الأحد 30 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

لسان البلاغة.. عماد عبداللطيف: الجوائز الثقافية تحولت إلى أداة للموالاة وصناعة الرداءة

حرف

- البعض يحصل على جوائز بمئات الآلاف من الدولارات على تلخيص ما كتبه السابقون!

- بكيت بعد إكراهى على دراسة البلاغة وانتهيت عاشقًا لها

- الأجيال الحالية يمكن أن تكون أكثر وعيًا بفضل الإتاحة غير المسبوقة للمعلومات

- «تيك توك» غيّر طريقة تلقى الخطابات السياسية.. والمقتطفات أصبحت هى السائدة

لم يعد الدكتور عماد عبداللطيف، أستاذ البلاغة فى جامعة القاهرة، الذى يعمل أستاذًا للبلاغة وتحليل الخطاب فى قسم اللغة العربية بجامعة قطر، ينظر إلى البلاغة باعتبارها علمًا يقتصر على النصوص القديمة، بل يراها أداة لفهم العالم المعاصر، من الخطاب السياسى إلى وسائل التواصل الاجتماعى، ومن استجابة الجمهور إلى تأثير «الذكاء الاصطناعى». 

فى هذا الحوار مع «حرف»، يتحدث مؤسس الحقل المعرفى المعروف باسم «بلاغة الجمهور»، المعنى بدراسة الاستجابات البليغة للجمهور، عن رحلته التى بدأت كرهًا للتخصص وانتهت بمشروع فكرى متكامل، شارحًا كيف تحولت البلاغة من «دراسة الكلام» إلى «دراسة الجمهور»، ولماذا أصبحت مهارات التلقى النقدى ضرورة فى زمن التزييف الرقمى.

■ ما الذى جعل الدكتور عماد عبداللطيف يختار طريق البلاغة؟

- لقد بدأتُ السير فى طريق البلاغة مُرغَمًا. فحين عُينتُ معيدًا بجامعة القاهرة، كانت هناك حاجة إلى متخصص فى البلاغة، فألزمتنى الجامعة بالتخصص فيها. حينها كنتُ أريد التخصص فى نقد السرد لمواصلة شغفى بقراءة الرواية، وتأليف القصص القصيرة. لم أستسغ فكرة أن أكرس نفسى لدراسة التراث البلاغى العربى، خاصة أن الطريقة التى قُدِّم بها هذا التراث لم تكن مشوقة لى بما يكفى. 

عندما أقارن لحظة بكائى حين أجبرتُ على التخصص فى البلاغة، وما آل إليه عشقى للبحث فيها، أردد العبارة البديعة: «لو علمتم الغيب لاخترتم الواقع!». لقد كنتُ كمن ظن أنه سيُنفى إلى صحراء، فإذا هو يعيش فى أجمل واحة.

لولا التخصص فى البلاغة لما أُتيح لى الاطلاع على كنز التراث البلاغى العربى الذى لا يناظره تراث آخر، ولما تمكنتُ من تكريس حياتى العلمية للهدف الأكبر الذى وضعته لها، وهو مقاومة الظلم المعرفى والاجتماعى والسياسى الذى يتعرض له المهمشون.

■ متى شعرت أن البلاغة القديمة بصورتها المعروفة لم تعد كافية وحدها لفهم ما يحدث فى الحياة والسياسة والإعلام؟ 

- أثناء إعداد رسالة الماجستير اتسعت رؤيتى للبلاغة وموضوعاتها ووظائفها، ومكنتنى معايشة التراث العربى المذهل من إدراك أن البلاغة العربية كانت شديدة الارتباط بالحياة اليومية، وأن العرب راكموا معارفهم وخبراتهم الخاصة، وأفادوا من معارف أمم سابقة فى سعيهم لتأسيس علم بلاغة عربى الهوية واللغة والوظيفة.

ولأن علوم الأمس بحاجة إلى تطوير إذا أردنا لها أن تعالج مشكلات اليوم، فقد حاولتُ الإفادة من إسهامات البلاغة الغربية المعاصرة. وكانت أول محطة فى سعيى لربط بحوث فى البلاغة بالحياة هى تسجيل رسالة دكتوراه فى البلاغة السياسية عام ٢٠٠٣ بهدف فهم كيف تُستعمل البلاغة كأداة للتلاعب السياسى بالبشر. وللإجابة عن أسئلتى البحثية، كان لزامًا علىَّ توظيف المعرفة البلاغية الراهنة، بالإضافة إلى التراث البلاغى.

■ ما السؤال الذى بدأ منه مشروعك فى «بلاغة الجمهور»؟

- بدأ التفكير فى «بلاغة الجمهور» على هامش البحث فى البلاغة السياسية العربية، أثناء إعداد رسالة الدكتوراه عن خطب «السادات». فبفضل توفر نسخة مسموعة لكثير من خطبه، انتبهتُ إلى استجابات الجمهور لهذه الخطب. وحظى تصفيق الحضور لـ«السادات» بالجزء الأكبر من اهتمامى. 

بدا هذا التصفيق عصيًا على الفهم فى بعض المواضع. وبدأت الأسئلة تتدافع لدىَّ: لماذا يصفق الجمهور فى هذا الموضع من الخطبة، ولا يصفق فى موضع آخر أراه أحق بالتصفيق؟ لماذا يختلف تصفيقهم فى شدته ومدته والمشاركين فيه؟ لو أن جمهورًا آخر يحضر الخطبة، هل سيصفق فى المواضع نفسها؟

من هنا وصلت إلى السؤال الأهم: كيف يمكن أن «نصنع» جمهورًا رشيدًا يستجيب بنبل وعقلانية ورشد للخطابات التى يتلقاها؟ وما المعارف والمهارات التى نحتاج إليها كى «نصنع» هذا الجمهور الرشيد؟ وكيف نوصلها إليه؟ وكيف نميز بين الجمهور الرشيد وغير الرشيد؟

هذه الأسئلة كانت المحفز وراء ابتكار بلاغة للجمهور، تقدم تصورات جديدة لمفهوم البلاغة ومادتها ووظائفها ومسائلها. وخلال العقدين الماضيين، تراكم البحث فى «بلاغة الجمهور» حتى أصبحت علمًا قائمًا بذاته، يعمل فيه عشرات الباحثات والباحثين.

■ بعد نحو ٢٠ عامًا من تأسيس «بلاغة الجمهور»، هل أصبح الجمهور العربى أكثر وعيًا بوسائل التأثير؟

- أظن أن الإجابة الدقيقة عن هذا السؤال الحيوى تتطلب بحوثًا ميدانية واسعة، تقيس القدرات النقدية لدى الجماهير الحالية. هذه البحوث شديدة الأهمية فى الوقت الراهن. لكن لو أننى سأجيب استنادًا إلى ملاحظاتى الشخصية، فإننى أظن أن الجمهور الحالى أكثر وعيًا وأكثر عرضة للتلاعب معًا.

الأجيال الحالية يمكن أن تكون أكثر وعيًا بفضل الإتاحة غير المسبوقة للمعلومات، والتعرض المتواصل لخطابات متعارضة. وفى المقابل، تشهد تقنيات التلاعب تطورًا هائلًا بسبب برامج «الذكاء الاصطناعى» القادرة على خلق خطابات مزيفة لا يمكن التمييز بينها وبين الحقيقة.

■ فى كتاب «لماذا يصفق المصريون؟» درست التصفيق بوصفه استجابة لها دلالتها، فمَا صورة التصفيق اليوم على مواقع التواصل؟ 

- التصفيق علامة متعددة الدلالات أشهرها الاستحسان. وهناك علامات أخرى تدل على الاستحسان، كل منها تُستعمل فى سياق تواصل محدد، وبمعنى معين. فالمستمعون المعجبون بتلاوة قرآنية مثلا، لا يستطيعون التصفيق بسبب قيود التلقى التى تمنعهم من التصفيق، لذا يُعبرون عن الاستحسان بعلامات أخرى مثل قول «الله».

فى كتاب «لماذا يصفق المصريون؟»، كنتُ معنيًا بعلامتى استحسان شائعتين فى التواصل الحى المباشر هما «التصفيق» و«الهتاف». ولو أننى أكتبه فى زمننا الحالى لسميته: «لماذا يضع المصريون علامة القلوب؟»؟

■ هل تعبر استجابات الجمهور على مواقع التواصل عن رأيه الحقيقى، أم يمكن توجيهها وصناعتها؟ 

- استجابات الجمهور منتَج خطابى يمكن تزييفه والتلاعب به، ويتأثر بعوامل عديدة ذاتية وخارجية. خُذ علامات الإعجاب مثلًا، تجد أن هناك عوامل مؤثرة فى قرار الإعجاب بمنشور ما، منها العلاقة الشخصية مع كاتب المنشور ومحتواه، وحالتك المزاجية أثناء قراءته، وتقدير المكاسب والخسائر المترتبة على وضع علامة الإعجاب. علامة الإعجاب يُفترض أنها فعل كلامى يقول: «أنا أستحسن ما قرأت، وأؤيده وأدعمه». لكنها قد تحمل معانى أخرى، بحسب الدوافع المختلفة لإنتاجها.

بالطبع يمكن التلاعب بخطاب الاستجابة وتزييفه. فالصديق الذى يرسل إليك على الخاص منشورًا يخصه، يدفعك دون تصريح إلى تقديم استجابة استحسان. ربما لو لم يرسل إليك المنشور بشكل شخصى، لما قدمتها. 

لكن الخطر الأكبر يتجسد فى الآلات البليغة القادرة على تزييف ملايين الاستجابات، والإيهام بأنها لأفراد حقيقيين. هناك تجارة مزدهرة منذ فترة قائمة على بيع علامات الإعجاب. فيمكنك شراء العلامات التى تريد ظهورها على ما تنشره، وهى خاصية يستعملها المروجون للإيهام بشعبية ما يروجونه، سواء أكان سلعًا مادية أو أفكارًا ومواقف وسياسات.

■ كيف يمكن دراسة الجمهور فى زمن الحسابات الوهمية و«اللجان الإلكترونية» والمحتوى المنتج بالـ«AI»؟

- نحن نعيش زمن تزييف شامل، يجعل من تحرى الحقيقة أمرًا بالغ الصعوبة. وهذا ما يجعل من دراسة الجمهور وبلاغته ضرورة. فبلاغة الجمهور تهدف إلى إمداد الأفراد العاديين بمعارف ومهارات تمكنهم من أمرين؛ الأول: التلقى النقدى للخطابات التى يتعرضون لها، والثانى: إنتاج استجابات بليغة تدعم الخطابات التحررية، وتقاوم الخطابات السلطوية.

لتحقيق الغايتين معًا، تحتاج بلاغة الجمهور إلى تطوير عدتها النظرية والمنهجية، علاوة على برامج التدريب المهارية التى تستهدف السلوكيات التواصلية للجمهور.

وللأسف، لا يزال البُعد التربوى التعليمى لبلاغة الجمهور محدودًا، وربما نُفلح فى المستقبل القريب فى إدراج مهارات بلاغة الجمهور فى المقررات التعليمية فى مراحل التعليم الأساسى حتى تحقق مبتغاها. فلا يكفى أن تُدرس بلاغة الجمهور فى المرحلة الجامعية، فهى تقدم معارف ومهارات تأسيسية، يُفضل اكتسابها فى مراحل التعليم المبكرة.

■ درستَ خطب الرئيس أنور السادات بوصفها نموذجًا للإقناع والتأثير، هل ما زالت الخطبة السياسية الطويلة قادرة على التأثير؟

- باستثناءات محدودة، أظن أن زمن الخطب المطوَّلة قد انتهى. وما يتبقى عادة من الخطب هى المقتطفات المستحسنة التى تصمم بعض الخطب الآن لأجلها. نحن نعيش زمن الصور المتحركة القصيرة كما يجسدها «التيك توك» مثلًا. ونادرًا ما يجرى تلقى الخطب السياسية كاملة، بل يُستعاض عنها بما يعاد نشره من مقتطفاتها.

■ يدعو مشروع «البلاغة العربية الجديدة» إلى ربط البلاغة بالحياة المعاصرة.. ما الذى يعطل هذا التجديد؟

- يهدف مشروع «البلاغة العربية الجديدة» الذى أقترحه إلى تحقيق ٦ أهداف:

الأول: إعادة النظر فى تاريخ البلاغة بهدف تصحيح الظلم المعرفى الذى تعرضت له بلاغات مهمشة عربيًا وعالميًا، خاصة مكانة البلاغة العربية بين البلاغات العالمية. 

الثانى: ترسيخ مقاربة للتعامل مع التراث البلاغى من منظور استعمالى، تهدف إلى توظيفه فى خدمة الحاضر.

الثالث: ربط دراسة البلاغة وتدريسها بحاجات المجتمعات العربية وتحدياتها وآمالها عن طريق ما أسميه البلاغة العملية التى تسهم فى حل مشكلات وتحديات يومية، وتتعامل مع البلاغة بوصفها معرفة مهارية.

الرابع: العناية ببلاغة المهمشين وخطاباتهم، وهى بلاغة نضالية فى غايتها وجوهرها. 

الخامس: تطوير الأسس النظرية والمنهجية لبلاغة الجمهور، التى تُعنى بدراسة العلاقة بين الخطاب والاستجابة، وتمكين المخاطَبين من إنتاج استجابات بليغة.

السادس: إتاحة المعرفة البلاغية للقارئ العام، وتحويلها إلى برامج تدريب تستهدف بناء السلوك التواصلى فى الكلام والاستجابة.

بعض هذه الأهداف جرى قطع شوط طويل فيه مثل دراسة بلاغة الجمهور، والعناية ببلاغة المهمشين، والبلاغة العملية. لكن لا تزال هناك تحديات أساسية مثل التصورات السائدة للبلاغة بوصفها معرفة نظرية لا مهارية، والنظرة الجامدة للتراث البلاغى، والاستعلاء على خطابات العامة والمهمشين. وهذه تحديات طبيعية، ويمكن التعامل معها، وتحييد أثرها على المدى الطويل.

■ كيف نجدد البلاغة العربية من دون أن نهدم تراثها، ومن دون أن نبقى أسرى لتكراره؟

- التراث البلاغى العربى مكون أساسى من مكونات ما يمكن تسميته بالهوية البلاغية العربية، فكل ما ندركه بوصفه بليغًا، سواء أكان وصفًا لكلام أو أداء أو شخص، إنما هو نتاج إرث متراكم من القيم والمبادئ والممارسات البلاغية.

لذا فإننا لا نستطيع «هدم» التراث البلاغى؛ لأنه ببساطة جزء منا. هذا الوعى بالتراث بوصفه معرفة وممارسة حية مفيد كذلك فى تحديد الطريقة التى نتعامل بها معه. فحين نتعامل مع التراث على أنه ما يبقى حيًّا من معرفة ما، فإننا نوظفه لخدمة الحياة الراهنة، ولا نتعامل معه على أنه متحف نزوره لنُعجَب بقدرات الأجداد، على الرغم من أهمية شعور الإعجاب بالتراث العربى، بوصفه علاجًا لمشاعر النقص التى يشعر بها البعض حين يتعامل مع المنجز الغربى.

ولأوضح فكرتى بشأن أهمية أن نُعجب بتراثنا ونستعمله معًا، سأستعمل تشبيهًا تمثيليًا. إننى أنظر إلى التراث البلاغى كما أنظر إلى بيت أثرى مثل «بيت السحيمى» فى القاهرة القديمة. فلا يمكن لمن يزوره إلا أن يُعجب بهندسته وجماله وبراعة صناعه، لكننا لا نزوره بوصفه أثرًا فحسب بل نستعمله أيضًا. فحين يحتضن فعاليات موسيقية أو ثقافية، فإنه يتحول إلى تراث حى، يضفى معانى خاصة على كل حدث يجرى فيه.

التراث البلاغى العربى يشبه «بيت السحيمى» فى براعة تشييده، وعظمة مشيديه، ولا يقل قابلية للاستعمال والتوظيف فى الحياة أيضًا. هذا المنظور للتراث هو الذى يحكم طريقة تدريسى له فى الجامعة، فأنا أدرس التراث البلاغى بوصفه معرفة راهنة شديدة الأهمية فى الحياة اليومية لدارسيه.

■ هل ترى أن الجوائز الثقافية العربية ما زالت تؤدى دورها فى دعم الباحثين والمبدعين؟

- الجوائز فى الأصل علامة تقدير. لكنها تحولت عبر الزمن إلى أداة توجيه وسيطرة، وأصبحت سلطة تفرض قيمها وسياساتها وانحيازاتها ومصالحها على الراغبين فى الفوز بها. أصبح للجوائز ثمن يجب دفعه، يدور غالبًا حول مفهوم الموالاة. فأغلب الأنظمة والمؤسسات المانحة تهب جوائزها لمواليها، والأفراد النافذون فى مجالس إداراتها يختارون الموالين لهم، إلا قليلًا. ولأن الموالاة كثيرًا ما تقترن بالرداءة، أصبحت بعض الجوائز أدوات لصنع الرداءة.

وفيما يتعلق تحديدًا بالبحوث البلاغية والنقدية، فإن بعض أهم الجوائز وأعلاها قيمة جرى منحها لكتب متوسطة القيمة أو رديئة. تخيَّل أن يُمنح شخص مئات الآلاف من الدولارات على كتب لا تقدم شيئًا سوى تلخيص ما كتبه السابقون! بعض الجوائز يذهب لمبدعين أصلاء يقدمون إسهامًا معرفيًا حقيقيًا، لكن كثيرًا منها يجنى على المعرفة؛ لأنه يكرس للرداءة.

■ هل خسر المثقف جزءًا من مكانه لمصلحة المؤثرين وصناع المحتوى؟

- أظن أن مكانة المثقف التقليدى تنحسر، ليس بسبب تمدد دور المؤثرين وصناع المحتوى غير التثقيفى فحسب، بل كذلك بسبب تزايد قدرة البشر العاديين على الحصول على المعرفة، وبناء وعيهم الخاص من مصادرها مباشرة.

لقد تراجع دور المثقف بوصفه قائدًا للرأى، ووسيطًا لنقل المعرفة. فقد أصبح عامة الناس يبنون معارفهم وتوجهاتهم وقيمهم بأنفسهم. ومع ذلك، لا يزال دور المثقف مهمًا، خاصة حين يمتلك وعيًا نقديًا، وينحاز بنبل إلى القيم الإنسانية. إذ يمكن لمثل هذا المثقف أن يؤثر بقوة فى المحيط الذى يعيش فيه.