حضرة المتهم.. طارق إمام: «رابطة الكُتاب الأردنيين» بنت اتهامها على منشور شخص يعتبر القضية الفلسطينية «كلام فارغ».. فمَن فينا المطبع؟!
- الزعم بأنى حصلت على الجائزة مناصفة مع إسرائيلى كذب وتدليس
- أسرتى قدمت شهداء فى حروبنا ضد إسرائيل.. فعلى من تزايدون؟!
- تقدمت للجائزة فى الكتابة العربية فى فرع عربى تحكمه لجنة عربية.. فما علاقة هذا بالتطبيع؟
- لنفترض أن بين حضور الحفل كاتبًا إسرائيليًا.. فما دخلى أنا؟
- الصورة التى جمعتنى بالإسرائيلى بروتوكولية وتضم ممثل الملك والجيش الإسبانى والسفير المصرى
- لا أعرف شكل الكاتب الإسرائيلى ولم أجلس أو أتبادل معه كلمة
- البيان المدلس حرّف شعار المسابقة لـ«الكلمة للاعتراف بالكيان الصهيونى» ولما كشفتهم.. قالوا: «خطأ ترجمة»
- فلسطينيون من عرب 48 يكتبون باللغة العبرية ويتقدمون بها للجوائز.. فهل هم مطبعون؟

لا ينظر طارق إمام إلى الرواية باعتبارها مجرد حكاية تُروى، بل كأداة لفهم العالم وإعادة مساءلته، وهو ما يجعل أعماله دائمًا مشغولة بأسئلة الذاكرة والهوية والمكان، حيث تمتزج الواقعية بالغرائبية دون أن تنقطع عن الواقع.
هذا التصور الإبداعى جعله أحد أبرز الأصوات فى المشهد الروائى العربى، لكنه فى الوقت نفسه وضعه فى قلب جدل واسع مؤخرًا بعد عودة الحديث عن فوزه قبل 13 عامًا بجائزة معهد «الكلمة» فى إسبانيا، إذ وُجهت إليه اتهامات بالتطبيع أثارت نقاشًا حادًا فى الأوساط الثقافية، تحت مزاعم مشاركة وفوز كاتب إسرائيلى فى نفس المسابقة.
وعلى إثر تلك الاتهامات، تعرض طارق إمام لحملة وصلت إلى حد إلغاء زيارته ومشاركته التى كانت مقررة فى مهرجان «جرش» فى الأردن، بناءً على طلب من «رابطة الكُتاب الأردنيين».
فى حواره مع «حرف»، يفنّد طارق إمام تفاصيل الأزمة ويكشف عن رؤيته للرواية بوصفها فعل مقاومة للنسيان، كما يتحدث عن علاقته الخاصة بالقاهرة، وموقفه من الرواية التاريخية، ورأيه فى الذكاء الاصطناعى، وتصوره لمستقبل السرد العربى.
■ ما أصل الاتهامات الموجهة إليك بالتطبيع والمثارة حاليًا على صفحات «السوشيال ميديا»؟ وكيف ترد عليه؟
- الحكاية ببساطة أننى فزت بجائزة إسبانية دولية مقرها مدريد، وتقام بأربع لغات: العربية، والإسبانية، والإنجليزية، والعبرية، وكل فرع مستقل عن الآخر.
أى إننى لا أتسابق مع كاتب إسرائيلى، ولا إسبانى، ولا إنجليزى. بعض المدلسين يزعمون أننى حصلت على المركز الرابع، وبعضهم يقول إننى حصلت على الجائزة مناصفة مع الإسرائيلى، فقط ليوهموا الناس بأننى دخلت معه فى تنافس مباشر، وهذا كذب وتدليس صريحان، ونتائج الجائزة موجودة ومعلنة لمن يريد التأكد.
ثانيًا، لجنة تحكيم الجائزة عربية بالكامل، وقد تقدمت للجائزة فى الكتابة العربية، فى فرع عربى تحكمه لجنة عربية. فما علاقة هذا بالتطبيع؟
ثالثًا، حضرت الحفل، وهو حفل جائزة دولية عالمية. لنفترض أن داخل الحفل كاتبًا إسرائيليًا، فما دخلى أنا؟ يقولون فى البيان إنه كان يجلس بجوار مقعدى، فما الذى يعنيه هذا؟ لا أعرف حتى اسم هذا الكاتب الإسرائيلى. لا أعرف شكله حتى، فلم أجلس معه ولم أتبادل معه كلمة والصورة التى يزعمون أنها جمعتنى به صورة بروتوكولية جماعية تضم عشرات الأشخاص منهم ممثل الملك والجيش الإسبانى وسفير مصر فى مدريد الذى جاء خصيصًا للاحتفال بكاتب مصرى رفع اسم بلده فى محفل دولى.. هل تعد صورة كهذه تطبيعًا؟.
ما التطبيع فى الأساس؟ هو الاعتراف بالعدو الصهيونى، وتبنى سرديته، وإقامة أواصر تعاون واضحة معه، وإنكار السردية الفلسطينية لصالحه، والدعوة إلى السلام معه. فهل حصولى على جائزة فى مكان حضر فيه إسرائيلى يعتبر تطبيعًا مع إسرائيل؟
شعار الجائزة هو «الكلمة كرباط للإنسانية»، غيره البيان المدلس مدعيًا أن شعار الجائزة هو: «الكلمة للاعتراف بشرعية الكيان الصهيونى».. تخيل! أنا رددت على هذه الجزئية، فكتبوا: عفوًا، هذا خطأ بسبب الترجمة من الإسبانية!!، ومع ذلك لم يعتذروا، ولم يصححوا هذا الخطأ فى البيان، رغم اعترافهم به..
زعموا أيضًا أن هناك منظمة لمقاومة التطبيع أدانت الجائزة عام ٢٠١٣. هذا ادعاؤهم، وقد تحديتهم أن يأتوا بمثل هذا البيان، فلم يستطيعوا؛ لأنه ببساطة غير موجود.
أين وجه التطبيع؟ أريد أن أعلم. هذه جائزة حصل عليها خمسة عشر كاتبًا عربيًا منذ تأسيسها، بينهم مصريون وعرب كثيرون. وأزيدك من الشعر بيتًا: معظم دورات الجائزة وصل فيها فلسطينيون إلى القوائم القصيرة، وبعضهم من غزة.

■ يقولون إن المسابقة ضمت فرعًا للعبرية.. ألا يمثل ذلك اتهامًا؟
- أفلا تُدرَّس العبرية فى جامعات الأردن كالجامعة الأردنية وجامعة اليرموك؟ هل نحن ضد اللغة العبرية كلغة؟ ثم إن اللغة العبرية يكتب بها بعض الفلسطينيين من عرب ٤٨، ويتقدمون بها إلى جوائز، فهل هم مطبعون؟ هذه فرية وافتراء ودسيسة.هذه مزايدة وطنية على كاتب مصرى،الأمر كله عبارة عن صراعات داخل رابطة ملتقى السرد، ومحاولة اغتيال معنوى وتصفية حقيقية لى. وحتى عندما توضح لهم الحقيقة وتدحض ادعاءاتهم، لا يعتذرون ولا يردون. هذا فعل مدبر وقائم على وشاية.
والمخزى فى الأمر أن هذه الوشاية صدّرها مطبع حقيقى، فضحته وفضحت منشوراته، فردَّ لى الصاع باتهامى أنا. وإلا فلماذا يحدث هذا الآن، بعد فوزى بالجائزة منذ عام ٢٠١٣؟ أى بعد ثلاثة عشر عامًا؟ هل يعقل هذا؟
إنها فرية، وما هو أسوأ أن رابطة الكُتاب لم تكتب البيان، بل نقلته عن منشور لذلك الواشى. وفى النهاية، فإن لجنة مقاومة التطبيع تبنت بيانًا صدّره مطبّع أعلنت عنه بالوثائق، وهو من كتبه وأخذته اللجنة من منشوراته، وهى على علم بذلك، فمن فينا المطبّع، أنا أم اللجنة التى تحمل اسمًا شريفًا يناقض أفعالها؟؟
بالمناسبة، أحب أن أقول هنا للمزايدين، لأول مرة لأننى لا أحب المتاجرة، إن أسرتى أبى وأمى قدمت شهداء فى نكسة ١٩٦٧ وحرب أكتوبر المجيدة.. فعلى من تزايدون؟

■ لماذا فى رأيك فى هذا الوقت بالذات ظهر من يقول إنك مطبع؟
- التوقيت: هذا هو مربط الفرس. جائزة حصلت عليها قبل ١٣ عامًا، وتناولت فوزى بها فى حينه كل وسائل الإعلام المصرية والعربية، علنًا، وفاز بها عديدون من العرب قبلى وبعدى.. فلماذا الآن؟ الإجابة ببساطة: لأننى قبل نحو أربع سنوات، وتحديدًا سنة ٢٠٢٢، أنا من فضحت تطبيع شخص ما، مندس فى الوسط الثقافى المصرى بأفعال بلطجة وابتزاز ضد الكُتاب والمثقفين، وعليه أحكام قضائية هو هارب منها، ويقدم نفسه بسيرة ذاتية لا وجود لها، فضحته علنًا بمنشورات كتبها هو، يدعم إسرائيل، ويدعو لزيارتها، ويطالب بتجاهل القضية الفلسطينية لأنها- حسب كلامه: «كلام فارغ».
نشرت له هذه المنشورات، وقمت بفضحه، فقرر الانتقام منى، بأن يوجه لى نفس التهمة. ومنذ ذلك الوقت وهو يحاول ملاحقتى بكلامه المفبرك الذى فندته حرفًا حرفًا كلما دعيت إلى محفل..
المفارقة أن هذا «المطبع» هو نفس الشخص الذى كتب ضدى البيان الذى نشرته «لجنة مقاومة التطبيع» فى رابطة الكُتاب الأردنيين.. تخيل أن لجنة تحمل عنوان «مقاومة التطبيع» تتعاون مع «مطبع»؟!، بل وتأخذ بيانًا هو الذى كتبه ونشره على صفحاته قبلها لتنشره «كوبى بيست»، أى إن اللجنة، المؤلفة من كتاب، «سرقت» بيانها ولم تكلف نفسها حتى عناء صياغته.. فمن فينا إذن المطبع والمتعاون مع مطبعين؟!
المفاجأة أننى بعد نشر بيانى الأول، تواصل معى أحد أعضاء الرابطة، من الموقعين على البيان، فى مكالمة ثلاثية ضمت الشاعر الفلسطينى المعروف «مهيب البرغوثى»، وأعرب لى الكاتب عن أسفه بعد أن قرأ ردى، وطلب منى قبول الاعتذار، وقال لى صراحة إن ما يحدث هو صراع داخلى فى الرابطة بين تيارين سياسيين، وإننى «جيت فى الرجلين» لرغبة التيار المعارض فى تشويه عمل التيار المسيطر «خاصة أن انتخابات الرابطة الأخيرة، كما أفهمنى، كانت فى مايو الماضى، أى قبل أقل من شهرين، وانتهت بصراعات وخناقات لا تزال حاضرة إلى الآن».. الكاتب نفسه علق فى اليوم التالى على البيانات وأصحابها بأننى ظلمت وطلب «وهو منهم» حذف بيانات التشهير بى.. لكن التيار رفض ذلك وأكمل فى تشويهى حيث «أخذته العزة بالإثم» وعلمت أن التيار الذى وقع أصحابه على البيان الكاذب، وجد نفسه فى مأزق، لأن اعترافه بجرمه يعنى فقدانه لمصداقيته للأبد.. والكلام نفسه قالته لى الكاتبة «سامية العطعوط»، التى كانت تتواصل معى بصفة رسمية من الملتقى كمنظمة للفعاليات، وقالت لى إن ما حدث هو نتيجة صراعات انتخابية داخلية بين تيارات سياسية، أجبرتهم على إلغاء دعوتى.

■ بمَ تفسر دعوتك للملتقى من قبل رابطة السرد الأردنية ثم العدول عنها لاحقًا؟
- أول من دعانى هو الكاتب الأردنى المعروف جلال برجس، وهو من حدد المحور الذى رآه ملائمًا لأتحدث فيه عن «القاهرة» كموضوع روائى.. ولبيت دعوته احترامًا له وللملتقى، ثم من بعده صارت الكاتبة «سامية العطعوط» من تتواصل معى فى التفاصيل اللوجستية، بكل تقدير وترحيب.. إلى أن فوجئت بها تعلن عن أنها لغت حجوزاتى قبل حتى صدور البيان، وهو فعل يخلو من شجاعة، فضلًا عن كونه للأسف غير حقيقى، فحتى آخر لحظة كانت الأستاذة سامية تتواصل معى، بل وأرسلت لى تذاكر الطيران والعودة بمواعيدها النهائية لأعتمدها، ومن قبلها أرسلت لى تفاصيل جلستى فى المؤتمر وموعدها..
كما قلت لك.. هو صراع داخلى، واللعب بورقة «التطبيع» يمثل حساسية شديدة.. للأسف رضخ من دعونى للابتزاز، وللأسف صمتوا تمامًا ولم يدافعوا عنى أو حتى عن اختيارهم لى باعتباره مسئوليتهم هم وليس مسئوليتى أنا فلم أطلب شيئًا من أحد، ربما خوفًا على مقاعدهم فى الرابطة أو تفاديًا لمواجهة خصومهم، فتركونى «كبش فداء» ولم ينبس واحد منهم علنًا ببنت شفة، مكتفين برسائل فى الخاص تعتذر لى وتؤكد لى أننى كاتب عظيم شريف! ويكفى أن أقول لك إننى عرفت خبر منعى من وسائل التواصل الاجتماعى.. مثلى مثل عموم الناس.. تمنيت فقط أن يتم التواصل معى لأعرف ما حدث، أو لأدافع حتى عن نفسى، بشكل فيه أدنى أقل قدر من التقدير، احترامًا لاسمى، لكن هذا لم يحدث. وعزائى، أن آلاف الشرفاء فى العالم العربى، منهم فلسطينيون وأردنيون مناضلون، هم من تولوا الدفاع عنى، حتى دحضنا كل الأكاذيب، وأسكتنا جميع المدعين فلم يستطع أحدهم أن يزيد حرفًا أو أن يجادل.

■ بعيدًاعن هذه القضية.. المدينة فى أعمالك ليست مجرد مكان، بل كائن حى له ذاكرة.. كيف تشكلت علاقتك بالقاهرة بوصفها مادة روائية؟
- أنا من المؤمنين بأن المدينة فى الأدب ليست مجرد مسرح للأحداث أو خلفية للحكاية، فالمكان بطل مثل الشخصيات. وكما تعلم، لست ابنًا للقاهرة، وأنا أختلف مع نجيب محفوظ فى نقطة جوهرية، فهو ابن المكان، أما أنا فنازح إلى المكان، وبالتالى أملك عينًا مختلفة بعض الشىء.
ومنذ اللحظة الأولى التى وطئت فيها قدمى القاهرة عام ١٩٩٢، شعرت بأننى فى مكان يجب أن أحوله إلى جزء من سرديتى. شعرت بأننى ضئيل أمامها.
الذى يصنع المدينة هم الأفراد، والقاهرة مدينة فن، فمن الذى صنعها؟ نجيب محفوظ، ومحمد عبدالوهاب، والأبنودى، وغيرهم. وفى الوقت نفسه، المدينة تدهس هذا الفرد؛ فهى قاسية، وكبيرة، ومتشعبة.
أردت أن أكتب هذه العلاقة الملتبسة، دون مديح ولا هجاء. لم أكن أريد أن أكتب عن مدينة بلا قلب، كما فعل أحمد عبدالمعطى حجازى، ولم أكن أريد أن أكتب: «القاهرة ونيلها وطول ليلها». أردت أن أكتب هذا الجدل بين الفرد والمدينة، فكتبت «هدوء القتلة» و«ماكيت القاهرة»، وروايتى القادمة هى أكبر رواية كتبتها، وتدور أحداثها فى القاهرة، وستصدر خلال أيام.
■ هذا يعنى أنه لا يزال لديك الكثير لتقوله عن القاهرة؟
- نعم، بالطبع. القاهرة لا تزال تسكن ذهنى، ولدىّ مشروعات أخرى عنها، لأن القاهرة، فى حقيقة الأمر، ليست مدينة واحدة؛ فكل بقعة فيها مدينة مستقلة، حتى اللهجات فيها كثيرة.
القاهرة لم تغادرنى أبدًا بوصفها موضوعًا للكتابة، ولا تزال تمنحنى ما يمكن أن يُكتب. هناك مدن تساوى نفسها، وهناك مدن تساوى العالم. دمنهور، محافظتى، مدينة لنفسها، لكن القاهرة مدينة للعالم، وبالتالى فإن الكُتابة عنها ليست نصًا محليًا. القاهرة مدينة تحيل إلى نيويورك وباريس، ففكرة المدينة هى العالم والوجود كله.

■ فى كثير من رواياتك يختلط الواقع بالغرائبى دون أن يشعر القارئ بصدمة الانتقال بينهما.. كيف تبنى هذا التوازن؟
- سؤال مهم جدًا. المسألة فيها جانب يخص الإحكام الفنى، لأننى أرى أن النص السردى، والرواية تحديدًا، ابنةُ المعمار والبناء والصنعة، وليست ابنة الارتجال والإلهام اللحظى. أنا أحب أن أكون «صنايعى» و«معماريًا»، لذا أخطط للكتابة، وخاصة الرواية.
لكن، فى سياق هذا المبنى المحكم، إذا غابت درجة من الارتجال، وإذا لم يفاجئك النص، ستجد نفسك أمام نص ميت. هناك نصوص مبنية جيدًا، لكنها بلا روح ولا حياة. لذلك أعتقد أن الرواية فن لا بد أن يقوم على تخطيط شامل وإطار وبنية، لكن بداخلها فراغات يملؤها قدر من المفاجأة، على أن توظف داخل البنية نفسها.
هناك مداخل كثيرة لقراءة الواقع، وليس بالضرورة أن نكتب نصًا واقعيًا. فالواقعية السحرية والسريالية وبعض نصوص الفانتازيا كلها تكشف الواقع، رغم أنها نصوص فوق واقعية.
هنا ننتبه إلى أننا كعرب لدينا «ألف ليلة وليلة»، التى ناقشت الدين والسياسة والجنس، وتحدثت عن الحكام والطبقات المطحونة من خلال نسق عجائبى وفانتازى. وثقافتنا تشكلت أيضًا من سير أولياء الله الصالحين. وعينا كعرب مبنى على أرضية خرافية، وتوظيف هذا داخل النصوص هو إخلاص لخصوصية الثقافة العربية.
أنا لست ابن الغرب العقلانى، بل ابن ثقافة تشكل فيها الميتافيزيقا عنصرًا أساسيًا وفاعلًا، منذ حكايات الجدات الأولى. لذلك فإن توظيفى للخيال أعتبره فعلًا نقديًا وسياسيًا، وليس مجرد ميل أو شغف مجانى بالخيال.

■ تبدو الكتابة لديك وكأنها وسيلة لاكتشاف العالم أكثر من كونها وسيلة لروايته.. ما الذى لا تزال تبحث عنه فى الرواية؟
- البعض يختصر الرواية فى الحكاية، بينما أميل إلى رؤيتها باعتبارها عملًا قائمًا على الأفكار ومناقشتها. لذلك أميل إلى التعبير بأفكار مجردة، وإدخال مناطق نقدية، لأننى أرى أن الحكاية هى نواة الرواية، لكن الرواية لا تشبه الحكاية.
الرواية تستخدم حكاية ما لتقدم أفكارًا عن العالم، وبالتالى لاكتشاف العالم. إنها تعيد خلخلة التصورات. والرواية ليست فقط وليدة الحكاية الشفاهية، لكنها أيضًا وليدة الفلسفة، ولذلك فإن الفعل الروائى ينطوى على فعل فلسفى، يتأمل العالم وظواهره وأسئلته الكبرى، بشكل لا يخلو من التجريب.
أنا أرى أن كل شخص فى العالم يملك رواية أفضل من التى أملكها أنا. كل إنسان لديه حكاية لا تصدق، وربما تكون أعمق من حكايتى. لكن ما الذى يجعل من الرواية عملًا عظيمًا؟ إنه قدرتها على جعل حكاية واحدة هى حكاية كل البشر. كلنا أبطال «الحرافيش»، وكلنا أبطال «الإخوة كارامازوف»، لأن هذه الحكايات تمثلنا جميعًا، ليس لأنها الأفضل، ولكن لأنها أبرزت الأفكار بصورة عميقة.

■ هل تبدأ الرواية عندك من فكرة فلسفية، أم من صورة، أم من شخصية، أم أن لكل رواية نقطة انطلاق مختلفة؟
- الإجابتان صحيحتان. أنا أكتب وفق مشروع، تضيف فيه كل رواية لبنة إلى الرواية التى سبقتها، وتمهد للرواية المقبلة. لذلك ففكرة المشروع القائم على أسئلة بعينها موجودة، مثل أسئلة الهوية والذاكرة والنسيان، وهى أسئلة ثابتة أناقشها كل مرة من مدخل مختلف.
أما النقطة الأخرى، فهى أن المداخل تختلف. فالمدخل فى «الحياة الثانية لقسطنطين كفافيس» هو التاريخ، لأنها شخصية عاشت فى زمن سابق، لكن كيف يتحول هذا النص التاريخى إلى نص يشير إلى أسئلة الحاضر؟
أما «طعم النوم»، فمدخلها الأدب، لأنها معارضة لرواية «منزل الجميلات النائمات» لـ«كاواباتا» ورواية «ذاكرة غانياتى الحزينات» لـ«ماركيز». تخيل أننى كتبت «طعم النوم» استنادًا إلى نصوص أدبية، لكن من خلالها كتبت عن الواقع، وعلاقة الفرد بالمدينة، وهى الإسكندرية. بينما «الأرملة تكتب الخطابات سرًا»، فمدخلها مدينة دمنهور.
كل رواية لها مدخل، أحيانًا يكون فكرة، وأحيانًا الواقع، وأحيانًا الأدب. وهذا ما يجعل كل رواية مختلفة عن الأخرى. هناك كُتَّاب يكتبون طوال الوقت الرواية نفسها. التنوع مطلوب، ولكن ضمن أسئلة حارقة ومُلِحة لا أمل التفكير فيها.

■ من خلال كتابتك لرواية «الحياة الثانية لقسطنطين كفافيس».. هل ترى أن الروائى قادر على كشف حقيقة قد يعجز عنها المؤرخ؟
- نعم. لماذا نكتب التاريخ كرواية إذا كان موجودًا فى الكتب؟ نكتبه لأن لدينا شيئًا جديدًا لم يقله المؤرخ. هذا الشىء يتفرع؛ فهناك المسكوت عنه فى التاريخ، ونريد أن نكشفه، وأحيانًا لأننا نرى أن التاريخ نفسه كذبة، وأن فيه ثغرات وأماكن غامضة. لذلك نكتب لكشف المسكوت عنه، أو لإعادة قراءة التاريخ نفسه، ومحاولة الكشف عن أبطال جدد.
المؤرخون يكتبون عن الأبطال: نابليون وهتلر وجمال عبدالناصر وجيفارا. أما الرواية فتنحت فى الأشخاص العاديين، لتجعل منهم أبطالًا حقيقيين، وتمنحهم عروشًا لم تكن لهم فى الواقع.
لذلك فهناك دور مهم جدًا للرواية التاريخية، وهو عدم الاستسلام للتاريخ واعتباره مقدسًا، ومن ثم إعادة قراءة الواقع، لأننا فى العالم العربى أسرى للتاريخ، وحتى حاضرنا هو امتداد تاريخى. فتفكيك التاريخ، وفق هذه الرؤية، هو إعادة تفكيك للحاضر.
لكن لا يعجبنى ما يُكتب فى الرواية التاريخية حاليًا، لأنه لا يحقق هذه الشروط، فقد تحولت إلى رواية تسلية و«بيست سيلر»، وأصبحت الأماكن التاريخية مجرد «بلاتوهات» جميلة لقصص حب ساذجة. ليست هذه هى الرواية التاريخية كما يكتبها العالم، فى نصوص أورهان باموق وغيرها.

■ بالتطرق إلى الذاكرة والنسيان كما ذكرت.. هل الرواية لدى طارق إمام هى فعل مقاومة لهذا النسيان؟
- الرواية بالنسبة لى فعل مقاومة بوضوح. مقاومة للنسيان، لأن الرواية تعيد إحياء الذاكرة، سواء كانت ذاكرة الفرد، أو الذاكرة الجمعية للشعب، أو الأمة أو الجماعة أو العرق.
إحياء الذاكرة سؤال مُلِح لدى كثير من شخصياتى، فهم يصابون بفقدان الذاكرة، وينسون كثيرًا. وبالمناسبة، أنا ذاكرتى ضعيفة جدًا، ولذلك أسأل دائمًا: ما السبيل إلى استنهاض الذاكرة؟ وأرى أن الأدب يؤدى هذا الدور الكبير.
فمثلًا، قاهرة نجيب محفوظ لم يعد لها وجود الآن، فأين «زقاق المدق» و«خان الخليلى»؟ لكن سردية نجيب محفوظ حافظت على القاهرة فى صورتها الفنية. وكذلك رواية «عوليس» لـ«جيمس جويس»، فقد قيل عن مدينة دبلن التى تدور فيها أحداث الرواية: «لو مُحيت من على سطح الأرض، لأمكن لمن قرأ (عوليس) أن يعيد تشييدها كما كانت».
إذن، سؤال الذاكرة مهم وحيوى، خاصةً فى ثقافة مثل ثقافتنا، أعتقد أنها تعانى ضعفًا فى الذاكرة إلى حد ما، وتحتاج إلى تنبيه دائم بضرورة التذكر.

■ فى رأيك، ما الذى يمكن أن تضيفه تقنيات جديدة، مثل «الذكاء الاصطناعى»، للرواية المصرية والعربية؟
- أحب مواكبة كل جديد، لكن دخول «الذكاء الاصطناعى» فى مضمار الكتابة أراه كارثيًا. الكتابة فعل إنسانى، وهناك أشياء تقوم على إنسانية الإنسان، ولذلك لا أؤمن بمساهمة «الذكاء الاصطناعى» فى كتابة النصوص. أن يتدخل «الذكاء الاصطناعى» فى نص أدبى، فأنا أراه جريمة، ولذلك أفضل أن أكون كاتبًا قديمًا فى هذه الحالة.
■ كيف تنظر إلى «المشهد الروائى المصرى» اليوم؟ هل نحن أمام تنوع حقيقى فى الأصوات أم تكرار لطرائق الكتابة؟
- أرى أن الرواية العربية تعيش طفرة هائلة، وفى قلبها الرواية المصرية، وهذا ليس شوفينية ولا انحيازًا أعمى. فالرواية المصرية هى الأكثر تتويجًا، والأكثر مغامرة، والأكثر خوضًا فى التقنيات الحديثة.
نحن فى لحظة منتعشة، سواء على مستوى التقنيات أو الموضوعات، والحقيقة أن الموضوعات تفرض نفسها علينا. فموضوع «الذكاء الاصطناعى»، مثلًا، يمكن أن يكون موضوعًا لرواية، وأحيانًا أقول: «لو كان نجيب محفوظ حيًا لشعر بالذهول».
لكن هذه الطفرة مُحاطَة بخطرين: أولهما ما يسمى بـ«الأعلى مبيعًا»، والكتابة التجارية السهلة والتافهة، وهى مسئولية تتحملها دور النشر أيضًا. واللهاث وراء هذه الظاهرة خطر، وأنا لا أصادرها، فمن حقها أن توجد فى خانتها، لكن لا يصح أن نقارن كاتبًا رفيع المستوى بكاتب تجارى، تمامًا كما لا نقارن كرة اليد بكرة القدم لمجرد أن كلتيهما تستخدم الكرة.
أما الخطر الثانى، فهو الانتباه المفرط لفكرة الجوائز. وهناك فرق كبير بين أن تحصل على جائزة بنصك، وبين أن تكتب نصًا خصيصًا ليناسب جائزة، وفق وصفة خفية. وكلامى ينطبق على كل الجوائز، وصولًا إلى «نوبل».
فى المقابل، هناك واقع عربى ثرى، فهناك حجى جابر وسعود السنعوسى وربيع جابر وبثينة العيسى، وفى مصر، ما شاء الله، العدد كبير جدًا.
■ بعد القصة والأقصوصة والنقد.. ما الذى تعتقد أن الرواية وحدها تستطيع أن تقوله، ولا يستطيع أى فن آخر أن يقوله بالطريقة نفسها؟
- هذا سؤال المصير. القصة فن عظيم، لكن سؤالها ليس سؤال المصير. الرواية هى فن النهايات. حين تفكر فى رواية، فإنك تفكر كيف سيحيا أبطالها وكيف سيموتون. لا يوجد فن يقابل الرواية فى طرحها، فهى تمثيل للعالم كله، وحين تقرأها فإنك تقرأ حياة كاملة. السينما تفعل ذلك أيضًا، لكنها فى النهاية فن روائى، أو رواية مرئية.
■ هل يمكنك أن تتخلى عن رواية كاملة أو فكرة أحببتها لأنها لم تحقق ما كنت تريده فنيًا؟
- نعم، لدىّ ٣ مخطوطات لروايات شبه مكتملة، لم أدفع بها إلى النشر، لأننى شعرت أنها لا تقول ما أريده. وكل فترة أعود إليها فأجد فيها شيئًا ناقصًا. الكُتابة تشبه عملية الولادة؛ فهناك طفل يولد مريضًا أو ميتًا، والرواية كذلك.

■ ألا تعتبر أن تنقيحك للروايات
خيانة للقارئ الأول؟
- هناك مدرسة ترى أن العمل يجب أن يُنشر كما نُشر أول مرة، ومدرسة أخرى ترى أنه يمكن تنقيحه. أنا لا أعيد كتابة العمل أو تحريره، لكننى قد أزيل جملة أو كلمة. وما دمت على قيد الحياة، وهناك شىء يمكننى تحسينه، فلماذا لا أفعل؟
الدكتور محمد المنسى قنديل يقول إن كل طبعة تختلف عن الأخرى، وقد تعلمت هذا منه. أنا من أنصار إن العمل قابل للتنقيح فى حدوده الأصلية، لكن لا يصح أن يصل التنقيح إلى حد يجعل القارئ يقرأ رواية مختلفة عن تلك التى قرأها سابقًا.

■ حين تمسك رواياتك الأولى.. ما الشعور الذى يعتريك عند قراءتها؟
- شعور بالرعب. حين أقرأ ما كتبت لا أجد سوى العيوب. منذ نحو 3 أعوام أعادت دار «الشروق» نشر 4 روايات لى، فراجعتها، وأدخلت عليها تعديلات جميعها، لأننى أرى جملة زائدة هنا، وكلمة يمكن استبدالها هناك.
أنا ممن ينظرون إلى الخلف بغضب، ولا أحب أبدًا قراءة عمل صدر لى، لأننى لا أرى فيه سوى المثالب، ولم أنبهر يومًا بما كتبته، وهذا ما يجعلنى أكتب جديدًا، لكى أصلح ما سبق أن كتبته.
■ ما الذى يعنيه السيد إمام فى حياة طارق إمام؟
- السيد إمام ليس فقط أبى، بل هو أستاذى ومعلمى، وهو من علمنى الوطنية. كان أحد رموز الحركة الوطنية فى السبعينيات، ويساريًا معروفًا بمواقفه النضالية، وموقفه من القضية الفلسطينية معروف للجميع. لقد شربنى حب القضية، وصفحتى مليئة ببيانات تشجب الاحتلال، وبالصور والنصوص الداعمة لفلسطين






