حوار الطرشان.. كيف وصلنا إلى كل هذا الجنون؟
- إننا دون أن نشعر حولنا الحوار بيننا إلى ساحة معركة دامية
قبل أن تقرأ ما أكتبه هنا يمكنك أن تبحث عن «حوار الطرشان» كمصطلح نستخدمه كثيرًا فى أحاديثنا اليومية.
دون عناء أو جهد ستحصل على معلومات مهمة عن هذا المصطلح الشائع الذى نستخدمه كثيرًا من باب الاستنكار والرفض والإدانة، لكننا واقعيًا نمارسه ببراعة شديدة دون أن نعى أو ندرك خطورته على المزاج العام والحالة النفسية للمجتمع.
«حوار الطرشان» هو مصطلح مجازى المقصود به الحوار الذى يدور بين طرفين أو أكثر دون أن يستمع أى منهما الآخر، أو أنهما يستمعان لبعضهما لكنهما لا يفهمان شيئًا مما يقولانه، أو بدقة يفهمان ما يريدان فهمه بصرف النظر عن الكلام المتداول بينهما نفسه.
يمكنك أن تعرف أيضًا أن لـ«حوار الطرشان» سمات محددة منها مثلًا:
أولًا: غياب الإنصات.. فكل طرف ينشغل بما سيقوله فى الحوار لا بما يقوله الطرف الآخر، فتجد الحوار عبارة عن أصوات هائمة فى الهواء، مجرد أصوات بلا دلالة أو معنى لدى طرفى الحديث.
ثانيًا: الرغبة فى الانتصار.. فكل طرف يدخل إلى الحوار دون أن تكون لديه أى رغبة فى أن يقتنع بكلام الطرف الآخر، كل منهما يقرر أن ينتصر، يحشد حججه ليُفحم الآخر، ولا يمنح أحدهما فرصة فقد يكون لدى الطرف الآخر منطق فيما يذهب إليه.
ثالثًا: الانفصال عن الواقع.. كل طرف من طرفى الحوار يصيغ وجهة نظره بعيدًا عما يقوله الآخر، لا يشغله ولا يلتفت إليه، فتشعر أنهما منفصلان تمامًا عن الواقع، وكل منهما يسبح فى خيالاته وتصوراته التى لا علاقة لهما بموضوع الحوار نفسه.
رابعًا: النتيجة صفر.. فى الغالب ينتهى الحوار كما يبدأ كل طرف يخرج منه وهو مقتنع أنه على صواب، فلا يصل الطرفان إلى نتيجة، فيظل كل منهما على رأيه، وقد ضيعا فرصة أن يغيرا رأيهما أو يتفقا حتى على رأى ثالث.
خامسًا: ترسيخ العداء.. ولأن كل طرف لم يسمع الآخر، واحتد وغضب بسبب عدم الاقتناع بوجهة نظر أو الخروج بنتيجة، تجد أن عداءً مستحكمًا قد تولد بين الطرفين، وقد يتحول هذا العداء إلى سلوك، فيبدأ الشجار اللفظى أو حتى الحركى.. وقد يصل الخلاف بينهما إلى ساحات القضاء.
وكما عرفت دون عناء أو جهد ما الذى يعنيه «حوار الطرشان»، فإنك دون عناء أو جهد أيضًا يمكنك أن تعرف بإطلالة بسيطة على المجتمع المصرى خلال السنوات الماضية ستتأكد أننا نمارس هذا الحوار بكفاءة واحترافية بشكل منقطع النظير، ولن أختلف معك أبدًا إذا قلت إننا أصبحنا خبراء فى هذا النوع من الحوار دون غيره من حوارات، رغم أنه النوع الأكثر خطرًا والأشد كارثية على سلام المجتمع وحركته ورغبته فى أن يستمر بشكل آمن.
لن آخذك إلى السنوات الماضية حتى لا أرهقك، يمكننا أن نتوقف عند مجموعة من الوقائع والأحداث التى عبرت أمامنا خلال الأيام الماضية فقط فى مجتمعنا لنتأكد أننا أصبحنا طرشانًا فى زفة مجتمعية كبيرة يحكمها الجنون الكامل، الكل فيها يتحدث دون أن يمنح نفسه فرصة لأن يستمع ويفهم ويعى ويدرك ويتأمل، فيغير وجهة نظره.. أو على الأقل يبقى عليها بقناعة أنه على صواب.. فنحن جميعًا قلقون بلا داعٍ.
الواقعة الأولى هى واقعة الطالبة ميار عثمان، بطلة تحدى القراءة ابنة كفرالشيخ، التى استطاعت أن تفوز على ٤٠ مليون طالب وطالبة من مختلف البلاد العربية.
بعد إعلان فوز منار سجدت لله شكرًا، وكانت قد ألقت كلمة فى دقيقة واحدة، تحدثت فيها عن معنى رقم واحد بالنسبة لها، ولاحظنا أنها تحدثت بلكنة خليجية شيئًا ما، أو بدقة كانت تتحدث وكأنها خارجة من فيلم كارتون مدبلج.
بمجرد الإعلان عن النتيجة وسطوع اسم ميار عثمان فى المجال العام بدأنا الحوار حولها.
ذهب البعض إلى الإشادة بموهبة ميار وعبقريتها ولباقتها، واعتبروها نموذجًا لا بد أن نهتم بأن يكون لدينا الكثير منه، تم استقبالها رسميًا فى المطار، حيث كان وزير الطيران المدنى فى استقبالها، وكرمها وزير التربية والتعليم، وأثنى الرئيس عليها، وبدأت صفحات السوشيال ميديا التابعة للمواقع الإلكترونية وغيرها فى استضافتها لتتحدث عن منجزها، فى اعتراف واضح بقيمة ما قدمته.
كان هناك طرف آخر لم تعجبه الطريقة التى تحدثت بها ميار، اعتبروها اختطافًا لطالبة مصرية، وجعلها تتحدث بلكنة غير مصرية، وأنها كان من المفروض أن تعتز بلكنتها المصرية فتتحدث بها دون غيرها، بل ذهب البعض إلى أن المبالغة فى تكريمها إفساد لها، وتحميلها بما لا تطيق، فهى صحيح حققت إنجازًا إقليميًا مهمًا باسم مصر، لكن الاحتفاء الكبير بها يمكن أن يفقدها براءتها، وينقلها إلى مرحلة أكبر من سنها.
لم يصل الطرفان إلى منطقة وسط، بل ظل كل منهما عند رأيه، دون أن ينظر فيما قاله الطرف الآخر، ولو من باب حب الاستطلاع.
الواقعة الثانية كانت بطلتها الإعلامية والإذاعية القديرة النجمة الدائمة نجوى إبراهيم، التى تحدثت فى برنامجها على إذاعة «نجوم إف إم» بشكل عابر عما رأته نقيصة فى ملابس الفنانات فى مهرجان الجونة، فما هكذا يجب أن تبدو الفنانات، التزمت نجوى بحدود الأدب الشديد فى التعبير عن وجهة نظرها، لم تتجاوز فى حق، ولم تذكر اسم أحد، حتى يعتبر البعض مثلًا ما قالته محاولة انتقاص من قدر أحد بعينه.
قامت الدنيا ولم تقعد على رأس نجوى إبراهيم، ووصل الأمر إلى مطالبة البعض وعلى رأسهم نقيب الفنانين الدكتور الفنان أشرف زكى نجوى بالاعتذار، فقد ارتكبت بالنسبة لهم جرمًا وكبيرة لا تغتفر.
بدا لى «حوار الطرشان» فى هذه الواقعة على مستويين:
المستوى الأول فى الحوار الخاص الذى دار بين أشرف زكى ونجوى إبراهيم، فقد أجرى النقيب مع الإعلامية الكبيرة مداخلة فى برنامجها، ويمكنك أن تستعيد المداخلة وتستمع إليها جيدًا، ستجد تجسيدًا حيًا وحقيقيًا لحوار الطرشان، فكل منهما يتحدث فى اتجاه دون أى محاولة للوصول إلى نقطة التقاء، وكل منهما يحشد حججه ومبرراته ليؤكد وجهة نظره التى كوّنها، دون أى استعداد لسماع الطرف الآخر، على الأقل لمعرفة لماذا يذهب إلى ما يقوله، وقد انتهت المداخلة دون أن تكون هناك نتيجة محددة، فلا نجوى إبراهيم تراجعت عن موقفها، ولا أشرف زكى تراجع عن رأيه.
المستوى الثانى كان فى الحوار العام حول هذه الواقعة، فقد انقسمنا إلى فريقين، فريق يؤيد نجوى إبراهيم ويمتدح مهنيتها وقدرتها على التعبير عن رأيها بكفاءة عالية، فقد قالت ما قالته دون أن تجرح أحدًا، ثم إنها فعلت ذلك للحفاظ على قيم المجتمع وأخلاقياته وصورته التى يجب أن يبدو عليها، أما الفريق الثانى فقد تبنى وجهة نظر أشرف زكى، ووجد فى كلام نجوى إبراهيم تطاولًا لا يليق، بل يستوجب اعتذارًا فوريًا، فالفنانون كانوا فى مهرجان سينمائى، ما هى الملابس التى تريد أن يرتدوها، وبأى منظر تريدهم أن يظهروا، واعتبروا أن ما قالته نجوى تعبير عن سلفية أصبح المجتمع كله غارقًا فيها حتى أذنيه.
انتهى هذا الحوار دون أن نصل فيه إلى نتيجة محددة، وقد تكون النتيجة الوحيدة أن كل فريق لا يزال يصر على وجهة نظره ويدافع عنها، ولا يريد أن يتراجع ولو خطوة واحدة إلى الوراء، ومعنى هذا أن هذا الحديث يمكن أن يطفو على السطح مرة أخرى، يخرج من ينتقد ملابس الفنانين والفنانات فى مهرجان سينمائى، فيرد عليه من لا يعجبه هذا الانتقاد، وتدور عجلة الحديث من جديد، دون أن نصل إلى رأى واضح فيما نتحدث فيه.
الواقعة الثالثة كانت الهجوم الشرس واللا إنسانى على الإعلامى الصديق نشأت الديهى بعد سؤاله للرئيس الروسى فلاديمير بوتين فى الكرملين فى المؤتمر الصحفى الذى عُقد على هامش القمة الروسية الإفريقية فى موسكو.
مارس نشأت الديهى عمله المعتاد والطبيعى والمنتظر من إعلامى يحضر مؤتمرًا صحفيًا عالميًا، سأل الرئيس سؤالًا يرى أنه مهم، لكن هناك من رأى أن نشأت أخطأ فى سؤاله، ولم يقبلوا تبريره عن تغيير اسم قناته التى يطل من خلالها، من «Ten» إلى العاشرة، ولا أعيب على أحد انتقاد نشأت فيما يقوم به أو يقوله.
لكن «حوار الطرشان» بدأ عندما خرج نشأت ليشرح وجهة نظره، ويتحدث عن كواليس تغيير اسم قناته، وعن ظروف طرحه للسؤال على الرئيس الروسى، وهو كلام فيه كثير من المنطق، أو على الأقل فيه منطق ما عبر عنه نشأت بطريقته.
كان من المفروض أن ينصت المعترضون لما يقوله نشأت، ويبدأوا فى مناقشته فيما قاله، لكننى وجدت حالة مطلقة من عدم الإنصات، لم يلتفت أحد إلى ما قاله من بعيد أو قريب، وظل المهاجمون له على موقفه ورأيهم، لم يتزحزحوا شبرًا واحدًا عما قالوه، وكأن الرجل لم يتحدث، بل لاحظت أن الهجوم عليه زاد بعد أن تحدث، وهو ما يؤكد لى أننا لسنا مؤهلين للحوار من الأساس.
لا أحد فينا فى عمله يصل إلى مرحلة الكمال، وقد نؤدى عملنا بشكل ينتقدنا البعض عليه، لكن لمَ لا نستمع لما يقوله من نعتقد أنه أخطأ، ونبدأ فى مناقشته فى تفسيراته وتبريراته، على الأقل من باب منح أنفسنا فرصة لنفهم، وبعدها نقرر ما إذا كنا سنتمسك برأينا ووجهة نظرنا، أو يمكن أن نتراجع أو على الأقل نهدأ؟.
أعرف بالطبع أن واقعة نشأت الديهى والذين هاجموه مختلفة بعض الشىء، فالذين هاجموه فعلوا ذلك من أجل نشأت وليس من أجل كلامه أو فعله، فهناك حالة احتقان عامة من الحكومة ومن النظام، وهؤلاء المحتقنون جعلوا من نشأت الديهى كواحد من المدافعين عن النظام لوحة «نشان» فرغوا فيها كل احتقانهم، فكل غاضب صبّ غضبه عليه، وكأنهم ينتقمون من النظام فى شخصه، وأعتقد أنه يدرك ذلك، وما كان عليه أن يتعامل بكل هذا الغضب مع من انتقدوه، لأن انتقادهم لم يكن موضوعيًا فى وجوه كثيرة، لكن هذا طبع نشأت ولن يغيره.. يمكن أن ألومه عليه لكننى أتفهمه جيدًا.
يمكنك بعد استعراضنا معًا كل هذه الوقائع أن تفسد على ما ذهبت إليه، تختلف معى، وتعتبر أنا ما أقول إنه «حوار طرشان»، ليس إلا حالة من حالات ممارسة حرية التعبير والرأى، فكل فريق يعبر عن وجهة نظره، وهو حر تمامًا فى ذلك، وليس إنسانيًا أبدًا أن نطلب من الناس ألا يتحدثوا ويتحاوروا ويختلفوا، فهذه طبيعة الحياة، فليس معقولًا أن نكون جميعًا على رأى واحد.. إذ أى حياة تلك التى سنعيشها ونحن جميعًا متشابهون؟.
سأحترم وجهة نظرك، وكل ما سأطلبه منك هو أن تفكر قليلًا فيها، فحتى لو اعتبرنا ما حدث فى هذه الوقائع تعبيرًا حيًا عن حرية الرأى، فهل هكذا يكون التعبير عن الحرية فى تكوين الرأى وإبدائه، إننا دون أن نشعر حولنا الحوار بيننا إلى ساحة معركة دامية، كل طرف لا يريد أن ينتصر فيها على الآخر، بل يريد أن يذبحه من الوريد إلى الوريد، ثم يقف بعد ذلك ليرقص على جثته وهو يشرب من دمه.
إننى لا أدعو إلى أن نتوقف عن الحوار أو النقاش، بل أطالب بالمزيد منهما.
لكن لماذا لا نمنح أنفسنا فرصة أن نحول حوارنا المجتمعى العام حول الوقائع التى تمر بنا إلى حوار بنّاء، ندخل إلى النقاش ونحن نعرف أننا على صواب، ولكن مع احتمالية أن يكون الطرف الآخر على صواب، فرأيك صواب يحتمل الخطأ، ورأى غيرك خطأ يحتمل الصواب.
أعتقد أننا لو وصلنا إلى هذه القناعة فى الحوار فيما بيننا سيصبح المجتمع أكثر هدوءًا واستقرارًا وأمنًا وقدرة على مواصلة العمل المنتج والبنّاء، بل سنعرف على وجه التحديد أين نقف وإلى أين نتجه، وبدون ذلك سنظل ندور فى دائرة مفرغة لن نخرج منها أبدًا.
فهل يأتى اليوم الذى نصل فيه إلى هذه الحالة الإيجابية من الحوار؟
أتمنى ذلك.. وهو فى الحقيقة كل ما أقدر عليه.







