عائلة شجرة الليمون.. الروائى السودانى حامد الناظر: فقدنا الأمن بسبب الحرب فظهر أسوأ ما فى النفس البشرية
- الإنسان الآن ينام وهو مستعد للاستيقاظ على الموت
- القوة تقاس بالقدرة على مقاومة التحول إلى نسخة أخرى من العنف
- الفن لا يوقف الحروب لكنه يمنعها من هزيمة الإنسان بالكامل
أصدر الروائى السودانى حامد الناظر روايته الجديدة «عائلة شجرة الليمون» عن دار «الرواق» للنشر، والتى يبرز فيها الحروب وما تفعله فى الجميع، كاشفة الكل على حقيقتهم.
ولا يهتم «الناظر» بالتوثيق للحرب فى «شجرة عائلة الليمون»، فهى ليست رواية تسجيلية، بل تراقب ما تخلفه هذه الحرب، وما فعلته فى نفوس الناس، عبر عدة نماذج إنسانية تراقب البلاد وما فعله جنود «الجنجويد» فيها.
عن هذه الرواية الجديدة، التى تطرح الكثير من التساؤلات عن الحروب والأمان، ورؤية الإنسان لعالم ما بعد الحرب، يدور حوار «حرف» التالى مع الروائى السودانى حامد الناظر.

■ كيف جاءت فكرة رواية «عائلة شجرة الليمون»؟ وكيف عملت عليها؟
- ولدت فكرة الرواية من سؤال ظل يلاحقنى منذ اندلاع الحرب فى السودان: ماذا يحدث للإنسان عندما يصبح الخوف هو الحالة الطبيعية للحياة؟ لم أرد كتابة رواية عن المعارك أو السياسة، بل عن الناس الذين وجدوا أنفسهم فجأة داخل عالم فقد منطقه.
بدأت بجمع تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة، والمشاهد الصغيرة التى لا تلتقطها نشرات الأخبار، ثم تركت الشخصيات تقودنى إلى مصائرها. استغرقت الكتابة وقتًا طويلًا من المراجعة وإعادة البناء، لأننى كنت أبحث عن صيغة تجعل الحرب حاضرة فى كل صفحة، حتى عندما لا يُسمع فيها صوت رصاصة. كنت أريد للقارئ أن يعيش أثر الحرب، لا أن يقرأ وصفًا لها فقط.
■ تبرز الرواية فكرة الحرب وما تخلفه من ترتيب جديد لرؤيتنا للعالم، وكيف أن كل شىء يهون أمام مفردة مثل الأمن والأمان.. كيف ترى ذلك؟
- الحرب تعيد ترتيب سلّم الأولويات بصورة قاسية. أشياء كنا نظنها أساسية، مثل النجاح والطموح والمكانة الاجتماعية، تتراجع فجأة أمام رغبة بسيطة فى النجاة والاطمئنان.
عندما يفقد الإنسان شعوره بالأمان، تتغير علاقته بالبيت والمدينة والناس وحتى بنفسه. لهذا حاولت أن أُظهر كيف تتحول الحياة إلى بحث يومى عن لحظة هدوء أو مكان آمن.
الرواية تقول إن الأمن ليس رفاهية، بل هو الشرط الأول الذى يجعل كل القيم الأخرى ممكنة. وعندما ينهار هذا الشرط، يُعاد تشكيل الإنسان من جديد.
■ «بدر الخواجة» شخصية مسالمة، وفى تقنية الرواية هناك تشكيك فى كل شىء ما عدا الحرب نفسها.. هل ما ذكرته الرواية عن الحرب شىء حقيقى، أم أن هناك رؤية أخرى لحامد الناظر؟
- «بدر» شخصية لا تمتلك يقينًا كاملًا، لذلك يتردد فى تفسير ما يراه، ويشك فى ذاكرته وأحكامه وحتى فى نفسه. لكن الحرب هى الحقيقة الوحيدة التى لا يستطيع إنكارها، لأنها تفرض وجودها على الجميع دون استئذان.
ما ورد فى الرواية ليس تسجيلًا حرفيًا للواقع، بل إعادة تشكيل له عبر الأدب. حاولت أن أكون وفيًا للحقيقة الإنسانية أكثر من التفاصيل التوثيقية. الرواية لا تزعم أى شىء، لكنها تحاول الاقتراب من أثر الحرب على النفس، وهو أثر قد يكون أصدق من أى تقرير أو وثيقة.

■ يرسم «بدر»، ورسومه تبدو وكأنها المقاوم لكل هذا العبث.. هل ترى أن الفن خُلق ليقف حائلًا بيننا وبين انغماسنا فى كل هذه القسوة؟
- عندما يعجز الواقع عن منحنا معنى، يحاول الفن أن يصنع هذا المعنى أو يحافظ عليه. رسوم «بدر» ليست مجرد شغف، بل محاولة لحماية ذاكرته من الخراب، وإثبات أن الخراب قد مر على مدينته، وأن الجمال يمكن أن يبقى حتى فى أكثر الأزمنة قسوة.
الفن لا يوقف الحروب، لكنه يمنعها من هزيمة الإنسان بالكامل. إنه يحفظ ما تحاول الحرب محوه، ويترك أثرًا يقول إن الحياة كانت هنا يومًا، وإن الإنسان لم يستسلم تمامًا للعنف.
■ هل يمكن أن يعجز الأدب عن نقله تجربة من عاشوا الحرب فعلًا بعيدًا عن التخييل؟
- الرواية تستطيع أن تنقل الخوف والحزن والفقد، لكنها تظل عاجزة عن نقل التجربة الحسية الكاملة للحرب. لا يمكن للكلمات أن تنقل رائحة الدخان بعد القصف، أو صوت الرصاص حين يصبح جزءًا من الحياة اليومية، أو ذلك القلق المستمر الذى يجعل الإنسان ينام وهو مستعد للاستيقاظ على الموت، إلا فى سياق الاستعارات بالطبع.
الأدب يعيد بناء التجربة، لكنه لا يستطيع أن يستنسخها. ومع ذلك، فإن قوة الرواية ليست فى محاكاة الواقع حرفيًا، بل فى منح هذه المعاناة معنى إنسانيًا يجعلها قابلة للفهم والمشاركة. ربما لا يستطيع القارئ أن يشعر بما شعر به الناجون، لكنه يستطيع أن يدرك شيئًا من هشاشتهم، وأن يرى العالم من زوايا لم يكن يلتفت إليها من قبل.
■ كان «نابليون» القط أنيسًا لـ«بدر» فى وحدته.. لماذا هذا الاسم تحديدًا؟
- اخترت اسم «نابليون» ربما لأنه يحمل مفارقة رمزية. الاسم يستحضر واحدًا من أشهر القادة العسكريين فى التاريخ، بينما صاحبه فى الرواية مجرد قط يمنح بطله الدفء والطمأنينة.
أردت أن أفصل بين الاسم وما يحمله من تاريخ دموى، وبين الكائن الذى يمثل البراءة والألفة. هذه المفارقة تعكس أيضًا قدرة الحياة على إعادة إنتاج المعانى بصورة مختلفة. فليس كل «نابليون» مشروع حرب. كما أن القوة ليست دائمًا فى حمل السلاح، بل قد تكون فى القدرة على منح شخص وحيد سببًا للاستمرار.
■ هناك نماذج مثل «مريم» التى جاءت ولا تعرف والدها نتيجة اغتصاب أمها.. هل اخترت هذا الاسم كمعادل موضوعى للطهر والبراءة؟
- نعم، اختيار اسم «مريم» لم يكن عابرًا. أردته أن يستحضر دلالات الطهر والبراءة فى مواجهة فعل هو من أبشع ما يمكن أن ترتكبه الحروب.
«مريم» ليست مسئولة عن الطريقة التى جاءت بها إلى العالم، لكنها تحمل عبئًا لم تختره، هذا ما يبدو فى شهادة «بدر الدين الخواجة» على الأقل، وهى شهادة ليست على قدر كبير من اليقين كما نعرف ذلك فى الرواية.
على أى حال، وبغض النظر عن رؤية وتأويلات «بدر الدين» للأمور، لا تكتفى الحرب بقتل الناس، بل تفرض على الأبرياء تاريخًا لم يصنعوه. ومع ذلك تظل البراءة ممكنة، لأن قيمة الإنسان لا يحددها أصل ميلاده، بل حياته وخياراته وقدرته على تجاوز الألم.

■ كتبت عن الحرب وقرأنا ما كتبته.. كيف هو تأثير الحرب على من عاشها واقعًا وليس بين دفتى رواية؟
- الكتابة تمنح الكاتب مسافة للتأمل، أما من يعيش الحرب فلا يملك هذه المسافة. هناك يعيش الإنسان تحت ضغط دائم من الخوف والفقد وعدم اليقين، وتصبح القرارات اليومية مرتبطة بالبقاء أكثر من أى شىء آخر.
آثار الحرب لا تنتهى بانتهاء القتال، بل تمتد إلى الذاكرة والعلاقات والشعور بالانتماء والثقة بالآخرين. لذلك أعتقد أن الرواية تستطيع أن تقترب من التجربة، لكنها لا تستطيع أن تحتويها كاملة. فالحرب الواقعية تترك جروحًا أعمق من أن تُختزل فى الكلمات وحدها.

■ فى نهاية الرواية يموت «بدر الدين».. هل أردت أن تقول: «لا مكان للبراءة فى عالم قاس»؟
- لم أرد أن أقول إن «البراءة تموت»، بل إن الحرب تضعها فى اختبار بالغ القسوة. موت «بدر» ليس هزيمة للقيم التى يمثلها، بل يكشف عن الثمن الذى قد يدفعه الإنسان، خاصة عندما يكون هشًا مثل «بدر الدين» فى عالم يزداد عنفًا.
أحيانًا يغيب الأشخاص، لكن ما دافعوا عنه يبقى حاضرًا فى ذاكرة الآخرين. لهذا لا أرى النهاية بوصفها إعلانًا لانتصار الحرب، بل تذكيرًا بأن الإنسانية لا تُقاس بطول العمر، إنما بما تتركه من أثر. الرواية تنتهى بموت فرد، لكنها تترك سؤال الحياة مفتوحًا.

■ تكشف الحرب فى الرواية وجهين متناقضين، فهى تدفع بعض الشخصيات إلى مزيد من الإنسانية، بينما تطلق فى شخصيات أخرى، مثل «خالد»، أسوأ ما فيها. هل ترى أن الحرب تغيّر الإنسان أم تكشف عن حقيقته؟
- الحرب لا تغيّر الناس بالطريقة نفسها، بل تكشف عما كان كامنًا فيهم وتدفعه إلى السطح. هناك من تدفعه المأساة إلى مزيد من التعاطف والتضحية، وهناك من يستسلم للخوف والطمع والرغبة فى السيطرة.
شخصية «خالد» تمثل هذا الوجه الآخر للحرب، حيث تتحول الأزمة إلى فرصة لإطلاق أسوأ ما فى النفس البشرية. فى المقابل، نجد شخصيات اختارت الحفاظ على إنسانيتها رغم كل شىء.
أردت أن أقول إن الحرب ليست فقط صراعًا بين الجيوش، بل امتحان أخلاقى يواجهه كل فرد على طريقته. أعتقد أن الحرب لا تصنع طبيعة جديدة للإنسان بقدر ما تزيل الطبقات التى تغطيها. فى الظروف العادية نعيش داخل منظومة من القوانين والعادات والرقابة الاجتماعية، لكن عندما تنهار الدولة ويصبح البقاء هو الهاجس الأول، تظهر الطبائع بأوضح صورها.
هناك من يكتشف فى نفسه قدرة مدهشة على التضحية، وهناك من يكتشف أنه مستعد لفعل أى شىء من أجل النجاة أو السلطة أو الانتقام. لذلك لم أرد أن أقدّم شخصياتى بوصفها نماذج للخير والشر، بل بوصفها بشرًا وضعتهم الحرب أمام امتحان أخلاقى قاسٍ.
«خالد» لم يصبح شريرًا بسبب الحرب وحدها، لكنها منحته الفرصة ليطلق ما كان كامنًا داخله، تمامًا كما منحت شخصيات أخرى فرصة لاكتشاف أجمل ما فيها. ولهذا أرى أن الحرب مرآة أكثر منها مختبرًا، فهى تكشف الإنسان أكثر مما تعيد تشكيله.

■ هل تقصد أن تقول «البطولة الحقيقية تبدأ من القدرة على الحفاظ على إنسانيتنا»؟
- بالتأكيد. لم أكن مهتمًا بفكرة البطل التقليدى الذى ينتصر على الجميع، لأن الحروب الحقيقية لا تمنح مثل هذه البطولات إلا نادرًا. ما شدّنى هو الإنسان العادى الذى يحاول أن يحافظ على قيمه رغم انهيار كل شىء حوله.
أحيانًا يصبح إطعام الجار، أو حماية طفل، أو رفض الظلم، بطولة لا تقل أهمية عن أى فعل كبير. فى زمن الحرب يتغير مقياس البطولة، فهى لا تقاس بالقوة، بل بالقدرة على مقاومة التحول إلى نسخة أخرى من العنف. لهذا فضّلت شخصيات بسيطة، لأنها الأقرب إلى الحقيقة، ولأن أغلب من يصنعون واقعهم بصمت هم أناس لا تذكرهم الكتب.
■ فى النهاية.. ينتهى مصير «بدر الدين» بالموت، لكن الرواية لا تبدو مستسلمة للهزيمة. ماذا أردت أن تقول بهذه النهاية؟
- لم أرد أن يكون موت «بدر الدين» إعلانًا لانتصار الحرب، بل تأكيدًا على أن الحرب تستطيع أن تهزم الأجساد، لكنها لا تستطيع أن تمحو الذاكرة أو المعنى. بالنسبة لى، النهاية ليست احتفاء بالموت، إنما دفاع عن الحياة.
«بدر الدين» يغيب، لكن أثره يبقى فى الآخرين، وفى الحكاية نفسها، وفى القيم التى حاول أن يتمسك بها حتى اللحظة الأخيرة. كنت أريد أن أقول إن الإنسان قد يخسر حياته، لكنه لا يخسر بالضرورة إنسانيته.
ربما يكون سؤال الرواية الأهم: هل تبنى الأوطان فقط بمن ينجون، أم بمن يتركون خلفهم ذاكرة تستحق أن تُروى؟ لأن الحكاية، فى النهاية، هى الشكل الأخير من أشكال مقاومة الفناء.

■ تبدو الخرطوم وكأنها شخصية مواز ية للأبطال إلى أى مدى كان المكان بطلًا خفيًا فى الرواية؟
- كنت أتعامل مع الخرطوم بوصفها كائنًا حيًا، لا مجرد خلفية تجرى عليها الأحداث. المدن مثل البشر، تمتلك ذاكرة وملامح وروحًا، والحرب لا تقتل سكانها فقط، بل تصيب شخصيتها أيضًا.
كنت أكتب عن الشوارع والبيوت والأشجار كما أكتب عن الشخصيات، لأن المكان فى النهاية هو الوعاء الذى يحتفظ بالذكريات. حين ينهار البيت لا نفقد جدرانه فقط، بل نفقد جزءًا من حياتنا التى عشناها داخله.
لذلك أردت للقارئ أن يشعر بأن الخرطوم نفسها كانت تخوض الحرب، وأن خسارتها لم تكن أقل من خسارة أبطال الرواية.






