الإثنين 20 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة.. كيف رد الشيخ الغزالى الاعتبار لآراء قاسم أمين؟

حرف

-بعض المسلمين يعرضون دينهم مزورًا دميم الوجه ثم يذمون الناس لأنهم رفضوه

-هناك تقاليد وضعها الناس ولم يضعها رب الناس دحرجت الوضع الثقافى والاجتماعى للمرأة

الكتاب الثانى هو «قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة»، وصدر فى العام 1990، وقد انطلق فيه الشيخ الغزالى من واقعة سجّلها فى تقديمه لما أراد. 

فقد طلب جماعة من المسلمين المقيمين بإنجلترا أن تسمح لهم السلطات بإنشاء مدارس إسلامية خاصة، إلا أن بعضًا من المسئولين هناك عارضوا الطلب، وضاقوا بإنشاء هذه المدارس قائلين: إنها ستقوم على تفرقة عنصرية بين البنين والبنات، واتهموا الإسلام بأنه متحيز ضد النساء ومُسقط لحقوق المرأة. 

المفارقة أن حزب العمال البريطانى ساند الطلب، وقال المتحدث الرسمى لشئون التعليم بالحزب «جاك سترو»، كما ذكرت صحيفة «التايمز»، إن الذين يعترضون على إقامة هذه المدارس مخطئون، وربما غلبتهم نزعات عنصرية، واتهمهم بأنهم لا يعرفون الإسلام. 

«جاك سترو» نفسه كان يتحدث فى مؤتمر عُقد فى لندن حول مستقبل التعليم الإسلامى فى إنجلترا، وقال: إن معاملة المجتمع الإسلامى للمرأة يجب أن تدرس دراسة عميقة، وأن ينظر فيها إلى الأصول، لقد سمعت مزاعم كثيرة بأن الإسلام ضد المرأة، ويعتمد أصحاب هذه المزاعم على عدم وجود نساء يشتغلن بالدعوة الدينية، أو يلقين دروسًا بالمساجد، وأن الرجال يحتكرون السيادة أو القيادة فى هذا الميدان كما يحتكرونها فى المجال السياسى. 

وقال جاك: وهناك جهل شبه تام بدور المرأة فى اللاهوت الإسلامى، وفى تاريخ الإسلام نفسه، ثم إن النبى محمدًا أعطى النساء حق الإرث فى كل الممتلكات قبل أن تفعل ذلك الحكومة البريطانية بثلاثة عشر قرنًا. 

وضعت هذه الواقعة يد الشيخ الغزالى على حقيقة لم يستطع إنكارها أو تجاهلها، فالإسلام متهم بإهانة المرأة واستضعافها. 

لكنه لم يستسلم لهذه التهمة. 

يتساءل: هل فى كتاب الله وفى سنة رسوله ما يبعث على التهمة؟ 

لا ينتظر الغزالى إجابة من أحد. 

يقول: القرآن بين أيدينا لم يتغير منه حرف، وهو قاطع بأن الإنسانية تطير بجناحين، الرجل والمرأة معًا، وأن انكسار أحد الجناحين يعنى التوقف والهبوط. 

ويستدرك الغزالى، فالقضية مهمة، يحاول كشف مواطن الخلل، يقول: لننظر إلى السُنة، ولنستبعد ما التصق بها من الواهيات والمتروكات، لأن مصاب الإسلام فى المتحدثين عنه لا فى الأحاديث نفسها. 

يضرب الغزالى بعض الأمثلة على ذلك. 

فالنبى يوصى بأن تذهب النساء إلى المساجد «تفلات» أى غير متعطرات ولا متبرجات، ولكن القسطلانى فى شرحه للبخارى يرى أن تذهب النساء إلى المساجد بثياب المطبخ وفيها روائح البقول والأطعمة، وغيره يرى ألا تذهب أبدًا. 

لا يمر هذا الجدل دون أن يسأل الغزالى: أى الفريقين شر من صاحبه على الإسلام؟ 

وفى البخارى أن النبى، صلى الله عليه وسلم، أجاز أن يسلم الرجال على النساء، وجاء فيه أن الرسول قال لعائشة: هذا جبريل يقرأ عليك السلام وكان فى صورة رجل، فجاء من يقول: ذاك عند أمن الفتنة، أو ذاك مع النسوة المحارم أو العجائز أو الدميمات. 

ويعلّق الغزالى على ذلك بقوله: مع ورود سنن بسلام الرجال على النساء أو النساء على الرجال، فقد كان جهد الشراح وقف العمل بها على أى صورة، وكلما امتد الزمان زادت هذه الشروح قوة حتى ألغت الأصل المتبع، وأحلّت مكانه التفسير المتشائم المغشوش. 

قرر الغزالى فى كتابه أن يرمم ما تهدم من صحيح الإسلام فيما يتعلق بالمرأة، وهو يفعل ذلك لم ينس أن يفضح من يهيلون التراب على هذ الصحيح. 

حكى له أحد طلابه حوارًا دار بينه وبين متدين شديد الغلو ينتمى- كما يصف نفسه- إلى الإخوة أهل الحديث. 

سأله: أأنت ممن يعلّقون الصور على الجدران، ويوافقون على نشرها بالصحف؟ 

رد تلميذ الغزالى: نعم. 

فرد عليه صاحب الحديث: سيلحقك الوعيد الذى ورد فى الحديث الشريف «أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون» لأنك تناصرهم. 

رد الطالب: رأينا أن الحديث فى صانعى التماثيل لا فيمن يرسمون على الورق... ثم إننى لا أريد أن أدخل معك فى جدال، وإنما أريد أن أنبهك إلى أن شرائع وشعائر إسلامية كثيرة قد تهدمت فى هذا العصر، والاتفاق على ضرورة بنائها من جديد ليس موضع نزاع، فتعال أنت ومن معك لنتعاون فى إقامة الصرح المنهار، ولنترك الشجار فى الأمور الخلافية. 

عاجله صاحب الحديث بقوله: ما نضع أيدينا فى أيديكم، وما نثق فى دينكم، بل أنتم وأعداء الإسلام سواء. 

أدرك الغزالى أثر الصدمة على تلميذه، فقال له: إذا كان الرجل مجتهدًا مخطئًا أعماه التعصب فسوف يبصر يومًا ويؤوب إلى الحق، إنما أخاف شيئًا واحدًا، أن يتحول هذا وزملاؤه إلى جند للباطل من حيث لا يشعرون، إن لأعداء الإسلام فى بلادنا رجالًا مكرة مهرة يوقنون بأن الجبهة إذا ما تمخضت لأهل الوعى والفقه فهم منتصرون حتمًا، ولذلك يفتحون ألف طريق لأولئك الغلاة حتى يسود صياحهم الساحة الإسلامية، ويتأمل أولو الألباب فيما يقال، ثم يقررون ترك الإسلام كله. 

ما الذى أتى بحديث الصور والمصورين إلى حديث عن المرأة؟ 

إنها قضية واحدة، قضية هؤلاء الذين يرفعون راية السُنة ولا سُنة لديهم. 

يتحدث الغزالى عن كتابه، فهو خواطر منثورة جمعت بين العلم والأدب والنقد والتاريخ والفتوى الغابرة والمعاصرة، لكنها جميعًا تتصل بقضايا المرأة والأسرة والمجتمع الصغير، وقد رأى أن هذا الأسلوب أدنى إلى مزاج طالب الثقافة فى أمتنا، وأدنى كذلك إلى عرض الإسلام فى ثوب جديد، فإذا كان الفقه المجرد جافًا، فيمكن وضعه فى قالب آخر لعله يكون أحسن مذاقًا. 

لم يكن الكتاب دراسة كاملة مستقلة، ولكنه كان عبارات عن مقالات كتبها الغزالى فى مناسبات متفرقة، ورأى أن يضمها فى كتاب لأنها تخدم فكرة واحدة وبمنهج واحد كذلك. 

تحت عنوان «حسنوا صورة المرأة المسلمة»، يقول الغزالى: كنت فى ملتقى الفكر الإسلامى عندما تحدث السفير الألمانى عن الإسلام، وقال للحاضرين: يجب أن تصححوا أوضاع المرأة عندكم، فإن صورة المرأة الإسلامية تنفّر الأوروبيين من الدخول فى الإسلام. 

مال أحد المستعمين على الغزالى وقال له: ماذا نفعل؟ 

فرد عليه الشيخ: عندما يعرض التاجر سلعته فيضفى عليها صفات ليست لها فإنه يكون غشاشًا، وعندما يعرضها وهو غير خبير بخواصها فتبدو للناس دون مستواها فإنه يكون مغفلًا، وسيظلم بضاعته ويجر عليها الكساد، والرجل- بعدد ما شرح الله صدره للإسلام- يقول للمسلمين: أحسنوا عرض دينكم، ولا تصدوا الآخرين عنه بسوء الفهم وسوء العمل. 

يوضح الغزالى وجهة نظره، ويضرب مثلًا. 

يقول: لنفرض أن رجلًا كل رأسماله فى السُنة حديث الحاكم المستدرك أن المرأة لا تتعلم الكتابة، أو حديث صاحب الزوائد أن المرأة لا ترى رجلًا ولا يراها رجل، ثم جاء هذا المسكين ببضاعته المزجاة أو أحاديثه الموضوعة والمتروكة يعرض الإسلام على أهل أوروبا أو أمريكا، هل يدخل فى الإسلام أحد؟ هل يحترم الإسلام رجل أو تحتفى به امرأة؟

ويضع الغزالى يده على قضية جوهرية، فبعض المسلمين يعرضون دينهم مزورًا دميم الوجه ثم يذمون الناس لأنهم رفضوه، وهذا البعض الجهول يجب سجنه أو جلده لأنه صد عن سبيل الله، ولذلك يؤكد أن الإسلام سوّى بين الرجل والمرأة فى جملة الحقوق والواجبات، وإذا كانت هناك فروق معدودة فاحترامًا لأصل الفطرة الإنسانية وما ينبنى عليها من تفاوت الوظائف، وإلا فالأساس قوله تعالى: «فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض»، وقوله: «من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون». 

ويخلص الغزالى إلى أن هناك تقاليد وضعها الناس ولم يضعها رب الناس، دحرجت الوضع الثقافى والاجتماعى للمرأة، واستبقت فى معاملتها ظلمات الجاهلية الأولى، وأبت إعمال التعاليم الإسلامية الجديدة، فكانت النتائج أن هبط مستوى التربية ومال ميزان الأمة كلها مع التجهيل المتعمد للمرأة والانتقاص الشديد لحقوقها. 

وفى مقاله «رهينة المحبسين.. الجهل والفقر» يحكى الغزالى أنه كان يتحدث فى أحد الأندية عن حقوق المرأة، وقال يومها: إن لها حق الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وتدريس هدايات الإسلام ومجادلة الملحدين فيها. 

سمع الغزالى أحد الحاضرين يقول لصاحبه: كنا نظن هذا المحاضر رجلًا صالحًا فتبين أنه ألعن من قاسم أمين. 

يقول الغزالى: تذكرت ما قاله الأستاذ أحمد موسى سالم عن قاسم أمين، وعن الدور الذى قام به فى الدفاع عن الإسلام ضد الغزو الثقافى الفرنسى الذى حمى واشتد فى عصره، بدأ هذا الغزو بهجوم من المؤرخ «أرنست رينان» على العرب والمسلمين، تصدى له جمال الدين الأفغانى فأبطل حجته، وكشف تعصبه، ورد عن الإسلام أباطيله، وبدا الخصم العنيد وكأنه قد لان واستكان لما سمع، ثم اشتبك فى هذا الحوار المخطط الشيخ محمد عبده، ليرد على إفك وزير خارجية فرنسا «مسيو هانوتو» الذى طال افتراؤه على الإسلام واتهامه لنبيه، فكان كتاب الشيخ محمد عبده عن علاقة العلم بالدين، الذى ألّفه فى ليلة واحدة، قاطعًا لسان الوزير الكذوب. 

ويصل محمد الغزالى إلى قاسم أمين، وينقل ما قاله أحمد موسى سالم عنه. 

يقول: كان دور قاسم أمين فى هذا الحوار جاهزًا، وكان محوره الأساسى هو المرأة فى الشريعة الإسلامية، وكانت المبارزة التى خاضها مع الخصم الفرنسى الثالث «دوق داركور»، الذى أصدر سنة ١٨٩٣ كتابًا عنوانه «مصر والمصريون»، تناول فيه حياة المجتمع المصرى أيام الحكم المملوكى والتركى، وهى فترة بلغت ستة قرون عجاف تراجعت فيها خصائص الحياة عن جمهور الأمة الإسلامية، مما جعل «دوق داركور» يبسط قلمه بالأذى، ويرسم صوة قاتمة وبذيئة للشعب كله، ويخص المرأة بمزيد من التجريح والزراية، ويرد ذلك كله إلى طبيعة الإسلام المتأبية على الترقى والحضارة. 

ويجيب الغزالى عن سؤال: ماذا فعل قاسم أمين ليدافع عن دينه وأمته؟ 

يقول: سارع إلى تأليف كتاب بالفرنسية فنّد فيه أقوال خصمه، وشرح حقوق المرأة فى الإسلام، وما كفله لها من كرامة مادية وأدبية، ووازن قاسم أمين بين حجاب السترة والاحتشام عندنا وبين تبذل المدنية الحديثة وما أحاطت به أوضاع المرأة من انحلال وتهتك. 

ويضيف الغزالى: إن ما فعله قاسم أمين كان محكومًا بأمرين، أولهما الدفاع عن الإسلام المفهوم من مصدريه الرئيسيين، والآخر الاعتذار عن تخلف المرأة بأنه من تقاليد غريبة على التوجيه الإلهى ناشئة عن أخطاء الشعوب، وما يستطيع الرجل ألا يفعل إلا هذا، هب أن أوروبيًا أو أمريكيًا اتهم الإسلام بأنه يحظر على المرأة الذهاب إلى المسجد، وأن الإسلام بهذا الحظر دين شاذ، لأن الأديان كلها لا تمنع النساء من التردد على بيت الله، أو على معبدها الخاص بها، فماذا أقول له؟ أأصدقه فى اتهامه؟ أم أقول له إن هذا الحظر ليس من تعاليم الإسلام، وإنما هو من تقاليد بعض البيئات، أدافع عن الإسلام صادقًا، أم أدافع عن المنتمين إليه كاذبًا؟ 

من هذه الواقعة، ومن ذكر قاسم أمين الذى يبدو أن الشيخ الغزالى كان يقدّره على غير عادة كثير من الإسلاميين سواء أبناء الجماعات أو الإسلاميين الرسميين، ينطلق بنا الغزالى إلى فكرة مهمة جدًا. 

يقول: لقد رأيت بعض الإسلاميين يفقد وعيه فى الدفاع عن موروثات ما أنزل الله بها من سلطان، كأن من السهل عليه أن يكذّب الله ورسوله، ولا تُمس عادات تلقاها عن آبائه، فهناك حراس للخطأ يرتفع عويلهم إلى عنان السماء عندما يُنتقد هذا الخطأ، وقد كنت أول أمرى قليل الاكتراث بهذا العويل، بيد أنى وجدته يتحول على مر الأيام إلى ضغينة على المصلحين واستباحة لأعراضهم لا يمكن السكوت عنها، لأن الدين نفسه سوف يضار من هذا السكوت، وسوف تتحول حقائقه إلى أباطيل. 

وبأسى يقول الغزالى: لقد أدهشنى أن نفرًا من المتدينين يتناولوننى بأقسى مما يتناولنى به الصهاينة والصليبيون، وفهمت ما قاله الأستاذ عصام العطار: لو بذل أدعياء الإسلام فى محاربة أعداء الله والمبطلين عشر ما يبذلون فى حرب أولياء الله الصادقين، لانتصر الإسلام من زمن بعيد، ولكن من النفوس ما ينشط فى البال ما لا ينشط فى الحق، ويندفع لأهوائه ودنياه ما لا يندفع لآخرته ومرضاة ربه، عز وجل. 

ويفسّر الغزالى الهجوم عليه بسبب آرائه، يقول: إن هذا الكلام نتيجة معاناة مريرة أحسها الدعاة الجادون، إننا ملتزمون بالوحى الأعلى لا نزيغ عنه قيد أنملة، وملتزمون بعصر النبوة والخلافة الراشدة، أما المسيرة التاريخية للأمة الإسلامية فإن التاريخ أعمال حكام ومواقف شعوب، وهذه وتلك ليست مسالك معصومة، بل قد يكتنفها الخطأ كما قد يحفها الصواب، أى أنه يحكم عليها ولا يحتكم إليهأ، والمقياس المعصوم كتاب الله وسنة نبيه. 

وفى مقال بعنوان «العلماء مسئولون»، يحكى الغزالى أن أحد القراء سأله عن حكم قرأه فى مصدر إسلامى مهم بأن عمر منع النساء من تعلم الخط، وكأنه يرى الأمية أولى بهن. 

أجاب الغزالى ساخرًا: ولم تكون الأمية حكرًا عليهن وحدهن؟ ينبغى أن تشمل الزوجين الذكر والأنثى تمشيًا مع الفهم الأعوج لحديث «نحن أمة أمية». 

ويضيف: إن الحديث الذى يمنع النساء من تعلم الكتابة مكذوب، وكل خبر يهوّن من شأن العلم بما فى الأرض والسماء لا يوثق به، وقد ورد وصف الأمية فى الكتاب والسنة للعرب الذين بُعث فيهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على أنه واقع معروف عالميًا ومحليًا، وهذا الواقع زال مع نزول القرآن الكريم، وانهمار غيوث من المعارف مع آياته البينات «ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذى جاءك من العلم ما لك من الله من ولى ولا نصير»، «بل هو آيات بينات فى صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون». 

ويؤكد الغزالى وجهة نظره بقوله: إن المرويات التى تُنقل إلينا تحتاج إلى تمحيص، بل إن الإمام من الفقهاء الكبار قد يروى الخبر ولا ينزل عليه، لأن هناك ما هو أقوى منه وأولى بالاتباع. 

ويضرب مثلًا بالإمام أحمد بن حنبل ومسنده الجامع المعروف، لقد ترك أحاديث فى مسنده لم يأخذ بها. 

ويقول ابن الجوزى فى كتابه «صيد الخاطر»: كان قد سألنى بعض أصحاب الحديث: هل فى مسند أحمد ما ليس بصحيح؟، قلت: نعم، فعظم ذلك على جماعة ينتسبون إلى المذهب، فحملت أمرهم على أنهم عوام وأهملت الفكر فيهم، وإذا بهم قد كتبوا فتاوى خاصة فيها جماعة من أهل خراسان، منهم أبوالعلاء الهمذانى، يعظمون هذا القول، ويردونه ويقبحون قول من قاله، فبقيت دهشًا متعجبًا، وقلت فى نفسى: واعجبًا، صار المنتسبون إلى العلم عامة أيضًا، وما ذاك إلا لأنهم سمعوا الحديث ولم يبحثوا عن صحيحه وسقيمه، وظنوا أن من قال ما قلته قد تعرض للطعن فيما أخرجه أحمد، وليس كذلك، فإن الأمام أحمد روى المشهور والجيد والردىء، ثم هو قد رد كثيرًا مما روى، ولم يقل به، ولم يجعله مذهبًا، أليس هو القائل فى حديث الوضوء بالنبيذ: مجهول. 

ويعلّق الغزالى على ما قاله ابن الجوزى، يقول: قد غمّنى فى هذا الزمان أن العلماء لتقصيرهم فى العلم صاروا كالعامة، وإذا مر بهم حديث موضوع قالوا: قد روى، ذاك ما يقوله ابن الجوزى الفقيه الحنبلى فى تقييمه لأحاديث المسند، ولكن هناك ناس يصدق فيهم المثل «ملكيون أكثر من الملك». 

ويتحدث الغزالى عن «خطيئة الأصدقاء الجهلة»، يقول: صياح الغُلاة من المسلمين ألقى فى روعهم أن الإسلام سجّان المرأة وعدو اكتمالها الإنسانى، وأنه تحت ضغط المدنية الحديثة أذن لها بالتعليم وهو كاره، وأذن لها بالذهاب إلى المسجد يوم الجمعة وهو ضائق، وربما تشبه بعض حكامه بالغرب فسمح للنساء بأن يشاركن فى الانتخابات وينتظمن فى مجالس الشورى، وهؤلاء الحكام موضع سخط المتدينين، ولو نجح أهل الدين فى تولى السلطة لغلقت على النساء الأبواب، ولم يُرَ وجه واحدة منهن. 

يقول الغزالى: الكارهون للإسلام لهم العذر عندما يلتقطون هذه الصورة الكالحة الشائهة، والغُلاة من الصنف الذى ذكرنا آنفًا يشبهون أهل الكتاب الذين قيل لهم عند بعثة محمد، عليه الصلاة والسلام «يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرًا مما كنتم تخفون من الكتاب»، هؤلاء الغلاة يخفون عن عمد وسوء قصد أن المسلمات كن يصلين فى المسجد الصلوات الخمس من الفجر إلى العشاء، وكن يشاركن فى معارك النصر والهزيمة، وكن يشهدن البيعات الكبرى، وكن يأمرن بالمعروف وينهين عن المنكر، كانت المرأة إنسانًا مكتمل الحقوق المادية والأدبية، وليست نفاية اجتماعية كما يفهم أولئك المتطرفون الجاهلون، وكما أشاعوا عن الإسلام فصدوا عنه ونفروا منه. 

ويعتمد محمد الغزالى مرة أخرى على قاسم أمين، الذى ينقل عنه قوله: سبقت الشريعة الإسلامية كل شريعة أخرى فى مساواة المرأة بالرجل، فأعلن الإسلام حريتها واستقلالها يوم كانت فى حضيض الانحطاط عند جميع الأمم، ومنحها كل حقوق الإنسان، واعتبر لها كفاءة شرعية لا تنقص عن كفاءة الرجل فى جميع الأحوال المدنية من غير أن يتوقف تصرفها على إذن أبيها أو زوجها. 

ويلخص الغزالى فكرته بقوله: إن حاجة العالم إلى الإسلام ملحّة، بيد أن ناسًا من ذوى الجهالة والجراءة لا يعلمون ويكرهون من يعلم، لا يعملون ويكرهون من يعمل، وقفوا فى هذا العصر سدًا أمام تيار الإسلام يعكرون صفوه ويمنعون ورده، ويصدون الأمم عنه، وهؤلاء الأصدقاء الجهلة أخطر على دين الله من الأعداء الحاقدين، والغريب أن صوتهم بعيد المدى كأن هناك شياطين خفيه تمده بالقوة. 

ويأخذنا الغزالى فى مقاله «المساواة ثابتة فى القرآن» إلى أن مصيبة ديننا فى أناس يحرّفون الكلم عن مواضعه، ويطيرون بحديث موضوع أو معلول ليلغوا به الآيات البينات والسنن الثابتات البينات، فالذى يتدبر القرآن الكريم يحس المساواة العامة فى الإنسانية بين الذكور والإناث، وأنه إذا أعطى الرجل حقًا أكثر فلقاء واجب أثقل، لا لتفضيل طائش، وقوامة الرجل فى البيت لا تعنى ضياع المساواة الأصلية، كما أن طاعة الشعب للحكومة لا تعنى الطغيان والإذلال، فإن التنظيم الاجتماعى له مقتضياته الطبيعية، ولا مكان للشطط فى تفسيره. 

ويرصد الغزالى أن هناك من يردد أقوالًا عن النساء لا تستحق إلا الازدراء. 

قال أحدهم: السفهاء هم الصبية والنساء. 

فقال له الغزالى: عمن رويت ذلك؟ عن عمدة القرية أم شيخ البدو؟ 

وزعم كذوب أن المرأة يساق فيها قوله تعالى «كلٌ على مولاه أينما يوجهه لا يأتِ بخير». 

فقال له الغزالى: تلك صفة نفر من الناس رجال أو إناث محروم من المواهب عاجز عن العطاء، ويخجلنى أن هذا الوصف يكاد يطوى جماهير المسلمين فى المشارق والمغارب بعد ما تخلوا عن رسالتهم ونسوا كتابهم، وعاشوا عالة على الحضارات الغالبة. 

ويحذر الغزالى على الإسلام من صنفين من الناس: المكذبون به من أعدائه، والجاهلون به من أصدقائه. 

ويؤكد أن الثغرة التى ينفذ منها أعداء الإسلام هى موقف بعض الشيوخ من قضايا المرأة، فهم يقفون أحجارًا صلبة أمام كل الحقوق التى قررها لها الإسلام يريدون تعطيلها أو تشويهها. 

يقول: عاصرت أيامًا أنكر فيها الأزهر تعليم المرأة فى الجامعة، كما علمت على وجه اليقين أن أفواجًا من الأعراب ذهبت إلى الرياض تستنكر فتح مدارس لتعليم البنات، ومع أن الدنيا تغيرت فالعلاقة بين الجنسين، وحقوقهما العامة والخاصة، لم تأخذ بعد طريقها الصحيح، وذلك لأن بعض الناس يأبى أن يستقيم على منهج القرآن الكريم.