت «طنط أتينا» تطلب معجزتين، فهى تعرج فى مشيها منذ طفولتها جراء حادث غامض، وهى الآن فى الخمسين من عمرها، وزوجها يقترب من الستين وضرير.
أمام مطالب «طنط أتينا» صارت أحلام «عفت» نزهة يسيرة لـ«أم النور».
كل ما تحلم به أن تصير ذات يوم بطلة جمباز أو راقصة مرموقة كفريدة فهمى، نجمة فرقة رضا للرقص الشعبى.
وبينما كانت تغيب فى أحلامها هذه وسط الزحام، متطلعة إلى القباب الرمادية، باحثة عن الخلاص مثلما الآلاف حولها، تعالت أصوات صارخة «هناك.. هناك.. عند القبة اليمين».
راحت «عفت» تشب وتقف على أطراف أصابعها فى محاولة مستميتة لرؤية السيدة العذراء.
لكن كل محاولاتها فشلت.. فالزحام على أشده.
ثم إن الواقف أمامها مديد القامة، يحجب بهيكله الجسدى كل رؤية تطوق إليها.
بشكل عفوى، لا إرادى، مددت يدها ونقرت بأصابعها على ظهره وهى ترجوه: «من فضلك.. روح ناحية الشمال عاوزه أشوف».
تحرك بالكاد، وبرغم محدودية الحركة، فقد رأت الطيف الفسفورى الأبيض المتصاعد من القبة، وتلك الحمامات البيضاء المتطايرة حوله.
تمتمت بينما قلبها يخفق شدة:
«سبحان الله.. سبحان الله».
ظلت «عفت» تحدق فى القبة دقيقة حتى انتهى المشهد «المعجزة».. وبعد أن عادت لنفسها اكتشفت أن هناك مَن يحدق بها.
كان هو ذلك الشاب الذى استسمحته «روح ناحية الشمال».
وقبل أن تنطق باغتها:
«أنا شفتك يوم مظاهرات الطيران فى ميدان التحرير.. فاكرة؟»
ردت:
«آه.. يا خبر.. أنت شدتنا أنا وزميلتى، وجريت معانا بعيد عن العساكر.. آآه».
ثم ابتسمت:
«متشكرة جدًا.. لولا أنك شدتنى كان عسكرى الأمن المركزى لطشنى بالكرباج».
وقبل أن يمتد الحديث كانت «طنط أتينا» تنادى:
«يا عفت.. يا عفت.. إنتِ فين؟»
.. وتاها فى الزحام.
 


فى تلك الليلة.. وبعد أن عادت إلى فراشها استعادت «عفت» ما جرى فى «يوم المظاهرة».. اليوم الذى حققت فيه إرادتها وفرضت اختيارتها لأول مرة فى حياتها بعيدًا عن عيون أبيها وأمها.
كانت هذه واحدة من لحظات السعادة القصوى «القليلة» فى حياتها.
ونامت ليلتها وآخر ما تتذكره صورة ذلك الشاب الذى خلصها من «العسكرى وكرباجه».. ولم تك تعرف أن القدر يخبىء لها لحظة سعادة جديدة.
بعد أسبوع، وصلت إلى محطة الأتوبيس فى طريقها إلى معهدها الرياضى.. وإذا بها تلمح «منقذها» واقفًا يتصفح الجريدة الصباحية.
اقتربت منه وهتفت بصوت مرح خفيض:
«بالروح بالدم.. نفديكى يا سينا».
تلون وجهه بفرح عندما رآها ونطق:
«صباح الفل».
ثم طوى جريدته ومد يده ليصافحها بينما يُعرّفها بنفسه:
حسام عبدالفتاح.. هندسة القاهرة.
بدروها أعلنت:
عفت زين.. أولى تربية رياضية.

وصل الأتوبيس وكان مكدسًا.. واقترح «حسام» انتظار أتوبيس آخر فربما يكون أقل ازدحامًا.
وافقت بسرعة ضمن تواطؤ لا شعورى.. فقد كانت تتصاعد بداخلها رغبة عارمة فى التعرف على ذلك الشاب والاقتراب منه.
كانت منفعلة ومتحمسة، فقد بدا لها جذابًا جدًا، أو بالأحرى الراجل فى أمثل حالاته.
شعرت بأنه شخص تعرفه منذ زمن بعيد وإنسان صادق يمكن الوثوق به.
وربما السبب نبرات صوته النقية المفعمة بالصدق وأداؤه التعبيرى القوى بعينيه وشفتيه.
جاء الأتوبيس، وكان أقل ازدحامًا بالفعل، ولم تدر «عفت» كيف مر الوقت وهى تتحدث معه حتى وصلا إلى المحطة الأخيرة.
كان «حسام» أول شاب يقترب من حياتها اقترابًا حقيقيًا.. فلم تكن لها أى علاقة خاصة بشباب طوال مراهقتها.. ولم تتلق من أى شاب عرفته، من العائلة أو الجيران، سوى «معاملة أخوية».
وقبل أن يفترقها فى ميدان التحرير عرفت أن «حسام» طالب بالسنة النهائية بكلية الهندسة، متخصص فى الميكانيكا، كما أنه منخرط فى نشاط طلابى مع زملائه، ويفكرون جديًا فى الذهاب إلى سيناء والقيام بكفاح مسلح ضد المحتل الصهيونى، لأن الجيش وحده لا يكفى، والشعب لا بد أن يشارك فى معركة التحرير.
هكذا قال.
تكلم «حسام» بمرارة وحرقة، فى آخر لحظات اللقاء، وسألها إذا كانت ذات يوم قد التحقت بـ«منظمة الشباب الاشتراكى» لأنه تربى سياسيًا فيها واستفاد منها كثيرًا.
وشرحت له «عفت» أن أبيها يسمح لها بالاشتراك فى الرحلات المدرسية بصعوبة.. وقد سمح لها بممارسة الرياضة والجمباز لأن «عم وليم جوز طنط أتينا أقعنه، وهو المدرس وأدرى بشئون التعليم، أن التفوق الرياضى بالمرحلة الثانوية يتيح للطالب الحصول على ٥ درجات مئوية تضاف إلى المجموع».
ثم ودعته فى ميدان التحرير على أمل بلقاء آخر فى صباح اليوم التالى.

بعد أول «حديث مطول» بدا «حسام» أمام «عفت» وكأنه قد جاء من عالم آخر خرافى.. وامتدت علاقتهما على مدى ٥ سنوات وقعت خلالها «عفت» فى «فتنة حسام»؛ فقد صارت مبهورة به انبهارًا يتجاوز الحب والغرام، الذى تعرفه لأول مرة فى حياتها، وبات بالنسبة إليها «مسألة خلاص».
خلاص من حياة معقدة تثقلها بكم هائل من الأفكار والقيم والمفاهيم، وكأنها ترتدى عددًا من الأثواب السميكة الثقيلة واحدًا وفق آخر، فتعوق حركتها وتكبلها، وها هو يخلع تلك الأثواب عنها، ويطوّح بها بعيدًا بكل أفكاره الثورية الجديدة، لتستعيد حريتها ونفسها وتنطلق فى الحياة.
عرفت الكتب لأول مرة عن طريقه، فلم تكن تقرأ كتبًا خارج ما هو مقرر خلال السنة الدراسية، وفى غضون أشهر قليلة بدأت كتب «حسام» المهداة تفعل بها فعل السحر. 
كان أول مَن حدثها عن شعراء الأرض المحتلة: محمود درويش، وسميح القاسم، وتوفيق زياد. 
ثم إنه غنى معها حين دعاها لحضور حفل موسيقى لفرقة عبدالحليم نويرة بالجامعة:
وطنى! يعلمنى حديد سلاسلى 
عنف النسور ورقة المتفائل
ما كنت أعرف أن تحت جلودنا 
ميلاد عاصفة وعرس جداول
من خلال «حسام» عرفت: جوركى، وأنطون تشيكوف، وإميل زولا، وبول إيلوار، وجاك بريفير، وناظم حكمت، وبابلو نيرودا.. وقرأت لـ: بدر شاكر السياب، وصلاح عبدالصبور، وأمل دنقل، فضلًا عن أشعار مترجمة، أداها لها، لـ: بول إيلوار ولويس أراجون وغيرهما.
صارت «عفت» إنسانة جديدة خصوصًا بعد أن باح لها «حسام» بحبه وتعلقه بها، وقال لها إنها جذبت انتباهه منذ «مظاهرات الطيران»، ثم أصبحت بمرور الوقت «تميمة سحرية» تجلب له السعادة والفرح.
وكان أعظم هداياه صورة لـ«جيفارا»، رمز التمرد والثورة بالنسبة لـ«حسام» ورفاقه، وقد علقتها على الحائط فوق سريرها، وظنت أمها أنه أحد نجوم السينما الأجانب: «والله عشنا وشفنا.. تحطى صور الممثلين على حيطان البيت وعند سريرك».
.. وكان طبيعيًا أن يكلل كل ذلك الحب بزواج سعيد.. بعد أن تخرج حسام وعمل بـ«راتب معقول» فى شركة مقاولات.

فى ليلة الزفاف جاءت الضربة من حيث لا تحتسب «عفت» ولا «حسام».. فقد اكتشفا أنها ليست بكرًا، ولم يتشرفا برؤية قطرات الدم الحمراء المقدسة فى لقائهما الجسدى الأول.
الصدمة أخرستهما تمامًا.. قبل أن ينطق «حسام»: «معنى كده إنك عرفتى واحد قبلى، وكلامك عن كونى أول رجل فى حياتك ملوش أساس».
قالت بغضب واندهاش: 
«طبعًا أنت أول شخص فى حياتى.. أنا مبكذبش عليك».
لم تكن «عفت» تكذب بالفعل.. لكن كيف جرى ما جرى؟
ظلت ليالى طويلة تقلب سنواتها الثلاث والعشرين علها تجد إجابة أو تفسيرًا لغياب «قطرات الدم الحمراء».. بلا فائدة.
وكانت الليالى صعبة على «حسام».. يضاجعها بنهم كل ليلة.. ويبدو فى الظلام كعاشق واقع لشوشته.. أما فى الصباح فيطالعها بوجه حائر حزين تطل منه نظرات باردة وملامح متيبسة، تلمح خلفها تساؤلات واتهامات شتى.
بات عصبيًا لا يكلمها إلا إذا كلمته، وردود قصيرة مقتضبة، ولم تلمحه مرة يبتسم أو يضحك.
وأمام غياب تفسير يخفف «الوقع المؤذى» كان الذهاب لطبيب هو الحل الأخير.
وتحدد الموعد مع «المُنقذ الأخير» وكان يوم السادس من أكتوبر ١٩٧٣.. وفى الطريق وصلت أخبار العبور العظيم.
أنست الفرحة «عفت» مشكلة قطرات الدم العنيدة التى أبت السقوط من جسدها، وقالت له: «أنا فرحانة جدًا.. يلا نأجل مرواحة الدكتور، ونشترى فشار ونروح نشوف فيلم (الطلقة ٤١)، موجود فى سينما (أوديون).. نقدر نلحق حفلة الساعة ٣».
رمقها «حسام» بنظرة من الغضب والسخرية والاحتقار.. تلك النظرة جعلها، لأول مرة، تشعر بأن الراجل الذى تسير معه كائن غريب عنها تمامًا وإنسان لا تعرفه.
ثم قال: 
«واضح إنك مصدقة حكاية العبور والنصر. الموضوع فى الحقيقة عبارة عن سيناريو محكم مرسوم بدقة مع الأمريكان، ونهايته السعيدة لا بد أن تكون لصالح إسرائيل.. السادات مصيبة وحلت بمصر».
لم تتمالك نفسها من الضيق وأرادت أن تنهى الحديث فقالت: «ربنا يحمى كل شبابنا فى سينا ويرجعهم سالمين منصورين».

.. بعد دقائق وصلا إلى الطبيب السبعينى «الملتحى»، الذى كتب شهادة براءتها، وقال بعد الكشف إن غشاء بكارتها كان ضعيفًا وواهيًا جدًا وربما تمزق بسبب حركة أو جهد عنيف فى وقت من الأوقات دون أن تشعر به، وربما جرى ذلك خلال دورتها الشهرية فلم تلحظ ذلك.. ثم ألقى «موعظة قصيرة» عن التراحم بين الأزواج، وأن الغشاء، أو «القطعة الجلدية الواهية» لا يجب أن تعكر صفو حياتهما.
استراحت «عفت» بعد صدور الحكم ببراءتها. 
لكنها لم تلحظ تغيرًا من «حسام» سوى تغير موقفه من تأجيل الإنجاب.. حين طلب منها أن تتوقف عن تناول حبوب منع الحمل.
وافقت إثباتًا لحبها ووفاء له ورغبة فى استعادة الود المفقود بعد وصول الطفل.
ومرت ٥ أشهر بعد ذلك دون أن يحدث الحمل المرتقب.
ذهبا إلى الطبيب من جديد.. وبعد الفحص تبين أن «عفت» سليمة وجاهزة تمامًا للإنجاب.. لكن فحوصات «حسام» بيّنت أن «محصوله النووى ضعيف ولا يرقى إلى مستوى التخصيب».
حزنت «عفت» لكنها قررت ألا تتخلى عن «حسام» مهما كان الأمر، وعاهدت نفسها على ألا تتركه أو تعيش دونه، بل أن يستمرا فى الحياة الزوجية فى تبات ونبات دون صبيان وبنات.
أما «حسام» فآثر المراوغة والمكابرة.

مضت السنوات التالية سريعة.. وكانت تغيرات «حسام» أسرع.
صار «المهندس اليسارى» وأمثاله من المهندسين ومقاولى البناء وتجار الحديد المسلح والأسمنت والطوب هم سادة المرحلة وملوكها.
علاقاته القديمة بزملاء الجامعة، المطالبين بتحرير سيناء وحافظى أشعار ثورية من نوع «المجد لمن قالوا لا فى وجه من قالوا نعم» - بدأت تبهت وتضمحل، و«حسام» يسحب نفسه منها تدريجيًا.. بينما تتوطد علاقاته بزملاء شركة المقاولات.
أما الاهتمام بالقراءة، خصوصًا الأدب، فبات شبه معدوم.
حتى على المستوى الشكلى، بدأ الكرش الصغير ينمو ويتكور أكثر.
غير أن التغير الأهم لمسته «عفت» يوم خطوبة صديقتها «هدى»، فقد فوجئت بـ«حسام» يطلب منها أن تغطى صدرها وذراعها بأى شال أو إيشارب لأن «ديكولتيه الفستان محفور وغويط وطالع منه كل صدرك».
تعجبت جدًا من «طالع منه كل صدرك».. فقبل تعارفهما وبعدها، وعلى مدى علاقتهما وزواجهما، كانت ترتدى ملابس مفتوحة الصدر.
آثرت «عفت» السكوت وابتلاع الموضوع، وسحبت شالًا ورمته على كتفها.
ثم لاحظت كراهية متزايدة من «حسام» للسادات؛ فهو يرى الرجل ممثلًا ومنافقًا لا يطبق أى حرف من كلامه عن دولة العلم والإيمان.
«البلد فى حالة انحلال أخلاقى كامل.. الكباريهات بطول شارع الهرم كله.. والدعارة على عينك يا تاجر فى المهندسين وشارع جامعة الدول العربية، والشقق المفروشة موجودة فى أرقى شارع وأحقر حارة، وهو يخطب ويقول دولة العلم والإيمان وأخلاق القرية».
على الإبيارى رأيه إن الدين يجب أن يكون مادة نجاح ورسوب بالمدارس، وبجميع مراحل التعليم حتى الجامعة، وضرورى إغلاق المحلات إجباريًا وقت الصلاة، وكل الناس تترك كل شىء وتروح الجوامع وتصلى.
و«الإيبارى» هذا كان شريكًا لـ«حسام» فى شركة مقاولات أسساها معًا، وحققها مكاسب ضخمة بأساليب تحت مستوى الشبهات.
ومع الصعود الصاروخى للشركة كان هناك هبوط عمودى فى علاقتهما الزوجية.
... أخيرًا بدأت «عفت» تشعر بأن «حسام» ما هو إلا مجموعة من الأقنعة التى تتساقط بمرور الأيام، لتسفر فى النهاية عن وجهه الحقيقى وملامح شخصيته الحقيقية، فكل ما بُنيت عليه علاقتهما من آمال وأحلام وأفكار عن الحرية والعدل ووطن تنعم قراه بحياة كريمة وبتماثيل رخام على الترعة وأوبرا، كما يقول صلاح جاهين، باتت، فى نظرها، نوعًا من الوهم والسراب، وشعارات ربما لم يكن مؤمنًا بها حقًا فى يوم من الأيام.
حتى «الرقص»، الذى طالما حدثته عن أحلامها فيه وشجعها عليه وهو يمسك بيديها، صار فى رأيه «مسخرة وكلام فارغ».. يجب أن تتركه وتبتعد عنه وعن عملها كمدرسة تربية رياضية بالأساس.
«الأستاذ المناضل، من كان يرغب فى تحرير سيناء بالكفاح المسلح يعلن بوقاحة (الرياضة لا لزوم لها للبنات، البنات مصيرها بيت العدل».
وهو الذى كان فى يوم من الأيام الخوالى يشجعها ويحفزها للتشبث بحلمها وطموحها.
على أن الصدمة الكبرى جاءت بعدها بأيام.
كان «حسام» ممدًا على السرير بغرفة النوم، بينما تجلس أمام التسريحة تمشط شعرها حين قال:
«شعرك صار خفيفًا وهايش طول الوقت.. البسى حجابًا يخلى مظهرك محترمًا وشكلك أحسن».
ثم أضاف مبتسمًا:
«توبى.. توبى إلى الله».
لم تتمالك «عفت» نفسها من الغضب فهى لا تكره أكثر من شيئين؛ نظارة الشمس، وأى غطاء على دماغها ويقفل على أذنها.
.. واستمرت معركة الحجاب طويلًا حتى تحققت «هدنة البونيه»، الذى وافقت «عفت» على ارتدائه كحل وسط، فلا هو حجاب بالظبط ولا شعر مكشوف تمامًا.
وكان هذا تنازلًا ضمن سلسلة تنازلات اعتادت عليها ظنًا منها أن هذا سيعيده إليها أو حتى يبعد النظرات الحزينة والغاضبة والمستريبة عن عينينه.

تغيرات «حسام» امتدت إلى مقاطعة كلمة «آلو» عند الرد على التليفون.. بل صار يقول «السلام عليكم».. لآن «آلو» كلمة أجنبية مع أنه يستخدم عشرات الكلمات الأجنبية يوميًا ويقول «بانيو وأسانسير وتليفون».
هذا مع تزايد نهمه للأكل، وخشونة سلوكه بصفة عامة، وحتى فى أوقات ممارسة العلاقة الحميمية، وبدأ يستبدل بيجامات النوم بالجلاليب، ولا يجد غضاضة بالخروج إلى الشارع فى بعض المرات وهو يرتدى جلابية وفوقها عباءة بأطراف مذهبة.
وكان حبه لـ«الاستايل» الجديد يتزايد بتزايد رحلاته إلى السعودية لمتابعة شركته الجديدة هناك التى أسماها، مع شريكه الإبيارى، «قباء للاستثمار العقارى»، ووصفها بأنها «نصر من الله وفتح مبين».
وهذا «النصر والفتح المبين» اقتضى بالطبع أن يترك ذقنه تنمو براحتها دون تهذيب أو تشذيب ما جعل وجهه كئيبًا جهمًا.
هذه «الذقن» أزعجت «عفت»، فقد كانت لديه غمازة لطيفة أسفل هذه الذقن، كانت تحبها كثيرًا خصوصًا عندما تتسع وهو يضحك.. لكنها اختفت مع كل هذا الشعر الذى غطاها.
وعلى الغداء فى «كازينو الحمام» عند نيل البحر الأعظم طلبت منه أن يحلقها.
لكنه قاطعها بحدة:
«مستحيل أحلقها.. اللحية وقار، وكل مسلم لازم يطلقها ويتركها تطول».
ثم أضاف:
«لازم تلبسى سوتيان فوق سوتيان، معالم صدرك كلها واضحة، والبلوزة مفسرة كل حاجة وقماشها خفيف».
أنهت «عفت الحوار»: «حتى فى الفسح والخروج كل الكلام صار عن الحلال والحرام.. يلا نقوم نروّح».
وتوقفت بعدها «الخروجات».. وأصبحت الحياة «من خناقة لخناقة».

... مشهد النهاية كان فى عيد الأضحى الذى تلا اغتيال الرئيس السادات.
نشبت «خناقة» بين «عفت» و«حسام»، امتدت وطالت، قلب فيها القديم والجديد، وأعلن فيها صراحة عن أنها لا تساوى نكلة بسوق الحريم.
لم تسكت.. ذكّرته بالشعارات والجمل الكبيرة عن المساواة وحرية المرأة وضرورة خروجها من قمقم مفاهيم الماضى وقيمه البالية.. ذكّرته بكتب نوال السعداوى التى يحملها لها ويشجعها على قراءتها.
صرخت لأول مرة بعنف فى وجهه:
«كل ده كان قشرة.. كله كان عندك قشرة من برة.. قشرة ضعيفة هشة، وعمر كل الكلام الكبير ما دخل جواك، فى الحقيقة أنت متخلف وعندك فصام حقيقى فى الشخصية».
سكت «حسام» وهو يتأملها بدهشة، وبلا مقدمات أنهى الاشتباك بطلب غريب:
«لازم تلبسى النقاب وتتركى لبس الهدوم المسخرة وتبطلى تنزلى وتطلعى بيها كل يوم ولازم تتركى الشغل».
قالت بإصرار:
«مستحيل ألبس النقاب، ومهما عملت وطلعت أنت ونزلت، مستحيل أترك الشغل».
رد عليها بـ«غل»:
«ناوى أرميكى وأتركك كالبيت الوقف، يعنى لا بيع ولا شراء.. لا طلاق ولا جواز».
ثم فتح باب الشقة ودفعها خارج البيت.
وعرفت «عفت» فى السنوت التى تلت ذلك ساحات المحاكم لأول مرة فى حياتها، بحثًا عن ورقة إطلاق سراح تسمى «ورقة الطلاق».
ورأت فى المحاكم آلاف السيدات، معظمهن كن محجبات أو حتى منتقبات بجلاليب سوداء، تخفى كل معالم الجسد، و«أحذية كوتشى رياضية» بيضاء اللون.
وكان يشغلها كثيرًا سؤال: لماذا الإصرار على الأحذية الكوتشى البيضاء مع هذه الجلاليب الطويلة السوداء؟
وذات مرة، وبينما تقف على الرصيف انتظارًا لأن تتلون إشارة المرور باللون الأخضر لتعبر الطريق، كانت تقف على الرصيف المقابل ثلاث سيدات مغلفات بالسواد من أعلى الرأس وحتى الأقدام. فقط كانت تطل الأحذية الكوتشى البيضاء أسفل كل هذا السواد.
للحظات شعرت وكأنها ترى النساء وقد تحوّلن إلى فيلة ضخمة سوداء بأحذية بيضاء.. ارتعبت وهى تتذكر حسام وطلبه بأن تلبس النقاب وتصير كهؤلاء الفيلة السوداء التى تنتعل الأحذية البيضاء.
... وبعد «السبع دوخات» لم تحصل على الطلاق، لكن بصدور قانون الخلع أقامت دعوى خلع وصارت فى النهاية كائنًا حرًا.
وكان قرارها الأول بعد الحرية مواصلة دراستها فى فن الرقص.

أنهيت «فيلة سوداء بأحذية بيضاء» لكن تركتنى سلوى بكر مع أسئلة كثيرة عن حسام والذى جرى له.. فلم تضع إطارًا يمكن من خلاله فهم حالة التحوّل هذه.
فهل أوصلته «صدمة البكارة» لما وصل إليه؟.. هل غيّرت هذه العقدة حياته حقًا؟
أما أنه كان منافقًا من البداية.. حمل أفكار اليسار وشعاراته عندما كانت مجزية وتركها أمام أول عتبة حين صارت حملًا ثقيلًا؟
أقلبت جماعة دينية، من التى انتشرت وقتها، أفكاره مثلًا؟.. مع أن سلوى لم تتطرق طوال روايتها لهذا الشأن أبدًا.. فلا ذكر لجماعة أو شيخ أو داعية. ما يوحى بأن هذا «الانحراف» كان قرارًا شخصيًا.
العيب فى حسام كشخص؟ أم أوصلته المنظومة، أقصد منظومة السادات، لأن يصبح أحد «القطط السمان»؟
لكن كيف يكون ابنًا لهذا العصر وأحد «قططه» وهو كاره رئيسه بالأساس؟
أكانت «سلوى» تحاكم عصرًا تقف ضده.. أم تحاكم تيارًا تنتمى إليه وهو اليسار؟.. أم توجه ضربة مزدوجة؟!
ظنى أن هذه محاكمة لليسار أكثر من أى شىء آخر.