السبت 24 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

ريشة «نوبل».. صاحب بورتريهات الفائزين بالجائزة: التنفيذ يدوى.. ولا أستخدم الذكاء الاصطناعى أبدًا

حرف

- أزمة حقوق الملكية الفكرية لصور العلماء عام 2012 كانت سبب الفكرة

- أسلوب «الأسود والذهبى» حصرى للجائزة وأرفض رسم الآخرين به

- وقت رسم كل «بورتريه» سر خاص بـ«نوبل» لا يمكن الإفصاح عنه

- اللحية القصيرة والظلال الشفافة أبرز التحديات الفنية أثناء رسم الفائزين

فى كل عام تتجه أنظار العالم إلى الفائزين بجائزة «نوبل»، احتفاءً بإنجازاتهم التى تركت أثرًا فى العلم والأدب والإنسانية. وبينما ينشغل الجميع بالتعرف إلى أسماء الفائزين واكتشاف ما قدموه للعالم، هناك من يعمل خلف الكواليس ليمنح هذه الوجوه حضورًا بصريًا مميزًا يجعلنا نتعرف إليهم بطريقة مختلفة، وربما نرى «البورتريهات» المرسومة الخاصة بهم قبل أن نشاهد صورهم الفوتوغرافية.

إنه الفنان والمصمم الجرافيكى السويدى نيكلاس إلمهيد، صاحب «البورتريهات» الشهيرة التى ارتبطت بإعلانات الفائزين بجائزة «نوبل»، وانتشرت على نطاق واسع عبر الإنترنت ووسائل الإعلام، خلال الأيام الماضية، خاصةً مع تميزها بأسلوب فنى يجمع بين الأسود والأبيض والذهبى، وحوّل به وجوه الفائزين إلى أعمال فنية تحمل طابعًا خاصًا، يجمع بين الاحتفاء بإنجازاتهم وإبراز ملامحهم الإنسانية.

لكن كيف بدأت هذه الرحلة؟ وما الذى يبحث عنه الفنان فى وجوه العلماء والأدباء؟ وكيف تطور أسلوبه على مدار السنوات؟.. هذا ما نحاول التعرف عليه من خلال هذا الحوار الحصرى لـ«حرف» مع نيكلاس إلمهيد.

■ كيف بدأت رحلتك فى رسم «بورتريهات» الفائزين بجائزة «نوبل»؟

- بدأت الرحلة فى عام ٢٠١٢، حينها كنت أعمل فنانًا مستقلًا ومصمم جرافيك. تقدمت لشغل وظيفة مدير فنى لدى جائزة «نوبل»، فى وكالة داخلية تُسمى «نوبل ميديا/ Nobel Media»، وتُعرف حاليًا باسم «نوبل برايز أوتريتش/ Nobel Prize Outreach»، وهى مملوكة لمؤسسة «نوبل».

عندما تقدمت للوظيفة، وخلال مقابلة العمل، أخبرونى بأنهم يواجهون مشكلة كبيرة كل عام فى توفير الصور و«البورتريهات» الخاصة بالفائزين بالجائزة، إذ كان من الصعب العثور على صور جيدة يمكن استخدامها بسبب قوانين حقوق الملكية الفكرية، فضلًا عن قلة الصور المتاحة، خصوصًا للعلماء الفائزين بالجائزة.

عندها خطرت لى الفكرة، فقلت لهم: «ربما يمكننى رسم بورتريهات لهم»، وبالفعل أعجبوا بالفكرة كثيرًا، ورأوا أنها طريقة مختلفة ومبتكرة جدًا لتقديم الفائزين. حينها حصلت على الوظيفة، وإن لم يكن ذلك بسبب هذه الفكرة وحدها، لأصبح مسئولًا عن جميع الصور الخاصة بجائزة «نوبل» خلال إعلانات الفائزين.

وفى عام ٢٠١٢ تمكنت من العثور على صور لمعظم الفائزين يمكننا استخدامها، لكننى لم أستطع العثور على صور مناسبة لعدد قليل منهم، فرسمت «بورتريهات» لهؤلاء الفائزين.

■ إلى أى مدى يؤثر إنجاز الفائز بالجائزة فى الطريقة التى تتخيل بها «البورتريه» ورسمه؟

- إنجاز الفائز لا يؤثر كثيرًا فى عملية الرسم، ما أركز عليه أكثر هو ملامح الوجه وتعبيراته، والطريقة التى يبدو بها الشخص. وكما ترين فإن جميع «البورتريهات» مرسومة وفق المفهوم الفنى الكلاسيكى نفسه. لذلك، فإن اهتمامى ينصب بصورة أكبر على ملامح الوجه وتعبيراته، وليس على طبيعة الإنجاز الذى فاز الشخص بسببه بالجائزة.

■ كيف تتم عملية الرسم.. هل تشاهد بعض الصور الفوتوغرافية، أم يكون الأشخاص أمامك وتحاول رسمهم؟

- الفائزون لا يعرفون مسبقًا أنهم سيفوزون بالجائزة، لذلك أعتمد بالتأكيد على الصور الفوتوغرافية، وأحيانًا على مقاطع الفيديو الموجودة على الإنترنت، لكننى أعتمد فى الغالب على الصور، وفقًا لما أستطيع العثور عليه.

لكن فى بعض الأحيان يكون العثور على صور لبعض الفائزين بجوائز العلوم بشكل خاص عملية صعبة، عادة لا تتوافر لهم صور مناسبة على «الإنترنت»، ويكون العثور على صور لبعضهم أمرًا بالغ الصعوبة.

لكن بالتأكيد، خاصةً فى العصر الحالى، تغير الوضع، فمع انتشار وسائل التواصل الاجتماعى، وامتلاك الجميع هواتف ذكية والتقاطهم الصور فى كل مكان، أصبحت الأمور مختلفة.

عندما بدأت فى عام ٢٠١٢، كان العثور على صورة مناسبة معقدًا للغاية. أما اليوم، فقد أصبح الأمر أسهل قليلًا، وإن كان العثور على صور لبعض الفائزين لا يزال صعبًا حتى الآن. ووجود عدد كبير من الصور المتاحة للفائزين يسهل مهمة الرسم بالتأكيد.

■ هل تعرف الأديب المصرى نجيب محفوظ الحائز على جائزة «نوبل» فى الأدب؟

- بالتأكيد أعرف نجيب محفوظ جيدًا، فقد عملت كثيرًا على «بورتريهات» الفائزين بالجائزة. أعتقد أنه فاز بها فى الثمانينيات. وهو شخص يتمتع بوجه رائع ومعبّر للغاية، وسيكون مناسبًا جدًا للرسم.

■ ما أكبر تحدٍّ تواجهه عندما ترسم «بورتريهات» الفائزين بجائزة «نوبل»؟ وكم يستغرق كل «بورتريه» من الوقت لإنجازه؟

- أعتقد أن التحدى الأكبر هو تقديم «البورتريه» بطريقة جميلة، مع النجاح فى إظهار الشبه الحقيقى بين الرسم والشخص الذى أرسمه. وأحرص دائمًا على تحقيق ذلك بأفضل طريقة وتوازن ممكن.

الفكرة الأساسية وراء هذا الأسلوب الفنى هى أن يمنح «البورتريه» إحساسًا يشبه الأخبار العاجلة، ويعكس الاحتفاء بالجائزة، فى نفس الوقت. فهؤلاء أشخاص قدموا أشياء عظيمة للعالم، ولذلك أعتقد أن هذين العنصرين يجب أن يكونا حاضرين فى جميع «البورتريهات».

لكن بعض الوجوه تكون أصعب من غيرها، فهذا الأسلوب الفنى يعتمد على التباين القوى، إذ يقوم على اللون الأسود فوق خلفية بيضاء مع استخدام اللون الذهبى. لذلك، قد يكون التعامل مع بعض التفاصيل الدقيقة صعبًا، مثل الظلال الشفافة، أو اللحية القصيرة جدًا، أو شعر الوجه الخفيف الذى بدأ ينمو حديثًا. هذه التفاصيل قد تشكل تحديًا أثناء الرسم. 

أحاول بالطبع إيجاد حلول لكل هذه الصعوبات، لكننى أعتقد أن هذه التفاصيل من أكثر الأمور التى تتطلب جهدًا. لكن بالنسبة للوقت فأنا أعتذر بشدة فلا يمكننى الحديث عن المدة التى يستغرقها الرسم، فهذا الأمر يندرج ضمن المعلومات السرية الخاصة بجائزة «نوبل».

■ عندما يرى الناس العاديون «بورتريهاتك» هل يطلبون منك أن ترسم «بورتريهات» لهم هم أيضًا؟

- نعم، يحدث هذا كثيرًا. ولا أستخدم «الذكاء الاصطناعى» إطلاقًا فى عملى، فجميع «البورتريهات» تُنفَّذ باستخدام ألوان «الأكريليك» السوداء على ورق أبيض، مع رقائق معدنية ذهبية ألصقها على الورق. 

بعد ذلك، أصوّر اللوحة بالطبع، لأن تقديمها النهائى يكون رقميًا، وأُجرى بعض التعديلات على الصورة باستخدام برامج تحرير الصور. لكن العمل فى أساسه لوحة فنية مادية مرسومة يدويًا بالفعل. 

وفى الحقيقة يطلب منى الكثيرون رسمهم بنفس الأسلوب الذى أرسم به الفائزين بـ«نوبل». لكن هذا الأسلوب الفنى تحديدًا مخصص لجائزة «نوبل» وحدها. بالتأكيد، أنفذ «بورتريهات» ولوحات فنية بتكليف من أشخاص آخرين، لكننى لا أستخدم أسلوب الأسود والذهبى معهم، بل أرسم لهم بأساليب فنية أخرى مختلفة.

■ هل تعتقد أن الفن يمكن أن يساعد الناس العاديين على فهم الإنجازات العلمية بسهولة أكبر؟

- نعم، بالتأكيد. فى الحقيقة، هناك علاقة متبادلة بين الفن والعلم. فكثير من الأفكار العلمية تأتى من الفن أيضًا. انظرى إلى الأدب على سبيل المثال.

لقد ذكرت «الذكاء الاصطناعى» منذ قليل، وإذا عدنا إلى كتب الخيال العلمى التى كُتبت فى ستينيات القرن الماضى أو حتى قبل ذلك، أو إلى أفلام مثل سلسلة «المدمر/ Terminator» فسنجد أن كثيرًا من الأفكار التى نتحدث عنها اليوم ظهرت أولًا فى الأعمال الفنية والخيالية.

والعلاقة تسير فى الاتجاهين أيضًا، فهناك أمثلة كثيرة على استفادة الفن من العلم، سواء فى تصوير الحياة أو فى مجال علم الأحياء، إذ استخدم الفنانون الصور والتصوير الفوتوغرافى فى تناول هذه الموضوعات. لذلك، توجد بالفعل علاقة تكامل وتأثير متبادل بين العالمين.

لكن إذا تحدثنا عن «بورتريهاتى» تحديدًا، فهى ليست معنية بشرح العلوم فى حد ذاتها، بل تهدف بصورة أكبر إلى زيادة الاهتمام بجائزة «نوبل». أريد أن يجذب «البورتريه» انتباه الناس العاديين عندما يرونه إلى جانب عنوان خبرى أو مادة صحفية، وأن يدفعهم إلى الاهتمام بالجائزة والتساؤل عنها، وكأنهم يقولون: «ما هذا؟ أريد أن أقرأ عن هذه الجائزة».

بهذه الطريقة، يمكن أن تكون اللوحة مدخلًا إلى عالم العلوم، وأن تشجع الناس على اكتشاف الإنجازات العلمية والتعرف إليها.

ربما كانت إجابتى طويلة، لكن خلاصة القول هى نعم، بالتأكيد، يمكن للفن أن يساعد الناس على الاهتمام بالعلوم وفهمها. 

■ هل تغير أسلوبك فى رسم «بورتريهات» الفائزين بجائزة «نوبل» على مدار السنوات؟ وكيف؟

- نعم، حدث تغييران كبيران فى هذا الأسلوب. أسعى كل عام إلى تحسين أعمالى وتطوير التفاصيل، وجعل «البورتريهات» أفضل قليلًا. لكن هناك محطتان أساسيتان فى تطور هذا الأسلوب.

خلال العامين الأولين، كنت أنفذ رسومات سريعة باستخدام قلم تحديد أسود، كما ذكرت سابقًا. وكانت هذه الرسومات تُنشر على الموقع الإلكترونى لفترة قصيرة فقط، إلى أن نحصل على صور فوتوغرافية للفائزين من مختلف أنحاء العالم. أما فى عام ٢٠١٣، فالتقطت بعض وسائل الإعلام الكبرى، مثل هيئة الإذاعة البريطانية «بى بى سى» وشبكة «سى إن إن»، بعض هذه الرسومات واستخدمتها فى موادها الصحفية.

حينها أعجبت مؤسسة «نوبل» بهذه الفكرة، وطلبت منى ابتكار مفهوم فنى وجرافيكى مميز خاص بالجائزة. كنت أعمل آنذاك فنانًا مستقلًا، فقلت لهم: «بالتأكيد موافق، وسأحاول ابتكار شىء جديد».

وهكذا ابتكرت أسلوبًا يعتمد على الأسود والأصفر والأزرق. كان قريبًا إلى حد كبير من الأسلوب الذى أستخدمه اليوم، لكنه اعتمد فى ذلك الوقت على ظلال باللونين الأزرق والأصفر.

عندها لاقى هذا الأسلوب انتشارًا واسعًا على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعى. ثم، فى عام ٢٠١٨ طورت المؤسسة هويتها البصرية وغيرتها بالكامل، وقررت اعتماد اللون الذهبى، بوصفه لونًا مرتبطًا بالمعدن نفسه، لونًا أساسيًا فى المواد البصرية الخاصة بإعلانات الفائزين بالجائزة.

عندها طلبوا منى تكييف أسلوبى الفنى مع هذه الهوية الجديدة، واستخدام اللون الذهبى بدلًا من الألوان السابقة. هنا تغير الأسلوب إلى الصورة التى ترونها اليوم. وهكذا تطور أسلوبى عامًا بعد عام، لكن هاتين المحطتين تمثلان أبرز التغييرات التى مر بها.

■ عندما ترسم أشخاصًا عاديين هل يحدث أحيانًا أن ترى وجهًا يجذب انتباهك، فتشعر برغبة فى رسمه من دون أن يطلب منك صاحبه ذلك؟ وما الذى يدفعك إلى ذلك؟

نعم، بالتأكيد، وقد تكون هناك أسباب كثيرة لذلك. كما ذكرت، تتميز «بورتريهات نوبل» بأن الأشخاص ينظرون مباشرة إلى من يشاهدهم. لكن عندما أرسم أعمالًا أخرى، قد أبحث أكثر عن إحساس حالم أو عن حركة وفعل بدلًا من مجرد رسم «بورتريه» ثابت.

قد أحاول، على سبيل المثال، التقاط حركة معينة بدلًا من الاكتفاء بتصوير الوجه. الأمر يعتمد على ما أراه فى الشخص. وأعتقد أن لكل إنسان ملامح وسمات مميزة تستحق الاهتمام. فقد يكون لديه شعر طويل أو تجاعيد كثيرة أو عينان واسعتان، أو أى سمة أخرى تميزه عن غيره.

من الجميل أن أكتشف هذه السمات، وربما أبالغ فيها قليلًا، حتى أتمكن من إبراز الشخصية المميزة للوجه والتعبير الذى يحمله.

■ ما «البورتريه» الذى تشعر بأكبر قدر من الفخر تجاهه؟.. وما الذى يجعله مميزًا بالنسبة إليك؟

- عادةً ما أتجنب الإجابة عن هذا السؤال حتى لا يبدو أن لدىّ «بورتريهات» مفضلة على حساب غيرها. فكل وجه أرسمه يحمل ملامح وسمات مميزة أجد متعة فى إبرازها، ولذلك أقدّر فى كل «بورتريه» ما يجعله مختلفًا عن الآخر، ولا أفضّل اختيار عمل واحد باعتباره الأقرب إلىّ.