خطوة للأمام.. شريف بكر مؤسس مبادرة «أصوات عربية»: طموحى أن تحقق كتاباتنا اختراقات عالمية
- تساعد الكتاب والناشرين على تقديم أعمالهم بصورة احترافية
- طورت الفكرة من كتالوج ورقى لمنصة إلكترونية مستدامة يمكن تحديثها باستمرار
- التحديات الحقيقية تمثلت فى التمويل واختيار الأعمال والتسويق
فى الوقت الذى تتزايد فيه الترجمات الفردية للأدب العربى، يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن للأدب العربى أن يصل إلى القارئ العالمى بصورة احترافية ومستمرة؟.
من هذا السؤال انطلقت مبادرة «أصوات عربية»، على يد الناشر والمترجم شريف بكر، مدير دار العربى للنشر والتوزيع، لتكون منصة لتعريف الناشرين الأجانب بأبرز الأعمال العربية القابلة للترجمة، وتسد فجوة كثيرًا ما عانى منها الأدب العربى فى مخاطبة العالم بلغته.
فى حواره مع «حرف»، يتحدث شريف بكر عن كواليس تأسيس المبادرة، ومعايير اختيار الأعمال، ودور الجوائز، ومستقبل الترجمة فى ظل الذكاء الاصطناعى، ورؤيته لموقع الأدب العربى على خريطة النشر العالمية.

■ بدايةً.. ماذا يمكنك أن تقول عن مبادرة «أصوات عربية»؟.. وكيف بدأت الفكرة؟
- جاءت الفكرة فى الأساس من مشاركاتى فى معارض الكتب الدولية، إذ كان يتكرر أمامى سؤال من الناشرين الأجانب عن أعمال عربية تصلح للترجمة، وحين كنت أرشح لهم كتابًا أو رواية، كانوا لا يكتفون بترشيحى، بل يريدون قراءة معلومات موثقة عن العمل والكاتب، حتى يتمكنوا من اتخاذ قرار بشأنه.
المشكلة أن معظم الأعمال العربية لا تتوافر عنها مواد باللغة الإنجليزية؛ فلا توجد مقالات نقدية، أو تعريفات، أو ملخصات احترافية، وحتى إذا أرسلت لهم مقالات عربية مترجمة، لا يكون ذلك كافيًا. فالناشر الأجنبى يحتاج إلى معلومات واضحة، ووسائل للتواصل مع الكاتب أو الناشر، ويريد أن يكوّن صورة متكاملة عن العمل.
فى البداية حاولنا تنظيم لقاءات مباشرة بين الناشرين الأجانب والكتاب العرب، لكننا اكتشفنا أن الأمر لا يكفى. فكثير من الكُتاب لا يملكون مواد تعريفية باللغة الإنجليزية، وبعضهم لا يجيد اللغة أصلًا، وقد لا يعرف أى أعماله أكثر ملاءمة للنشر خارج العالم العربى، وربما يرشح عملًا يفضله شخصيًا، بينما تكون هناك أعمال أخرى أكثر قابلية للوصول إلى القارئ الأجنبى.
من هنا جاءت فكرة المشروع، لمساعدة الكتاب والناشرين على تقديم أعمالهم بصورة احترافية.
بدأ المشروع عام ٢٠٢٠ من خلال منحة أوروبية، وكانت الفكرة الأولى تتمثل فى إصدار كتالوج ورقى يُوزَّع فى معارض الكتب الدولية. لكننا اكتشفنا سريعًا أن الكتالوج الورقى محدود الفائدة؛ فلا يمكن تحديثه باستمرار، كما أن تداوله عبر وسائل التواصل لا يحقق الهدف المطلوب.
لذلك قررت تطوير الفكرة لتصبح منصة إلكترونية مستدامة، يمكن تحديثها باستمرار، وإضافة أعمال جديدة إليها أو تعديل المحتوى كلما دعت الحاجة، مع الحفاظ على فكرة الاختيار الدقيق للأعمال، بحيث تظل منصة تضم أعمالًا منتقاة بعناية، لا مجرد قاعدة بيانات مفتوحة.

■ متى شعرت بأن الأدب العربى يحتاج إلى مبادرة مثل «أصوات عربية»؟.. وهل جاءت الفكرة من تجربة شخصية فى معارض الكتب الدولية؟
- الفكرة جاءت بالفعل من تجربة شخصية متكررة فى المعارض الدولية، عندما كنت أجد اهتمامًا بالأدب العربى، لكن دون وجود أدوات احترافية تساعد الناشر الأجنبى على التعرف إلى الأعمال والكتاب. أدركت وقتها أن المشكلة ليست فى جودة الأدب العربى، بل فى طريقة تقديمه للعالم.
■ ما أبرز المشكلات والعراقيل التى تواجه المشروع؟
- فى الحقيقة، مشروع مثل «أصوات عربية» ليس مشروعًا مكلفًا للغاية، لكنه يحتاج إلى من يؤمن به ويتحمس له.
الموقع الإلكترونى نفسه ليس معقدًا من الناحية التقنية، ويمكن تحديثه بسهولة، لكننا نحتاج إلى تصميم احترافى يجذب المستخدم ويجعل التعامل معه سهلًا ومريحًا.
أما التحديات الحقيقية فتتمثل فى ثلاث نقاط رئيسية: التمويل الأولى، واختيار الأعمال، ثم التسويق.
فعندما ننتهى من إعداد المنصة واختيار الأعمال، يبقى التحدى الأكبر هو التسويق. وهذه ليست مسئولية المبادرة وحدها، بل مسئولية مشتركة بين الكاتب والناشر أيضًا. فمن الطبيعى أن يشارك كل صاحب عمل فى الترويج له، لأن المبادرة لا تستطيع أن تقوم بكل شىء بمفردها.
هناك أيضًا مشكلة أخرى، وهى غياب جهة تتبنى المشروع ضمن منظومة ثقافية أوسع. فمن الممكن أن نشارك بكتالوج فى جناح مصرى بمعرض دولى، لكن لا توجد آلية واضحة تتيح احتضان مثل هذه المبادرات أو اعتبارها جزءًا من التمثيل الثقافى الرسمى.
للأسف، ما زلنا نفتقد فكرة العمل تحت مظلة واحدة تدعم جميع الأطراف، سواء على المستوى المحلى أو العربى. وغالبًا ما يقتصر الدعم على المبادرات الرسمية، بينما لا يحظى القطاع الخاص بالمساحة نفسها، وهذه إحدى العقبات الأساسية التى نواجهها.

■ اخترت اسم «أصوات عربية»، لا «كتب عربية» أو «ترجمات عربية».. لماذا كان مفهوم «الصوت» هو الأكثر تعبيرًا عن المشروع؟
- اختيار الاسم كان جزءًا مهمًا جدًا من الفكرة، لأن الاسم التقليدى يضيع وسط عشرات المبادرات المشابهة، بينما كنا نبحث عن اسم مختلف وسهل التذكر.
أعتقد أن «أصوات عربية» اسم يحمل دلالة أوسع من مجرد الكتب أو الترجمة. فنحن لا نقدم كتبًا فقط، بل نقدم رؤية وثقافة وصوتًا عربيًا إلى العالم.
حتى على المستوى اللغوى، فإن كلمة Voices بالإنجليزية تحمل وقعًا جميلًا، كما أنها لم تكن مستخدمة فى هذا السياق من قبل.
أنا شخصيًا لم أعد أنظر إلى ما نقدمه باعتباره كتبًا فقط، بل محتوى ثقافيًا يمكن أن يمتد إلى مجالات متعددة. نحن لا ننقل كتابًا فحسب، بل نحاول نقل الثقافة العربية بكل ما فيها.
■ ما السؤال الذى تحاول المبادرة الإجابة عنه فى جوهرها: «كيف نترجم؟» أم «ماذا نترجم؟» أم «كيف نصل إلى القارئ العالمى»؟
- فى الحقيقة، السؤال الأساسى هو: كيف نجعل العالم يسمع صوتنا؟ أنا أؤمن بأن لدينا كتابًا عربًا يكتبون أعمالًا لا تقل جودة، بل ربما تتفوق على كثير من الأعمال التى تُترجم من لغات أخرى. لكن المشكلة أنهم لا يحصلون على الفرصة المناسبة.
لا أدعى أننى أعرف على وجه اليقين ما الذى يريده القارئ الأجنبى، لأن الأذواق تختلف. فما يعجبنى قد لا يعجب غيرى، وما تراه أنت عملًا استثنائيًا قد يراه شخص آخر أقل أهمية.
لذلك لا أريد أن أفرض ذائقتى الشخصية، بل أريد أن أتيح أكبر عدد ممكن من الفرص أمام الأعمال العربية، وأن تتوافر هذه الأعمال بصورة احترافية تتيح للناشر الأجنبى أن يختار بنفسه.
■ كيف تختارون الأعمال التى تدخل المنصة؟.. وما المعايير التى توازن بين القيمة الأدبية وإمكانات الانتشار العالمى؟
- تعتمد عملية الاختيار على مجموعة من المعايير التى نرى أنها ضرورية فى العمل المرشح. من بينها ألا يكون العمل طويلًا جدًا أو قصيرًا جدًا، وأن تكون لغته قابلة للترجمة وليست شديدة التعقيد، وألا يكون قد مضى على صدوره وقت طويل، فنحن نفضل الأعمال الصادرة خلال السنوات الخمس الأخيرة.
كذلك نبحث عن الأعمال التى تمتلك قابلية للانتقال إلى القارئ العالمى، سواء كانت أعمالًا ذات طابع محلى، لكنها تحمل مضمونًا إنسانيًا يمكن أن يتفاعل معه القارئ فى أى مكان، أو أعمالًا تعالج موضوعات يبحث عنها العالم أو تسد فراغًا فى سوق الترجمة.
كنا دائمًا نسأل أنفسنا أثناء الاختيار: هل يمكن أن نرى هذا الكتاب مترجمًا على رفوف المكتبات إلى جوار الأعمال العالمية؟ نحن جميعًا نزور المكتبات فى الخارج ونطالع ما يُترجم من أمريكا اللاتينية، ومن الدول الاسكندنافية، ومن شرق أوروبا وآسيا، ونحاول أن نفهم ما الذى يلفت انتباه الناشرين هناك، ثم نبحث عن أعمال عربية تمتلك الإمكانات نفسها.
لكن فى الوقت نفسه، لا أبحث فقط عن أعمال تجارية تحقق مبيعات. طموحى أن نجد عملًا عربيًا يحقق اختراقًا عالميًا، حتى لو وصل يومًا إلى قائمة الأكثر مبيعًا فى صحيفة «نيويورك تايمز». ليس لأن هذه القائمة هى المعيار النهائى للجودة، إنما لأن وجود عمل عربى فيها سيجذب الأنظار إلى الأدب العربى كله، وسيجعل الناشرين يسألون: ماذا لديكم أيضًا؟
حدث ذلك مع آداب كثيرة حول العالم، مثل الأدب الهولندى أو الأدب الإسكندنافى، الذى دخل إلى الأسواق العالمية عبر روايات الجريمة، ثم لم يعد الاهتمام مقتصرًا على هذا النوع، بل امتد إلى أعمال أخرى، لأن العلاقة بين الناشرين أصبحت قائمة ومستقرة. وهكذا تبدأ صناعة النشر؛ تنجح بعمل واحد يفتح الباب، ثم تستمر بعد ذلك.

■ كيف تنظر إلى ظاهرة ترجمة الأعمال العربية بعد فوزها بالجوائز فقط؟.. وهل أصبحت الجوائز بوابة شبه إلزامية للعالمية؟
- فى الحقيقة، الجوائز العربية أفادتنى كثيرًا فى عملية الاختيار، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأعمال الصادرة خارج مصر، لأننا كثيرًا ما نتعرف إلى كتاب وأعمال جديدة من خلال الجوائز، سواء فازوا بها أو وصلوا إلى قوائمها القصيرة أو الطويلة، لولا هذه الجوائز، ربما ما كنا لنتعرف إلى كثير من الأسماء والأعمال المهمة.
كما أن بعض الجوائز، مثل جائزة الشيخ زايد للكتاب أو الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر»، تقدم منحًا للترجمة، وهو ما يمنح العمل فرصة أكبر للوصول إلى الناشر الأجنبى.
وعندما يرى الناشر الأجنبى أن العمل حاصل على جائزة مرموقة، فإن ذلك يمنحه قدرًا من الثقة، لأنه يدرك أن هناك لجنة متخصصة قرأت العمل ورأت أنه يستحق التقدير. وهذا لا يعنى أن الجوائز وحدها هى المعيار، لكنها بالتأكيد تمنح العمل أفضلية، خاصة إذا كان الناشر لا يعرف العربية، ولا يستطيع تقييم النص بنفسه.

■ بعد توسع المبادرة لتشمل ٢١ دولة عربية، ما أكثر ما فاجأك فى تنوع الأصوات العربية؟.. وهل اكتشفت مناطق أدبية كانت غائبة عن المشهد المركزى؟
- توسيع المبادرة لتشمل إحدى وعشرين دولة عربية كان أمرًا مهمًا بالنسبة لى. فى البداية كنت أتمنى أن تضم جميع الدول العربية، لكن ظروف المرحلة الأولى فرضت علينا التركيز على عدد محدد، وكانت هناك قيود مرتبطة بالمنحة. أما اليوم، ومع إطلاق الموقع الإلكترونى، أصبحت لدينا مساحة أوسع لتحقيق هذا الهدف.
التحدى الحقيقى كان فى البحث عن الأصوات الجديدة، خاصة فى دول مثل موريتانيا وجيبوتى والسودان وغيرها. هناك أسماء معروفة بالطبع، لكننا أردنا أيضًا أن نمنح الفرصة لأصوات لم تنل حقها بعد.
■ النشر فى النهاية صناعة لها حسابات مالية.. كيف يمكن لمشروع ثقافى مثل «أصوات عربية» أن يوازن بين الرسالة الثقافية والاستدامة الاقتصادية؟
- هذا فى الحقيقة أحد أهم الأسئلة التى طُرحت علينا أثناء التقدم للحصول على المنحة، وهو: كيف ستضمنون استدامة المشروع؟
أرى أن المشروع ليس مكلفًا بعد مرحلة التأسيس. فالتكلفة الأكبر تكون فى تصميم الموقع وتجهيزه، ثم تأتى بعد ذلك مصروفات الاستضافة والصيانة، وهى تكاليف محدودة نسبيًا. وقد وضعنا فى الميزانية ما يغطى السنوات الثلاث الأولى على الأقل.
وأتمنى أن تجد المبادرة لاحقًا جهات تؤمن بها وتدعمها، أو أن تتوافر فرص جديدة لتطويرها وتوسيعها.
لكن الأهم بالنسبة لى هو أن تظل المبادرة مستقلة. فنجاحها يعتمد على استقلالية الاختيارات، وألا تخضع لتدخل أى جهة أو مؤسسة.
فى الخارج يفضل الناشرون دائمًا المبادرات المستقلة، لأنهم يثقون بأنها تعتمد على معايير مهنية، بينما يشعرون أحيانًا بأن المؤسسات الرسمية قد تخضع اعتبارات الاختيار فيها لحسابات أخرى غير القيمة الأدبية. لذلك أعتقد أن استقلالية المشروع تمنحه فرصًا أكبر للنجاح.
■ فى عصر الذكاء الاصطناعى والترجمة الآلية.. هل سيبقى المترجم الأدبى ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها؟
- أعتقد أن الذكاء الاصطناعى حقق تطورًا هائلًا، خاصة فى الترجمة غير الأدبية، وأصبحت دقته تتجاوز تسعين فى المائة، ولا يحتاج فى الغالب إلا إلى مراجعة بسيطة، بل إن هذه الحاجة تتراجع مع تطور الأدوات.
أما فى الترجمة الأدبية، فهو يتحسن باستمرار أيضًا، لكنه لم يصل بعد إلى المستوى الذى يمكنه من الاستغناء عن المترجم البشرى. لا يزال يحتاج إلى متابعة ومراجعة، لأن الأدب يعتمد على الحس والأسلوب والنبرة، وهى أمور يصعب نقلها آليًا بصورة كاملة.
ومع ذلك، لا أرى أن الذكاء الاصطناعى يمثل نهاية للمترجم الأدبى، بل أراه أداة مساعدة. فمثلًا، إذا أراد ناشر أجنبى التعرف إلى عمل عربى لم يُترجم بعد، يمكنه استخدام أدوات الذكاء الاصطناعى لفهم محتوى الكتاب، أو ترجمة فصل منه، أو طرح أسئلة حول أسلوبه وموضوعه، وهذا يوفر عليه كثيرًا من الوقت.
كنا نتحدث عن هذا الأمر فى مؤتمر الناشرين الدولى الذى عُقد مؤخرًا فى كوالالمبور، وكانت هناك تجربة لتطوير الترجمة بين اللغات الكرواتية والصربية والبوسنية وغيرها، وقد وصلت نسبة الدقة إلى نحو 85٪. وهذا يساعد اللغات التى تعانى نقصًا فى عدد المترجمين.
وأتصور أن المستقبل سيجعل الذكاء الاصطناعى يتولى الترجمة الأولية، بينما يصبح دور المترجم هو المراجعة والتحرير الأدبى. وهذا سيجعل الترجمة أسرع وأقل تكلفة، ويمنح الناشرين فرصة لترجمة عدد أكبر من الكتب.






