المنابع الأولى.. صفحات مجهولة من إبداعات مصطفى محمود
- كان الأطفال يجتمعون حولها ويسألونها عن مصر وهى تجيب بأكاذيب!
ما يعرفه الجمهور عن الدكتور مصطفى محمود ليس سوى جانب من الحكاية؛ فخلف الصورة الشهيرة لمقدم برنامج «العلم والإيمان»، وصاحب المؤلفات الفكرية والفلسفية المثيرة للجدل، تختبئ عوالم أخرى لم تنل ما تستحقه من الضوء والاهتمام.
هناك مصطفى محمود الصحفى المبدع، والناقد الفنى الجرىء، والقاص الذى خاض مبكرًا مغامرة الكتابة الإبداعية، والمصلح الاجتماعى الذى انشغل بقضايا الناس وهمومهم اليومية، والإنسان الذى عاش حياته باحثًا عن الحقيقة، ومؤمنًا بأن العقل هو الطريق الأصدق إلى المعرفة.
ومن هنا تأتى أهمية العدد الجديد من «الكتاب الذهبى» الصادر عن مؤسسة «روزاليوسف» تحت عنوان «مصطفى محمود.. التراث المنسى»، برئاسة تحرير الكاتب الصحفى أيمن عبدالمجيد، الذى لا يكتفى بإعادة تقديم شخصية استثنائية أثرت الحياة الفكرية والثقافية العربية لعقود، بل يذهب أبعد من ذلك ليكشف صفحات مجهولة وكنوزًا دفينة من تراثه الإبداعى والفكرى لم تعرف طريقها إلى كتبه المتداولة، وظلت حبيسة أرشيف الصحافة والذاكرة.
إنه عمل يوثق رحلة عقل لم يتوقف يومًا عن التساؤل، وقلم لم يكف عن البحث، وإنسان آمن بأن المعرفة مسئولية.
وبين صفحات هذا العدد، الذى تحتفى به «حرف»، يكتشف القارئ مصطفى محمود كمًا لم يره من قبل؛ أكثر قربًا وثراءً وإنسانية، فى رحلة ممتعة داخل تراث منسى يعيد إحياء واحد من أهم رموز الفكر والإبداع فى تاريخ مصر الحديث.

إبليس المجنى عليه
الجنة.. آدم وحواء جالسان فى ظلال كرمة مورقة تدلت عناقيدها كفوانيس من البلور، وتحت أقدامهما يجرى نهر من العسل.
حواء - فيمَ تفكر يا عزيزى آدم.. إنك تبدو وكأنك لا ترانى.
آدم - نعم إنى مهموم يا حواء.. لقد تسلطت علىّ فكرة واحدة حرمتنى طعم الراحة.
حواء - أية فكرة تلك التى تبعدك عنى؟
آدم - الشجرة.. الشجرة القائمة هناك تحت الشمس التى لا تغيب، شجرة الحنطة التى حُرّمت علينا بسنابلها التى تلمع كالذهب.. لِمَ حرّم علينا الله الأكل من هذه الشجرة.. وكيف تكون هذه جنة ويُحرم فيها شىء.. كيف تكون هذه جنة وفى أيدينا القيود، وعلى رقابنا كلمة تقول لا.. لا تفعلوا ذلك الشىء.. كيف تكون جنة، ولا توجد حرية؟!
وسكت آدم قليلًا، ثم قال بصوت راعد:
- يا حواء.. سوف آكل من هذه الشجرة.
فصرخت حواء:
- أجننت يا آدم!.. أتعصى الله الذى خلقك.. يا زوجى.. يا إلهى الصغير عد إلى صوابك.. أتوسل إليك كن عاقلًا.. لا تُنزل علينا اللعنة.. إننا نعيش سعداء فى عالم من النور لا نموت ولا نتألم ولا نمرض ولا نجوع.. إننا نعيش فى الجنة.. فى الجنة.
- إنى أفضل عالمًا صغيرًا من صنعى على سماء لا أملك فيها إلا الطاعة العمياء.
- أنت كافر.. لقد وسوس لك الشيطان وحلت بك روح الأفعى. ابتعد عنى.. لا أريد أن أراك.
تعطيه ظهرها لحظة، ثم تعود فتلتفت إليه فى حنان، ثم تنظر إلى الأفق اللا متناه.. وتستغرق فى التفكير.
آدم - حواء يا حبيبتى.. بم تفكرين؟
حواء - أفكر فى الشجرة.. الشجرة القائمة هناك عند السهل بسنبلتها التى تبدو كشمس من ذهب.. لِمَ حَرم الله علينا هذه الشجرة؟
- أنتِ إذن تريدين أن تأكلى من الشجرة!
- نعم.. ولكنى لا أقوى..
- أنت إذن وسوس لك الشيطان.
- لا أدرى.. لا أدرى..
- أنتِ إذن منافقة تكذبين على نفسك تحبين الشىء وتنكرينه.. ويحى منك امرأة.
- إنى ضعيفة يا آدم.. ضعيفة.. ما أنا إلا ضلع من ضلوعك هذه.
- وما انتظارنا إذن إذا كنا نرغب فى هذه الشجرة؟
- خوف الله .. يا آدم.
- إن هذا الخوف يملؤنى ذلة.. ويجعل طعم العسل فى فمى كالعلقم.. ويجعل جنتى نارًا.. سوف أضع لهذا الخوف حدًا.
يصرخ:
- سوف أختار جحيمى بيدىّ هاتين.. فهذا أفضل من أن يختار لى جنتى أحد.
- لقد حلت بنا اللعنة.. لقد أغوانا إبليس.. لقد سرَى سم الأفعى فى دمنا.. الويل لنا.. يا إبليس لينتقم منك الله فى الدارين.
يمضيان فى طريقهما إلى الشجرة.
إبليس والأفعى جالسان على باب كهف مظلم يتحادثان فى همس..
الأفعى: أحقًا يا شيطانى أنك ذهبت إلى آدم ووسوست له بأن يعصى ربه، ويأكل من الشجرة؟
إبليس وهو يرتعد - أنا!! قَسمًا بهذا الظلام المدلهم.. إنى لبرىء من هذ الفرية.. إن هذا الوغد آدم لشيطان مريد.. إنى لأرتعد كلما اقتربت منه.. إنى لأخشاه كما أخشى النور الساطع.. إنه لعملاق يخرق هذه السماء برأسه.
- لقد سمعت أنك أنت الذى ذهبت إلى حواء وأغويتها.
الأفعى مجلجلة بأجراسها فى دهشة:
- أنا.. ويح هذه اللعينة.. التى تكذب حتى على نفسها.. إنى لا أجرؤ على الاقتراب منها.. لقد كادت تلتف حولى وتخنقنى.. إن كلامها أملس كالدهن.. وقلبها ملون كجلد الأبرص، لقد اشتهت أن تأكل الحنطة فألقت الذنب علينا.
- مسكين أنا.. سوف تضع البشرية كلها ذنوبها على كتفى.. وتقول إبليس اللعين أغوانا.. أما ترين كتفيّ وقد بدأ ينوآن بما يحملان.. لقد نزل آدم وحواء إلى الأرض مطرودين من الجنة وها هى الأرض تطفو فى بحر من دم.. وأبناء آدم يتقاتلون كالذئاب.. وأنا الملوم.. رباه.. لقد بدأ عذابى.
على الأرض.. رجل وامرأة من سلالة آدم فى خلوة..
المرأة - حذارِ .. لا تقترب منى.. لقد بلغ حبنا مداه.. ولم يبق إلا الجسد.
الرجل - إنى أحب هذا الجسد. «يُقبلها فى صدرها».
المرأة - إنه فاكهة محرمة.
- سوف أكل هذه الفاكهة المحرمة.
- لا تدع الشيطان يغويك.. وكن عاقلًا.. لنكتف بهذا الحب الروحى الذى يلطف قلوبنا كالنسيم.
- إنه يحرق قلوبنا.. لا شىء يبرد قلبى سوى دمك.
- هذه وسوسة إبليس.. سوف أهرب منك.. لن تلقانى بعد اليوم.
تجرى منه وتختفى خلف الباب.
فيتركها ويشعل لفافة تبغ، وتمضى لحظات، ثم تقترب منه فى رقة وتحيط عنقه بذراعيها.
- يا رجل إنى أحبك.
- ماذا تريدين منى الآن.. أما قلت الآن إنك سوف تختفين من وجهى؟
- لا أستطيع .. لا أستطيع. إنى ضعيفة.
- أما يكفيك هذا الحب الروحى الذى يلطف قلبك كالنسيم؟!
-إنه يحرقنى كالنار.. لا شىء يبرد قلبى سوى جسدك.. لقد غلبنى الشيطان على أمرى.. وها أنا راكعة كالحمل عند قدميك.. لتسفح دمى. ينظر إليها الرجل لحظة، ثم ينتابه الغضب فجأة فيصفعها!
- قومى يا امرأة.. لم أعد أحتمل نفاقًا.. لقد كفى الشيطان ما حمله من ذنوب.. لن أحمله ذنوبى بعد الآن، ولن أحَمّله نفاقك، لقد أردت أنت هذا الخضوع.. ودبرت له الفرص، ونصبت له الشرك، وطاردنى كالذئبة فى كل مكان والآن تقولين إنك الحمل.. إنى أرفض فاكهتك المُرّة.. وجنتك الملوثة بالكذب.. وسوف أتحمل ذنوبى وحدى وسوف أبحث عن امرأة تحمل ذنوبها فى شجاعة دون أن تبحث عن شبح.. تضع على كتفيه أوزارها، شبح تسميه إبليس اللعين يخرج غاضبًا.

أم سيد
مصر أم الدنيا.. وأمنا جميعًا.. وأم كل الأشياء.
تجد فى مصر القبعات واللاسات.. والبراطيش.. والمساجد والبارات.. والصحف والشخاشيخ ومطاعم الفول، وكل شىء حتى الفيلة والنسانيس.
وأم سيد ذاهبة اليوم إلى مصر.. وهى تجمع حاجاتها وتحشرها فى صُرَة وتغنى ومن حولها حلقة من الصبية يحملقون فيها كأنها طير بَرّى.
إنها سوف تذهب إلى مصر وتركب الترام.. وتعود لتحكى للحارة والجيران أنها ركبت حصانًّا من حديد له زلومة طويلة تجرى على الأسلاك.. هى تغنى وتلوك بين أسنانها شيئًا كالعجوة، وتزمُّ على خصرها حزامًا من العبك. وتصيح فى أولادها:
- ولاه.. ولاه.. فين صُرّة البلح.. فين سَبَت الكحك.. فين شالى.. وخلخالى.. ومداسى.. ولاه.. ولاه.
وتحزم أحمالها فى حزمة واحدة، وتزدرد كوزًا من الماء.. وتهرول إلى الباب، ومن حولها سامر العيال يهتف ويهلل.. خدينى ياما.. حاطاوعك ياما. . عاوز أشوف خالى ياما.. والنبى ياما.
- بس يا مناكيد.. بس يا لمامة.. بس يا حَوَش.. دنا رايحة مصر.. هو أنا رايحة قحافة.. هو أنا رايحة تلا.. دنا رايحة مصر.. أمّ الدنيا.
وتستطيل وجوه العيال وتتسمر نظراتهم فى بلاهة وهم يحملقون فى أمهم فى إعجاب كأنهم ينظرون إلى الهَرم.
وفى قطار الدلتا وعرباته التى تشبه عربات الكلاب تجلس أمُّ سيد تنظر إلى الحقول وهى تجرى وتصغى إلى صوت المُحرك وهو ينقنق كالضفدعة وتمسح عَرَق ثمانين عامًا وتحتضن سَلة الكعك بأيد ضنينة.
إن ثمانين عامًا من عُمر أم سيد لا تفترق عن عُمْر شجرة مزروعة فى الأرض.. فالأحداث من حولها تمضى.. وهى كما هى بملاءتها وشالها وخلخالها والحصير الذى تتمدد عليه، والعناكب والفئران والأولاد المناكيد ورنين الماء وهو يتساقط قطرة قطرة إلى جوارها.. وزوجها وهو يلوح بذراعه صائحًا:
وليّه.. وليّه.. الزير بيشر.. وأنت نايمة زى البهيمة.. هو مال يهود.. يا بنت الـ...
والعمر يمضى.. وهى كما هى.. أم سيد..
أمها تموت، وأبوها يموت، وزوجها يموت.. وأهلها يموتون.. وأولادها يموتون.. وهى باقية كإطار فارغ نُزعت أحشاؤه..
ولعلها وُلدت ميتة.. أو أنها ماتت من زمن طويل.. فهى قلما تحس بشىء الآن.. وقلما تتيقظ من سباتها إلا فى لحظات قصيرة خاطفة حينما تسمع امرأة تولول.. فتبكى هى الأخرى.. وتولول.. لا تدرى لِمَ؟..
وإنما هى تعوى كما يعوى كلبٌ ضال، حتى تتعب فتسكت، وتعود إلى الإغفاء .. والنسيان.. فكل شىء فيها مدفون.. وهى فى وسط الحطام كشاهد مقبرة يدل على مكان المأساة.
إنها ليست بالشىء المهم.. فهى جزء من الدشت البشرى الذى يملأ الأرض لا يقدم فيها ولا يؤخر.
- أم سيد هاتى كحكة.. أم سيد هاتى كورة.. أم سيد هاتى نَبٌوت.. أم سيد هانى حضن.
لقد وصلت أم سيد إلى القاهرة.. وشدت السٌقاطة العتيقة فى عطفة الحصرى وصعدت الدرجات الخشبية ثم صاحت صيحتها المعهودة..
ولاه.. ولاه.. فاجتمعت حولها العائلة ترقص وتهلل وتتشبث بشالها.. وتتساقط على صرّة الكعك كالجراد.. وتجمع الأطفال فى حلقة وسط الغرفة، بينما تقوّست هى فى ركن مظلم.. وتراخت أطرافها المعروقة كفروع اللبلاب الجافة.
لقد أنهكها المشوار فتكوّمت كالثوب القديم وأسندت رأسها إلى الشباك، وضاعت فى صراخ الأطفال وعواء الباعة الجائلين وكركرة عربات اليد وصرير العجلات وجلجلة الحناطير.
ورفعت رأسها ودققت فى المصباح، إنها ترى مصباحين اثنين، لقد أصبحت ترى الأشياء مضاعفة، وأحيانًا تراها مكبرة.. وأحيانًا تراها ملونة، وأحيانًا تراها مغلقة بوشاح كالضباب، وأحيانًا لا تراها على الإطلاق.
أين العيال؟
لقد ذهبوا..
وهمست العجوز إلى نفسها!
- فيما مضى كان لى عيال مثل هؤلاء.. وكان لى رجل.. وكنت عروسًا لا أعجن ولا أخبز.. ولا أنزل إلى السوق، وإنما أنام على سرير معدن.. وآكل وأشرب وألد وأغسل لزوجى رجْليه..
وكان لى فستان أحمر مُحَلى بالترتر وقميص بالقصب، مكحلة ومروَد، وكان صوتى حلوًا فيه غنّة.. وكان المرحوم يقول: غنى يا عواطف غنى.. وكنت أهرب منه إلى السطح وأختبئ فى غرفة الدجاج، وأنقر بيدى على الطبلية المكسورة وأصفق بأساورى الزجاج.. وأغنى ويحمر خداى كالطفلة الشقية.. آه يا أسمر اللون.. حياتى يا أسمرانى.. فين راح زمانك.. يا أم سيد..
وأخرجت أم سيد ذراعها الباردة المعروقة من شق جلبابها ولفت فيها رأسها المتعبة واختلست نظرة إلى الباب الذى سوّدته أشباح طويلة معروفة ودخلت جاراتها العجائز.. واجتمعت على الأرض حلقة من النسوة يتحادثن فى وقت واحد، ثم يسكتن فجأة.. فتقول واحدة: والله سَلامات.. والله زمان.. يا أم سيد.. فين الأيام؟
ومن تحت الشباك يتصاعد صوت رفيع مخنوق ينادى على البليلة.. وتضحك الوجوه الصفراء الهرمة ضحكات واسعة بلا أسنان تبدو فى النور الشاحب كوجوه من المصيص.
لقد مَرّ على أم سيد أسبوع فى القاهرة ولكنها مَلت القاهرة.. لكم تغيّر الناس فى المدينة.
لقد قالوا لها إن حفيدها أصبح مديرًا أصبح بيه كبير.. فذهبت لتسلم عليه وتأخذه بالحضن.. ووضعت صرتها إلى جوار الباب ثم صفقت.. وفتح الباب رجل نظر إليها مليّا.. وحينما قالت له: أنا أم سيد.. أنا سِتَك.. دخل وغاب طويلًا وسمعته يقول وهو يلوح بذراعه.. ادوها حاجة لله.
ولكنها لا تريد شيئًا لله.. إنه تريد أن تُقَبّله.. وتعطيه بعض الكعك.
ذلك الطفل الكبير الذى طالما مسحت له دموعه وهو رضيع.
ولكنه ذهب.. ذهب وأغلق خلفه الباب.
لم تعد القاهرة بلدك يا أم سيد.. إن بلدك هناك عند السواقى.
وعادت العجوز إلى عطفة الحصرى، وجمعت حاجياتها وقبّلت الأطفال، وألقت نظرة دامعة على القاهرة.. أم الدنيا.. ثم مضت تخب فى ملاءتها إلى حيث القطار وعرباته الصاج التى تشبه القنافذ.. وألقت بجسمها المكدود على المقعد، ومددت ساقها الوارمة.
وفى البلد حينما تجمَّع حولها الأطفال يسألونها عن مصر.. نظرت فى وجوههم البيضاء.. وفكرت فى مرارة الصدق.. ثم بدأت تروى قصة طويلة مكذوبة:
- مصر يا ولاه.. يا سلام.
- أيوه يا خالتى.. والنبى يا خالتى.
- مصر يا ولاه.. شوارعها مفروشة أبسطة.
- يا حلاوة.. يا خالتى.
- وبيوتها مكسية مرايات، وغيطانها.
- أيّوه يا خالتى.
- مسقية كولونيا.
- يا حلاوة يا خالتى.
ومضت تكذب.. وبات الأطفال يحلمون بالأكاذيب، وباتت هى تحملق فى الشرّاعة العارية وفى نجوم الليل وتصغى إلى وابور الحليج الذى ينعق كالبومة من بعيد.
لقد نسيها الكبار.
ترعرعت فى قلوبهم القسوة.. ولم يبق لها إلا عالم الأطفال يتظللون فيها كالكتاكيت تحت الجميزة العتيقة.. لِمَ يقسو الإنسان هكذا حينما يكبر؟.. إنها لا تدرى.. نعم لا تدرى.

خانكة
عنبر المجاذيب فى مستشى الخانكة الساعة الواحدة بعد منتصف الليل.. اثنان من المجاذيب يجلسان أمام النافذة ذات القضبان الحديدية يتحادثان باهتمام.
- عارف اللحمة اللى جابوها النهاردة فى العَشاء.. فيها سم.. أنا شفت العسكرى وهو بيحط فى كل أروانة معلقة سم.. زرنيخ أبيض لونه زى لون الملح وعليه شطة عشان ما يبانش طعمه.. كل أروانة معلقة سم.. كل أروانة معلقة سم.. حايموتونا زى الكلاب.. شايف العسكرى اللى واقف تحت ده.. هو اللى حط السم فى الأروانات.
شايفه رايح جاى إزاى.. رايح جاى.. رايح جاى.. تحت الفانوس.. بقاله ساعة.. مستنى لما نموت كلنا.. وبعدين يلمنا ويحطنا فى عربية الكلاب.. وياخدنا على قرافة الكلاب يدفنا.
- وبعدين.. حانعمل إيه فى قرافة الكلاب..؟!!
- حانموت. لكن على مين.. أنا عرفت كل حاجة وضحكت عليه ولا كلتش من اللحمة.. كلت من كل حاجة ولا كلتش من اللحمة..
شلت الحتة اللحمة بتاعتى ورميتها فى صندوق الزبالة.
- والعسكرى هايموتنا ليه..
- العسكرى بيشتغل عند الدكتور..
والدكتور بيشتغل عند الحانوتى.. والحانوتى بيشتغل عند العمدة.. والعمدة هو اللى هو مدبر المؤامرة دى كلها.
- ليه..
- أبويا قال له.. أبويا اعترف بالسر كله..
- سر إيه.
- سر الراجل المدفون تحت الشجرة.
- تحت الشجرة إللى هناك.. أقولك ولا تقلش لحد..
- قول..
- لا.. مش حأقول لحسن يقبضوا عليك معايا.. ويقول عليك شريكى..
- ما كل الدنيا عارفة إنى شريكك.
-والبوليس عارف.. والمأمور عارف.. والجرانين بتكتب كل يوم..
- حايودونا فى داهية..
مفيش حتة نستخبى فيها؟
يصغى بأذنه.. يسمع خطوات..
سامع.. سامع.. الدورية جايه أهه.. تعال.. تعال نستخبى تحت السرير قبل ما يضبطونا..
ينزلان تحت السرير.. يتكومان فى ركن من الظلام.. ينظر كل منهما إلى عينىّ الآخر اللتين كعينى الفيل.. يرهفان السمع.. تبتعد الخطوات.. مشيوا.
يتنفسان الصعداء.. يعود فينظر كل منهما إلى الآخر فى ريبة.
- بتبص لى كده له.. عينيك فيها خيانة.. أنا عارفك.. انت مخبر من عند العمدة.
يتماسكان.. يوشك أحدهما أن يخنق الآخر.
- لو قلت لهم على الراجل المدفون تحت الشجر.. حاموتك.. سامع.
- انت مجنون.. وأنا معقول أودى نفسى فى داهية.. أنا حاروح معاك فى الحديد.
- مفيش حد معايا.. كل الناس ضدى.
كل العالم بيتآمر علىّ.. مفيش حتة أمان أروح لها.. كل حتة أروحها ألاقى فيها جواسيس.. كل حتة فيها أجهزة تسجيل.. السرير.. اللى إحنا نايمين تحته فيه أجهزة تسجيل.. فيه ساعة.. حط ودنك على العمود.. سامع.. تك.. تك.. تك.. فيه شريط تسجيل ماشى..
- وبعدين .. الحل إيه.. تيجى نفتح العمود ونكسره..
- ما يتفتحش.. ما حدش يعرف يفتحه إلا العمدة.. كل يوم الصبح لما بيطلعونا برّه عشان ينضفوا السراير ويغيروا الملايات..
بييجى العمدة يفتح كل سرير ويطلع الشرايط اللى يه..
- والعمل إيه..
- أقولك.. ولا تقولش لحد..
- هيه..
- كل يوم بأغيّر السرير اللى بنام عليه.. النهاردة على سرير.. إمبارح على سرير.. صاحى له دايمًا وعينى فى وسط راسى.. ولولا كده كان زمانى دلوقتى فى السجن..
يرهف السمع
- سامع.. فيه حد بيتشعبط على الشباك يزحف من تحت السرير بحذر ويطل برأسه ثم يجذب زميله من ذراعه.. ويخرج الاثنان من تحت السرير ويختلسان النظر من النافذة.
- شفت. مطرح رجليه.. العسكرى كان متشعبط على الشباك بيتسمع علينا.. ولما حس بنا طلع يجرى ورجع محله.. شايفه واقف يبص لنا إزاى.. ويصلح البنقدية.. دخّل راسك جوه لا ياخد لك صورة.. البندقية فيها فوتوغرافية.. كل حتة دلوقتى فيها فوتوغرافية..
- وبعدين.. حانعمل إيه..
- كل العالم ضدنا.. أنا إمبارح قعدت طول النهار فى التواليت مستخبى لغاية ما جه التمرجى وطلعنى بالعافية.. ماسبنيش إلا أما إديته سيجارة..
- وبعدين.. آخرتها إيه..
- مفيش فايدة.. مفيش حل غير الهرب. نهرب م الدنيا كلها.
- ونروح فين..
- نروح القمر.. نركب صاروخ روسى.. ونطلع الفضاء.. ونسيب الدنيا باللى فيها..
القمر يضىء ويغمرهما بنوره طول الوقت.. ويبدو مستديرًا شاحبًا.. الاثنان يحملقان فيه.
- ونجيب الصاروخ الروسى منين..
- من عند جاجارين..
الاثنان يحملقان ويضىء وجهاهما بالأمل
- يا سلام.. يا ريتنا نروح القمر..
-ونبعد عن العسكرى..
- ونرتاح م الدنيا..
تُسمع خطوات واضحة سريعة فى المشى الخارجى
يسرع المجنونان كل منهما إلى فراشه.. ويلتحفان بالأغطية ويدّعيان النوم..
يدخل الطبيب ومعه الممرضة.. يضىء النور.. ويفتش على العنبر.. ثم يضىء النور ويعود هو والممرضة.
فى الممشى الطويل فى طريقهما إلى الأجزاخانة.. الطبيب والممرضة.. الطبيب يدخن فى شراهة.
الممرضة تهمس فى رقة
- مالك النهاردة.. طول الوقت متضايق مش طبيعتك..؟
- تعبان.. «ينفث الدخان فى حدة»
متضايق من الدنيا..
يصلان إلى نهاية الممشى حيث نافذة واسعة تطل على القمر.. وقف الطبيب معتمدًا على النافذة بذراعه محملقًا فى القمر
الطبيب - حاسس إن كل الدنيا ضدى..
تصورى أبويا ما وافقش على جوازنا.. وحلف يمين بالطلاق من أمى لو اتجوزت من وراه ليطلقها.. وأمى بتلعن اليوم اللى خلفتنى فيه.. وبتفتش جيوبى.. وبتقرأ جواباتى.. وبتعيط.. وبتترجانى..
الممرضة - أنا كنت حاسبة حساب ده كله.
- والممرضات زميلاتك بعتوا شكوى فينا للمدير.. والتمرجية بيتجسّسوا علينا.. ما بقلناش عيش هنا.
- ها نروح فين..
- ما بقلناش عيشة فى الدنيا دى..
ينظر إلى القمر ويضىء وجهه فى أمل طفل
- نفسى أروح بعيد.. بعيد.. أروح القمر.. مش فيه صواريخ دلوقتى بتروح القمر.. إيه رأيك.. نسيب الدنيا كلها باللى فيها.. ونروح القمر.

صانعو الأفراح
الفجر يوشك أن يتنفس، واللصوص وقُطاع الطرُق، والشرطة، والهررة، والكلاب الضالة تنام، والقاهرة تحلم.
لا يتألق فى الظلمة إلا ثقب واحد من نور.. هناك على سقف بيت قيم وهناك زمر، وطبل.. وأكثر من مائة آدمى يفرحون.
كلهم سكارَى.. لقد فقدوا عقلهم، وفقد بعضهم ثيابه، وفقد البعض الآخر توازنه.. فتمدد على الأرض وهو لا يزال يرقص.
وعبده الأعمش يداعب أوتار قانونه ويلهو بالنغم الشرقى المتأود.. فيصفق السكارى ويهتفون.
أيْوه كده يا عبده. أيْوَه كده.. تسلم إيدك.. كمان الصبا ده من تانى يا أخويا كمان.
ويتلفت الأعمش بعينيه المطموستين ويغمز الأوتار فى عصبية كأنه يريد أن يقول شيئًا.. ثم يبتسم فى تعاسة.. ويبقى وجهه جامدًا كالحَجر. ثم يميل فجأة على ابنه الجالس على الأرض قائلًا:
- وله.. اجرى هاتلى سيجارتين كورتاريللى.. افتح شنطة أمك.. تلاقى العلبة هناك.. قوم.. اجرى.
فيهرول الولد كالجرذ، وهو يصيح فردوس.. فردوس.
ولكن فردوس خلف الباب..
إنها تخلع ثيابها قطعة.. قطعة.. لتلبس بدلة الرقص، وهى تضع على شفتيها لطشة عريضة من الأحمر وتمر على حاجبيها بالقلم، ثم تدخل تتبختر كالبطة.
ويقذف الطبال طبلته فى الهواء، ثم يلتقطها كالقرد، ويصفق السكارى، ويميل أحدهم والزجاجة على فمه ليهمس:
- يا ألماظية.. يا كوز عسل.. يا رعاش.. قرّب منى قرّب.. دنا قتيلك الليلة دى!
وتزغرد صفية التى تمسك بالرّق زغرودة طويلة لها ذيل.. ثم تشهق شهقة مثيرة.
وفردوس مشغولة بالحزام القصب تشده وترخيه فيتدلى بطنها ذو السرة المستديرة ويتماوج نهداها من تحت الشال البمبى، ويندفع رجل فى يده نص فرنك يضعه على جبينها، وتتوقف الموسيقى:
- العريس.. وأهل العريس. وأهل العريس. وأهل العريس.. والفتوات .. الفتوات.. والتى طلعوا من السجن، ودخلوه تانى.. اللى ما همهمش.. اللى ما همهمش.. الرجالة.. الرجالة بس.. والعيال لأ. العيال لأ.. العيال لأ.. العيال لأ.. والجدعان.. اللى بيعشقوا النبى واللى بيعشقوا المزاج، واللى بيعشقوا خلقتك.. وسلام مربع للجدعان.
ورجل آخر يندفع وفى يده شلن.. وسلام آخر مربع..
وتلقى فردوس بالشال على الأرض وترقص نصف عارية، وتشتعل الخمور الرديئة فى الرءوس، وتشتعل معها الأعصاب التى أكلها السوس.. سوس الحياة الرتيبة المملة المتشابهة، ويكرع الرجال الخمر، وتقدح عيونهم بالشرر ويتصايحون كالثيران:
- يا زمبلك.. يا زمبلك.. يا رقاص.. ياللى كلك حركة.. يا بو وسط ملبن.. يا فزدق.. يا لوز.. يا جوز يا مكسرات.
وتصلصل الصاجات بإيقاع معدنى يخطف السمع.. وتتحول اللوحة إلى دخان ورءوس تتطوح!
ثم يتداعى ذلك الفرح الحيوانى، وتتداعى معه الرءوس ويهتف رجل فى الركن:
- خمسة يا اخواتنا بقة.. خمسة عاوزن نسمع شوية ليالى سطل من الحاج عباس.. ياللا يا حاج عباس اتحفنا.. اتحفنا.. ودينك.
وتصبح عشرة أصوات فى وقت واحد:
اتحفنا ودينك.
ويعتدل رجل أشيب.. وينظر إلى السقف وهو يحتضن عوده، وينقلب سواد عينيه بياضًا، ثم يمضى يخبط على الأوتار. ويفتح فمه لتبدو تلك الأسنان التى سوّدها التبغ.. ويغنى بصوت عريض أجش:
الصبر لو.. لو تقاوى
لأرزعه غيطان..
ولو طلع شوك..
أيوه لو طلع شوك يا عمى.. أعمل إيه.. قول يا حاج والنبى:
ولو طلع شوك يا عمى
لأستناه..
وآخر العمر.. يا عم..
حالقى الورد فى الغيطان
يا سلام على الورد فى الغيطان..
كمان والنبى.. كمان آخر العمر ألقى الورد فى الغيطان..
ومرة أخرى ينطلق ذلك الصوت الأجش الذى ذهب فيه منشار الزمن وخلف جراحًا تقطر بالدم..
والصبر لو له تقاوى
والصبر..
وتقاسيم القانون، وعبده الأعمش، وهو يتحسّس الأوتار، والناى وهو يزحف كالثعبان الحزين، والراقصة وقد وضعت رأسها فى كفها، والطبال وقد تراخى على طبلته، والدخان يتصاعد من الأعقاب، والعريس الخجول.. والتعب.. والفَجر الذى يتنفس والآمال والشهوات، والأحلام الرخيصة.
...
لقد انتهت ليلة من عمر عبده.. ومضى يتحسّس طريقه إلى الباب قانونه تحت إبطه.. وابنه فى ذراعه.
ووقفت فردوس خلف الباب تُغير ثيابها وإلى جوارها رجل مخمور يوشوش.
- بقة والنبى موش حرام.. الحلاوة دى تروح بلاش.. ليه وأنا فين.. دنا قتيلك يا فزدق.. اطلبى وأن أبيع نفسى عليكى.. بس يعنى كلمينى.. ردى علىّ.
- بس بقة جتك البلا وجعت دماغى وأنت زى الدبانة كده. يا عبده.. يا عبده.. راح فين الراجل ده..
- أنا بدال عبده.. أنا أبو عبده.. وجد عبده.
- روح يا شاطر شوف أختك سارحة فين.. انتو إيه مالكوش أهالى..
- أنتى أهلى يا روحى.. أنتى أمى وأبويا وخالتى وستى.
- هئ هئ.. دنت راجل عواطلى صحيح. يا صفية.. والنبى ناولى الراجل ده شبشبين عشان يفوق.
...
لقد مضت الليلة وتبخرت كما تتبخر الخمر من الرءوس المصدوعة.. وانزلقت فردوس فى فستانها الأسود.. ومن خلفها زوجها بقانونه، والولد الصغير.
وأضاءت الشمس أكوام القش، والعربة المحطمة، والحصان الميت المُلقى فى الطريق، ومضت الأشباح الثلاثة تترنح فى بَلادَة.. لقد ذاب فيها الفرح فى الحزن فى التعب فى الجوع.. فلم تتبقَ إلا وجوه ميتة ترتسم عليها الأحاسيس كما ترتسم الخطوط على الماء.
...
وفى البيت ألقى عبده بسترته على كرسى وتمدّد على الفراش وبصره إلى السقف يتأمل شقًّا طويلًا تخرج منه السعالى، وانكفأ الولد الصغير تحت السرير ليبحث عن سلة الخبز وذهبت فردوس لتغتسل، ثم عادت وقد بان اصفرار وجهها والحلقات الزرق تحت عينيها والنمش المنثور على خدها وبطنها الحامل، وألقت بنفسها هى الأخرى على الفراش، ومضت تتأمل السقف، وفى ضميرها شىء يثقله.. كانت تريد أن تبكى، ولكنها اكتفت أخيرًا بأن تقول فى انكسار:
-ربنا يتوب علينا.
ولما أغرق زوجها فى الصمت، ولم يجب عادت تقول فى غِل:
- ربنا يتوب علينا من الشغلة اللى مسرحانا كل ليلة زى القرداتية.. نرقص للناس ونهز بطننا وبعدين ناخد بالأقلام آخر الليل.. اللى يقف لى وراء الباب، ويقوللى يا فزدق.. تيجى يالا يا فزدق.. يا فزدق.. يا فزدق مكتوب علينا الشقا والضنا، وبرضه نطلع ولاد حرام فى الآخر. محدش بيقدر شقانا أبدًا، كل الناس بيمسحوا عارهم فينا.
- إيه يا ولية الزن ده ما تنامى..
- كنت عايزاه يروح يشوف أخته سارحه فين.. العواطلى اللى واقفلى ورا البا يقوللى يا فزدق.
- يا ولية نامى بلاش زن، ويعنى أنتى خضرة الشريفة، ما كنتيش سارحة زى الغوازى قبل ما أجوزك.
- كنت سارحة على لقمتى يا عبده مش زى بنات البيوت الشرفا اللى بيمسحوا عارهم فينا.. عندهم لقمة العيش، وواخدين الخبص غية.. آه يا نارى، كنت عايزه أدوّب شبشبى عليه، أصله ندل.. كل الناس أندال.. عشان سايبينا نعيش العيشة دى.. نعمل لهم الفرح ويعملولنا الذل.
- وده فرح ده يا ولية.. ده دوشة الغلابة اللى زينا شغلتهم الدوشة.. اسكتى بقة.. ولا تقلبيش عليا المواجع.. سيبيني عايش زي البهيم.
بهيم برضة.. صحيح لو كنت مفتح.. ما كنتيش قلت كده.
- آه يا عبده يا غلبان..
قالها وصرخ، وضرب جبهته بيده وهب جالسًا:
- آه يا عبده يا غلبان.. دنا بقول كده عشان مفتح يا ولية.. مفتح والشوف معذبنى.. آه يا عبده.. فين القزازة فين..
- قزازة إيه يا راجل اتخمد نام..
- قزازة القطران اللى خدناها من الفرح.. فين هى خلينى أطين العقل اللى فاضل فى دماغى.
وقام يعربد، ثم عاد بزجاجة الخمر ووضعها على فمه ومضى يعب ويكرع حتى ارتوى، ثم ألقى بنفسه كالجثة وقد فاض وجهه بالعذاب.
وأمسكت زوجته بالزجاجة ونظرت إليها مليًا، ثم شربت ما تبقى فيها وألقتها بعيدًا، ومضت تنظر فى السقف وفى الشق الذى تخرج منه السعالى، خيّم الصمت وبدأ الاثنان ينامان إلا من حشرجة تخرج من فم الراقصة بين حين وآخر.
- ربنا يتوب علينا!

جرسون
«ينى جورجيادس ميخاليدس بسكاليدس» جرسون، إنسان غير مهم.. فالمجتمع يستطيع أن يعيش بدون جرسون.. والأرض تستطيع أن تدور حول نفسها كل يوم كالمعتاد بدون جرسونات على سطحها.. ولكن ينى جورجيادس ميخاليدس ينظر إلى المسألة نظرة أخرى جدية.. ينظر من خلال فوطته فيرى الدنيا كالبار الكبير لا يستطيع أن يستمر لحظة واحدة بدون جرسون..
من السهل عليه أن يفهم حياة بدون ماء.. ولكنه لا يستطيع أن يفهم أبدًا حياة بدون بيرة.. وأسعد لحظاته حينما يتلفت حوله فيجد عشرات من السكارى هو الوحيد بينهم الذى يحتفظ بوعيه. أى تضحية أن تكون زامر الحى.. ولا تطرب.. أن توزع الانبساط.. والضحك على الناس وتقنَّع بالعبوس والتجهم وعد الطلبات، ولكنها المهنة الإنسانية.. لقد وُلد يجرى فى عروقه النبيذ، ولد جرسونًا عريقًا من البداية.
وأنت إذا دخلت عليه البيت الآن وجدته يثرثر إلى زوجته كاترينا فى سيل من الكلمات الرومية التى تتساقط من فمه كالفقاقيع.
وأنت لن تفهم شيئًا من هذه الهيستيريا ولكنك سوف تحس أن ينى جورجيادس ميخاليدس سعيد.. وأنه قد أفرغ نبيذ البار فى جوف الزبائن.. فبات يحس إحساس النبى الذى أدى رسالته.. وسوف يخرج ينى جورجيادس أنيقًا رشيقًا لامع الشعر.
إنه ذاهب إلى البار وقلبه خاشع.. كأنه ذاهب إلى صومعة أو معبد، وهو يترنم فى الطريق بنغمة راقصة.
واحد زبيب قبرصى دوبل.. ثلاثة ويسكى بالصودا.. يا تينا.. ويمط فى كلمة يا تينا ويتأوَّد.. فهى اسم البارمان.. صرّاف الخمور.. وموزع اللذات.. وحبيب العمر.
ما أصغر الدنيا.. بارمان من جنوة وجرسون من أتينا فى بار بمصر.. جغرافية العالم على مائدة واحدة.
ويدخل البار كعادته.. فيلقى ابتسامة عريضة على كل الغرباء كأنه يعرفهم من سنين.. ثم ينظر إلى الركن هذا هو الشاعر والى، وحوله ثلة من الشعراء المعاتيه يشربون، والشاعر يلوح بذراعيه ويقول شيئًا، والجالسون من حوله يصفقون وهو لا يفهم إلا كلمة يرددها الشاعر بين مقطع وآخر. هى كلمة خمرة.
يا خمرة يا ملهمة يا عصير النفوس/ يا خمرة يا مجرمة يا طاحونة فلوس بتنورى المخ زى الفانوس/ وبتاكلى فى الجتة زى السوس/ يا خمرة يا دم.. جوّه الكئوس/ مين اللى باعك
يا ساعة ناقصة التروس/ بتوقف العمر قبل الأوان
يا ساقى هات السم هات الشراب/ هات السبرتو، ولع الأعصاب
هات العذاب/ أنا جاى أبيع الدهب
بسعر التراب/ وأبيع سنين الشباب
من غير تمن/ يا ساقى.. هات. هات..
يا خمرة.. أيوه تمام يا مسيو والى هوه ده الشعر الأصولى.
ويضيع الشعر فى الضجة، وفى صيحة ينى التقليدية، اتنين زبيب قبرصى دوبل.. يا تينا. والفوطة تتأرجح فى ذراعه، وهو يتولى كمصارع ثيران، والجو يعبق بالدخان، والعطور الباريسية ورائحة المزة والشواء.
وفى ركن قصى مظلم يجلس شاب مع فتاة وهو يكاد يحيطها بذراعيه، ويكاد يُقبلها وهو يتكلم، وينى ميخاليدس يتراقص حوله كالذبابة، ويملأ له كأسه كل دقيقة.
- اشربى يا قمورة.. دى القزازة لسه بحالها..
- أنا دماغى بتلف يا أنور.. وعينى بتطلع نار.
- أنا عاوز النار دى يا حبيبتى.. أنا روحى تلجت من البرد.. من الوحدة عاوز النار دى عشان تدفينى.
- هىء أنت وحيد.. أنت.. يا نارى منك.. يا ويل اللى تقع بين إيديك.. بتاكلها وتتعشى بيها، يا ديب أنت.
- أنا ديب أنا؟.
- أيوه ديب بتاكل الفراخ.. هئ أنا بحبك يا ديب.
- وأنا بحبك يا فرخة.
- وأنا بحبك يا ديب.. أنا.. أنا تعبانة. عاوزة أقوم.
- نروح فين؟
- نروح بعيد عن الناس.. فى الخلا عاوزة أضربك.. وأقطعلك هدومك..
- وبعدين؟
- معرفشى.. بعدين يا ديب.
ويضحكان ويتمايلان وتتلامس الخدود وتضيع الضحكات فى الضجيج، وفى طرقعة الزجاجات التى يفتحها ينى.
وفى ركن مظلم.. رجل ثان لا يشرب وإنما يحرق التبغ وينفث الدخان.. إنه يجلس وحده منذ ساعة.. يشرب القهوة.. يمز بالسجائر، وقد شحب وجهه فأصبح كتمثال من الصلصال الأصفر.. وتقاطع عليه النور والظل كلوحة بارزة من الرسم التكعيبى.. وينى لا يهمه من هذا الرجل إلا أنه لا يشرب.. لا يريد أن يفقد وعيه.. وهذه صفعة لينى وإهانة لكرامته.. وهو لهذا يروح ويجىء ويتأرجح، وقد زاد من ابتسامته إلى الضعف وبالغ فى انحناءاته حتى كاد يدور كالبرجل حول نفسه، ولكن دون جدوى.. لقد رفع الرجل إلى فمه كوبًا من الماء المثلج، ولا شىء غير ذلك.. أهو فنان.. أهو شاعر.. أهو فيلسوف.. أو مجنون.. أهو رجل مصاب.. أهو تاجر مفلس.. أو زوج مخدوع، ولكن هؤلاء هم الذين يشربون.
ليس هناك إلا تفسير واحد. أن يكون جرسونًا.. جرسونًا من الهند أو الحبشة أو مراكش أو اليونان أو أى مكان على الأرض، ليذهب إلى الشيطان إذن.. إنه لا يهم ينى فى شىء.
والليل يتقدم والموائد تنفض ولا يبقى إلا ماسح الأحذية وبائع اللوتارية، وبائع الفستق، ورجل مقطوع الساقين يزحف على قطعة من خشب ذات عَجلات عند الباب.. ويمد يده لينى يطلب إحسانًا فيصبح ينى فى شراسة:
- انتى مسكتو واحد جنيه النهاردة من الشحاتة.. انتى أغنى منّى.. الخشبة دى محشى فلوس، والطاقية دى محشى فلوس.. انتى تبنى عمارة من ينى.. انتى تخرب بيت ينى.. امشى ياله.. امشى.
وهو يدخل البار ويجمع الجرسونات ويتقاسم معهم البقاشيش، ثم يخلع اللبس الرسمى ويرتدى لبس الخروج، ويغلق البار ويسير فى الطريق وهو يصفر.
- خرستو زمانتو راح البيت.. بيقفل البقالة بدرى.. مغفل مفيش مخ.. لازم يفتحه لنص الليل.. وكاترينا زمانتو نام زى الجاموسة.. وكاتى وستلا زمانتو بيرقصوا لسه فى الكباريه.. بنات تمام.. ولاد ينى، أصولى دول.. بيمسكو ميت جنيه فى الشهر. وميشو حمار قليل الأدب، موظف بيشحت.. غلبت أعلمه الأدب وأقوله افتح دكان، افتح دكان برسيم، افتح سبارس.. افتح دكان زفت.. افتح دكان قطران.. فايدة مفيش.. مخ خشب موش ابن ينى ده مش ابن ينى.. أوخ.. أوخ.. من ميشو.







