نساء آل تيودور.. عائشة خليل عبدالكريم: حكايتى عن ملك مسيحى تزوج 6 سيدات وعارض الكنيسة
- هنرى الثامن أعدم النساء اللواتى دافعن عن عقيدتهن الكاثوليكية أمامه
- ملكات هنرى الثامن لم يكن جميعًا خاضعات ومستسلمات
- حاولت أن أقدم العصر التيودورى بعيدًا عن سيطرة البطولات الذكورية
- إنجلترا استخدمت جسد المرأة طوال تاريخها لتثبيت التحالفات!
لم يكن العصر التيودورى مجرد حقبة عابرة فى تاريخ إنجلترا؛ فعلى امتداد نحو قرن، شهدت البلاد تحولات سياسية ودينية واجتماعية كبرى، ارتبط كثير منها باسم الملك هنرى الثامن وزوجاته، ثم بالملكة إليزابيث الأولى، لكن خلف الأسماء الشهيرة والملوك الذين تصدروا كتب التاريخ، ظلت حكايات نساء كثيرات فى الظل، رغم أن بعضهن امتلكن القدرة على التأثير فى القرارات السياسية والدينية، ودفع الأحداث فى اتجاهات غيرت مسار التاريخ.
فى كتابها «نساء آل تيودور»، الصادر عن دار ديوان للنشر، تعيد الكاتبة والباحثة الدكتورة عائشة خليل عبدالكريم قراءة تلك الحقبة من زاوية مختلفة، تجعل المرأة فى قلب الحدث، بعيدًا عن الصورة التقليدية التى تقدمها بوصفها مجرد زوجة للملك أو أداة لاستمرار السلالة.
ومن خلال البحث فى الأرشيفات والمصادر التاريخية، تتتبع الكاتبة أدوار نساء امتلكن خيارات محدودة، لكنهن حاولن التفاوض مع السلطة والمجتمع، ودفعن أحيانًا أثمانًا قاسية دفاعًا عن اختياراتهن ومعتقداتهن.
حول الرواية والمصادر التاريخية التى استندت إليها وتفاصيل أخرى، أجرت «حرف» مع الدكتورة عائشة خليل عبدالكريم الحوار التالى.

■ فى مقدمة كتابك تشيرين إلى أن اهتمامك بالعصر التيودورى بدأ منذ سنوات الدراسة؛ ما الذى جعل هذا العصر تحديدًا يظل حاضرًا فى مشروعك البحثى كل هذه السنوات؟
- لقد حكم آل تيودور إنجلترا لنحو قرن من الزمان، وبالرغم من القصر النسبى لدولتهم إلا أن عصرهم يُعد من أهم العصور وأكثرها درامية.
فالعصر التيودورى هو عصر شكسبير ويُعد فترة تأسيسية فى اللغة والأدب الإنجليزيين، ولأهميته درسناه فى المدرسة الثانوية. وأذكر أننى عندما درست إنجلترا فى القرن السادس عشر وجدت الأمر مربكًا، فقد واجهت عالمًا غريبًا بكل أسمائه وألقابه وعاداته وسياساته. وتطلب الأمر منى سنوات وسنوات للإمساك بخيوط هذا العالم، وسنوات أخرى كى أخرجه على الورق.
وهى حكاية درامية مثيرة وأبطالها «نساءً ورجالًا» شخصيات ملحمية. والحكاية عن ملك تزوج ٦ ملكات. ليس ملكًا مسلمًا من القرن العاشر وإنما ملك مسيحى من القرن السادس عشر، والأكثر من ذلك أنه انفصل عن كنيسة روما عندما عارض البابا طلاقه!
ست ملكات يتذكر مآلهن شعر منغم حزين فيقول:
طلقت.. قطع رأسها.. ماتت
طلقت.. قطع رأسها.. نجــت
ولكننا نعرف عن ملكات هنرى الثامن الكثير وليس مجرد مآلهن الحزين، لأن لدينا أرشيفات هائلة عن هذا العصر.
ولأنها حقبة مثيرة ومهمة وموثقة فقد أنتج عنها باللغة الإنجليزية الكثير من الأعمال البحثية وغير ذلك مما أفصله فى الخاتمة «التاريخ كمشروع تجارى»، وهكذا ظل شغفى بالحكاية الذى لازمنى لعقود يتأجج مع كل عمل جديد أطلع عليه، حتى أثمر هذا الشغف عن «نساء آل تيودور».
■ هل كان هدفك أن تقدمى فى الكتاب تاريخًا للمرأة فى العصر التيودورى، أم أن النساء كنّ مدخلًا لإعادة قراءة تاريخ أسرة تيودور من زاوية مختلفة؟
- قدم التاريخ الأوروبى كما قدم التاريخ العربى الإسلامى والمصرى القديم نماذج لسيدات امتلكن العزم والقدرة وخضع لسطوتهن الرجال، ولكننا نحتاج فى العادة للبحث والتنقيب عنهن. فقد تم محو بعضهن بشكل فعلى «كما فعل تحتمس الثالث مع حتشبسوت فى مصر القديمة»؛ ولكن فى الأغلب الأعم تم تجاهلهن فى زخم الرجال الذين حكموا قبلهن وبعدهن.
وبالرغم من ذلك يُمكننا البحث من استخراج تلك النماذج وعرضها وهذا ما فعلته الدكتورة فاطمة مرنسى عندما كتبت «سلطانات منسيات» عمن تسيد من النساء خلال العصر الإسلامى. وقد كنت أتبع نموذجها فاخترت أن أقدم رؤية مختلفة للعصر التيودورى يبتعد عن الأفعال البطولية الذكورية ويضع المرأة فى محور الفعل/ الحدث فملكات هنرى الثامن الست وغيرهن من المعاصرات كن فاعلات مؤثرات كما أسرد فى الكتاب، ولم يكن جميعًا خاضعات مستسلمات كم قد يتصور البعض.

■ إلى أى مدى كانت المرأة فى عصر «تيودور» قادرة على صناعة القرار السياسى، حتى عندما لم تكن تجلس رسميًا على العرش؟
- لا أستطيع القول إن المرأة كانت تصنع القرار السياسى فى عصر «آل تيودور» ما لم تكن جالسة على العرش، ولكننى أقدم فى الكتاب نماذج لنساء حكمن ممالك أوروبية ولعل أهمهن إليزابيث الأولى فى إنجلترا وأخريات حكمن بالوصاية أو من خلف العروش، كما أقدم نماذج سيدات أثرن بمواقفهن فى مجريات التاريخ. فمع أن المشهد مسيطر عليه بالكامل من قَبل الرجال، إلا أننا نطلع على نماذج استثنائية من نساء البيت الملكى تدفع الأحداث وتحركها.
فيمكننا أن نقول إن صمود الملكة كاثرين الأرجونية «ومن خلفها زخم الإمبراطورية الإسبانية» فى وجه الملك هنرى الثامن ورفضها الطلاق المقترح، أدى به إلى الانفصال عن كنيسة روما التى لم تمنحه الطلاق وإعلان نفسه رئيسًا للكنيسة المحلية. فلقد كان موقفها محركًا للموقف السياسى ليس إلا.
■ كان الزواج فى البلاط الملكى الإنجليزى زواج مصالح وصفقات كما ذكرت.. هل معنى ذلك أنه كان أداة سياسية تستخدمها الأسرة لتثبيت التحالفات وتقوية النفوذ؟
- نعم هذا صحيح، وعلى ذلك لم تكن إنجلترا متفردة، فقد استُخدم جسد المرأة على مدار التاريخ كأداة يقوى بها الرجال نفوذهم ويثبتون بها التحالفات بينهم، فهناك مثلا الأميرة الحيثية التى تزوجت الملك رمسيس الثانى لتثبيت التحالف الوليد بين المملكتين بعد عداء وحروب دام عقودًا.
وفى التاريخ القريب، يمكننا أن نرى كيف كان الزواج من بنت العم يحقق هدف عدم تفتيت الثروة الزراعية أو التجارية للعوائل المصرية أى لتثبيت التحالفات وتقوية النفوذ. وهكذا كانت الزيجات فى المجتمعات البطريركية على مدار العصور ومن بينها هذا العصر.
والطريف أننا ما كنا لنعرف عن «آل تيودور» لولا سياسة الزواج تلك المتبعة فى البلاط الإنجليزى. فقد التقت فتاة نبيلة مع فتى أرفع منها مقامًا، ورفضت عائلته الزيجة لأنها لا تأتى بمنافع سياسية أو مالية؛ ثم تدور الأيام وتمر فتلتقى هذه الفتاة بملك يغير من أجلها وجه البلاد. كانت الفتاة تدعى آن بولين، وهى الحبيبة التى فتن بها هنرى الثامن وغير من أجل الزواج بها كنيسة إنجلترا.

■ إلى أى مدى أسهمت المرأة التيودورية فى الصراعات الدينية التى شهدتها إنجلترا بين الكاثوليكية والبروتستانتية؟
- كنت أعرف أن المرأة التيودورية فاعلة فى مجتمعها، ولكننى اكتشفت أنها أسهمت فى الصراعات الدينية التى شهدتها إنجلترا فى ذلك الزمان بين الكاثوليكية والبروتستانتية بأكبر مما كنت أتصور.
وسردت إسهاماتها الدينية فى ثنايا الكتاب، فيتعرف القارئ على كاثرين بارر الملكة السادسة لهنرى الثامن التى كانت كاتبة ونشرت كتابًا فى اللاهوت وآخر فى الأدعية، كما أنها كانت تجمع حولها السيدات ليتدارسن الكتب البروتستانتية؛ مما أوقعها فى مأزق مع الملك هنرى الثامن. ومن ضمن هؤلاء السيدات شاعرة تدعو أسكيو، قبض عليها وتعرضت للتعذيب ثم الحرق، ولكنها لم تتزحزح عن عقيدتها البروتستانتية. وهناك أيضًا سيدات موسرات تبرعن لدعم طباعة وترجمة الكتب البروتستانتية مثل كاثرين وولبى.
ولم تكن إسهامات المرأة التيودورية على الجانب الكاثوليكى أقل من ذلك، فهناك نساء أخريات دافعن عن عقيدتهن الكاثوليكية ضد هنرى الثامن فأعدمهن. كما يتعرف القارئ على الملكة مارى الأولى التى لقبت بالدموية؛ لأنها دافعت عن عقيدتها ولاحقت المخالفين للإيمان الذى تطرحه الكنيسة الكاثوليكية.
وهكذا نرى أن المرأة التيودورية قد أسهمت بالفعل فى الصراع الدينى الذى دار حينئذ بين الكاثوليكية والبروتستانتية، واستطعت بالتنقيب إبراز دورها هذا وبلورته.
■ هل يمكن قراءة تاريخ نساء «آل تيودور» باعتباره تاريخًا للصراع بين المرأة بوصفها إنسانة لها اختياراتها، والمرأة بوصفها أداة لاستمرار السلالة الملكية؟
- هذا سؤال جيد وإجابته المختصرة بنعم، فكما ذكرنا استخدم جسد المرأة على مدار التاريخ لتثبيت التحالفات بين الرجال، ويمكننا أن نضيف أن القدرة الإنجابية للمرأة قد تم استخدامها لاستمرار السلالة الملكية أو البشرية بوجه عام. ومثل هذا التحليل يحتاج إلى عمل تأسيسى وهو ما أقدمه فى هذا الكتاب: عرض لمحات من شخصيات تلك النساء، وكيف أثرت المواقف والقرارات التى اتخذنها على مسار التاريخ. وقد حاولت أن أبتعد عن التحليلات التى قد تبدو قفزة معرفية واكتفيت بسرد أدوارهن المختلفة فى الحياة ومقاومتهن الظروف الضاغطة التى يرزحن تحتها. وأتمنى أن يكتب آخرون بشكل أعمق عن آل تيودور، فهذا الكتاب مجرد مقدمة لتاريخ آل تيودور يستطيع من خلالها القارئ أن يتعرف على تاريخ الأسرة الذى حيرنى أثناء دراستى الثانوية.

■ كيف تعاملت نساء الأسرة مع قيود المجتمع والسلطة الذكورية فى عصر كانت فيه خيارات المرأة، حتى داخل القصر الملكى، محدودة؟
- أحسنت، كانت خيارات النساء محدودة وليست منعدمة. فعلى مدار التاريخ عاشت النساء تحت السلطة الذكورية وطبقًا لقيود مجتمعاتهن، ولكنهن كن دائمًا يتفاوضن مع تلك المجتمعات فيحصلن على بعض الحقوق. وهكذا كان حال نساء آل تيودور اللواتى ازدهرن بالرغم من قيود بروتوكولية ودينية واجتماعية كن يتقيدن بها معظم الوقت ولكنهن كن يخترقنها أحيانًا بقدر محسوب العواقب. على سبيل المثال عندما وقفت كارثين الأرجونية فى وجه هنرى الثامن ورفضت الطلاق، دفعت ثمن ذلك لأنه جردها من ألقابها ومن مخصصاتها المالية ونفاها عن البلاط إلى قصور خربة وموحشة، فأمضت سنواتها الأخيرة فى ضنك.
أما الملكة إليزابيث الأولى فقد رفضت على مدار عقود عروض الزواج التى كانت تأتيها من بيوت أوروبية خشية من مخاض قد يودى بحياتها أو بملك يتسّيد عليها وعلى المملكة، وذلك بالرغم من الضغوط المتلاحقة التى مارسها عليها كبار موظفى البلاط من أجل تأمين وراثة العرش.
كما أفصل فى الكتاب قصص سيدات تزوجن بمن أحببن دون مراعاة حسابات العائلة التى عادة ما تنتفض وتغضب، ثم تهدأ وتتصالح. ومنهن مارى بولين التى تزوجت جنديًا بسيطًا، بينما كانت أختها آن تلبس تاج الملكة، مما أثار عليها عائلتها التى نفتها عن البلاط ومنعتها من دخوله، لكنها ظلت تدافع عن خيارها حتى حصلت على الرضا الملكى. وهكذا كان الحال مع السيدات على مدار العصور يتفاوضن مع مجتمعاتهن ليحصلن على خيارات أفضل.
■ كيف تعاملتِ مع المصادر التاريخية عند كتابة قصص هؤلاء النساء، خصوصًا أن كثيرًا من الروايات التاريخية كُتب من وجهة نظر الرجال أو رجال البلاط الملكى؟
- تحدثت فى خاتمة الكتاب عن المصادر المختلفة لهذا الكتاب، وبالرغم من أن الكتب فى مجملها تحمل الكثير من الروايات التى كُتبت من وجهة نظر الرجال أو رجال البلاط الملكى كما أشرت، إلا أن الأصوات النسوية بدأت تتردد فى المصادر الحديثة: المواقع، البودكاست، الأفلام الوثائقية.
فعلى سبيل المثال فحص بعض المؤرخين تهم الزنا المنسوبة إلى آن بولين من خلال الوثائق. وذلك بفحص أماكن وجودها أو عشيقها المزعوم فى التواريخ الصادرة بصحيفة الادعاء، وأثبتوا غياب أحدهما أو كليهما عن مسرح الجريمة فى معظم تلك التواريخ! وكذا أثبتوا براءة آن بولين بعد أن شوه هنرى الثامن سيرتها لقرون. قد استفدت من تلك الأصوات ومن خلفيتى الدراسية عن الجندر لتدوين سيرة نساء آل تيودور.

■ تتناولين فى الخاتمة كيف تحول تاريخ تلك الأسرة إلى صناعة تقدر بملايين الدولارات، فهل هى دعوة لاستثمار التاريخ؟
- إنها دعوة للتفكر فى أهمية الأرشيفات. أفصل فى الخاتمة الفعاليات المتخصصة التى تقيمها الهيئات والقصور والجامعات لتربط الجمهور بتراثه وتاريخه، كما أسرد الفعاليات الترفيهية المختلفة التى يقيمها الأفراد والجماعات، مثل الرحلات المتخصصة للاستماع إلى موسيقى كنسية تيودورية فى كنائس ذلك العصر! وكل هذه الفاعليات تثير مخيلة الفنانين فيكتبون القصص أو المسلسلات المستوحاة من هذا العصر وتدور عجلة الإنتاج بصناعة تقدر بملايين الدولارات على ضفتى الأطلنطى: فمن الكتابة وصناعة النشر، إلى صناعة السينما وما إليها من ملابس وحلى ونقد سينمائى، إلى العاديات والصناعات اليدوية، إلى القصور وصناعة السياحة، إلى المدونين وصناعة النشر الإلكترونى إلى غيرها، وهى ترتكز فى الأساس على استخدام الأرشيفات والمعلومات الموثقة أو «جمع شتات التاريخ».
وللنظر كيف ينتج البحث فى الأرشيفات عن دولة واحدة «عمرها أقل من ١٢٠ سنة» مثل هذا النشاط الفنى والأدبى.
وللنظر إلى ثراء وتنوع التاريخ المصرى من القديم إلى القبطى إلى الإسلامى إلى الحديث، ولنفكر كيف نجعله حاضرًا فى إنتاجنا الفنى والأدبى.
■ هل يمكن أن يكون هذا الكتاب نواة لكتب أخرى تتعلق بنساء من أسر مختلفة؟
- كما ذكرت سابقًا هناك الكثير من النساء اللواتى برزن فى التاريخ، لكننا لا نتحدث عنهن؛ ويمكن للباحث فى التاريخ أن يعثر عليهن وإن بصعوبة. وبالفعل هناك مشروع بحثى عن نساء أسرة أخرى، ولكنها أسرة عربية هذه المرة، وهذا المشروع هو أيضًا نتاج ثقافتى التأسيسية، ولكنه مجرد مشروع قد يرى النور بعد بضع سنوات.
■ ما هو الكتاب الذى تعكفين عليه الآن؟
- ما زلت أبحث وأنقب فى تاريخ مصر القرن العشرين، فبعد أن تناولت فى كتابى الأول «٤٤ أصوان» بندر أسوان خلال جيل «العقاد»، وجمعت شتات كتابات زكى طليمات -المسرحى المؤسس- فى كتاب من جزأين «وجوه وذكريات طليمات»، سيتناول كتابى التالى أحد الشعراء البارزين فى مصر.






