الجمعة 24 مايو 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

جذور الدم

محمد السيد عيد: «الإخوان» وريثة «الحشاشين» فى الاغتيالات والتكفير واحتكار الإيمان

الكاتب والسيناريست
الكاتب والسيناريست محمد السيد عيد

فى عام 2012، وبالتزامن مع صعود جماعة «الإخوان» إلى الحكم، عرض التليفزيون المصرى مسلسلًا دراميًا عن واحد من أهم الأئمة الذين تصدوا لجماعات التكفير والعنف والاغتيالات واحتكار الدين، هو مسلسل «الإمام الغزالى».

المسلسل لا يحكى قصة الإمام أبى حامد الغزالى فحسب، بل يسلط الضوء فى جزء كبير منه على أفكار جماعة «الحشاشين» بقيادة حسن الصباح، وإطارها الفكرى العام المعروف باسم «الباطنية»، وكيف تصدى لها «الغزالى»، رغم اتباعها منهج اغتيال وتصفية خصومها جسديًا.

وعاد المسلسل الذى قُدم قبل 12 عامًا كاملة إلى الواجهة من جديد، خلال رمضان المنتهى، بالتزامن مع عرض مسلسل «الحشاشين»، الذى تقدمه الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، من بطولة كريم عبدالعزيز.

عن مسلسل «الإمام الغزالى»، وكواليس تصويره وعرضه أثناء حكم «الإخوان»، وعلاقته بجماعة «الحشاشين» ومؤسسها حسن الصباح، يدور حوار «حرف» التالى مع مؤلف العمل، الكاتب والسيناريست محمد السيد عيد.

■ كيف بدأت قصتك مع مسلسل «الإمام الغزالى»؟

- أنا مُعجب بالإمام الغزالى منذ زمن بعيد، فأنا خريج قسم «الدراسات الفلسفية» بكلية الآداب جامعة الإسكندرية، وطالما وقفت خلال دراستى أمام كتابات هذا الرجل، وخلال قراءاتى عنه اكتشفت أنه عاصر فرقة «الحشاشين»، المعروفة أيضًا بـ«الخناقين» أو «الفداوية»، وكان هو وزعيم هذه الفرقة، حسن الصباح، من بلد واحد، هى مدينة «طوس» الإيرانية.

وفى تسعينيات القرن الماضى، كانت مصر تعانى من الإرهاب، ففكرت فى تقديم مسلسل يعالج هذه القضية، ولم أكن بدأت فى الكتابة التلفزيونية بعد، لكنى كنت أقدم سلسلة مسلسلات إذاعية حول الشخصيات العربية والإسلامية الشهيرة، مع المخرج المتميز سمير زين، فى إذاعة «البرنامج العام»، تحت عنوان: «نجم فى سماء الزمان»، فقررت أن أكتب مسلسلًا عن الإمام الغزالى ضمن هذه السلسلة، أعالج فيه موضوع الإرهاب، وفرقة «الحشاشين»، ومواجهة «الغزالى» لها.

كتبت المسلسل للإذاعة بالفعل، وحقق نجاحًا طيبًا، وبعد فترة قصيرة بدأت الكتابة للتلفزيون، وحين رأيت الإرهاب تزداد وطأته، فكرت فى تحويل العمل إلى مسلسل تليفزيونى، حتى واتتنى الفرصة لذلك، حين طلب منى المنتج رياض العريان -رحمة الله عليه- كتابة مسلسل دينى، وترك لى حرية اختيار الشخصية التى أكتب عنها.

اخترت «الغزالى» بطبيعة الحال، وأنجزت كتابة المسلسل فى ١٥ حلقة فى البداية، لكن «العريان» لم ينتجه بسبب خلاف مادى مع قطاع الإنتاج، فظل المسلسل «مركونًا» لفترة ما، حتى قرر مدحت زكى، رئيس قطاع الإنتاج وقتها، تقديمه على الشاشة، وكلف المخرج الكبير أحمد توفيق بإخراجه.

قرأ أحمد توفيق الحلقات، واقترح علىّ إعادة كتابتها فى ٣٠ حلقة، فرحبت بالفكرة، فقد كان لدى مواد لا حصر لها، لم يتسع لها المسلسل الإذاعى، ولا الـ١٥ حلقة، لأعيد كتابة العمل بالفعل، قبل أن أختلف مع «توفيق»، الذى كان يريد شراء المسلسل وإنتاجه وإخراجه فى آن واحد. ودار المسلسل على عدة شركات خاصة وحكومية، حتى استقر به المقام فى قطاع الإنتاج، لنقدمه من خلاله، بقيادة المخرج إبراهيم الشوادى.

■ لكن قبل تقديم المسلسل من خلال قطاع الإنتاج تأجل أكثر من مرة، وقيل إن ذلك جاء بسبب مناقشته موضوع العلاقة بين «الشيعة» و«السنة».. ما الحقيقة؟

- موضوع «الشيعة» و«السنة» الذى تناولته فى المسلسل كان جديدًا على الإعلام المصرى وقتئذ، وفى الحقيقة كان هناك خوف كبير منه، وتسبب بالفعل فى تأجيل المسلسل، على الرغم أننى شددت فى الأحداث على أن «الشيعة» و«السنة» كلاهما ينتمى إلى الإسلام، وأن الخلاف بينهما لا يستفيد منه سوى أعداء الأمة، لكن من يقول ومن يسمع؟

وبعد ثورة «٢٥ يناير» تولى رئاسة قطاع الإنتاج، محمد عبدالله، وهو رجل شئون مالية وإدارية، وجد أن المسلسل قد انتهت المدة المحددة فى العقد لاستغلاله، لكن هناك «ثغرة» فى العقد تتيح له إنتاجه، بدلًا من ضياع المبلغ الذى دفعه لى القطاع، فقرر إنتاجه.

الطريف أن وزير الإعلام وقتئذ كان سببًا فى تعطيل المسلسل، قبل أن يتولى الوزارة، ولم أفهم أسباب موقفه، وعندما قال له رئيس قطاع الإنتاج بصراحة تامة، فى اجتماع رسمى لقيادات الجهات الإنتاجية: «حضرتك وقفت المسلسل ده قبل كده، هل تحب أن نوقفه أم نستمر فى إنتاجه؟»، فإذا به يوافق بحماس على إنتاج المسلسل.

وخلال فترة التصوير، كانت جماعة «الإخوان» قد صعدت إلى الحكم، وعُرض المسلسل أثناء فترة حكمهم، فاعتبرت أن الله هو الذى اختار الموعد، بعد كل هذا التأخير.

■ وكيف اختير محمد رياض لدور البطولة؟

- محمد رياض فنان كبير، ومن مميزاته أنه يجيد اللغة العربية، فى وقت يعجز فيه الكثيرون عن نطقها، كما أن الناس تصدقه حين يجسد دور أحد الأئمة، لأن ملامحه فيها الطيبة، كما أن سيرته بين الناس طيبة، فضلًا عن تمتعه بـ«روح الهواة».

وحين اتفقت أنا و«الشوادى» على اختياره، زارنى فى مكتبى، ودار بينى وبينه حوار طويل عن الشخصية، وسأل عن الكتب التى يمكن أن تعينه على فهمها، وكان لا يتردد فى السؤال طوال الوقت، ومتعاونًا إلى أقصى حد، لدرجة أنه كان يستضيف بعض «البروفات» فى مكتبه الخاص. أنا سعيد به سعادة حقيقية، لأنه أدى الدور بصدق فنى حقيقى، وتحمل كل المشاق التى واجهت المسلسل بصبر تام.

والحقيقة أنه كان هناك توافق بينى وبين «الشوادى» على كل الأدوار الرئيسية، عدا ممثلة واحدة هى نرمين الفقى، فقد كنت أرى أنها ممثلة جيدة، لكن لم يسبق لها التمثيل باللغة العربية، لكن «الشوادى» كان مقتنعًا بها، لتثبت بعدها أنها قادرة على التمثيل باللغة العربية، وأن «الشوادى» كان على حق، وأظن أنها كانت مكسبًا.

أما أحمد وفيق، الذى لعب دور «حسن الصباح»، فقد عمل معى قبل ذلك، فى مسلسل «على مبارك»، وأرى أنه ممثل ممتاز، ويجتهد فى فهم الشخصية التى يؤديها، لذا حين رشحته لـ«الشوادى» وافق فورًا.

■ نلاحظ أنك حين تكتب عن شخصية مؤثرة فى التاريخ، تناقش كل ما حدث فى الحقبة التاريخية التى عاشها، تمامًا كما حدث مع «الإمام الغزالى»، الذى تناولت معه فرقة «الحشاشين»، وصورت لنا الحياة الدينية والسياسية التى أحاطت به... ما دوافعك لذلك؟

- أرى أن الشخصية بنت مجتمعها، وعادة أتخذ منها محورًا لتقديم التاريخ المعاصر لها، فالشخصيات الكبرى لا تعيش فى فراغ، وإذا كنا نريد فهم دورها الحقيقى يجب أن نرى المجتمع الذى تتحرك فيه.

والفن اختيار، بمعنى أنى حين أختار شخصية أختارها لأنى أرى أنى أستطيع أن أقدم من خلالها رسالة محددة أريد أن أوصلها للناس، ولهذا اخترت «الغزالى»، حتى أقدم أمامه «حسن الصباح»، وقضايا مثل الجماعات السرية والمتطرفة والتكفيرية، وبيان خطورة انقسام الأمة، والصراع بين «الشيعة» و«السنة».

■ ما حدود تدخلك ككاتب ومؤلف فى الأحداث التاريخية؟ أو ما الذى أضفته إلى العمل بجانب البُعد التاريخى؟

- هذا سؤال يحتاج إلى مقال طويل للرد عليه، لكنى سأحاول الرد عليه بإيجاز.. الكاتب حين يقرأ التاريخ يجد نفسه أمام ٣ أشياء:

أولًا: الأحداث والشخصيات المتفق عليها، وهذا شىء لا بد من الالتزام به.

ثانيًا: الأحداث المختلف عليها، فهناك أحداث تاريخية لا حصر لها غير متفق عليها، وفى هذه الحالة فأنا سأختار ما يتفق مع وجهة نظرى.

ثالثًا: المسكوت عنه، وهنا سأعطى نفسى الحرية لكى أملأ الفجوات التى أجدها، ولا حرج علىّ فى الاجتهاد، بشرط أن يكون هذا الاجتهاد متفقًا مع الرؤية العامة للعمل.

وفى مسلسل «الإمام الغزالى» التزمت التزامًا كاملًا بالمتفق عليه من الأحداث، وتصرفت بشكل معقول فى المسكوت عنه، فمثلًا افترضت كل تفاصيل العلاقة بينه وبين زوجته، لأن الكتب سكتت عنها، كذلك كل ما يتعلق بزوجة أخيه كان من تأليفى، لأن الكتب لم تذكر عنه شيئًا.

أضفت أيضًا بعض الشخصيات غير التاريخية التى تساعد فى كشف وتطوير الأحداث، مثل شخصية «على» التى أداها الفنان بهاء ثروت، وشخصية «نجلاء» التى أدتها الفنانة نرمين الفقى. ولا بد أن نعرف أن كاتب السيرة التليفزيونية لا يكتب التاريخ وحده، بل يضيف من خياله الكثير، لكن مما لا يتعارض مع ما هو متفق عليه.

■ احتلت شخصية «حسن الصباح» حيزًا كبيرًا فى مسلسل «الإمام الغزالى»، كيف ترى هذه الشخصية، وتأثيرها فى العصور التالية؟

- الأستاذ عبدالله عنان، المؤرخ الكبير، حين كتب عن «حسن الصباح»، ذكر أن الجمعيات والدعوات السرية من بعده تأثرت به حتى العصر الحديث. وهذه حقيقة، فلقد استمرت الفرقة التى أسسها مؤثرة طويلًا بعده.

على سبيل المثال، سببت مشاكل كبرى لصلاح الدين الأيوبى، وحاولت اغتياله، وكتب الدكتور سعيد عبدالفتاح عاشور كتابًا كاملًا عن مكائدهم ضد «صلاح الدين»، سماه «صلاح الدين ومكايد الحشاشين».

وقد ظلت هذه الفرقة قوية وخطيرة حتى العصر المملوكى، حين تعرضت لضربتين قويتين أجهزتا عليها، الأولى على يد المغول، والثانية على يد الظاهر بيبرس. ولا يزال بقايا أتباع «حسن الصباح» وفرقته فى سوريا حتى الآن، لكنهم تركوا العنف والاغتيالات السياسية، وصاروا مواطنين عاديين.

المهم أن فكرة «التنظيم السرى» الذى يتخذ من الدين وسيلة لتحقيق غرض سياسى، لم تمت بعد «حسن الصباح»، وفكرة تكفير الخصوم، والادعاء بأن فرقة معينة هى الفرقة الوحيدة المؤمنة، لا تزال مستمرة إلى الآن.

وهذه الفكرة هى فكرة «الإخوان»، التى طرحها سيد قطب، فى كتابيه: «الظلال» و«المعالم»، ولدى كتاب كامل يبين أفكار سيد قطب التكفيرية، وأهداف جماعات «الإسلام السياسى» التكفيرية، هو «فى مواجهة التكفير»، لمن يود أن يعرف المزيد.

■ قدم الإمام الغزالى كتابين يكشف فيهما أفكار وممارسات «الباطنية» والتكفيريين.. كيف ترى حرب الإمام مع هذه الفرق؟

- «الغزالى» رجل فكر، لا يملك سوى الكلمة، والتكفيريون و«الباطنية» هى قضايا فكرية، لذلك قرر «الغزالى» أن يواجه الفكر بالفكر، وهذا ما بينته فى المسلسل.

ففى مواجهة أفكار «الباطنية» وممارساتهم، ألف الإمام الغزالى كتابه الرائع: «فضائح الباطنية»، والذى بَين فيه آراءهم وتنظيماتهم ودرجاتهم داخل التنظيم، ولم يخش سلطانهم، لأنهم كانوا يصفون خصومهم جسديًا.

ألف أيضًا كتابًا آخر مهمًا للرد على فكرة تكفير المسلمين، من قبل «الباطنية» وغيرهم من معاصريه، وهو «فيصل التفرقة بين الإيمان والزندقة»، وقال فى هذا الكتاب إن «الرجل لو كان كلامه يُفهم منه الكفر من ٩٩ بابًا، ويفهم منه الإيمان من باب واحد، فالأفضل أن يحمل كلامه على الإيمان»، لأن التكفير حكم فقهى خطير، وتترتب عليه نتائج غاية فى الخطورة.

لقد كان «الغزالى» مثقفًا عضويًا، اشتبك مع قضايا مجتمعه فى عصره، وكتب عنها بشجاعة واستنارة، وربما كان تصوفه العامل الرئيسى وراء هذه الشجاعة، لأنه كان يعلم أن الأعمار بيد الله، وليست بيد «الحشاشين» أو غيرهم.

■ كيف تقيم فترة «الغزالى» من واقع مسلسلك عن الإمام وقراءاتك الكثيرة عن هذه الفترة؟

- كانت فترة انقسام كبرى فى العالمين العربى والإسلامى، تسببت فى اكتساح «الصليبيين» للمشرق العربى، وإهدار أرواح أعداد هائلة من العرب والمسلمين، على أيدى الاحتلال الاستيطانى المشابه للاحتلال الإسرائيلى الحالى لفلسطين. ويكفى أن نعرف أن «الصليبيين» حين دخلوا القدس قتلوا بين ٧٠ و١٠٠ ألف، ولولا الانقسام والفرقة ما حدث هذا. وأؤكد أن ما يحدث اليوم هو تكرار لما حدث بالأمس. لكنى رغم كل شىء متفائل، فـ«الصليبيون» استمروا فى الشام ٢٠٠ سنة، لكنهم خرجوا فى النهاية واسترد العرب أرضهم، وكان لمصر الدور الأكبر فى استرجاع الأرض وتحريرها.