الإثنين 07 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

فتوات مصر.. زيارة جديدة لعالم «أبطال نجيب محفوظ»

حرف

- تشكلوا من العبيد وصغار المماليك وكانوا يسطون ليلًا على الحارات

- الناس لم تمتثل لكلام شيخ الحارة ممثل السلطة الرسمية على عكس الفتوة

- «الحرافيش» مُحرفة من «حارة فيش» وبدأ وجودهم خلال العصر المملوكى

- «النبوت» صنع من الخشب الصلب.. و«المرز بة» لضربات الحسم

فى الحارة المصرية القديمة، حيث لا شرطة تحرس، ولا قانون يحمى، ولا حكومة تسمع صوت الضعيف، ولدت سلطة أخرى من رحم الفراغ، لم تكن سلطة رسمية، ولا شرعية بالمعنى الذى نعرفه، لكنها كانت أكثر حضورًا من الدولة نفسها فى حياة الناس اليومية، هذه السلطة هى «الفتوة»، وظلها الاجتماعى الأوسع هم «الحرافيش» تلك الجموع التى شكلت لقرون العمود الفقرى الصامت للمدن المصرية.

الباحث فى التراث الشعبى، الدكتور رامى قاسم، تناول تاريخ الفتوات، ليس كأبطال خرافيين أو مجرد شخصيات أدبية استلهمها نجيب محفوظ، بل نظر إليهم كظاهرة اجتماعية وسياسية تعكس غياب الدولة، وفى الوقت ذاته كأداة وظّفتها السلطة حين أرادت أن تحكم من بعيد دون أن تُظهر وجهها المباشر.

وفى السطور التالية، يكشف «قاسم» عن تاريخ الفتوة ليس فقط كبديل عن سلطة غائبة، بل كوسيلة استخدمتها السلطة لتدير غيابها، ويضىء على تفاصيل الحياة اليومية التى نشأ فيها الفتوات، والأجواء الشعبية التى صنعت حضورهم، والطرق التى مارسوا بها نفوذهم فى قلب المجتمع المصرى.

تدريبات الصغار على الفتونة
تدريبات الصغار على الفتونة

كلمة «حرافيش» حسب مؤرخين كبار مثل المقريزى وابن إياس تشير للطبقة المتدنية أو المهمشة من عامة الناس وأهل الهامش، وهى لفظ قديم يعود إلى العصر المملوكى، أصل الكلمة «حارة فيش»، حيث كانت «فيش» تعنى «لا شىء»، فالمعنى الحرفى هو «رجل الحارة الذى لا يملك من أمره شيئًا» أو الرجل الفقير المعدم، ومع الوقت، طور المصريون هذا اللفظ من «حارة فيش» إلى «حرافيش»، وظهر المصطلح لأول مرة فى العصر المملوكى.

لم يكونوا طائفة ولا فئة محدودة، بل كانوا طبقة اجتماعية عريضة، إذ شكل الحرافيش نحو ٨٠٪ من سكان المدن المصرية، وانقسموا داخليًا إلى طائفتين: طائفة «البطالين»- ومنها اشتقت كلمة «بطالة»- وهم من كانوا عالة على المجتمع بلا عمل، يسكنون قرب التكايا والقصور والجوامع وشواهد القبور طلبًا لعطف الناس، وكان الواحد منهم يعرى بطنه فى الصيف أو الشتاء ليعلن للناس أنه من «البطالين» فيستحق الصدقة.

وكانت «نفيسة البيضاء»، أرملة على بك الكبير ثم زوجة مراد بك قائد المماليك من بعده، وهى سيدة شركسية الأصل كان الفرنسيون أنفسهم يُجلونها ويهدونها الألماس قبل الحملة الفرنسية، تبعث لهؤلاء البطالين بانتظام حرسًا من مماليكها لتنظيم توزيع الطعام عليهم، بعدما كان العبيد والجوارى يضربون ويسلب منهم الطعام قبل أن يصل لمستحقيه.

أما الطائفة الثانية فكانت طائفة «الأرزقية»: السقّائين، والمكارية «الذين كانوا يؤجرون الحمير كما تفعل سيارات الأجرة اليوم»، والحوزجية «أصحاب الحناطير والعربات، وهم أسلاف سائقى النقل الحديث»، وصغار الصناع والأجرية، وقد ظل هذان اللقبان، الحوزى والمكارى، حاضرين فى الحياة المصرية حتى خمسينيات القرن العشرين.

واللافت أن الحرافيش، بوصفهم هذه الطبقة الاجتماعية العريضة، لم يوجدوا إلا فى الحضر- القاهرة والجيزة والإسكندرية بصفة أساسية، وكذلك المحلة والمنصورة ودمنهور وسائر المدن- ولم يظهروا إطلاقًا فى الريف، والسبب فى ذلك يحمل مفتاح الفكرة التى يقوم عليها هذا الموضوع كله.

فأهل الريف كانوا ينشطون مع ضوء النهار ويخلدون للنوم مع حلول الظلام، استعدادًا لعملهم فى الحقل مع أول خيوط الفجر، حتى فى غير موسم الزراعة، وكانت مشكلاتهم تحل عبر «المجلس العرفى»، وكانت كل عائلة تعرف دورها ومكانها، وكان شيخ البلد وشيخ الغفر والعمدة يتولون معًا دور الحماية وفض النزاعات، فشكلوا- بحكم وجودهم واستمرار عملهم- نوعًا من «الحكومة المصغرة» للريف، الدولة إذن لم تكن غائبة تمامًا عن الريف بل قد أنابت عنها هياكل محلية تؤدى وظيفتها، أما فى المدينة حيث لم توجد مثل هذه الهياكل، فقد اتسع الفراغ، وفى هذا الفراغ بالتحديد ولد الحرفوش أولًا، ثم ولد الفتوة ليقود هذه الجموع.

الفتوة، حسب الوصف الدقيق لدوره، لم يكن بالضرورة الرجل الأقوى جسديًا كما رسخت الدراما المصرية فى الأذهان، فثمة صور وثائقية لفتوات نحاف الجسد، لكنهم كانوا أقوياء بعلاقاتهم واتصالاتهم ودهائهم وقدرتهم على التواصل مع الآخرين، وكانت قوة الفتوة تقاس بعدد «مشاديده»- أتباعه ورجاله.. ومنها جاءت العبارة الشعبية «إنت واللى يتشدلك».

وكان هؤلاء المشاديد أقرب إلى ما نسميه اليوم بلطجية، يملكون حرية الانتقال من فتوة إلى آخر إن لم يجدوا عنده ما يكفيهم من مكانة اجتماعية أو عائد مادى، وكانت مهمة الفتوة الأولى أن يحافظ على أكبر عدد ممكن من هؤلاء الموالين له.

ظهر نظام الفتوات، مثل الحرافيش، فى العصر المملوكى، حين كان لأمراء المماليك أتباع من العبيد وصغار المماليك، وكانوا طامعين يسطون ليلًا على الحارات أثناء نوم أهلها، فيسرقون البيوت والمحلات، وقد نتج عن هذا الخطر أمران: الأول ظهور بوابات للحوارى تغلق ليلًا للحماية- وهى البوابات التى اقتلعت جميعها لاحقًا فى الحملة الفرنسية، حين واجه نابليون حرب الشوارع فاستدعى سرية من المهندسين العسكريين الفرنسيين وأمرهم بخلع كل أبواب الحارات، فازدادت بذلك حركة السرقة بعد اختفاء هذا الحاجز البسيط.

أما الأمر الثانى وهو الأهم فكان ظهور الفتوة نفسه: كان يتطوع رجل من أهل الحارة، معروف بنشاطه أو صحته أو نفوذه أو قدرته على التواصل للدفاع عن حارته فلا ينام طوال الليل، ماسكًا عصاه أو نبوته، يحمى دكاكينها وبيوتها، ولدت الفتونة من رحم النبل والتضحية قبل أن تتحول لاحقًا إلى مؤسسة سلطة موازية.

فظهور الفتوة ببساطة كان نتيجة مباشرة لضعف الحكومات: لا درك ولا غفر، ولا سطوة للبوليس على الحوارى والأزقة، ولا حماية من أى نوع، فى هذا الفراغ بالتحديد قال الفتوة لأهل حارته: «هحميكم مقابل إنكم تسمعوا كلامى»، ولم يكن هناك ما يمنع أن يأخذ منهم ما يعرف بـ«الإتاوات» وهو الذى يفرضها، وهو الذى يحددها، وهو الذى يقرر: هذا يدفع عشرة وذاك يدفع واحدًا، نظير أجره الشخصى وأجر أتباعه.

وكان اختيار الفتوة يتم عبر معيار واحد: أن «يظهر كرامة»، أى أن يقوم بعمل خارق للعادة يدافع فيه عن منطقته، أو يضرب أكبر عدد من البلطجية والغزاة، أو يقف وقفة لا خوف فيها أمام المماليك، أو يجابه فتوة آخر ويأخذ مكانته، عندها تعترف به الحارة، ويأتى شيخ الحارة- وهو موظف معين رسميًا من الحكومة- ليعلنه فتوة جديدًا للحارة فيسمع الناس كلامه ويطيعونه.

والمفارقة العميقة هنا أن شيخ الحارة نفسه، ممثل السلطة الرسمية، لم يكن الناس تسمع كلامه، كانت تسمع فقط كلام الفتوة، فالسلطة الرسمية كانت حاضرة بالاسم فقط، تصادق على واقع صنعه غيرها، بينما السلطة الفعلية كانت فى يد رجل لم تفرزه مؤسسة، بل أفرزته الحارة نفسها من رحم غياب الحماية.

محضر بائعة الجبن ضد الفتوة
محضر بائعة الجبن ضد الفتوة

لم يكن الحرافيش مجرد جموع سلبية تنتظر من يحميها، فحين جاءت الحملة الفرنسية على مصر، وكان المماليك- الذين شكلوا الجيش الوحيد لمصر آنذاك- منشغلين بجمع ثرواتهم أكثر من انشغالهم بالاستعداد العسكرى، حتى إن مراد بك حين بلغ بوصول الفرنسيين إلى الإسكندرية اقترح إرسال مبلغ من المال لهم كى ينصرفوا، ولما رفض هذا الحل اكتفى بتجهيز سلسلة تمد عبر النيل لمنع مرور المراكب- وهو أسلوب ساذج ومتأخر أمام مدفعية فرنسية أكثر تطورًا بمراحل.

كان المدفع المصرى يطلق طلقة واحدة ثم يحتاج لنصف ساعة ليبرد، بينما كان المدفع الفرنسى يطلق خمس طلقات فى نصف الساعة نفسها دون أن تنصهر ماسورته، ووصل مداه إلى ما هو أبعد بكثير من الـ٦٠٠ متر التى كانت أقصى مدى للمدفعية المملوكية، أمام هذا التفاوت، لملم قادة المماليك ثرواتهم وانسحبوا أو هاجروا إلى حلب وغزة، تاركين مصر بلا جيش حقيقى.

هنا بالتحديد، حين انكشف ضعف الجيش المملوكى، وقف الحرافيش والعربان «البدو» ليواجهوا الحملة الفرنسية بأنفسهم، على ضفتى النيل، يقذفون المراكب الفرنسية بالبارود والزجاجات والحجارة والمقاليع «المنديل الملفوف حول حجر»، وكانت مقاومتهم غير المتوقعة عنيفة لدرجة أن الحكام الثلاثة الذين تعاقبوا على حكم مصر خلال الحملة الفرنسية- نابليون بونابرت، وكليبر، ومينو- أُصيبوا جميعًا فى معارك ناتجة عن رد الفعل المصرى.

وكان للحرافيش دور كبير فى ثورة القاهرة الأولى «١٧٩٨» وثورة القاهرة الثانية «١٨٠٠»، رغم أن بذورها بدأت برحيل نابليون فى صيف «١٧٩٩»، حتى إن الفرنسيين، حين عجزوا عن السيطرة عليهم، لجأوا إلى قصف القاهرة بالمدافع من القلعة والمقطم، ودكوا البيوت على أصحابها.

محضر ضرب ضد الفتوة محمد برغوت
محضر ضرب ضد الفتوة محمد برغوت

ولم يكن هذا الحماس عفويًا بلا موجه، بل كان الأزهر هو المحرك الأساسى للمصريين فى تلك اللحظة، وهو الفارق الجوهرى بين حيوية الحرافيش فى مواجهة الحملة الفرنسية، وبين خمول العامة والسوقة والدهماء- كما وصفوا لاحقًا- فى مواجهة الاحتلال الإنجليزى، حين تراجع دور الأزهر، وقد أدرك نابليون هذه الحقيقة جيدًا، فحين أنشأ «الديوان» اختار له عشرة من شيوخ الأزهر تحديدًا، لا من العلماء ولا من السياسيين ولا من المماليك، لأن كلمتهم كانت الأكثر نفوذًا على الجموع.

وهذا فى ذاته نموذج آخر لتوظيف الدولة «أو المحتل بوصفه سلطة جديدة» لجهة وسيطة- الأزهر هذه المرة بدل الفتوة- للسيطرة على الشارع دون مواجهة مباشرة، وكان نابليون بونابرت يوزع منشورات تصف الفتوات بأنهم بطالون وحشاشون.

وفى خضم هذه الأحداث، وقعت واحدة من أغرب الوقائع فى التاريخ المصرى وأكثرها تفردًا «جيش الشباشب»، فحين انتشر الطاعون، قرر نابليون إزالة المقابر القريبة من القاهرة القديمة، ونزل جنوده لتنفيذ الأمر بالقوة وكان الرجال، بعدما أنهكتهم المعارك، عاجزين عن المقاومة، فقامت امرأة من عامة الشعب، اسمها عيدة حسن الرومى، ابنة الشيخ حسن الرومى، وجمعت نساء الحى ووقفن حاجزًا بشريًا بين الجنود الفرنسيين والمقابر، وخلعن شباشبهن وضربن بها الجنود حتى انسحبوا.

هذه الواقعة، التى عرفت بـ«جيش الشباشب»، تستحق أن تروى كأشهر ما وصلنا من بطولات نساء الحرافيش، كان والدها شيخ معروف له مقام صغير تحت قبة خضراء، يحمل اسم «مقام الشيخ حسن الرومى» الملقب بشيخ العامود، يقع أمام حارة الحرافيش نفسها، أسفل شارع سكة الوداع، تحت قلعة صلاح الدين.

محضر ضرب ضد محمد ابن عمارة
محضر ضرب ضد محمد ابن عمارة

لم يكن المؤرخون رحماء بالحرافيش، فقد وصفهم مؤرخو تلك الحقبة- من مصر والمغرب وتونس على حد سواء- بأبشع الأوصاف: القذارة الجسدية والمكانية، عدم الاهتمام بقص الأظافر أو الاستحمام، الروائح الكريهة، تلويث الشوارع، الفوضى، حتى شبههم بعضهم بالحيوانات. وكان عبدالرحمن الجبرتى يصفهم دائمًا بـ«السوقة» و«الدهماء»، بينما كانت الوثائق الرسمية المرسلة إلى الباب العالى فى الأستانة تصفهم بـ«الفوضويين» أو «البطالين».

وفى المقابل، يبرز اسم واحد كاد يكون المصدر الوحيد الذى وثق حياة الحرافيش وشهرهم عالميًا نجيب محفوظ غير أن تصويره لهم- كجموع تنتظر دائمًا «فتوة» ينصفها وينقذها- لم يكن دقيقًا تاريخيًا، فالحقيقة أن حياة الحرافيش كانت تدور حول لقمة العيش اليومية فقط، بلا آمال ولا طموحات تتجاوز أكل يومهم، لم يكونوا مفكرين ولا قادة، بل كانوا يبحثون فقط عن أى نظام يمكنهم أن يعيشوا فى ظله، وحين رسخ محفوظ فى الوجدان المصرى صورة «الفتوة العادل» الذى يدافع عن الحرفوش ويصلح حال الناس، زرع فى اللا وعى الجمعى فكرة أن هناك دائمًا من سيأتى لينقذ الموقف- وهى الفكرة التى جعلت المصريين، حتى اليوم، يستبقون صورة الفتوة العادل فى مخيلتهم، ويطمسون صورة الفتوة الظالم.

واختفى لفظ «الحرافيش» تدريجيًا من المجتمع المصرى مع ظهور مؤسسات الدولة الحديثة، ومع كثرة ما نعت الحرافيش بهذا اللقب بوصفه إشارة لسوء الحال، بدأ المصرى يستفيق لحقيقة أن اللفظ صار أداة إهانة وسب، فاستبدله بلقب «ابن البلد» الذى يحمل المعنى ذاته تقريبًا دون الوصمة السلبية ومع ذلك، بقيت آثار اللفظ حية فى الأمثال الشعبية: «الحرفوش فى ضهر أخوه»، و«الحارة من غير حرفوش فوش»، و«لو اجتمعت الحرافيش خافوا الفتوات»، و«الحرفوش رمانة الميزان»- أمثال اندثر استخدامها مع الوقت، لكنها ظلت شاهدة على حضور هذه الطبقة فى الذاكرة الجمعية.

واللافت أن هناك حارة فعلية فى القاهرة، بشارع سكة الوداع أسفل قلعة صلاح الدين، لا تزال تحمل لافتة باسم «حارة الحرافيش» حتى اليوم بجوار مقام الشيخ حسن الرومى مباشرة، والغريب أن سكانها، الذين تحمل بطاقاتهم عنوان الحارة بالاسم، يتباهون بذلك أشد التباهى، ويطلقون على أنفسهم اليوم لقب «حرفوش» بمشاعر حنين لا إهانة، وكان فى بداية الحارة «حنفية» عامة، لا تزال آثارها موجودة وإن توقفت عن العمل بعدما دخلت المياه إلى البيوت مباشرة.

حميدو الفارس فتوة السيالة
حميدو الفارس فتوة السيالة

لم تكن أدوات الفتوة مجرد أسلحة، بل كانت لغة كاملة يقرأها أهل الحارة، فالعصا كانت عبارة عن عصا بسيطة، أما «النبوت» فكان أكثر تركيبًا: عصا من خشب قوى لا ينكسر كالبلوط، تنتهى بجزء مقعر يسمى «المرزبة»، تلف بالجلد ثم بالسلك ثم بالجلد مرة أخرى، بحيث يمتص الجلد صدمة الضربة حين يستخدمها الفتوة للدفاع، بينما تستخدم المرزبة نفسها «أشبه بالمطرقة» حين يريد ضربة حاسمة.

أما «الزقلة» فكانت عصا قصيرة لا تتجاوز ٦٠ سنتيمترًا، بمقبض جلدى يمنعها من الإفلات من اليد، ودبابيس حديدية فى مقدمتها تزيد الضربة إيلامًا، وكانت تُحمل تحت الإبط للتباهى، أشبه بـ«المرشلية» العسكرية التى يحملها ضباط الجيش اليوم، وكرمز سلطة أكثر منها سلاحًا.

هناك أيضًا «اليطقان»، وهو سكين طويل بين الخنجر والسيف مسنون من ناحيتين، إلى جانب السيف والخنجر و«السنجة»، وهى سكين كبيرة عريضة لا تزال حاضرة فى مشاجرات الشوارع حتى اليوم.

وكان لكل «نبوت» اسمه الخاص وشكله المميز، بحيث يعرف الناس صاحبه من مجرد رؤية «نبوته»، ولكل «نبوت» حكايته، حقيقية كانت أو أسطورية: «ضرب بنبوته مائة رجل»، أو «كسر الحجر الفلانى»، أو «شق السور الفلانى». وبما أن الحرافيش كانوا فارغين من العمل والانشغال، كانوا يحيكون الأساطير حول «النبوت» أكثر مما يحيكونها حول صاحبه!

بل إن طريقة حمل «النبوت» نفسها كانت رسالة: فحين يمشى الفتوة و«النبوت» على كتفه بالعرض، فهذا يعنى أنه فى حالة سلام، يتفقد رعيته. أما إذا كان يجره خلفه على الأرض، فهذا إنذار بأن عركة على وشك الوقوع، فتغلق المحال أبوابها احتياطًا. وإذا خبط به الأرض عدة خبطات متتالية، فمعناها «انتبهوا أيها الناس» أو «ليصمت الجميع كى يتكلم الفتوة». لغة جسدية كاملة، توازى فى وضوحها أى إعلان رسمى، لكنها صادرة عن سلطة لا تحمل ختمًا حكوميًا.

كانت الحسينية بمثابة خط إنتاج حقيقى للفتوات فى مصر، حيث كان الأطفال يُدرَبون فيها منذ الصغر على استخدام «النبابيت»، وركوب الخيل، والتعامل مع «اليطقان»، إلى جانب تمرينات الاتزان والمصارعة.

ولم يكن دور الفتوة عنيفًا بالضرورة، فقد كان له دور سلمى وتنظيمى بحت، أبرزه تنظيم الحفلات وتأمين مواكب الأفراح. وكان يتقاضى «إكرامية» من صاحب الفرح مقابل أن يقود الزفة فى مقدمتها، ومعه «مشاديده» من الأمام والخلف، تحيط بهم فرقة موسيقية ولاعبو «النقرظان» بعصيهم المميزة.

وإذا خرجت الزفة من منطقته إلى منطقة فتوة آخر، كان ينسق التسليم بينهما، ويأخذ كل فتوة نصيبه من «الإكرامية» عن الجزء الذى أداه.

وكانت كل زفة تتوقف عادة أمام مقام أحد أولياء الله الصالحين لتُبَارك: أهل عابدين لا بد أن تمر زفتهم بالسيدة زينب، وغيرهم بالسيدة نفيسة أو السيدة عائشة أو فاطمة النبوية أو سيدنا الحسين، حيث تقرأ الفاتحة ٩ مرات، وهو رقم بقى تفسيره غامضًا حتى فى الرواية الشفهية نفسها.

وكانت المناطق التى تضم مقامات أولياء أوفر حظًا من حيث دخل فتواتها، لأن مرور الزفات المتكرر يعنى مزيدًا «من الإكراميات». 

وقد وجد نظير لظاهرة الفتوات فى بلاد الشام، حيث كان لنظام المماليك هناك أيضًا امتداده الاجتماعى، وكان يُطلق على الفتوة الشامى اسم «القبضاى».

عزيزة الفحلة فتوة المغربلين
عزيزة الفحلة فتوة المغربلين

لم يكن نظام الفتوات حكرًا على الرجال، فبجانب «جيش الشباشب» الذى قادته عيدة حسن الرومى إبان الحملة الفرنسية، برز اسم عزيزة الفحلة، فتوة حى المغربلين، كواحدة من أبرز الفتوات على الإطلاق.

وقد تعرضت هذه الشخصية لظلم واضح فى الدراما المصرية الحديثة، وتحديدًا فى الجزء الثانى من مسلسل «النص»، حيث صورت بصورة مسيئة لا تعكس حقيقتها، فـ«عزيزة الفحلة» كانت شخصية وطنية بامتياز، ومن أشهر مواقفها الموثقة أنها وسيدات أخريات هاجمن مجموعة من الجنود الإنجليز حين طاردوا أحد الوطنيين ودخلوا حمام السيدات، فضربنهم علقة موت حماية لخصوصية النساء.

كانت تدير ما يشبه «لجنة حقوق إنسان» مُصغرة، تنتصر لكل مظلوم فى منطقتها بمساعدة رجالها. وكانت تحلق شعرها بالموسىّ حتى لا يمسكها أحد منه أثناء الشجار، وتدهن ذراعيها بالزيت لتتملص من قبضة خصومها.

أسست فى منطقتها ساحة شعبية مفتوحة للجميع، وأنشأت صالة لكمال الأجسام ورفع الأثقال، تخرج فيها مختار حسين، بطل مصر والعالم فى رفع الأثقال، الذى مثّل لاحقًا فى عدد من الأفلام.

تروى إحدى رواياتها الشعبية أنها قطعت موكب الخديو عباس حلمى الثانى بجرأة نادرة، وقالت له: «مظلومة يا أفندينا.. المأمور والحكمدار ظالمينى» فأصدر الخديو على الفور أمرًا بإنصافها.

وكأثر طريف على هذا الحضور الممتد للفتوات فى الوجدان الشعبى والفنى، اعترف الفنان محمود المليجى بأنه تعلم فنون الشجار والضرب التى ظهرت فى أفلامه من عزيزة الفحلة، مثل حركة «ضرب الروسية» و«مقلب الحرامية» وإسقاط توازن الخصم. وكان يسكن فى أحد منازلها، بل كان يعلق إصبعه فى جيب جلبابه تمامًا كما كانت تفعل هى.

وحين يسأل عن سبب قبول الرجال بأن تكون امرأة هى الفتوة، يأتى الجواب مقارنًا هذا الوضع بأى بيت يترك فيه الرجل قرارات إدارته لزوجته حين يقتنع بحسن رأيها. ويستدعى الجواب إرثًا مصريًا أعمق: شجرة الدر التى حكمت المماليك والأمراء، وحتشبسوت التى حكمت مصر بكامل قطاعاتها، وكليوباترا السابعة، وملكات الأسرة الرابعة لقدماء المصريين، والملكة إياح حتب التى حرضت ابنيها أحمس وكامس على استقلال مصر وطرد الهكسوس.

من مذكرات حودة العطار
من مذكرات حودة العطار

درست السلطة الإنجليزية فى مصر الفتوات دراسة دقيقة، تعرف من تريد التخلص منه وكيف، وكانت تحيك المؤامرات ضد الفتوات الوطنيين، فمثلًا المعلم على لاصا، فتوة عابدين، قُتِل على يد أمين المالطى، أحد «مشاديده»، دون أدلة. وجد مطعونًا بخنجر فى زقاق المدق، وفى اليوم التالى مباشرة عين أمين المالطى فتوة جديدًا لعابدين، مواليًا للإنجليز، مسجلًا فى دفتر الحماية الإنجليزية.

كانت الاستمالة هى الأداة الأهم لفرض السلطة الإنجليزية على الشارع المصرى: إغداق المال، منح الحماية التى تجعل الفتوة فوق المساءلة، تقديم البيوت والذهب. أما من لم يستجب، أو من ارتكب جريمة كبرى كان يستوجب إعدامه، فكان يُنفَى بدل الإعدام إلى مالطا أو إيطاليا أو اليونان أو جزيرة فى آسيا، أو إلى «طوكر»، وهى منطقة زراعية قاسية المناخ فى أقصى جنوب شرق السودان قرب البحر الأحمر، وكانت آنذاك تحت السيادة المصرية. وكان النفى إلى «طوكر» أشبه بسجن مفتوح، لا عودة منه، يعمل فيه المنفى بالزراعة القسرية.

أما نظام «الحماية الأجنبية» فكان يسمح لمن يسجل نفسه فى سفارة أجنبية، فرنسية أو يونانية أو إيطالية، بأن يُحاكَم بموجب قوانين تلك الدولة لا بالقانون المصرى. وكانت الحماية الإنجليزية، ومقرها فى حى جاردن سيتى الحالى، الأرفع مكانة والأكثر انتقائية، فهى التى تختار من تحميه، لا العكس.

كان من أشهر من حصل عليها أمين المالطى، فتوة عابدين، الذى كان يرتكب جريمة بعد أخرى، يقبض عليه البوليس المصرى، فتخرجه السفارة الإنجليزية خلال ساعات معدودة وكأن شيئًا لم يكن.

ورغم أن الناس كانت تحتقر هؤلاء الفتوات المتعاونين مع الاحتلال احتقارًا شديدًا، فإن هذا الاحتقار لم يكن يقلل من هيبتهم، بل كان كل من كره الفتوة أكثر يحرص على استرضائه أكثر، خوفًا من بطشه.

وتكشف وثائق الشرطة عن حجم هذا التواطؤ بين السلطة المحتلة وفتوات لا يملكون ميثاق شرف: محضر يوثق أن فتوة اعتدى على بائعة جبنة قريش فى سوق شبرا الساحل بـ٣٠ ضربة عصا لرفضها إعطاءه جبنة مجانًا، فحُفظ المحضر لـ«عدم الأهمية»، لأن الفتوة كان تحت الحماية الإنجليزية.

ومحضر آخر من مايو ١٩١٩، بعد شهرين فقط من اندلاع ثورة ١٩١٩، يوثق اعتداء فتوة على بائع بوظة اشتكى من عض حصان جاويش إنجليزى له، ليكتشف البوليس أن البائع نفسه مُتعاطٍ لعقار «البوظة»، فحفظ المحضر أيضًا. ووثقت مذكرات قديمة تعود لعطار ومناضل مصرى يدعى «حودة» وقائع مماثلة عاشها فى الفترة الممتدة بين عامى ١٨٧٨ و١٩٣٦.

يقول «حودة» فى مذكراته: 

كان أمين المالطى جالسًا على كرسيه، وجلبابه مجعّد بالٍ، ورأسه ملفوف بالشاش، لا يزال يعالج أثر إصابته. فقوة من بوليس عابدين كانت قد ألقت القبض عليه، ثم أخرجه الإنجليز بعد ساعات قليلة وكأن شيئًا لم يكن.

أما أنا، فقد كان الدم يغلى فى عروقى، وطار النوم من جفونى، وكلما أغفيت تذكرت ذلك الفتى الملقّب بـ«الخرشوف»، وهو غلبان يسعى وراء لقمة عيشه، منشغلًا بعمله، لا يدرى ما يُدبَّر له من كيد ونظرات حاقدة. فى تلك اللحظة نفسها ناداه أحدهم «يا خرشفى» وهم يحملونه بين الظلم والظلمة، فعاهدت نفسى أن أثأر من أمين المالطى.

وحين رنت ضحكة ساخرة فى أذنيه، انتفض الفتى من مكانه ولطم «أمين» على وجهه، فرد عليه «أمين» اللطمة، ونشب بينهما شجار بالأيدى كاد يميل لصالح الفتى، لولا أن «أمين» غدر به وأخرج مطواة طعنه بها فى خاصرته، فحُمل جريحًا إلى مستشفى قصر العينى.

وحين بحثت عن أمين المالطى بعدها، لم أجد له أثرًا، فسألت عنه فقيل لى: «الإنجليز أخذوه».

من الشواهد اللافتة على اعتراف السلطة الرسمية، حتى فى أوج قوتها، بمكانة الفتوات، حكاية حميدو الفارس، فتوة السيالة فى الإسكندرية.

كان الخديو عباس حلمى الثانى يقضى فصل الصيف فى الإسكندرية، وسمع عن «حميدو»، الرجل ذى المواصفات الإنسانية والبدنية المميزة، فطلبه فى أحد الاحتفالات، وكلفه بمصارعة حارسه الخاص الذى لم يهزمه أحد من قبل، فتغلب عليه «حميدو»، قبل أن يحمل لقب «الفارس» أصلًا، فأهداه الخديو صرة من الجنيهات الذهبية.

كما وقعت فى الستينيات حادثة غريبة تستحق أن تروى كخاتمة للحكاية. كان هناك رجل من حى بولاق أبوالعلا يدعى إبراهيم كروم، لا يزال يحظى باعتراف أهل منطقته بوصفه «كبيرها»، تسمع الناس كلامه، يحل المشكلات ويعقد الجلسات العرفية.

كان هذا الرجل مُعجبًا بجمال عبدالناصر، فعلق يافطة عرض الشارع فى بولاق أبوالعلا كتب عليها: «فتوة بولاق إبراهيم كروم، يحيى فتوة مصر جمال عبدالناصر».

ويروى أن الرئيس «عبد الناصر»، حين نشرت هذه الحادثة فى الجرائد، ضحك عليها كثيرًا.

أما الانهيار الرسمى لنظام الفتوات فبدأ مع تطور أجهزة الشرطة سنة ١٩٠٦، والعصيان المتكرر من الفتوات ضد السلطة الإنجليزية.

حينها أصدرت الحكومة الإنجليزية فى مصر ما عرف بـ«قانون النبوت»: كل من ضبط يحمل «نبوتًا» فى الشارع، يؤخذ إلى القسم، ويُحرق «نبوته» أو يُكسر أمامه، ويُحرر له محضر. إن تكرر الأمر من الشخص نفسه، يحبس ٦ أشهر.

كان هذا القانون يستهدف بالتحديد من لا يملكون حماية أجنبية تحميهم من تطبيقه، أى غالبية الفتوات المحليين.

لكن النهاية الفعلية والحاسمة لعصر الفتوات جاءت مع تغليظ القوانين سنة ١٩٣٦، فى أعقاب حادثة الراقصة امتثال فوزى.

كان هناك فتوة يدعى فؤاد الشامى، يجمع الإتاوات من راقصات شارع كلوت بك وعماد الدين ووش البركة والأزبكية، وكانت امتثال فوزى راقصة جميلة، تعرفت على شخصيات سياسية ودبلوماسية بارزة فى المجتمع المصرى، فتقوت بعلاقاتها هذه ورفضت دفع الإتاوة.

دبر لها فؤاد الشامى مكيدة قتل عبر أحد أتباعه، ذبحها برقبة زجاجة مكسورة، فتصدرت الحادثة صفحات المجلات المصورة آنذاك، ودفعت هذه الجريمة رئيس الوزراء مصطفى النحاس باشا لاستصدار أوامر حاسمة لإنهاء عصر الفتوات نهائيًا.

فأُمر مأمورو الأقسام والمراكز بإحضار فرق الرياضة من العساكر المدربين على المصارعة، والنزول بهم مباشرة على الفتوات، فيصرعونهم أمام الناس علنًا، لتنكسر هيبتهم إلى الأبد، ولم تعد هناك حماية أجنبية تحميهم هذه المرة، فمنهم من لزم بيته، ومنهم من نفى، ومنهم من هاجر، ومنهم من مات من القهر.. وبهذا انتهى نظام الفتوات فى مصر.