الإثنين 20 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

السُّنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث.. عن نعى الموتى والحديث معهم وشهادة المرأة وأحاديث الآحاد.. وأشياء أخرى

حرف

- خلا الطريق لكل ناعق وشرع أنصاف وأعشار المتعلمين يتصدرون القافلة

- يقدم الغزالى لكتاب «السنة النبوية» بقوله: أنا أكره التعصب المذهبى وأراه قصور فقه وقد يكون سوء خلق

- يجب أن نسد الطريق على من يتهمون الإسلام بانتقاص مكانة المرأة النعى المكروه ما كان استعراضًا للمآثر والمفاخر

الكتاب الأول من كتب الغزالى الثلاثة هو «السُّنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث». 

صدر الكتاب فى نهاية ثمانينيات القرن الماضى، عندما كلفه معهد الفكر الإسلامى بالولايات المتحدة بأن يضع كتابًا ينصف فيه السنة النبوية، ويذود عنها جرأة القاصرين أصحاب العقول الكليلة. 

رحب الغزالى بالتكليف لأنه وافق رغبة فى نفسه، وسارع إلى التنفيذ. 

ولأن ما جاء فى الكتاب كان خارجًا عن المألوف تمامًا، فقد رأى أن يتحمل وحده مسئولية الأحكام التى قررها فيه، وأن يواجه بصدر مفتوح ما يثور من اعتراضات... وقد كان. 

فقد أثار الكتاب من حوله العواصف التى صمد أمامها، وربما كان هذا لأنه خرج من بين صفوف المشتغلين بالدين، يعرف حيلهم وكيف يلاعبهم. 

يقدم الغزالى لكتابه هذا بقوله: أنا أكره التعصب المذهبى وأراه قصور فقه، وقد يكون سوء خلق، لكن التقليد المذهبى أقل ضررًا من الاجتهاد الصبيانى فى فهم الأدلة، وبديهى أن تنشأ مشكلات ثقافية واجتماعية من هذا النهج، وأن تسمع حدثًا يقول: مالك لا يعرف حديث الاستفتاح، ولا سنة الاستعاذة، ولا يدرك خطورة البسملة، وهو يخرج من الصلاة دون أن يتم التسليمتين، فهو جاهل بالسنة النبوية. 

وحدث آخر يقول: أبوحنيفة لا يرفع يديه قبل الركوع ولا بعده، ويوصى أتباعه ألا يقرأوا حرفًا من القرآن وراء الإمام، وربما صلى بعد لمس المرأة فهو يصلى بلا وضوء، إنه هو الآخر جاهل بالإسلام. 

يمسك الغزالى بهذه الحالة المتردية، ليقول عنها: ينظر المسلمون إلى مسالك هؤلاء الفتية فينكرونها ويلعنونهم، وقد كان علماء الأزهر القدامى أقدر الناس على علاج هذه الفتن، فهم يدرسون الإسلام دراسة تستوعب فكر السلف والخلف والأئمة الأربعة، كما يدرسون ألوان التفسير والحديث وما تتضمن من أقوال وآراء، لكن الأزهر من ثلاثين عامًا- وقت صدور الكتاب- أو تزيد ينحدر من الناحية العلمية والتوجيهية، ولذلك خلا الطريق لكل ناعق، وشرع أنصاف وأعشار المتعلمين يتصدرون القافلة ويثيرون الفتن بدل إطفائها، وانتشر الفقه البدوى والتصور الطفولى للعقائد والشرائع. 

ما الذى يريده الغزالى من كتابه هذا؟ 

لا يتركنا للقراءة قبل الحكم، بل يقول فى تقديمه: هو جرعة قد تكون مرة للفتيان الذين يتناولون كتب الأحاديث النبوية، ثم يحسبون أنهم أحاطوا بالإسلام علمًا بعد قراءة عابرة أو عميقة، ولعل فيه درسًا لشيوخ يحاربون الفقه المذهبى لحساب سلفية مزعومة عرفت من الإسلام قشوره ونسيت جذوره، وأؤكد أولًا وآخرًا أننى مع القافلة الكبرى للإسلام، هذه القافلة التى يحدوها الخلفاء الراشدون والأئمة المتبوعون والعلماء الموثقون، خلفًا بعد سلف، ولاحقًا يدعو لسابق. 

فى خمسة أشهر صدرت خمس طبعات من الكتاب، فاتفق الغزالى مع الناشر على أن تصدر الطبعة الجديدة وبها إضافات، انتفع فيها من تصويبات أهل الذكر الذين حاورهم أو كتبوا إليه أو سمع صوتهم من بعد. 

يحكى لنا الغزالى عما جرى: شتمنى بعض الناس فوجدت الإعراض أولى، ومَن مِن الأنبياء لم يُشتم؟ فليتأس أتباعهم بهم فى الصبر والتجاوز، لكن الشتم الذى أوجعنى كان اتهام البعض لى بأنى أخاصم السنة النبوية، وأنا أعلن أن الله ورسوله أحب إلىّ مما سواهما، وأن إخلاصى للإسلام يتجدد ولا يتبدد، وأنه أولى بأولئك المتحدثين أن يلزموا الفقه والأدب. 

ويعلن الغزالى هدفه بوضوح: غايتى تنقية السنة مما قد يشوبها، وغايتى كذلك حماية الثقافة الإسلامية من ناس قيل فيهم: إنهم يطلبون العلم يوم السبت، ويدرسونه يوم الأحد، ويعملون أساتذة له يوم الإثنين، أما يوم الثلاثاء فيطاولون الأئمة الكبار ويقولون: نحن رجال وهم رجال، وهكذا بين عشية وضحاها يقع زمام المسلمين الثقافى بين أدعياء ينظر إليهم أولو الألباب باستنكار ودهشة. 

ويؤكد الغزالى لمن يتلقى أفكاره الجديدة أنه مع جمهرة الفقهاء والمتحدثين عن الإسلام، وليس صاحب مذهب شاذ، ويطالب القائمين على أمور الدعوة بأن يراجعوا أنفسهم كى يهتموا بأمرين: 

أولهما: زيادة التدبر لآيات القرآن الكريم. 

وآخرهما: توثيق الروابط بين الأحاديث الشريفة ودلالات القرآن القريبة والبعيدة، فلن تقوم دراسة إسلامية مكتملة ومجدية إلا بالأمرين معًا. 

يضع محمد الغزالى بين أيدينا نماذج من بين اجتهاداته التى جاءت بالعواصف إلى بيته. 

يقول: إننا لا نحرص على تضعيف حديث يمكن تصحيحه، وإنما نحرص على أن يعمل الحديث داخل سياج من دلالات القرآن القريبة أو البعيدة، وحديث الآحاد يفقد صحته بالشذوذ والعلة القادحة، وإن صح سنده. 

يضرب الغزالى مثلًا على ذلك من خلال قضية مهمة للغاية، يقول: أبوحنيفة يرى أن من قاتلنا من أفراد الكفار قاتلناه، فإن قتل فإلى حيث ألقت، أما من له ذمة وعهد فقاتله يقتص منه، ومن ثم رفض حديث لا يُقتل مسلم فى كافر، مع صحة سنده، لأن المتن معلول بمخالفته النص القرآنى «النفس بالنفس»، وقول الله بعد ذلك «وأن احكم بينهم بما أنزل الله»، وقوله «أفحكم الجاهلية يبغون». 

وبالتأمل يرى الغزالى الفقه الحنفى أدنى إلى العدالة، وإلى مواثيق حقوق الإنسان، وإلى احترام النفس البشرية دون نظر إلى البياض والسواد، أو الحرية والعبودية أو الكفر والإيمان، فلو قتل فيلسوف كانس طريق قتل فيه، فالنفس بالنفس، وقاعدة التعامل مع مخالفينا فى الدين ومشاركينا فى المجتمع أن لهم ما لنا وعليهم ما علينا، فكيف يهدر دم قتيلهم. 

ويضيف الغزالى: بلغنى أن بدويًا قتل مهندسًا أمريكيًا فى إحدى دول الخليج، وقال أهل الحديث لا يجوز القصاص، وشعرت الحكومة بالحرج، ولكن تم الخروج من المأزق بقتل المجرم من باب السياسة الشرعية، فالقصاص شريعة الله، وهو ظاهر القرآن الكريم، والأحناف يقدمون ظاهر القرآن على حديث الآحاد، والمالكيون يقدمون عمل أهل المدينة على حديث الآحاد باعتبار أن عمل أهل المدينة أدل على السنة النبوية من حديث راوٍ واحد. 

الشيخ محمد الغزالى فى جامعة الامير عبد القادر قسنطينة الجزائر

ينتقل الغزالى بنا إلى قضية أخرى، فأهل الحديث يجعلون دية المرأة على النصف من دية الرجل، وهو ما يعتبره سوأة فكرية وخلقية رفضها الفقهاء المحققون، لأن الدية فى القرآن واحدة للرجل والمرأة، والزعم بأن دم المرأة أرخص، وحقها أهون، زعم كاذب مخالف لظاهر الكتاب، فالرجل يُقتل فى المرأة كما تُقتل المرأة فى الرجل، فدمهما سواء باتفاق، فما الذى جعل دية دون دية؟

يحكى الغزالى: كنت فى مجلس مع أستاذنا مصطفى الزرقا، فقال لى: إن الدية تعويض عن مفقود، وفى العوض يلاحظ التكافؤ ومقتل الرجل خسارة للأسرة أفدح من مقتل المرأة، والفقهاء لم يفكروا قط فى إهانة المرأة ماديًا أو أدبيًا، وإنما نظروا فى قيمة العوض المطلوب، والقوانين الغربية لم تسوِ بين المرأة والرجل فى أجر العمل، ولم تسوِ بينهما فى تصرفات مالية شتى. 

وكان الأستاذ معروف الدواليبى مشاركًا فى هذه الجلسة، فقال: إنه عندما كان يشارك فى وضع القوانين فى باكستان على أساس الشريعة الإسلامية سوى فى الدية بين الرجل والمرأة، إيثارًا للرأى القائل بذلك، واستئناسًا بمسلك عثمان بن عفان الذى أكمل دية الذمى وكانت على النصف من دية المسلم. 

وأضاف: رأينا أن نسد الطريق على من يتهمون الإسلام بانتقاص مكانة المرأة. 

ويشير الغزالى: فى مسلك الخليفة الراشد الثالث ما يدل على إمكان التغيير إذا تغيرت الأوضاع، ويبدو أن أهل الذمة اندمجوا فى المجتمع الإسلامى عن إخلاص، فرأى عثمان طمأنتهم على مكانتهم بتعزيز دياتهم، على أن الفقه الحنفى يسوى فى الدماء والديات بين الجميع. 

ويفكر محمد الغزالى فى السبب الذى جعل الأحناف والمالكية يكرهون تحية المسجد والإمام يخطب مع ورود حديث بطلب هذه التحية.

وبعد تأمل رأى أن خطبة الجمعة شرعت بعد الهجرة، وظل المسلمون يصلون الجُمع وراء النبى عشر سنين، أى هناك نحو خمسمائة خطبة ألقيت خلال هذه المدة. 

ويسأل الغزالى: أين هذه الخطب؟ 

فالمحدثون لم يهملوا تسجيل كلمة عابرة أو فتوى خاصة أو إجابة لسائل، فكيف تركوا هذه الخطب؟ وكيف أن كل ما دونوه بضع خطب لا تبلغ أصابع اليد الواحدة؟ 

يجيب الغزالى عن هذه التساؤلات بقوله: الواقع أن النبى، عليه الصلاة والسلام، كان يخطب الناس بالقرآن الكريم، وعندما يكون على منبره أو فى محرابه يتلو كتابه، فعلى الجميع الصمت والتدبر، يستحيل أن ينشغل عنه أحد بقراءة أو بصلاة، كذلك جاء التوجيه الإلهى «وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون»، إن رب العالمين يستمع إلى نبيه وهو يقرأ كما جاء فى الحديث الشريف «ما أذن الله لشىء كإذنه لنبى يقرأ القرآن يتغنى به» فكيف يتشاغل عنه الناس؟ 

ويضيف الغزالى: كانت السنة إذن هى الاستماع للخطب، وما جاء فى حديث الأمر بتحية المسجد كان حالة خاصة بالرجل المذكور، وظلت السنة العملية تمنع الكلام والصلاة فى أثناء الخطبة، بل إن مالكًا أبطل هذه الصلاة، وما أظن صاحب الموطأ يُتهم بمعاداة سُنة ثابتة.

ويشير الغزالى إلى أن السيدة عائشة كانت فقيهة محدثة أديبة، وكانت وقافة عند نصوص القرآن، ترفض أدنى تجاوز لها، وعندما سمعت أن النبى، صلى الله عليه وسلم، وقف على حافة البئر التى دفن المشركون بها يناديهم بأسمائهم كان لها تعليق جدير بالتدبر. 

الرواية تقول إن النبى مشى وأتبعه أصحابه حتى قام على شفة الركى فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله، فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ 

فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم إلا أجسادًا لا أرواح لها؟ 

فرد الرسول: والذى نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم. 

أنكرت السيدة عائشة عبارة «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم»، واستدلت بالآية الشريفة «وما أنت بمسمع من فى القبور»، وصححت الرواية: ما أنتم بأعلم لما أقول. 

قال قتادة مبينًا الرواية الأولى ومدافعًا عنها: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخًا وتصغيرًا. 

يقول الغزالى: الذى أراه أن الرواية الأولى لا تحتاج إلى هذا الدفاع، فالموتى لم يفنوا، وصوت النبوة يبلغهم وهم فى سجين، ولكن عائشة، رضى الله عنها، لا تقبل ما يعارض فى ظاهره لفظ القرآن، فالموتى عادة لا يكلمون ولا يسمعون، وإنما يعلمهم الله بما يشاء، فإذا علموا فكأنهم سمعوا، والعبارة مقبولة على طريق المجاز. 

ويخرج الغزالى من قضية هذا الحديث بخلاصة يؤكد من خلالها أن أشد ما يحرص عليه هو شد الانتباه إلى ألفاظ القرآن ومعانيه، فجملة غفيرة من أهل الحديث محجوبون عنها، مستغرقون فى شئون أخرى تعجزهم عن تشرب الوحى، فالفقهاء المحققون إذا أرادوا بحث قضية ما، جمعوا كل ما جاء فى شأنها من الكتاب والسنة، وحاكموا المظنون إلى المقطوع، وأحسنوا التنسيق بين شتى الأدلة. أما اختطاف الحكم من حديث عابر، والإعراض عما ورد فى الموضوع من آثار أخرى، فليس عمل العلماء. 

أثناء وجوده فى الجزائر، رصد الغزالى فتوى لواحد من أهل الحديث، قرر أن يحاربها بقوة قبل أن تصيب الإسلام وأهله بضر شديد. 

يقول الغزالى: إن على التجار فى بضائعهم زكاة يتقربون إلى الله بأدائها، والتجار فى الدنيا ملوك المال، فكيف يزعم زاعم أن عروض التجارة لا زكاة فيها، وأين نذهب بقوله تعالى «يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة»، لكن الشاب المشتغل بالحديث النبوى نادى فى الناس ألا زكاة فى عروض التجارة، إذ لا أصل لها فيما قرأ، وضم إلى ذلك أن الزكاة فى الزراعة لا تخرج إلا من القمح والشعير والتمر والزبيب، كأن الكرة الأرضية هى نجد وتهامة والحجاز. 

ويضيف: والمفتى القاصر يهبط بحصيلة الزكاة إلى العشر ما دام جمهور التجار والفلاحين قد أعفى من إيتاء الزكاة، وسقط عنهم ركن الإسلام. 

ويسأل الغزالى: لماذا لا نتدبر القرآن أولًا حتى نعرف أبعاد التكاليف التى ناطها الإسلام بأعناقنا، وأوعية المال التى نخرج منها زكواتنا؟ ولِمَ لا نعرف طبيعة الدنيا التى نعيش فيها، والأساليب التى يتبعها خصومنا لكسب معاركهم ضدنا؟ 

ويعلّق دون أن يجيب: إنه لا فقه مع العجز عن فهم الكتاب ومع العجز عن فهم الحياة، فبعض المشتغلين بالحديث يستوعر تدبر القرآن، ودراسة دلالاته القريبة والبعيدة، ويستسهل سماع حديث ما ثم يختطف الحكم منه فيشقى البلاد والعباد. 

وبحسم يقول: قلنا إنه لا خلاف بين المسلمين فى العمل بما صحت نسبته لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، وفق الاستدلالات التى وضعها الأئمة، وانتهت إليها الأمة، وإنما ينشأ الخلاف حول صدق هذه النسبة أو بطلانها، وهو خلاف لا بد من حسمه، ولا بد من رفض الافتعال أو التكلف فيه. 

وعند الغزالى أنه إذا استجمع الخبر المروى شروط الصحة المقررة بين العلماء فلا معنى لرفضه، وإذا وقع خلاف محترم فى توفر هذه الشروط أصبح فى الأمر سعة، وأمكن وجود وجهات نظر شتى، ولا علاقة للخلاف هنا بكفر ولا إيمان، ولا بطاعة أو عصيان. 

فعندما كان يعمل فى الجزائر سأله طالب: أصحيح أن موسى، عليه السلام، فقأ عين ملك الموت عندما جاء ليقبض روحه بعدما استوفى أجله؟

قال له وهو ضائق الصدر: وماذا يفيدك هذا الحديث؟ إنه لا يتصل بعقيدة ولا يرتبط به عمل، والأمة الإسلامية تدور عليها الرحى، وخصومها طامعون فى إخماد أنفاسها، اشتغل بما هو أهم وأجدى. 

قال الطالب: أحببت أن أعرف هل الحديث صحيح أم لا. 

فرد الغزالى متبرمًا: الحديث مروى عن أبى هريرة، وقد جادل البعض فى صحته. 

أجاب الغزالى الطالب بهذه الإجابة، لكنه جلس يفكر مع نفسه. 

يقول: عدت لنفسى أفكر، إن الحديث صحيح السند، لكن متنه يثير الريبة، إذ يفيد بأن موسى يكره الموت، ولا يحب لقاء الله بعدما انتهى أجله، وهذا المعنى مرفوض بالنسبة إلى الصالحين من عباد الله كما جاء فى الحديث الآخر «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه»، فكيف بأنبياء الله؟ وكيف بواحد من أولى العزم؟ إن كراهيته للموت بعدما جاء ملكه أمر مستغرب، ثم هل الملائكة تعرض لهم العاهات التى تعرض للبشر من عمى أو عور؟ ذلك بعيد. 

ويضيف: قلت لعل متن الحديث معلول، وأيًا ما كان الأمر فليس لدىّ ما يدفعنى إلى إطالة الفكر فيه، فلما رجعت إلى الحديث فى أحد مصادره ساءنى أن الشارح جعل رد الحديث إلحادًا، وشرع يفند الشبهات الموجهة إليه فلم يزدها إلا قوة. 

وفى رأيه أن من وصم منكر الحديث بالإلحاد فهو يستطيل فى أعراض المسلمين، والحق أن فى متنه علة قادحة تنزل به عن مرتبة الصحة، ورفضه أو قبوله فكرى، وليس خلافًا عقائديًا، والعلة فى المتن يبصرها المحققون وتخفى على أصحاب الفكر السطحى. 

ويتوقف الغزالى عند حديث رواه ثابت عن أنس أن رجلًا كان يُتهم بأم ولد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله لعلى: اذهب فاضرب عنقه، فأتاه على، فإذا هو فى ركى يتبرد فيها، فقال له على أخرج، فناوله يده فأخرجه، فإذا هو مجبوب ليس له ذكر، فكف على عنه، ثم أتى النبى، صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله إنه مجبوب ما له ذكر. 

يعلّق الغزالى على هذا الحديث بقوله: يستحيل أن يحكم الرسول على رجل بالقتل فى تهمة لم تحقق، ولم يواجه بها المتهم، ولم يسمع له دفاع عنها، بل كشفت الأيام عن كذبها، وقد حاول النووى، غفر الله له، تسويغ هذا الحكم بقوله: لعل الرجل كان منافقًا مستحقًا للقتل لسبب آخر، ونقول: متى أمر رسول الله بقتل المنافقين؟ ما وقع ذلك منه، بل لقد نهى عنه. 

ويضيف: ظاهر من السياق أن الرجل نجا من القتل بعد ما تبين من العاهة التى بها استحالة توجيه الاتهام إليه، أفلو كان سليمًا أبيح دمه؟ هذا أمر تأباه أصول الإسلام وفروعه كلها، إن بالحديث علّة قادحة، وهى كافية فى سلب وصف الصحة عنه، وأهل الفقه، لا أهل الحديث، هم الذين يردون هذه المرويات. 

يقول مدافع عن هذا الخبر: لعله من باب التعزير. 

ويرد الغزالى: هذا تفكير مستنكر، فهل أعطى الإسلام ولى الأمر حق قتل الناس لشبهة أو شائعة؟ أباسم التعزير تستباح الدماء على نحو طائش؟ إننا نقتل ديننا بهذا الفهم، ونعرض سيرة النبى للقيل والقال. 

ويرى الغزالى أنه مما يحتاج إلى الفقه السليم تحريم نعى الموتى، ورفض ما تنشره الصحف الآن من إعلانات عن وفاة فلان أو فلانة. 

جاءه بعض الطلاب يقولون: إنهم قرأوا أحاديث تفيد بذلك، ومن ثم فهم يستنكرون الإيذان بأخبار الموتى. 

قال لهم: إن النعى المكروه ما كان استعراضًا للمآثر والمفاخر، وتنويهًا بالأفراد والأسر، أما ما عدا ذلك فلا شائبة فيه، بل لا بد منه. 

 

قالوا له: ما رواه الترمذى وابن ماجه غير ما تقول، فعن حذيفة، رضى الله عنه، قال عندما احتضر: إذا أنا مت فلا يؤذن على، إنى أخاف أن يكون نعيًا، وإنى سمعت رسول الله ينهى عن النعى.

هكذا روى الترمذى وأكد ابن ماجه الرواية إلا أنه قال: كان حذيفة إذا مات له الميت قال: لا تؤذنوا به أحدًا، إنى أخاف أن يكون نعيًا، إنى سمعت رسول الله بأذنى هاتين ينهى عن النعى، وعن عبدالله بن مسعود أن رسول الله كان ينهى عن النعى، وقال: إياكم والنعى فإنه من عمل الجاهلية، قال عبدالله: والنعى أذان بالميت. 

ويعلّق الغزالى بقوله: ونحن نؤكد أن النعى المحظور ما قارنه الرياء وإحياء العصبية، أما الإخبار المعتاد فيستحيل كرهه، وما أكثر الأحاديث المنتشرة اليوم بين الشباب، يستنتجون منها أحكامًا سيئة، إن قبلنا سندها على إغماض فإن متنها لا يصح قبوله. 

ويعالج الغزالى فى كتابه قضية لا تزال إشكالية حتى الآن، وهى قضية شهادة المرأة. 

وهنا أنقل لكم ما كتبه فى هذه القضية:

معروف أن شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل، وقد علل القرآن لذلك بأن المرأة قد تنسى أو تحار أو يشتبه عليها وجه الحق، وعندما تكون معها امرأة أخرى فسوف تتعاونان على الإدلاء بالحقيقة كاملة، وقد بحثت فى هذا الموضوع فأدركت أن المرأة فى عادتها الشهرية تكون شبه مريضة، وأن انحراف مزاجها واضطراب أجهزتها الحيوية يصيبها ببعض الارتباك، والتثبت فى أداء الشهادات واجب. 

ذلك سر قوله تعالى «واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى».

وكان يجب أن يقف الأمر عند هذا الحد، لكن تيارًا نشأ فى الفكر الدينى يستبعد شهادة المرأة استبعادًا تامًا فى أهم ميادين التقاضى، وهو ميدان القصاص والحدود، أى فيما يتصل بالدماء والأعراض، وإذا كان اللصوص يسرقون البيوت ليلًا أو نهارًا، فما معنى رفض شهادة المرأة فى حد السرقة؟ وإذا كان العدوان على النفس يقع كثيرًا بمشهد من النساء، فما معنى أن ترى المرأة مصرع آلها أو أقرب الناس إليها ثم تُرفض شهادتها؟ ولماذا لم يلتزم نصاب الشهادة كما ذكره القرآن الكريم؟ 

إن ابن حزم فى تمحيصه للآثار المروية يؤكد أن رفض شهادة النساء فى الحدود والقصاص لا يوجد له أصل فى السنة النبوية. 

ولست أحب أن أوهن دينى أمام القوانين العالمية بموقف لا يستند استنادًا قويًا إلى النصوص القاطعة، وإذا كان المسلمون الآن أكثر من مليار نفس- وقت صدور الكتاب- فما معنى التطويح بكرامة خمسمائة مليون امرأة لقول أحد من الناس؟ 

يستعرض الغزالى مختلف آراء الرواة والفقهاء فى هذه المسألة، ثم يعود لنا ليتحدث. 

يقول: وأنا أعتصم بالمتواتر من كتاب الله والمشتهر من السنة النبوية أقرر قبول شهادة المرأة فى كل شىء وفق النصاب الثابت فى ديننا، ومن حق كل مسلم أن يتجاوز ما وراء ذلك غير مهتم ولا مريب، ولى أن أتساءل: هل من مصلحة الأمن العام إهدار شهادة المرأة فى قضايا يقع ألوف منها بمحضر النساء؟ وهل من مصلحة الفقه والأثر ترجيح مذهب يسىء إلى الإسلام أكثر مما يحسن؟