مؤلف «الاستثمار فى التاريخ المالى»: قرأت عشرات الآلاف من الصفحات قبل الكتابة
- قضيت نحو 80٪ من وقتى فى القراءة لا فى الكتابة
- الجوائز مهمة إلى حد ما فى بناء المصداقية لكنها ليست هدفًا رئيسيًا
فى الحوار التالى لـ«حرف»، يتحدث الكاتب مارك ج. هيجينز، ومؤلف كتاب «الاستثمار فى التاريخ المالى الأمريكى: فهم الماضى للتنبؤ بالمستقبل»، عن كواليس إعداد كتابه ورحلته الكتابية ونصائحه ومصادر إلهامه.

■ فى البداية.. ما الذى ألهمك لتأليف كتاب «الاستثمار فى التاريخ المالى»؟
- بعد تفشى جائحة كوفيد- ١٩، فوجئت تمامًا بصفتى مستشارًا استثماريًا. كنت أظن أن شيئًا كهذا لم يحدث من قبل. لكن بعد ذلك، بدأت أقرأ عن التاريخ المالى، واكتشفت أنه ليس حدثًا غير مسبوق.
فى الواقع، وقع حدث مشابه جدًا فى يوليو ١٩١٤ بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى بشكل غير متوقع. كما صدمت عندما اكتشفت أنه لم يسبق لأحد أن ألف كتابًا عن التاريخ المالى الكامل للولايات المتحدة فى مجلد واحد. لقد أمضيت جزءًا كبيرًا من مسيرتى المهنية فى الكتابة، لذا فكرت فى خوض غمار تأليف هذا الكتاب.
■ كيف ترى دور الجوائز فى حياة الكاتب؟
- قد يختلف منظورى قليلًا. كانت الجوائز مهمة إلى حد ما فى بناء المصداقية، لكنها لم تكن هدفًا رئيسيًا، بل كان الهدف هو سد ما اعتبرته ثغرة واضحة فى الأدب. وكانت المكافأة الحقيقية هى سماع آراء القراء والنقاد بأن الكتاب قد سد تلك الثغرة.
■ ما المصادر التى اعتمدت عليها فى إعداد كتابك؟
- يبلغ عدد صفحات الكتاب ٥٢٣ صفحة، لكننى قضيت نحو ٨٠٪ من وقتى فى القراءة لا فى الكتابة. ولذلك، خصصت نحو ٥٠ صفحة للمصادر فى نهاية الكتاب.
قرأت حرفيًا عشرات الآلاف من الصفحات على مدى ثلاث سنوات ونصف، متدرجًا ببطء من عام ١٧٩٠ إلى عام ٢٠٢٣. لقد كان هذا العمل أصعب جهد فكرى بذلته فى حياتى، ولكنه كان أيضًا الأكثر إثراء.
■ ما التحدى الأكبر لك أثناء إعداد الكتاب ومرحلة البحث؟
- كان التحدى الأكبر هو التجميع. فمعظم الدراسات الموجودة فى التاريخ المالى إما تركز بشكل معمق على فترة زمنية محددة، أو تلخص الاتجاهات طويلة الأجل استنادا بشكل أساسى إلى تحليل البيانات. لم يسبق لأحد أن جمّع كل ذلك فى سرد متماسك. كان هذا هو الجزء الأصعب: التراجع خطوة إلى الوراء، والنظر إلى فترة خمسين عامًا، والتساؤل: «ما الذى حدث بالفعل هنا؟ ما التيار الأساسى الذى حدد هذه الفترة؟».
■ هل واجهت أى مفاجآت أثناء إعداد الكتاب؟
أعتقد أن أكبر مفاجأة كانت إدراكى مدى تأثير الظروف الاقتصادية على التاريخ. نميل بطبيعتنا إلى التركيز على الشخصيات البارزة، لكننى أصبحت أكثر اهتمامًا بالظروف التى سمحت لهؤلاء الأفراد بالبروز والنجاح أو الفشل.
وقد غيّر هذا الأمر جذريًا نظرتى إلى الحاضر والمستقبل. فبدلًا من التفكير فى الشخصيات البارزة بالدرجة الأولى، أفكر فى الظروف التى جعلتهم بارزين. بالنسبة لى، فهم هذه الظروف هو الأهم فى أغلب الأحيان.

■ من أين استوحيت فكرة عنوان كتابك؟
- كان هذا أصعب ما واجهته فى الكتابة. كيف لى أن ألخص تاريخ الولايات المتحدة المالى على مدى ٢٥٠ عامًا تقريبًا فى كلمات قليلة؟
فى النهاية، أردت أن أوصل فكرة أن كل قارئ سيستفيد من تخصيص وقته لدراسة التاريخ المالى. هذا الهدف البسيط هو ما ألهمنى عنوان الكتاب: «الاستثمار فى التاريخ المالى الأمريكى».
■ ما الفكرة أو الرسالة الأساسية للكتاب؟
- الفكرة الرئيسية هى أن التاريخ المالى فى جوهره قصة تكرار تتخللها ابتكارات بين الحين والآخر. يغفل معظم الناس عن هذه الحقيقة لأنهم يحصرون معرفتهم، دون داعٍ، فى تجاربهم الحياتية الشخصية.
عندما توسع آفاقك الحياتية من خلال استخلاص العبر من تجارب أسلافنا، ستنظر إلى العالم بنظرة مختلفة. قد تتغير الظروف والتكنولوجيا، لكن السلوك البشرى يتطور بوتيرة بطيئة للغاية. وهذا ما ستدركه بعمق أكبر عند دراسة التاريخ.
■ ما دور الناشر فى نجاحك؟
- اخترت نموذج الناشر الهجين، وأنا سعيد جدًا بهذا الاختيار. كان أهم ما ركزت عليه عند اختيار الناشر هو سرعة طرح الكتاب فى السوق وحقوق ملكية المحتوى. لو اخترت ناشرًا تقليديًا، لما تمكنت من طرح الكتاب فى السوق بالسرعة التى أردتها، ولما احتفظت بحقوق الملكية الكاملة للمحتوى. كان كلا الأمرين حاسمين، وأنا راضٍ تمامًا عن خيارى.
■ روّج لكتابك للقراء فى ٢٥ كلمة أو أقل.
- يستخدم هذا الكتاب التاريخ لتعليمك مبادئ مالية خالدة تحسن استراتيجيتك الاستثمارية وتمنحك مزيدًا من الطمأنينة فى عالم يبدو فوضويًا فى كثير من الأحيان.

■ متى بدأت الكتابة؟
- لطالما كانت الكتابة جزءًا مهمًا من مسيرتى المهنية، إذ أصبحت إحدى نقاط قوتى. وبهذا المعنى، كانت الكتابة عنصرًا أساسيًا فى نمويًا المهنى منذ التسعينيات. مع ذلك، لم يسبق لى أن كتبت كتابًا من قبل. كان هذا كتابى الأول.
■ هل تتبع روتينًا محددًا فى الكتابة؟
- أرى الكتابة كالنحت. ألاحظ أن الكثيرين يتعثرون لأنهم يرغبون فى كتابة مقال مثالى أو منشور مثالى على وسائل التواصل الاجتماعى فورًا. أما أنا، فأبدأ ببضعة مفاهيم أساسية، وأدونها، ثم أواصل صقلها حتى تصبح جاهزة للنشر. إنها عملية متكررة.
■ من أثر فى كتاباتك؟
- هناك عدد قليل من الكتاب الماليين الذين برزوا بشكل لافت. كان جون كينيث جالبريث «اقتصادى أمريكى كندى» بارعًا فى الجمع بين الفكاهة والتحليل الاستثنائى. أما تشارلى مونجر، فقد تميز بدمج الفلسفة والبساطة فى التفكير المالى. هذان الكاتبان هما الأكثر تأثيرًا فى.

■ هل تضع جمهورك فى اعتبارك عند الكتابة؟
- أضع جمهورى دائمًا فى اعتبارى، وأظن أن الناس يقللون من شأن مدى تفكيرى فى هذا الأمر. قد يكون استهداف جماهير مختلفة أمرًا صعبًا لأننى أفكر فيه من منظورين.
الأول: هو القارئ، الذى قد يشمل الأمناء والمستثمرين الأفراد والجهات التنظيمية وصناع السياسات. والثانى: هو الزمن. أحيانًا أكتب للحاضر، وأحيانًا أخرى أكتب لقراء المستقبل الذين قد يقرأون كتابى بعد سنوات أو حتى عقود.
ومن المفارقات، أننى لا أعتقد أن معظم الناس يدركون أننى أعتبر قراء المستقبل جمهورى الأساسى. المبدأ الأساسى الذى يوجه كتابتى لكلا الجمهورين هو أن يُنظر إلىّ كمراقب درس التاريخ، وحدد مبادئ غالبًا ما تستهان بها، ويشاركها لمساعدة الناس على اتخاذ قرارات أفضل.
أتجنب عمدًا الترويج للمواقف السياسية، حتى يتمكن الناس من مختلف الخلفيات من استخدام هذه المعلومات دون القلق من وجود دوافع خفية.
■ أين تفضل كتابة المقالات عادة؟
- هناك عدة معايير أضعها فى الاعتبار. أولًا: يجب أن تكون المجلة غير متحيزة. ثانيًا: يجب أن تركز على الشئون المالية. ثالثا: يجب أن تلتزم التزاما راسخا بالموضوعية.
أخيرًا، يجب أن أكون على ثقة بأن مقالاتى ستحفظ فى أرشيفها لفترة طويلة. فى الواقع، هناك مجلتان فقط تلبيان هذه المعايير تمامًا: مجلة «المستثمر المغامر» الصادرة عن معهد المحللين الماليين المعتمدين، ومجلة «التاريخ المالى» الصادرة عن متحف التمويل الأمريكى.
■ هل تفضل الكتابة فى نوع أدبى معين على غيره؟
- نوعى الأدبى مختلط نوعًا ما، وأطلق عليه اسم «التاريخ المالى التطبيقى». أركز كتاباتى بشكل أساسى على الحالات التى يبدو فيها المنظور السائد للأسواق متعارضًا جوهريًا مع مبدأ تاريخى مهم. هذه الحالات لا تحدث كثيرًا، ولكن عندما تحدث، أعتقد أنه من الأهمية بمكان التعبير عنها بصراحة.
■ ما أعظم رواية قرأتها مؤخرًا؟
- رواية «الخيميائى». لقد تعاطفت بشدة مع رحلة بطل الرواية. تطلب تأليف هذا الكتاب العديد من العقبات. كما صادفت العديد من الأشخاص الذين لم أكن أتوقع أن يكونوا حلفاء، إلى جانب آخرين كشفوا عن أنفسهم كخصوم. ومثل بطل الرواية، فإن كل عقبة فى نهاية المطاف عززت عزيمتى بدلًا من أن تضعفها.
■ ماذا تقرأ عندما تعمل على كتاب؟
- بما أن عملى قائم على البحث، فأنا دائمًا ما أقرأ شيئًا ذا صلة بما أخطط لكتابته لاحقًا. قد تكون هذه إجابة مملة، لكنها الصادقة.

■ هل لديك مكتبة مفضلة؟
- قد يبدو هذا غريبًا، لكننى نادرًا ما أزور المكتبات. أشترى معظم كتبى عبر الإنترنت أو أقرأها على جهاز كيندل.
■ ما الكتاب الذى قد يفاجأ الناس بوجوده فى مكتبتك؟
- قد يفاجأ الناس بكثرة الكتب التى أملكها من القرن التاسع عشر حتى بداية القرن العشرين. معظمها نفدت طبعاتها منذ زمن، لكنها غالبًا ما تكون أقرب ما لدينا إلى رواية مباشرة عن كيفية فهم الناس للأحداث المالية فى عصرهم.
■ ما أفضل كتاب تلقيته كهدية؟
- أهدانى حماى كتاب «ذكريات مضارب فى البورصة» قبل أن أبدأ البحث فى التاريخ المالى. فى ذلك الوقت، لم أكن أدرك مدى أهمية هذا الكتاب فى فهم ديناميكيات السوق قبل إصلاحات الأوراق المالية فى عامى ١٩٣٣ و١٩٣٤. بالنظر إلى الوراء، كان التوقيت مثاليا، لأنه عندما أدركت حاجتى لقراءته، كنت قد حصلت على نسخة منه بالفعل.
■ ما الكتاب الذى غيّر حياتك؟
- هذا معيار صعب للغاية، ولا أستطيع تحديد كتاب واحد بعينه. بل إن التجربة الجماعية لقراءة أكثر من مائة كتاب فى التاريخ المالى هى التى مكنتنى من تجميع الأفكار.
■ ما أفضل خمسة مؤلفين لديك؟
- جون كينيث جالبريث، لأسلوبه الفكاهى وقدرته على تبسيط الأفكار الاقتصادية المعقدة.
رون تشيرنو، لبحثه الدقيق وسيرته الذاتية الجذابة. كان عمله عن ألكسندر هاميلتون بالغ الأهمية لكتابى.
ويليام شيرر، لتوضيحه الدور المحورى للمراقب فى توثيق التاريخ.
جيمس ميشنر، لمهارته فى صياغة سرديات تاريخية شاملة.
ج. ر. ر. تولكين، لدمجه جوانب خالدة من الطبيعة البشرية فى عالم خيالى واقعى.
■ هل ندمت يومًا على نشر شىء ما؟
- هذا سؤال وجيه لأنه يسلط الضوء على إحدى القواعد التى ألتزم بها. فبمجرد نشر أى شىء على وسائل التواصل الاجتماعى، أو فى رسالة إخبارية، أو فى مقال، أمنع نفسى من حذفه.
أعتقد أن هذا أمر بالغ الأهمية لبناء سجل حافل يثبت ما إذا كانت معرفة التاريخ المالى تحسن قدرتنا على فهم ما يحدث فى الحاضر والتنبؤ بما قد يحدث فى المستقبل.
لقد نشرت أشياء تبين أنها خاطئة، لكننى لا أندم على نشرها، لأنها تعلمنى ما على تغييره، لزيادة احتمالية صوابى فى المستقبل.
■ هل مررت بتجارب مميزة فى لقاء مؤلفين تعجب بهم؟
- إن فرصة تقديم عرض أمام اللجنة الاستشارية للمستثمرين التابعة لهيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية مع جيسون زويج هى تجربة ستبقى محفورة فى ذاكرتى. جيسون كاتب مالى مرموق فى صحيفة وول ستريت جورنال، وكان لى شرف كبير أن ألتقى به وأتعرف عليه وأقدم عرضا معه.
■ ماذا تقرأ أو تشاهد حاليًا؟
قد يبدو هذا مملًا، لكننى لا أقرأ أى كتب فى الوقت الراهن. أركز حاليًا على قراءة الدراسات الحكومية والمقالات المتعلقة بالقضايا المالية المهمة.
أهم أولوياتى هى الدين الفيدرالى غير المستدام، والسياسة النقدية فى الولايات المتحدة، ومخاوفى المتزايدة بشأن ما أعتبره إفراطًا فى الاستثمار فى صناديق الأسهم الخاصة وصناديق الائتمان الخاصة.
■ ما رأيك فى تصنيف الكتب الأكثر مبيعًا.. هل تعتبره مؤشرًا على الجودة؟
أحيانًا يكون كذلك، وأحيانًا لا. فى الحالات التى يكون فيها كذلك، يقدم الكتاب رؤية فريدة وقيمة. أعتقد أن رواية «الخيميائى» استوفت هذا المعيار.
أما فى الحالات التى لا يكون فيها كذلك، فقد يخبر الكتاب الناس بما يرغبون فى سماعه بدلًا مما يحتاجون إلى سماعه. وللأسف، أعتقد أن العديد من الكتب الأكثر مبيعًا يندرج ضمن هذه الفئة.
■ ما أهم النصائح التى تقدمها لأى كاتب مبتدئ؟
- تأكد من أنك تكتب لتحقيق هدف حقيقى، وليس لمجرد لفت الانتباه. إذا كان هدفك حقيقيًا ويلبى حاجة مشتركة لدى جمهور ذى قيمة، فإن تأليف الكتاب تصبح فى المقام الأول مسألة تنفيذ وليست مسألة إبداع.
■ ما أهم الدروس والعبر التى تعلمتها من الحياة وتجاربك؟
- بعض من أثمن المعلومات التى قد تصادفها موجودة فى كتاب زهيد الثمن. لا تزال الكتب من أكثر الموارد التى لم تستغل بالشكل الأمثل فى مجال التمويل، وربما فى العديد من المجالات الأخرى أيضًا.
■ هل تحضّر لكتاب جديد؟
- قد أقوم بتأليف كتاب فى المستقبل، لكننى أشك فى أننى سأقدم على عمل يتطلب كل هذا الجهد والتفكير. لقد شعرت وكأننى سافرت عبر الزمن وعدت ببطء إلى الحاضر. لا أدرى إن كنت أملك القدرة على القيام بشىء بهذه الصعوبة مرة أخرى.







