ليست من تأليفه.. اكتشاف.. كتب وقصائد منسوبة بالخطأ لـ«مصطفى محمود»
- قصائد منشورة فى الخمسينيات باسمه تعود إلى شاعر لبنانى بنفس الاسم
- تشابه الأسماء وأخطاء التوثيق والفهرسة وراء نسب هذه الأعمال لمؤلف «صاحب العلم والإيمان»
على امتداد عقود، ارتبط اسم الدكتور مصطفى محمود بمشروع فكرى وأدبى واسع، جعله واحدًا من أكثر الكُتَّاب حضورًا وتأثيرًا فى الثقافة العربية الحديثة.
ومع اتساع شهرته وتعدد مؤلفاته، لم يتوقف الأمر عند الكتب والأعمال التى تركها بالفعل، وإنما امتد إلى أعمال أخرى نُسبت إليه، سواء بسبب تشابه الأسماء أو نتيجة أخطاء فى الفهرسة والتوثيق والنشر.
تزداد أهمية هذه المسألة حين يتعلق الأمر بشخصية بحجم مصطفى محمود، الذى ترك إنتاجًا متنوعًا شمل الرواية والقصة والمسرح والفكر والفلسفة والدراسات الدينية والعلمية. فالقائمة الطويلة لمؤلفاته تجعل أى إضافة غير دقيقة إليها قابلة للانتشار والتداول، خاصة إذا حمل العمل اسم «مصطفى محمود» على غلافه أو فى فهرس إحدى المكتبات.
ومن بين صور الالتباس اللافتة أيضًا، الخلط بين الدكتور مصطفى محمود وشاعر لبنانى يحمل الاسم نفسه، نشر عددًا من القصائد فى مجلات أدبية خلال فترة مبكرة من التجربة الأدبية للدكتور مصطفى محمود، وهو ما أدى إلى ظهور قصائد فى بعض القوائم والمصادر باعتبارها من أعمال المفكر المعروف، رغم أن نشرها ارتبط بشاعر آخر يحمل الاسم ذاته.


فى رسالته للدكتوراه المعنونة بـ«الآراء التربوية عند مصطفى محمود وكيفية الإفادة منها فى مواجهة بعض مشكلات المجتمع»، يكشف الباحث الأقصرى بستانى النداف، عن الكثير من أوجه الالتباس المتعلق بمؤلفات الدكتور مصطفى محمود
يتناول «النداف»، فى رسالته للدكتوراه، كتاب «المبدعون فى الأرض.. الفيلسوف الحكيم مصطفى كمال محمود.. الإبداع فى تأصيل وتجديد الفكر الإسلامى والعالمى»، من تأليف الدكتور ناصر محيى الدين ملوحى، والذى يكشف عن واحدة من صور هذا الالتباس.
ففى الكتاب، وتحت عنوان داخلى هو «أهم كتب الفيلسوف الحكيم مصطفى محمود»، عرض «ملوحى» عددًا من أغلفة الكتب التى قدمها باعتبارها من مؤلفات مصطفى محمود.

بين هذه الأغلفة، تظهر فى الصفحة ١٠١ صورة لكتاب بعنوان «كل يوم صحابى»، والذى حمل غلافه اسم «مصطفى محمود» تحت عنوان الكتاب. وفى الصفحة نفسها، ظهر غلاف كتاب آخر بعنوان «انتفاضة العملاق الداخلى»، وتضمن أيضًا اسم «مصطفى محمود».
أما الصفحة ١٠٢، فقد تصدرها اسم «مصطفى محمود»، وتحت الاسم عنوان كتاب «الصحوة.. القصص الأعظم من القرآن الكريم». كما ظهر فى الصفحة ذاتها غلاف آخر بعنوان «كل يوم نبى»، وتحت العنوان أيضًا اسم المفكر الكبير.

لكن مراجعة قوائم مؤلَفات مصطفى محمود، خاصة القوائم التى كانت ترد فى نهاية بعض كتبه، تكشف عن عدم وجود هذه العناوين ضمن إنتاجه المعروف.
ومن بين الكتب التى تضمنت فى نهايتها قوائم بمؤلفات مصطفى محمود: «الزلزال»، و«زيارة للجنة والنار»، و«الطريق إلى الكعبة». وبالاسترشاد بهذه القوائم، لم يظهر أى من العناوين المذكورة ضمن مؤلفات الكاتب الكبير.
ولا يقتصر الأمر على قوائم الكتب التى صدرت عن مصطفى محمود، إذ تشير «ببليوجرافية مكتبة الإسكندرية» إلى الأمر ذاته، فـ«الببليوجرافية» التى ضمت مؤلفات مصطفى محمود لا تتضمن هذه العناوين.

واللافت كذلك أن الكتب المذكورة لم تظهر، بحسب المادة محل البحث، فى الدراسات والأبحاث والكتب والمقالات التى جرى الاطلاع عليها حول إنتاج مصطفى محمود. كما لم يرد ذكرها أو الاستشهاد بها داخل كتاب «ملوحى» نفسه سوى من خلال عرض صور أغلفتها.
هنا تبرز أهمية التمييز بين وجود اسم الكاتب على غلاف كتاب وبين إمكانية إثبات نسبة الكتاب إليه. فالغلاف، على أهميته، لا يكفى وحده لإثبات نسبة العمل، خاصة عندما تغيب بياناته عن قوائم المؤلفات المعتمدة، ولا يظهر فى «الببليوجرافيات» المتخصصة أو الدراسات التى تناولت إنتاج الكاتب.


الصورة الأكثر وضوحًا للخلط تبدو فى عدد من القصائد المنشورة باسم الدكتور مصطفى محمود فى مجلات أدبية، خلال خمسينيات القرن الماضى، لكنها ترتبط بشاعر لبنانى يحمل الاسم نفسه!
وتكشف بيانات النشر عن سلسلة طويلة من القصائد، ظهرت فى مجلة «الأديب» وغيرها، وهو ما يجعل تتبع الاسم وسياقه الزمنى والجغرافى أمرًا ضروريًا قبل نسبتها إلى الدكتور مصطفى محمود.
من بين هذه القصائد «النفحة الشاردة»، التى نُشرت باسم «مصطفى محمود» بمجلة «الأديب»، فى عدد ديسمبر ١٩٤٩، ص ٤٦، ثم «حزن أولمبيو»، فى عدد فبراير ١٩٥٠، ص ٢٨، و«تفاحة»، فى عدد مارس ١٩٥٠، ص ٤٧، و«فى ضمير الغيب»، فى عدد مايو ١٩٥٠، ص ٤٩.

وفى عام ١٩٥١، ظهرت قصائد أخرى باسم «مصطفى محمود»، منها «ابتهال» فى عدد يناير، ص ٢٧، و«صبوة» فى فبراير، ص ١٦، و«أطياف» فى مايو، ص ٩، و«موعد» فى يوليو، ص ٢٤، و«على ذمة الورد» فى أكتوبر، ص ٤٤، و«غموض» فى ديسمبر، ص ٢٤.
استمر ظهور هذه الأعمال خلال السنوات التالية، ففى فبراير ١٩٥٢ نُشرت قصيدة «تأوهات برعم» فى مجلة «الأديب»، ص ٢٦، ثم ظهرت قصيدة «مصرع عنكبوت» فى مجلة «الآداب» فى مارس ١٩٥٣، ص ٣٢، تلتها «لهفة» فى مجلة «الأديب» فى أبريل من العام نفسه، ص ١٣.
وفى مايو ١٩٥٣ نشرت مجلة «الآداب» قصيدة «الغليون العاجى»، ص ٤٥. بينما نشرت «الأديب» فى يونيو قصيدة «قطار»، ص ٩. وفى سبتمبر من العام نفسه ظهرت فى «الآداب» قصيدة «رقصة الأطياف»، ص ٤٨، كما نشرت «الأديب» قصيدة «جحيم» فى العدد نفسه، ص ٢٢.
توالت القصائد فى السنوات اللاحقة، فنُشرت «السجين» فى «الآداب» فى يناير ١٩٥٤، ص ٥٩، و«الشاعر والأرض» فى «الأديب» فى الشهر نفسه، ص ٢٨ :٢٩، ثم «جمال الدين الأفغانى» فى يونيو ١٩٥٤، ص ١٣.
وفى عام ١٩٥٦ ظهرت قصيدتا «عيون» فى يونيو، ص ١٦، و«ذهول» فى أكتوبر، ص ١٦، ثم «لنا الوجود» فى نوفمبر، ص ١٣.
وفى ١٩٥٧ نشرت «أفعى» فى نوفمبر، ص ١٤، و«الخريف» فى ديسمبر، ص ٦، ثم ظهرت «ثورة النمال» فى يناير ١٩٥٨، ص ٤، و«شاعر وكوكب» فى مايو من العام نفسه، ص ١٤.

أما آخر ما يرد فى هذه القائمة، فيشمل «يسرى» التى نشرت فى يونيو ١٩٥٩، ص ٥، و«أغنية السراب» فى سبتمبر ١٩٥٩، ص ٢٠.
تكشف هذه القائمة الطويلة أن المسألة ليست أمام عنوان واحد أو نص منفرد يمكن أن يكون قد وقع فيه خطأ عابر، وإنما أمام مجموعة من القصائد التى ظهرت باسم كاتب يحمل الاسم نفسه. ومن هنا يصبح الخلط بين الاسمين مفهومًا من الناحية «الببليوجرافية»، لكنه لا يعنى بالضرورة صحة نسبة هذه الأعمال إلى الدكتور مصطفى محمود.
تزداد أهمية التمييز بين التجربتين عند النظر إلى البدايات الأدبية لكليهما، فالتشابه فى الاسم، وتقارب الفترات الزمنية التى ظهر خلالها النشر، وظهور الاسم مختصرًا فى بعض المواضع، كلها عوامل يمكن أن تؤدى إلى انتقال العمل من صاحب إلى آخر إذا لم تتم مراجعة البيانات الأصلية للنشر.


لا يتوقف الخلط عند القصائد أو الكتب التى تحمل اسم مصطفى محمود على أغلفتها، إذ تشير «ببليوجرافية مكتبة الإسكندرية»، تحت عنوان جانبى هو «كتابات متنوعة»، إلى كتاب بعنوان «الأرض فى دوامة الخطر»، وتنسبه إلى مصطفى محمود.
لكن العودة إلى الكتاب نفسه تكشف تفصيلًا حاسمًا فى هذه الحالة؛ إذ يظهر اسم المؤلف على الكتاب بصيغة «محمود مصطفى»، وليس «مصطفى محمود».
هذا الفارق فى ترتيب الاسم ليس تفصيلًا شكليًا، خاصة أن الكتاب نفسه يقدم معلومات عن صاحبه يمكن من خلالها التحقق من هويته. فبالرجوع إلى الكتاب، يتبين أن الكاتب «مصطفى» «١٩٩٥، ص ٣» عرّف نفسه بأنه حاصل على دكتوراه الفلسفة فى علوم الجيولوجيا والمينرالوجيا، وأنه مدرس فى كلية العلوم بجامعة تشرين.

وبذلك يصبح الكتاب، وفق هذه البيانات، عملًا لمؤلف آخر، ولا علاقة له بإنتاج الدكتور مصطفى محمود.
تكشف هذه الحالات جميعها عن مشكلة أوسع تتعلق بتوثيق الإنتاج الأدبى والفكرى، خاصةً عندما يكون المؤلف من أصحاب المشاريع الكبيرة التى تمتد لعشرات السنوات، وتتنوع بين مجالات وموضوعات مختلفة.
فشهرة الكاتب قد تتحول إلى سبب فى زيادة فرص وقوع الخلط حوله. وكلما كان الاسم معروفًا، أصبح ظهوره على غلاف كتاب أو قصيدة كافيًا أحيانًا لانتقال النسبة من مصدر إلى آخر، ثم تتحول المعلومة مع تكرارها إلى حقيقة يصعب التحقق منها، رغم أن العودة إلى المصدر الأول قد تكشف خطأها.
وفى حالة مصطفى محمود، تبدو أهمية التوثيق مضاعفة، لأن مشروعه الأدبى والفكرى واسع، ولأن مراحل تجربته الأولى ارتبطت بالنشر فى الصحف والمجلات، وهو ما يجعل البحث فى أعداد الدوريات القديمة جزءًا أساسيًا من عملية التحقق من نسب النصوص.
كما أن تشابه الأسماء يفرض على الباحث ألا يكتفى بالبحث عن الاسم مُجردًا، بل أن يراجع بيانات النشر كاملة: اسم المؤلف، وتاريخ النشر، ومكانه، والسياق الذى ظهر فيه النص، فضلًا عن مقارنة العمل بالقوائم الببليوجرافية المعتمدة.
وفى ضوء ذلك، لا تبدو مسألة الأعمال المنسوبة خطأ إلى مصطفى محمود مجرد هامش فى سيرته الأدبية، وإنما جزء من ضرورة أكبر تتمثل فى إعادة قراءة وتوثيق تراثه على نحو دقيق، والتمييز بين ما كتبه فعلًا وما أضيف إلى تجربته بفعل تشابه الأسماء أو أخطاء الفهرسة والنشر.

فبين كتاب يحمل اسمًا قريبًا من اسم صاحب «رحلتى من الشك إلى الإيمان»، وقصائد كتبها شاعر لبنانى يحمل الاسم نفسه، وأغلفة لكتب لم تظهر فى قوائم مؤلفاته المعروفة، تتشكل خريطة من الالتباسات التى تحتاج إلى العودة للمصادر الأصلية قبل تثبيت أى نسبة.
وفى النهاية، لا يتعلق الأمر بحذف عناوين من قائمة مؤلفات مصطفى محمود بقدر ما يتعلق بإعادة كل عمل إلى صاحبه الحقيقى. فالتوثيق الدقيق لا يحمى الكاتب من النسبة الخاطئة فحسب، وإنما يحمى أيضًا القارئ والباحث وتاريخ الأدب من تراكم معلومة غير دقيقة تتحول، بمرور الوقت، إلى جزء من الحقيقة المتداولة.







