رقصة الغزال.. وليد عونى: أرقص منذ 46 عامًا بلا تعب
- الصحافة لقّبتنى بـ«يوسف شاهين الراقص».. وهو شخص استثنائى
- الجسد هو أداتى الأساسية.. وتكوينى البصرى أثّر على رؤيتى للمسرح
- قريبًا.. كتاب جديد يتناول تجربتى فى الفن التشكيلى
فى عالم الرقص المسرحى الحديث يظل اسم وليد عونى حاضرًا كأحد أبرز المبدعين الذين صاغوا تجربة بصرية وفلسفية متفرّدة على خشبة المسرح، فمنذ تأسيسه فرقة الرقص المسرحى الحديث فى مصر، نجح فى تقديم عروض تمزج بين التشكيل والموسيقى والحركة، ليحوّل كل عمل إلى عالم مستقل يحمل رؤيته الخاصة ويعكس فلسفته الفنية. وارتبط اسم وليد عونى بمحاولات جادة لإعادة تعريف العلاقة بين الجسد والفضاء المسرحى، وبين الفن والواقع، حيث توضع تجربته فى سياق أوسع يتجاوز حدود المسرح ليصل إلى سؤال الإنسان والوجود، ليصبح إحدى العلامات المميزة فى المشهد الثقافى المصرى والعربى.
فى حواره مع «حرف»، يتحدث وليد عونى عن ملامح نسخته الجديدة من عرض «البوليرو»، وعن علاقته بالفنون التشكيلية، وتأثير السياسة والحروب على أعماله، كما يكشف تفاصيل مشروعاته المقبلة ورؤيته للفن والإنسان فى زمن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى.

■ ما الملامح الأساسية المختلفة فى العرض الجديد لـ«البوليرو»؟
- يرتبط عرض «البوليرو» فى الأصل برؤية المصمم العالمى موريس بيجار «Maurice Béjart»، الذى قدمه عام ١٩٦١ باعتباره رمزًا للأنوثة والصراع بين المذكر والمؤنث، وشكّل هذا العمل آنذاك نقلة كبرى فى عالم الرقص، إذ ساهم «بيجار»، بوصفه أحد أهم Choreographers فى القرن العشرين، فى تحرير الرقص من القوالب الكلاسيكية التقليدية والتوجه به نحو آفاق الرقص المعاصر.
وكانت الطاولة الحمراء الشهيرة التى تتوسط المسرح وتقف فوقها الراقصة محاطة بمجموعة من الرجال علامة فارقة فى الإخراج المسرحى وchoreography الحديث، وأحدثت ثورة فكرية وفنية فى تناول «Boléro» موسيقيًا وبصريًا، ومن بعدها بدأت الفرق العالمية تقدم رؤى مختلفة للعمل، حتى إن فرقة «Bolshoi» قدمته فى صيغة فيلم مستلهمة الطابع الإسبانى الفرنسى المرتبط بموسيقى رافيل.
لاحقًا، أجرى موريس بيجار Maurice Béjart تعديلًا جوهريًا حين استبدل الراقصة برجل، وكان ذلك فى منتصف التسعينيات تقريبًا، ليصبح أداء «Boléro» حلمًا يراود كبار الراقصين والراقصات فى العالم. ومع بداية القرن الحادى والعشرين، وبعد رحيل «بيجار»، بدأت فرق عديدة حول العالم تقدم «Boléro» وفق رؤاها الخاصة.
وبالنسبة لى فقد عملت مع موريس بيجار لمدة أحد عشر عامًا، لذلك أقدم نسختى الخاصة من «Boléro» باعتبارها إهداءً لروحه، وليس إعادة إنتاج لعمله كما هو، نحن كفرقة مصرية نقدم رؤيتنا نحن، مع الحفاظ على الروح الإيقاعية التى تميز بيجار، لكن بمضمون وchoreography يحمل هويتنا الخاصة.

■ وماذا عن عرض «شهرزاد»؟
- عالم «شهرزاد» يقوم على ثنائية الخير والشر، وهى ثنائية حاضرة فى كل الحكايات الإنسانية والتاريخية، دائمًا هناك صراع بين الظالم والمظلوم بين القوة والبراءة، وهذه الحالة لا تنفصل عن حياتنا اليومية سواء داخل الأسرة أو المجتمع أو حتى السياسة.
السياسة أصبحت جزءًا من تفاصيل حياتنا، ولا يمكن الهروب منها، خاصة فى ظل ما يشهده العالم من حروب وإرهاب وصراعات متواصلة، فمنذ بداية القرن الحادى والعشرين، والعالم يعيش تحولات قاسية، بدءًا من أحداث الحادى عشر من سبتمبر، وما تبعها من اتهامات وإعادة تشكيل لصورة الشرق وصولًا إلى الحروب التى اجتاحت المنطقة العربية.
نحن أبناء منطقة عاشت أزمات متلاحقة من الحرب اللبنانية إلى القضية الفلسطينية ثم العراق وليبيا وسوريا وغزة وكأن الشرق الأوسط كله يتعرض للتفكك والتبخر، ولهذا قدمت سابقًا عرضًا بعنوان «كى لا تتبخر الأرض» فى افتتاح المسرح التجريبى، وكان مستوحى من الجدار العازل فى فلسطين، وحمل رسالة إنسانية وسياسية قوية.

■ ما الفلسفة التى تنطلق منها فى تكوين حركات الرقص داخل عروضك؟
- الجسد هو الأداة الأساسية بالنسبة لنا، فنحن فرقة للرقص المسرحى الحديث، ورسالتنا تقوم على البحث المستمر عن المعنى والتطور الفنى، لا يمكننى القول إن كل حركة منفردة تحمل معنى محددًا، بل إن الحالة العامة أو المزاج الكلى للعمل هو الذى يصنع الدلالة.
كل عرض يمتلك خصوصيته الموسيقية والفكرية، ولذلك تتشكل الحركة وفق الإيقاع والموسيقى والإحساس الداخلى للعمل، فالحركة لا تأتى بمعزل عن الجو العام، وإنما تنضم إلى المعنى الفلسفى وchoreography الشامل، لتصنع حالة من التحول أو «Metamorphosis» على خشبة المسرح، بحيث يصبح كل عرض عالمًا مختلفًا تمامًا عن الآخر.
ولهذا لا يمكن نقل حركة من عرض إلى آخر، فلا يمكن مثلًا أن نأخذ حركة من عرض عن شادى عبدالسلام ونضعها داخل عرض عن محمود مختار؛ لأن الحركة تولد من صميم الفكرة والبعد الفلسفى الخاص بكل تجربة.
■ هل الموسيقى هى التى تخلق الحركة أم أن الحركة قد تسبق الموسيقى أحيانًا؟
- فى أغلب الأحيان تولد الحركة من الموسيقى لأن الإيقاع والإحساس الموسيقى يوجهان الراقص ويقودان الحالة التعبيرية، لكن هذا لا يمنع أحيانًا أن نخترع حركات أولًا ثم نبحث لها لاحقًا عن الموسيقى المناسبة، الأمر يختلف من عرض إلى آخر حسب طبيعة التجربة الفنية.
■ كيف تخلق الحركة الراقصة لديك؟ وكيف تتشكل فكرتها؟
- هذه مسألة ترتبط بالخبرة والاحتراف، أنا أعمل فى هذا المجال وأرقص منذ ٤٦ عامًا، وقبل الرقص كنت أدرس الفنون التشكيلية فى أكاديمية الفنون الجميلة ببروكسل، لذلك فإن تكوينى البصرى والتشكيلى كان له تأثير عميق على رؤيتى للحركة والمسرح.
■ ما تفاصيل مشروعاتك الأدبية والفنية الجديدة؟ وما الذى يتناوله كتاب «رقصة الغزال» عن تجربتك التشكيلية والرقص المسرحى الحديث؟
- لدى حاليًا كتاب جديد بعنوان «رقصة الغزال» يتناول تجربتى فى الفن التشكيلى، ويعمل عليه عدد من كبار النقاد والفنانين، من بينهم الفنان محمد كمال والدكتور أشرف رضا. الكتاب سيكون فى مجلدين «الفن التشكيلى لوليد عونى»، الكتاب ٤٠٠ صفحة، أول ٣٠٠ صفحة صور عن تجربتى التشكيلية منذ سبعينيات القرن الماضى وحتى اليوم، وآخر ١٠٠ صفحة يتحدث عن علاقة الفن التشكيلى بالمسرح لدى وليد عونى، والثانى لم يحدد اسمه، وهو عن الرقص المسرحى الحديث فى تجربتى الفنية، ويضم مجموعة صور لعروضى من السبعينيات وكذلك ما كتبه النقاد عن أعمالى فى مصر وخارجها.

■ كيف انعكست الفنون التشكيلية على عروضك المسرحية؟
- منذ بداياتى كنت أؤمن بضرورة إدخال الفنون التشكيلية إلى خشبة المسرح، وقد بدأت هذه التجربة فى بلجيكا، وقدمت عروضًا مستوحاة من أعمال فنانين كبار، مثل Marcel Duchamp وMan Ray، لأننى فى الأساس فنان تشكيلى قبل أن أكون مصمم رقصات.
وعندما جئت إلى مصر حاولت أن أجعل الجمهور المصرى أكثر قربًا من الرقص المسرحى الحديث، خاصة أن التجربة واجهت هجومًا كبيرًا فى بداياتها عام ١٩٩٣، لذلك اتجهت إلى توظيف الرموز الفنية والثقافية المصرية داخل العروض، فاستلهمت أعمال محمود مختار، وشادى عبدالسلام، ونجيب محفوظ ومحاولة اغتياله، ومحمود سعيد، وغيرهم، ووضعت الفن التشكيلى المصرى على خشبة المسرح بطريقة غير مسبوقة.

■ ماذا عن الرقص المسرحى الحديث؟
- بدأت الرقص عام ١٩٧٥، ثم أسست فى بلجيكا أول فرقة للرقص المسرحى الحديث باسم «Tanit» خلال الفترة من ١٩٨٠ إلى ١٩٩٠، وبعدها جئت إلى مصر، وعملت مع فرقة الباليه ثلاث سنوات وقدمت عرضين كبيرين.
ثم طلب منى وزير الثقافة الأسبق، فاروق حسنى، تأسيس فرقة الرقص المسرحى الحديث المصرية لتصبح مصر أول دولة عربية تعترف رسميًا بهذا النوع من الفرق التابعة لوزارة الثقافة، ولا تزال حتى اليوم التجربة الوحيدة من نوعها فى العالم العربى.
وقبل مجيئى إلى مصر، قدمنا عروضًا فى عدد كبير من الدول، منها الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا ودول المغرب العربى، وشاركنا فى مهرجانات دولية مهمة مثل مهرجان قرطاج ومهرجانات الجزائر وغيرهما، وهو ما منح التجربة بعدًا عالميًا منذ بدايتها.

■ كيف تبدأ فى تكوين العرض المسرحى؟ هل ترسمه أولًا؟
- نعم، البداية دائمًا تكون بالرسم والتخطيط البصرى، أتصور المشاهد وأرسمها أولًا ثم تبدأ مرحلة التطوير أثناء البروفات، ومع العمل يتغير كثير من التفاصيل من خلال الحوار مع الراقصين والتفاعل الحى معهم، لأن هناك حالة من «Metamorphosis» أو التحول المستمر أثناء صناعة العرض.
الموسيقى عادة يتم اختيارها مبكرًا، لكن العلاقة بينى وبين الراقصين أثناء العمل تمنح العرض طاقة مختلفة وتدفعه إلى مستويات أعمق.
■ لاحظت أنك لا تعتمد على الصراخ أو العصبية فى البروفات مثل بعض المخرجين.
- لأننى أؤمن بالثقة المتبادلة بينى وبين الراقصين. السيطرة الحقيقية لا تأتى من الصوت العالى أو الإهانة بل من الاحترام والالتزام، صحيح أننى أحيانًا أنفعل أثناء البروفات عندما يتعلق الأمر بالتركيز والانضباط، لكن ذلك يكون بدافع الحرص على جودة العمل وليس بهدف التخويف أو فرض السلطة.

■ هل تغير الجمهور فى تلقيه الرقص المسرحى الحديث؟
- بالتأكيد، لأن المجتمع نفسه تغير، عندما ابتعدت عن مصر لعدة سنوات ثم عدت، شعرت بأن الفرقة والجمهور والحياة الثقافية كلها تغيرت، وبالتالى أصبح تلقى الجمهور الرقص الحديث مختلفًا عما كان عليه فى السابق.
■ ألا تعمل حاليًا على عرض جديد؟
-نعم، أعمل على عرض جديد ومهم جدًا يحمل لغة مختلفة ورؤية فلسفية واجتماعية عميقة، لكنه لا يزال فى مرحلة التحضير، ولذلك أفضّل الحديث عنه لاحقًا.

■ عملت مع المخرج يوسف شاهين.. كيف تصفه؟
- يوسف شاهين كان شخصية استثنائية بكل معنى الكلمة، وكان يمتلك حسًا موسيقيًا وإيقاعيًا نادرًا، والصحافة أطلقت علىّ لقب «يوسف شاهين الراقص»، لأن بيننا تشابهًا فى طريقة التفكير الفنى.
عملنا معًا فى «المصير» و«المهاجر» وكان يفهم الموسيقى والرقص بصورة مذهلة، وأحيانًا كنت أشعر بأنه يسمع الموسيقى أفضل منى، وكانت بيننا حالة تفاهم روحى حقيقية.
■ هل تتذكر موقفًا خاصًا جمعك بيوسف شاهين خلف الكواليس؟
- يوسف شاهين شخص استثنائى، بيننا علاقة روحانية بالموسيقى. أكثر ما أتذكره أنه كان يرى المشهد كاملًا قبل تنفيذه حتى قبل سماع الموسيقى أحيانًا كان يشرح لى Chorégraphe وزوايا الكاميرا وحركة الممثلين بدقة شديدة، كما حدث فى «المهاجر» مع يسرا ومحمود حميدة، ثم فى «على صوتك بالغنا» فى فيلم «المصير» مع ليلى علوى وهانى سلامة ومحمد منير، كان يمتلك كاريزما وطاقة فنية استثنائية فعلًا.

■ ماذا حدث فى فترة ابتعادك عن مصر بين ٢٠١١ و٢٠١٨؟
- كانت مرحلة انتقالية صعبة جدًا فى حياتى بعد الثورة، شعرت بإحباط كبير، ليس تجاه مصر فقط وإنما تجاه حالة الاضطراب التى عاشها المجتمع، كل الثورات تهز الدول وتحتاج لوقت طويل حتى تستقر.
شعرت وقتها بأن رحلتى الفنية ربما انتهت، فسافرت إلى لبنان ثم إلى الهند، وكنت أفكر فى الابتعاد الكامل عن الفن والحياة العامة، حتى إننى فكرت فى الذهاب إلى «التبت» والانعزال هناك، لكن فى النهاية عدت إلى مصر عام ٢٠١٨ بعد أن طلبت منى الوزيرة السابقة إيناس عبدالدايم العودة، وكانت بالنسبة لى بداية جديدة.
■ كيف تنظر إلى المرأة فى أعمالك وحياتك؟
- المرأة بالنسبة لى عالم شديد الغموض والثراء، وعلاقتها بالرجل وصراعها معه ممتدان منذ بداية البشرية، منذ آدم وحواء. أنا أعشق المرأة التى تحافظ على أنوثتها ورقتها، ولا أميل إلى صورة المرأة المتسلّطة أو الجبارة، لكن الصورة الأكثر قداسة بالنسبة لى تظل دائمًا صورة الأم، خصوصًا المرأة الحامل.
ربما يرتبط ذلك بتجربتى الإنسانية المبكرة، فقد توفيت والدتى وأنا فى الثالثة من عمرى، وكانت تُعرف فى لبنان بلقب «كاتبة الفيحاء»، وهى جيهان غزاوى عونى، لذلك بقيت صورة الأم بداخلى مرتبطة بمعنى روحى وإنسانى عميق.
أرى المرأة الحامل تجسيدًا لمعجزة الحياة واستمرار الروح، ولهذا حضرت هذه الصورة كثيرًا فى عروضى المسرحية، مثل عرض «كى لا تتبخر الأرض»، كما أننى أحب المرأة المتصوفة وهو ما دفعنى لتقديم عرض «رابعة العدوية»، لأننى أؤمن بالروحانية النابعة من القلب والمرتبطة بصفاء الروح.
وأيضًا أرتبط وجدانيًا بأصوات نسائية شكّلت جزءًا من إحساسى الفنى، فأنا أحب أم كلثوم ومغرم بصوت فيروز وما تحمله من حالة إنسانية وشاعرية خاصة.

■ بماذا تود أن تختتم هذا الحوار؟
- أتمنى أن نحافظ دائمًا على هويتنا الفنية والإنسانية، وألا نسمح للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعى بأن يسيطرا بالكامل على حياتنا. صحيح أن التطور التكنولوجى أصبح ضرورة، لكنه قد ينتزع من الإنسان جزءًا من ذاكرته ومشاعره ودفئه الإنسانى إذا استسلم له بصورة كاملة.
■ ما العمل الذى رفضت المشاركة فيه؟ ولماذا؟
- عندما عُرض علىّ العمل فى «فوازير شريهان» اعتذرت عن المشاركة لأن تخصصى الأساسى هو تصميم الرقصات الحديثة والمعاصرة وليس الاستعراضات، فهناك فارق كبير بين الرقص الحديث والباليه والاستعراضات الفنية، لذلك أُسندت المهمة إلى الفنان عاطف عوض الذى يمتلك خبرة كبيرة فى هذا النوع من الأعمال، وبالطبع أستطيع تقديم الاستعراضات لكننى أؤمن دائمًا بأن هناك من هو أكثر تميزًا منى فى هذا المجال.





