كتابة بلا حسابات.. عمرو عافية: لدينا روايات مشهورة جدًا «بلا قيمة» ومعظم «البيست سيلر» أعمال للنسيان
- أنا سكندرى حتى النخاع ورفضت نصيحة محمد سلماوى بالانتقال إلى القاهرة
- بدأت الكتابة من أزمة هوية والإسكندرية أساس عالمى الروائى
- لكل رواية «حياتها الخاصة» والشخصيات أحيانًا «تفاجئنى» بما تفعله
- أعتقد أن الشخصيات هى التى يجب أن تُشخصنى قبل أن تخرج لى فى الروايات
لم يكن الطريق إلى الكتابة بالنسبة إلى الروائى والطبيب عمرو عافية مُخطَطًا له، بل جاء من أزمة هوية وأسئلة وجودية فرضتها عليه دراسة الطب، وما ارتبط بها من أسئلة عن الحياة والموت والإنسان.
من تلك اللحظة بدأت القصص القصيرة فى الظهور، قبل أن تتطور التجربة إلى مشروع روائى امتد عبر عقود، متقاطعًا مع الطب والفلسفة والبحث الدائم عن المعنى.
وفى تجربته، لا تبدو الإسكندرية مجرد مكان تجرى فيه الأحداث، وإنما تتحول إلى حضور دائم وظل يرافق أعماله حتى حين لا تقع أحداث الرواية فيها. بينما يرفض أن يفرض على رواياته شكلًا سرديًا واحدًا، مؤكدًا أن لكل عمل «حياته الخاصة»، وطريقته التى يفرض بها نفسه على الكاتب.
فى الحوار التالى مع «حرف»، يتحدث عمرو عافية عن بداياته مع الكتابة، وتأثير دراسته للطب والفلسفة فى مشروعه الأدبى، وعلاقته بالإسكندرية، وتحولات لغته وأساليبه السردية، ورؤيته للمشهد الروائى المصرى، وغيرها من التفاصيل المهمة الأخرى.

■ كيف شكلت خلفيتك الطبية رؤيتك للعالم ونسيجك الروائى؟
- ربما كان فى الأمر تأثير غير مباشر. رغم أننى كنت قارئًا شغوفًا منذ صغرى فى كل أنواع المعرفة، لم أكن أتوقع ولا أتخيل ولا حتى مر على بالى أن أكون كاتبًا أو روائيًا أو فيما شبه. وبعد قراءتى للآداب العالمية والعربية والروايات العظيمة، لم أتصور أن تجىء لى الفرصة أو يأتينى الإلهام لكتابة عمل أدبى.
لكن بعد أن انتهيت من الدراسة فى كلية الطب، والتى للحق استمتعت بالدراسة فيها، مررت بأزمة هوية. إذًا هذا هو طريقى وهذه هى الحياة التى سوف أكونها. واجهتنى أسئلة عدة عن الحياة والهوية والموت.
مع مرورى بتلك الأزمة وجدت نفسى أمسك بالورقة والقلم وأكتب قصة قصيرة. وكانت مستوحاة من رواية جراهام جرين «A burnt out case»، ويبدو لأنها كانت تدور فى مستعمرة للجذام، وكنا نشترك مع جمعية «كاريتاس» الألمانية، أثناء دراستنا للطب، فى زيارة مستعمرات الجذام بالإسكندرية.
مرة وراء الأخرى، وقصة قصيرة وراء الأخرى، خرجت من أزمة الهوية تلك، ودخلت فى صراع التخصص فى الطب. وتخصصى هو أمراض جلدية وتناسلية. أى أننى أحكم من الخارج، وأيضًا أرى المرضى الذين يشتكون من أمور خاصة أو أمور تتعلق بالإنجاب والمشاكل النفسية التى تصاحبها.
كنت أضع القصص القصيرة التى أكتبها فى درج المكتب، ولا يطلع عليها سوى أختى الصغيرة وبعض الأصدقاء. وذات يوم صمم أحدهم أن يرسلها إلى جائزة د. سعاد الصباح. فأخذ الورق المكتوب بخط اليد الشبيه بنبش الفراخ لتُكتَب على الآلة الكاتبة، ثم أرسلها بالفعل إلى عنوان الجائزة.
ورغم أننى لم أربح الجائزة، وكانت فى عامها الأول، إلا أن من حظى كان الأستاذ محمد سلماوى أحد المحكمين فيها، وأعجبته المجموعة فشجعنى على نشرها بل وأصر على ذلك. وهكذا كانت دراسة الطب هى التى وجهتنى إلى حد ما إلى كتابة القصص والروايات وإن كان بشكل غير مباشر.

■ هل ترى أن الرواية قادرة على الوصول إلى مناطق فى النفس البشرية تعجز العلوم الإنسانية، وربما الطب، عن الوصول إليها؟
- أعتقد أن الفن بوجه عام، والرواية خاصةً، قادرة على الوصول إلى أعماق الإنسان. فعلوم مثل الطب الذى يحاول أن يكتشف هذا الكائن وماهيته سواء فى الصحة أو المرض، يحاول أن يصل لما يخرج الإنسان عن طبيعته السليمة جسديًا أو نفسيًا.
لكنى كنت فى حاجة إلى التعمق أكثر، ولذلك بعد أن انتهيت من دراسة الطب قررت أن أنتسب لكلية الآداب لدراسة الفلسفة. كنت أقرأ كتبًا فلسفية كثيرة حتى قبل الالتحاق بالكلية لكن الدراسة الأكاديمية تفرق. فالفلسفة تكمل ما درسناه من علم الجسد والنفس فى كلية الطب فى محاولة للوصول لتفهم المعضلات الإنسانية.
■ هل تكوينك الطبى أثر فى نظرتك إلى الشخصيات الروائية، فتتعامل مع الشخصية باعتبارها حالة إنسانية تحتاج إلى التشخيص قبل أن تتحول إلى شخصية أدبية؟
- أى استكشاف لدواخل الإنسان يؤثر على ما أريد أن أكتبه. لكن هل يؤثر على الشخصية نفسها؟ فى كثير من الأحيان أترك للشخصية الحرية الكافية لعمل أمور خاصة بها، ولا أدخل فيما يحدث، بل أتعجب أن الشخصية قد أتت بهذا الفعل دون غيره.
مثلًا، فى رواية «منزل بلا أساطير» ظننت أن البطل سيحب فتاة معينة تعرف عليها، فوجدته أهملها وأحب فتاة أخرى غير متوقعة حتى منى أنا الكاتب. وهكذا يتصرف أحد أبطال الرواية بشكل لا أفهمه، لكن فيما بعد أدرك لماذا تصرف البطل، من خلال وقوع حدث ما يبرر ما فعله من قبل. وطبعًا قد يكون كل هذا داخل لا شعورى أنا. أكتب الحدث ولا أعرف سببه إلا فيما بعد عندما تتضح الأمور للشخصية ولى أيضًا.
أعتقد أن الشخصيات هى التى يجب أن تدرسنى فى أول الأمر وتشخصنى قبل أن توافق أن تخرج لى فى الروايات «يضحك».

■ من مجموعة «الماء الحرام» فى التسعينيات إلى رواية «أيام د. جمال السبعة فى البحث عن نادية لطفى».. كيف تتأمل تحولات لغتك وأسلوبك السردى عبر هذه العقود؟
- جملة «عبر هذه العقود» جعلتنى أشعر كأنى من عهد توت عنخ آمون! لكن على كل حال أنا كسول جدًا، وأكتب عندما أكون كأنى مُجبرًا على الكتابة.
فى المجموعة الأولى «الماء الحرام»، قال لى أ. محمد سلماوى كلمة مهمة: يجب نشر المجموعة الأولى «بعبلها»، كما استعمل هذه الكلمة، أى كما هى بدون تغيير. لكن طبعًا بمرور الوقت يتطور الإنسان ويكتسب مهارات وخبرات أكثر وأعمق.. أتمنى أن أكون تطورت فعلًا.
بالتأكيد يوجد خط عام فيما أكتب، وأفكار معينة مهموم بها، وروح واحدة تمسك بكل الكتابات. لكن كل رواية لها ظروفها، بل وتفرض علىّ شكلًا عامًا فى كتابتها. مثلًا كتبت رواية «حد الغواية» فى شكل مزرر. ورغم أن الناشر قال لى إن الناس لن تفهم ما هذا الشكل، وقد يسخرون من الكلمة، صممت على كتابتها. فكل فصل يقع فى تاريخ معين، ومكان مختلف على مدار قرن ونصف القرن تقريبًا، ولم ألتزم بالتتابع الزمنى. كان يجب أن تكتب بهذا الشكل من وجهة نظرى.
وفى رواية «قصة حب أكتوبرية» كتبتها على شكل خطاب، وهى طريقة فى الكتابة انتهى عصرها منذ زمن بعيد، لكنى شعرت أنها لا تُكتب إلا بهذا الشكل. وفى رواية «عربيد عشق أباد» كانت الرواية مكتوبة بين مخطوطات قديمة وجدت لدارس فى مكتبة الإسكندرية، وبين الأحداث التى تحدث له فى العصر الآنى.
وفى رواية «بعد أن يسدل الستار» توالت الفصول بين شكل مسرحى من ٣ فصول وفواصل روائية. وفى رواية «أيام د. جمال فى البحث عن نادية لطفى» تقع الأحداث فى عامين، وحدثين مهمين مرا على مصر «٢٥ يناير» و«سنة الكورونا». وهكذا. فكل رواية لها متغيرة، ولها حياتها الخاصة، والطريقة التى تعرض نفسها بها.

■ الإسكندرية ليست مجرد خلفية للحدث بل هى كائن حى.. كيف تؤثر بظلالها على عالمك الروائى وصياغتك للأحداث؟
- طبعًا، إسكندرية هى الأساس. أنا سكندرى حتى النخاع، وتظهر الإسكندرية لدى حتى ولو كانت الرواية لا تقع أحداثها فيها. سواء إسكندرية القديمة أو فى الستينيات أو العصر الحديث. رفضت عرض أ. محمد سلماوى للنزوح إلى القاهرة حبًا فى تلك المجنونة.

■ ما تفاصيل عرضه.. ولماذا قررت البقاء فى الإسكندرية برغم نصيحته؟
- قال لى لو استمريت فى الإسكندرية ستصبح مجرد طبيب، وحتى لو مشهور ستكون مثل كثيرين، لكن لو ذهبت إلى القاهرة ستكون كاتبًا مميزًا جدًا. سألت نفسى عدة أسئلة: لِمَ اعتذرت له. ولم أنفذ نصيحته؟ هل أنا أريد فعلًا الانتقال إلى القاهرة وترك الإسكندرية؟ هل أستطيع أن أتركها فعلًا؟ ولو كنت بالقاهرة كنت سأكتب نفس الروايات التى كتبتها لأنى ظللت فى الإسكندرية؟ هل أنا فعلًا فنان حقيقى لأنى لو كنت حقًا فنانًا حقيقيًا لكنت تركت كل شىء واتجهت إلى القاهرة، وما أدرانا جميعًا ما القاهرة، أم أننى فضلت السكون والهدوء فى الإسكندرية؟!
لقد عشت كل عمرى على الكورنيش أمام البحر. وآه من البحر. كما أننى لم أرد أن أترك والدى وحده، خاصة بعد أن بدأ يمرض. هذا رغم أن أمى نفسها وكل عائلتها من القاهرة، وكان من السهل أن أستقر هناك إلى حد ما.
■ الفلسفة حاضرة بقوة فى تجربتك خاصة بعد دراستك لها.. هل الفلسفة معرفة أم طريقة تنظر بها للعالم؟
- الفلسفة مهمة جدًا. ولو كنت وزيرًا للتعليم كنت سأقرر الفلسفة فى كل الكليات والمعاهد. ولو فكرة عامة بسيطة. هى تساعد الإنسان فى طرح الأسئلة وكيفية التفكير. ليس للوصول إلى حلول قاطعة لكن لتجعلنا قادرين على إكمال المسير بعقل فطن، وفؤاد متشوق للحقيقة.
■ فى بعض أعمالك تبدو فكرة البحث عن شىء أو شخص مدخلًا أساسيًا إلى الحكاية.. ما الذى يجعل فعل البحث نفسه مادة روائية بالنسبة إليك؟
- فكرة البحث مهمة جدًا عندى. سواء كانت بحثًا عن مفهوم الحياة أو الموت أو الإله.. إلخ. أنا أساسًا بدأت موضوع الكتابة نتيجة للبحث عن هوية كما قلت من قبل. وأعتقد لست وحدى المعنى بالبحث عن كل تلك الأمور. فأعمال فنية كثيرة تقوم على هذا.

■ كيف تنظر إلى المشهد الروائى المصرى اليوم.. وهل ترى أن الرواية المصرية استطاعت أن تواكب التحولات العميقة التى عاشها المجتمع فى السنوات الأخيرة؟
- المشهد الروائى المصرى قوى جدًا، المشكلة أن الكثرة أصبحت فوق الوصف. الله يكون فى عون النقاد لأن المنتج كثير جدًا، والغث فيه كثير أيضًا للغاية.
أكتشف أدباءً شبابًا وآخرين بالصدفة. شبابًا رائعين غير مقلدين وكتابًا مخضرمين، بغض النظر عن قائمة «البست سيللر» التى يوجد بها روايات ستنسى بعد فترة قصيرة جدًا، وأخرى ستظل علامة من علامات الأدب.
يوجد روايات مشهورة جدًا ليست بذات قيمة عالية، حتى لو كانت المبيعات فائقة والطبعات كثيرة، وحتى ولو حازت على جوائز. من سيصمد أمام التاريخ هو من سيكتب له البقاء.
الرواية أو الفن بوجه عام لا بد أن يتأثر بما يحدث. فالفن من الناس للناس. يوجد ناس تجد الأشكال الخارجية والأحداث وتصفها أو تصف مشاعرها تجاه تلك الأحداث، لكن يمكن أن تكون تلك المشاعر والمشاهد ضحلة لا توازى أهمية الحدث المكتوب عنه. المرحلة التالية والصحيحة هى الرواية الأرحب رؤية والأكثر غورًا فى أعماق الحدث. وروايتى «أيام د. جمال السبعة فى البحث عن نادية لطفى» خير دليل على ذلك.

■ رواية «بعد أن يسدل الستار» حصدت جائزة معرض القاهرة الدولى للكتاب.. ماذا تعنى لك الجوائز الرسمية؟ وهل تنظر إليها كاعتراف متأخر أم كدفعة لمشروع جديد؟
- الجوائز تتبع ذائقة اللجنة التى تختار الجوائز. من الممكن أن نفس العمل لو تقدم للجنة أخرى ربما لا يظهر فى القائمة القصيرة أو حتى الطويلة. الذائقة متغيرة حتى بالنسبة للشخص نفسه أو حتى المجتمع ككل.
لتلك الجائزة خبر مضحك. وجدت الناشر أ. شريف بكر فى الهاتف يؤكد علىّ أن أحضر معرض الكتاب يوم الخميس. فقلت له تمام. فقال لى: قد ربحنا. فسألته ماذا ؟ قال جائزة أفضل رواية. ولم يكن قد قال لى إنه تقدم لها. وقد كتب اسمى ورقم هاتفه. ولما اتصل به أحد المشرفين على الجائزة سأله: أستاذ محمد عمرو؟ وهذا اسمى المركب، فقال له شريف لا النمرة غلط. فسأله الرجل ألست مقدمًا على جائزة الرواية؟ وقتها انتبه «شريف» لهذا وبشرنى بالخبر. وبالطبع أسعدنى الخبر خاصة أنه من حدث مصرى مهم مثل معرض القاهرة الدولى للكتاب.
الجوائز قد تعرفك على كاتب لم تقرأه من قبل وهذا يفيد انتشار الرواية. وهى مشجعة خصوصًا عندما تأتى فى سن صغيرة. لكنى كنت أقول دائمًا إن الجوائز إن أتت فهى تأتى فى الوقت المكتوب، وإن لم تأت فهذا لا يدل على عدم أهمية العمل المقدم. كثير جدًا مما قرأته لآخرين يستحق جوائز من وجهة نظرى أكثر من أعمال أخرى نالت تلك الجوائز.

■ ما المشروع الأدبى الذى تعمل عليه حاليًا؟
- يوجد كتاب نصوص شعرى سينشر قريبًا جدًا إن شاء الله مع دار «الأدهم» المتخصصة فى نشر الشعر. ويوجد لدى رواية أحاول أن أنتهى منها لكن يبدو أنها لا تريدنى أن أنهيها ربما لكسلى الشديد فى كتابتها. كما أن الاسم الذى اقترحته لها للناشر لم يعجبه فـ«حرننت» معى ولا تريد أن تكتب.. لنرى.






