الأحد 27 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

صفر فاصل خمسة.. أحمد القرملاوى: «السوشيال ميديا» أفيون العصر!

حرف

- الذكاء الاصطناعى يمارس دورًا شبيهًا بالإله تجاه الإنسان المعاصر

- شخصية «عمر» مستوحاة من «عمر الحمزاوى» بطل «الشحاذ» لنجيب محفوظ

- أثناء الكتابة وجدتُ نفسى متورطًا فى عالم «الريلز» والواقع الافتراضى 

- لا أحب التكرار ولا أضع توقعات القراء فى اعتبارى 

فى روايته الجديدة «صفر فاصل خمسة» الصادرة عن دار ديوان للنشر، يقترب الروائى أحمد القرملاوى من واحدة من أكثر التحولات حضورًا فى حياتنا المعاصرة: هيمنة العالم الرقمى والذكاء الاصطناعى على تفاصيل الحياة اليومية، وما يرافق ذلك من أسئلة حول الحقيقة والوهم، والاختيار والإكراه، والتواصل والعزلة، ومعنى أن يعيش الإنسان فى عالم لم يعد من السهل فيه الفصل بين الواقعى والافتراضى.

فى حواره مع «حرف»، يتحدث أحمد القرملاوى عن اللحظة التى ولدت فيها فكرة الرواية، وعلاقة «السأم» بالفراغ الروحى فى عصر المحتوى الرقمى، ودور الذكاء الاصطناعى بوصفه قوة تتحكم فى العالم الافتراضى للرواية.

كما يتوقف عند أسئلة العزلة الإنسانية، وتجربة «عمر»، وشخصية «باتريشيا»، وحضور الصوفية والرقص بوصفهما تعبيرًا عن البحث عن المعنى والتحرر من السكون والعدم، كما يكشف عن رؤيته للكتابة باعتبارها مغامرة ولعبًا واكتشافًا مستمرًا، بعيدًا عن تكرار التجربة أو الاستجابة لتوقعات القراء.

■ من أين بدأت فكرة «صفر فاصل خمسة»؟

- يصعُب الوقوف على اللحظة أو الموقف الذى تولَد فيه فكرةُ رواية جديدة، لكن فى حالة «صفر فاصل خمسة» بالتحديد وُلِدَت الفكرة من سؤال حول ماهية العالم الذى نعيش فيه، والمحتوى الرقمى الذى يُمطرنا ويستحوذ على انتباهنا فى كل لحظة، لدرجة أن الناس يمشون فى الشوارع وأعينهم مشدودة إلى الشاشات بخيوط الفضول اللا مرئية.

أتحدث مع أبنائى بين الحين والآخر عن ضرورة مطالعة العالم، حتى لو كان عبر زجاج السيارة، أو الانتباه إلى الآخرين أثناء المشى فى الطرقات، أنصحهم بينما أنا نفسى أُطالع شاشة هاتفى كلما أُتيحت فرصة، أو كلما اضطُررت إلى انتظار أى شىء، إشارة مرور أو موعد طبيب أو بداية مباراة؛ مُطالعة بلا هدف ولا غاية إلا النهم والفضول. 

هل الفضول هو أفيون هذا العصر؟ هل هو الوسيلة العصرية للسيطرة على العقول؟ أم أن المادة الرقمية صارت تملأ فراغات الروح فى زمن الطوفان الرقمى؟ من هذه التساؤلات وُلِدَت فكرة الرواية وعالمها. و«السأم» هو الكلمة التى عبَّرتْ بها الرواية عن هذا الفراغ الروحى الذى تستهدفه منصات التواصل، وتسعى لملئه بالمحتوى المخلَّق بالذكاء الاصطناعى.

من هنا بدأت أفكر فى شخصية عمر؛ رجل لديه وظيفة وأسرة وحياة مستقرة، لكنه يفتقد شيئًا لا يعرف مُسمَّاه. والاسم الذى اخترتُه له- عمر الحِجّاوى- مستوحى من عمر الحمزاوى بطل «الشحاذ»، فمعاناته تُشبه المعاناة الوجودية لبطل نجيب محفوظ، لكن فى زمان آخر وسياق شديدة الاختلاف نتيجة التحول الرقمى الذى غيَّر من شكل العالم. 

ثم جاءت فكرة التجربة الافتراضية باعتبارها وسيلة لوضع هذا البطل أمام نفسه، بعيدًا عن روتين الحياة الذى اعتاده والأدوار التى يمارسها على نحو آلِىّ. وهكذا تسللت التكنولوجيا إلى عالم الرواية بصورة طبيعية، لا باعتبارها موضوعًا للكتابة بقدر ما هى أداة للتعبير عن هذا العالم.

 

■ تبدو «صفر فاصل خمسة» مختلفة عن رواياتك السابقة من حيث اقترابها من الحاضر والتكنولوجيا؛ ما الذى دفعك إلى هذه المغامرة؟

- لا أحب التكرار، ولا أضع توقعات القراء فى اعتبارى ولا أشغل نفسى بما ينتظرونه منى فى روايتى التالية. الصفحة البيضاء بالنسبة لى ملعب مفتوح للعب بجميع أشكاله. أنزل ملعب الصفحة البيضاء وأجرب لعبة لم ألعبها فى السابق ولا أعرف إلى أين ستقودنى. أخذتنى «صفر فاصل خمسة» إلى منطقة مختلفة من حيث البناء والشكل والموضوع، لكننى اكتشفت فى النهاية أنها تتقاطع مع أسئلتى القديمة حول ماهية الحقيقة، وحول الإنسان وأزمة الاختيار، وعما يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش.

عنوان «صفر فاصل خمسة» يبدو للوهلة الأولى تعبيرًا رياضيًّا، لكنه داخل الرواية يحمل معنى «عدم اليقين»؛ كيف تحوَّل هذا التعبير إلى مفتاح لفهم عالم الرواية؟

تتكون لغة العالم الرقمى من رقمين، هما «الصفر» و«الواحد»، ويُشار إلى هذه اللغة الأساسية بـ«نظام العد الثنائى». وهذه الثنائية مربكة إلى حد كبير، فكيف لكل هذه الاحتمالات أن تنتج عن رقمَى «صفر» و«واحد»»؟ ولماذا يوحى «الصفر» بمعنى الفراغ أو العدم، بينما يفيد «الواحد» باليقين أو المعرفة المطلَقة؟ 

الرقم «صفر فاصل خمسة» يقع فى المنتصف بين حالتى الشك واليقين، بين الواقع والخيال، بين الحقيقة- لو كان ثمة ما يُدعى حقيقة مطلَقة- والوهم، وهو تعبير أراه دقيقًا عن الحالة التى يعيشها عمر، وعن الأسئلة التى تطرحها الرواية حول الواقع والافتراض، والاختيار والإكراه، والحقيقة والوهم.

نعيش اليوم فى برزخ شبيه بالرقم «صفر فاصل خمسة»؛ لم يعُد سهلًا أن نُشير إلى تجربة باعتبارها حقيقية أو افتراضية على نحو مطلَق، لذلك أطلقتُ هذا الاسم على العالم الذى أردتُ التعبير به عن الحالة الرمادية التى نختبرها اليوم فى كل لحظة.

■ لماذا اخترت أن يكون «السأم» نقطة انطلاق أساسية فى تجربة «عمر»؟

- «السأم» هو القشرة الشعورية التى تُغلِّف حالة الخواء الروحى التى يتعرض لها الإنسان فى كل مكان وزمان؛ السؤال الوجودى حول الماهية والمعنى والموضع من الكون، ينتهى به إلى الشعور باللامعنى والفراغ الروحى، فيسعى إلى تعويضه عن طريق البحث عن المادة والإغراق فى الاستهلاك والسعى إلى امتلاك الأشياء بجوع لا يُمكن إشباعه ولا يتوقف إلا بالانفصال عن الحياة. فى ظاهر الأمر، لا يُعانى عمر من شىء يُذكَر؛ لديه كل ما يفترض أن يجعله هانئًا، لكنه لم يعُد يجد معنى فى الاستمرار فى الروتين الذى يُشكِّل حياته ويصنع ماهيته. لذلك كان «السأم» نقطة انطلاق مناسبة لرحلته، إذ هو المحرك الذى يدفعه إلى البحث عن تجربة غير تقليدية غير معروفة النتائج مسبقًا.

■ عمر محاط بالعالم والناس والتكنولوجيا، ومع ذلك يعيش حالة من العزلة؛ ماذا تقول الرواية عن المفارقة بين كثافة التواصل المعاصر وشعور الإنسان المتزايد بالوحدة؟

- التكنولوجيا أزالت كثيرًا من المسافات بين البشر، لكنها لم تختصر شيئًا من المسافة بين المرء ونفسه، أو بينه وبين المطلَق. بل قد تكون وسَّعت الفجوة، فأن يرى الإنسان أن عقلًا اصطناعيًّا يعرف عنه وعن حياته وتركيبته النفسية وحالته الجسمانية ما لا يعرفه بالضرورة عن نفسه، لهو شىء مُربِك ومخيف أحيانًا. 

إن هذه المفارقة تزيد من شعوره بالاغتراب عن نفسه، وعن الكون الذى يشكِّل جزءًا متناهى الصغر منه. لقد عبَّر شارلى شابلن عن العزلة التى يعيشها الإنسان نتيجة الثورة الصناعية فى فيلم «عصر الآلة»، أو Modern Times، حيث كشف عن حالة الاغتراب التى يُعانيها الشخص بسبب انفصاله عن نتيجة عمله. 

تواجهنا اليوم آلة أشد ضخامة بكثير من الآلة التى ابتلعت بطل الفيلم بين تروسها؛ إنها آلة الذكاء الاصطناعى، الذى يُمارس دورًا مخيفًا شبه ربوبىّ مع الإنسان المعاصر، فيطَّلع على خائنة نفسه وما يُخفى صدره، ويُقدِّم له نفسه باعتباره صاحب معرفة كلية ومطلَقة، قادرًا على التواصل معه فى أدق أموره وأكثرها سرية.

■ إلى أى مدى كان الذكاء الاصطناعى تقنية سردية داخل الرواية، وإلى أى مدى أصبح شخصية أو قوة مؤثرة فى مسار الحدث؟

- العقل الاصطناعى هو السلطة المهيمنة على الواقع الافتراضى الذى ينتقل إليه عمر، ظانًّا أنه يفعل ذلك بمحض إرادته، لذا فهو الذى يضع شروط اللعبة ويرسم مسار الأحداث، على الرغم من ادعائه امتلاكَ عمر لإرادة نافذة، وأن الأحداث تتشكل وفقًا لاختياراته ونتيجةً لتصرفاته ومشاعره. 

هذا بالنسبة لدوره فى توجيه مسار الحدث. أما بالنسبة للتقنية السردية، فقد وجدتُ نفسى متورطًا أثناء الكتابة فى العالم الذى أعيد تشكيله على يد الذكاء الاصطناعى؛ عالم «الريلز» والواقع الافتراضى والفيديوهات القصيرة المخلَّقة والطوفان الرقمى، الذى يُغرق العالم الذى لطالما عرفناه، ويُعيد تشكيل الواقع وترسيم المعايير الجمالية والأخلاقية.

العقل الاصطناعى كما يظهر فى الرواية ليس شرًّا محضًا ولا خيرًا يحمل وعودًا للمستقبل. ما يهمنى هو علاقته بالإنسان: ماذا يحدث حين يكون لدينا نظام بإمكانه الوقوف على نقاط ضعفنا والتعرف على نوازعنا ورغباتنا الدفينة، وربما قراءة أفكارنا التى لا نُفصِح عنها؟

■ هل كان استخدام العالم الافتراضى والذكاء الاصطناعى محاولة لاستشراف المستقبل، أم للكشف عن أزمات إنسانية موجودة بالفعل؟

- أنا أقل اهتمامًا باستشراف المستقبل من اهتمامى باستيعاب اللحظة الراهنة. التكنولوجيا فى الرواية تبدو مستقبلية بدرجة ما، إلا أنها واقعية تمامًا ومُتاحة اليوم بطريقة أو بأخرى. 

أما المشاعر التى تحرك الشخصيات فقديمة قِدَم الملاحم الأولى والأساطير المتوارثة عبر الأجيال: الخوف، والرغبة، والوحدة، والحاجة إلى إضفاء معنى على الحياة؛ وُلِدَت هذه الأزمات مع ولادة الجنس البشرى نفسه، وأتصوَّر أن الأدب هو فن التعبير عن هذه المشاعر وتجسيدها وتوليد الصراع من تقاطعها. والسؤال الذى ظل يشغلنى أثناء الكتابة هو: لو صار بإمكاننا صناعة تجارب كاملة ومقنعة داخل عقولنا، فكيف سيتغير مفهوم التجربة الإنسانية نفسه؟

■ «باتريشيا» تنفق من مالها وتبحث عن جمهورها بنفسها، وكأنها ترفض انتظار اعتراف الآخرين بها؛ هل كنت تناقش من خلالها هوس المبدع المعاصر بالمشاهدة والحضور والتفاعل؟

- ثمة جانب فى شخصية «باتريشيا» يعكس رغبتها فى الشهرة وحث الجمهور على التفاعل معها، وهو أمر لا أراه مقصورًا على المبدع المعاصر فحسب. لكن ثمة جانب آخر يريد التمرد على الواقع؛ على مهنتها التى تجعل منها مجرد دمية، أو قطعة ديكور تُزيِّن المكان من دون أن يخُصَّها أحد باهتمام أو تقدير خاص. إنها شبيهة بعازف البيانو الذى يُقدِّم معزوفات بديعة ومُعقدة، على هامش عشاء ينخرط الناس أثناءه فى أحاديث شائقة، فلا ينتبهون إلى العازف إلا حين تتوقف أصابعه عن اللعب.

لقد أنفقتْ باتريشيا من مدخراتها حتى تخوض رحلتها الخاصة، وتوقفتْ عن أداء مهنتها التى لا تُشبع شغفها بالفن بحثًا عن التحقق والوقوف فى موضع البطولة، فى عالم تُقاس فيه قيمة العمل الفنى بعدد المشاهدات والإعجابات والتفاعلات. ولا أريد الحُكم على هذا العالم بقدْر ما أسعى لفهمه واستيعاب أبعاده.

■ تحضر الصوفية فى الرواية بصورة مختلفة عن حضورها التقليدى؛ كيف تشكلت رؤيتك لما يمكن تسميته «صوفية حداثية»؟

- السؤال الوجودى حاضر فى كل زمان ومكان. الصوفية هنا حالة اتصال مع المطلَق ومحاولة للإجابة عن السؤال الوجودى، والنزعة الصوفية التى يُمكن استشفافها فى الرواية هى نتيجة لرحلة البحث عن شىء يتجاوز العالم المادى المباشر، وليس بالضرورة شكلًا من أشكال الممارسة الدينية.

بإمكان هذه النزعة أن تتحاور مع عالم التكنولوجيا. قد يبدو الأمر متناقضًا للوهلة الأولى، فثمة شخص يرتدى نظارة محاكاة تنتقل به إلى واقع افتراضى، وفى الوقت نفسه يبحث عن المطلَق والمعنى الذى يتجاوز الظاهر، لكن أليس الظاهر والباطن حاضرين فى الواقع الافتراضى بنفس الدرجة؟ هنا تكمن تجربة عمر الحِجّاوى بطل الرواية.

■ الرقص والحركة والبحث عن المطلق تتقاطع فى بعض مستويات الرواية؛ كيف وظفت هذه العناصر للتعبير عن الرحلة الروحية والنفسية للشخصيات؟

- لطالما ارتبطت الموسيقى والإيقاع والأداء الحركى بالطقوس الدينية، لذا فتقاطع هذه العناصر مع رحلة البطل الروحية ليست غريبة على الإطلاق. إلا أن الرقص فى رحلة عمر وباتريشيا له وجه مجازى تعبيرى يتعلَّق بالحياة، فالتوقف عن الحركة إشارة إلى الموت، أما الحركة فنبض وتدفُّق للدماء وانقباض للعضلات، وكلها إشارات على استمرارية الحياة. كما أن الحركة الإيقاعية فى طقوس بعض الفرق الصوفية هى أداة للاتصال مع المطلق، وطريقة للانسجام مع حركة الكون والكواكب والأجرام.

مع بداية الرواية، نرى عمر يعيش حياة روتينية تميل إلى الثبات والاستقرار، وقلة الحركة والتغيير تقترب به من حالة الموات. أما فى أثناء الرحلة فلا يتوقف عمر عن الحركة، الصمت والسكون هى لحظات انتقاله فيما بين العالَمين الواقعى والافتراضى، أما سائر اللحظات فحركة متواصلة، سواءً كانت رقصًا أو ركضًا أو مطاردة أو هروبًا، باستثناء الفترة البينية التى تعرَّض خلالها للاحتجاز، فكان فى حالة شبيهة بالموت والانقطاع عن الزمن.

لهذا يمكن النظر إلى الرقص باعتباره وسيلة للتحرر من قبضة الموت والفكاك من العدمية التى تهدد وجود عمر منذ بداية الرواية. وعلى النقيض، نجد باتريشيا الواثقة من حركتها والمرتاحة داخل جسدها والتى تتعامل معه باعتباره وسيلة للتعبير والانطلاق والتأكيد على وجودها وقدرتها على دفع الأحداث حيث تريد. إذًا فالرقص فى إطار رحلة عمر وباتريشيا رمزٌ للوجود وللاختيار، للقدرة على دفع الحياة فى الاتجاه المرغوب، وهو نقيضٌ للسكون والاستسلام والموات.

■ كيف يحافظ الكاتب على متعة المغامرة من دون أن يفقد السيطرة على البناء الروائى؟

- أعتقد أن الكاتب يحتاج إلى ممارسة أدوار متنوعة فى مراحل مختلفة من الكتابة. يُجرى تدريبات الإحماء ثم يترك نفسه للعبة تذهب به حيث تشاء، ثم يخرج من الملعب ويُعيد مشاهدة المباراة التى شارك فيها من مقعد المتفرجين، لتقييم ما إن كانت شيقة بدرجة كافية. وحبذا لو مارس بعد ذلك دور الناقد والمحلل الذى يقف على نقاط القوة والضعف ومواطن التطوير الضرورية. على الكاتب أن يعى جيدًا هذه الأدوار وأن يُحسِن التفريق فيما بينها؛ إنها الأدوار التى تُشكِّل عملية الكتابة من وجهة نظرى، وحرية الكاتب لا تعنى بالضرورة غياب قواعد اللعبة، وإنما القدرة على انتخاب القواعد الأكثر ملاءمة لطبيعة تجربته.