الجمعة 23 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

سمر نور: «آشا» تستعيد «المرأة الملكة» فى النوبة

حرف

من الحكايات العائلية الصغيرة قد تنطلق رحلة روائية تعيد اكتشاف التاريخ من زاوية مختلفة، وتمنح الصوت لمن غابوا عن الروايات المتوارثة. 

هذا ما حدث مع الكاتبة سمر نور فى روايتها «آشا.. الجعران والقمر» الصادرة عن «ديوان» للنشر والتوزيع، وهى الرواية التى بدأت فكرتها من حكاية عن جد قدم من البوسنة إلى قرية «الشباك» النوبية، قبل أن تقودها رحلة البحث إلى سؤال آخر: لماذا بقيت حكاية الجد حاضرة، بينما غابت الجدة النوبية التى امتد منها نسل العائلة؟ 

من هذا السؤال، انطلقت الكاتبة لاستكشاف عالم النوبة بما يحمله من ذاكرة وطقوس وأساطير، وعلاقة الإنسان بموروثه الثقافى. وفى هذا الحوار، تتحدث سمر نور عن فوزها بجائزة «كتارا»، ورؤيتها لوظيفة الرواية التاريخية والتراثية، ومكانة المرأة فى المجتمع النوبى، وكيف تحولت حكاية عائلية إلى مشروع روائى.

■ بدايةً، ماذا تعنى لكِ جائزة كتارا، وما الذى يمثله هذا الفوز فى مسيرتكِ الأدبية، خاصة أن الرواية وصلت إلى قراء الجائزة من بين أعمال عربية عديدة؟

- الفوز بجائزة عربية مهمة ومقدَّرة له قيمة، ويضيف بُعدًا جديدًا إلى حضورى على خريطة الكتابة العربية، كما يزيد من مقروئية أعمالى. 

كذلك، فإن سرية لجنة التحكيم، وما تتمتع به الأسماء المعلنة فى لجان الدورات السابقة من ثقل، يمنحان المنافسة مصداقية كبيرة، وهو ما يسعدنى.

أما وصول روايتى إلى قراء الجائزة من بين أعمال عربية عديدة، فهو أمر لا يقلل من قيمة أى عمل شارك فى المنافسة. بل إننى سعيدة بوجودى إلى جوار كتّاب لهم ثقلهم وحضورهم. 

فالكتابة الحقيقية تفرض وجودها بطرق مختلفة، ولا ينتقص خسارة أى جائزة، مهما كانت قيمتها، من مكانة الكاتب؛ فالبقاء والاستمرارية فى النهاية للمشروعات الكتابية الحقيقية، سواء حصلت على جوائز أم لم تحصل عليها.

■ كتبتِ عن النوبة؛ فإلى أى مدى تسهم الرواية فى تعريف القارئ بهذه المنطقة، بما تحمله من طقوس وأساطير وغيرهما من الموروثات؟

- أرى أن ذلك سلاح ذو حدين. فمن جهة، الرواية ليست كتابًا فى التاريخ أو التراث أو علم الاجتماع، بل هى فن وخيال فى المقام الأول. والنظر إلى العمل الفنى باعتباره منفذًا لتلقى جوانب معرفية أمر يربكنى. لكننى، فى الوقت نفسه، لا أستطيع تحديد اتجاه بعينه لتلقى القارئ العمل؛ فمن حقه أن يرى فيه ما يريد، وأن يجذبه ما يراه أقرب إلى نفسه.

أما أنا، فأضع القالب الفنى الذى اخترته نصب عينى. ولا يمنع ذلك ضرورة الإلمام بكل جوانب العمل قبل كتابته؛ فالتاريخ والتراث والطقوس والأساطير أجزاء من طريقة تفكير الأفراد داخل أى مجتمع. ولكى أتمكن من معرفة ما يدور فى عقول شخصياتى وأرواحها، وتحديد سلوكها وردود أفعالها، لا بد أن أكون ملمة بكل ما يحيط بها من زمان ومكان.

ومن حق القارئ أن يتعامل مع الرواية بالطريقة التى تروقه، لكننى أتمنى أن تكون الرواية دافعًا له إلى البحث فى الكتب الأصلية التى تتناول الجوانب التى جذبته إليها.

■ ما الشرارة الأولى التى دفعتكِ إلى كتابة الرواية؟ وهل كانت لديكِ رؤية محددة انطلقتِ منها لكتابة «آشا»؟

- كانت الشرارة حكاية عائلية متوارثة عن جد قدم من البوسنة إلى قرية الشباك، وتزوج جدتى النوبية. كانت حكاية من سطر واحد سمعتها فى طفولتى، وظلت تلح علىّ حتى قررت البحث وراءها.

زرت قرية الجنينة والشباك للمرة الأولى عام ٢٠١٢، لكننى لم أجد هناك أحدًا يعرف تلك الحكاية. وخرجت من القرية بتساؤل آخر: إذا صحت هذه الحكاية، فلماذا كان الحديث عن كرم باش، ولماذا لم يحكِ أحد عن الجدة التى جاء منها نسلنا، ولم يذكر اسمها؟

خرجت من القرية فى ذلك اليوم وقد اتخذت قرارى بأن تكون روايتى عن الجدة التى منحتها اسم «آشا»، لا عن الجد الغريب.

■ هل يمكن أن تقوم الدنيا على أكتاف امرأة، كما حدث مع آشا؟ وهل أردتِ الإشارة إلى دور المرأة الذى يجهله كثيرون؟

- المجتمع النوبى القديم مجتمع أمومى، إن جاز التعبير، وللمرأة فيه مكانة كبيرة. فقد كانت ملكة محاربة يُورَّث إليها الحكم، وحتى وقت قريب كان يُميَّز بين الرجال المتشابهين فى الأسماء بإضافة اسم الأم، ولم يكن ذلك عيبًا.

إلى جانب ذلك، كانت المرأة النوبية تؤدى أدوارًا كثيرة داخل المجتمع، وتحظى باحترام وتقدير كبيرين. لذلك لا يمكن إغفال دورها فى المجتمع النوبى.

■ عانى عالم النوبة كثيرًا من التهميش وضياع جانب كبير من خصوصيته؛ فهل أردتِ الإشارة إلى أساطير النوبة المفقودة فى عالم «آشا»؟

- جزء من جمال الكتابة أن الكاتب لا يكون واعيًا بكل الطبقات التى تظهر للقارئ، وربما لو كان واعيًا بها جميعًا، لصار ما يكتبه مجرد منشور اجتماعى أو سياسى بلا روح.

حين وُلدت الفكرة، كانت تحمل بُعدًا شخصيًا فقط. لكن مع بدء القراءة والبحث والتسجيل، اتسعت الأسئلة واكتسبت أشكالًا أكثر عمقًا. وحين شرعت فى الكتابة، كان العالم النوبى قد تغلغل فى داخلى، وأصبح من الصعب الفصل بين طبقاته الاجتماعية والسياسية والفلسفية.

وصل الأمر إلى حد جعلنى أعتقد أننى أركز على الفن فقط، ولا علاقة لى بما عداه. لكننى فوجئت، على مستوى التلقى، بهذا الشغف بالجانب المعرفى فى الرواية.

كما قالت لى ناقدة عزيزة إننى، فى أعماقى، مهتمة بالحفاظ على التراث حتى لو لم أعترف بذلك، وإن لدىّ حكاية تراثية أرغب فى الحفاظ عليها من الضياع، ولذلك كتبت هذه الرواية. وهذا الكلام لا يخلو من الصحة، حتى لو كنت أحاول، بوعى، التأكيد على الفصل بين الكتابة الروائية والحكايات الشعبية التى تأثرت بها، وكانت مدخلًا أو تكأة للعمل، من دون أن أتعمد نقلها كما هى.