الأحد 18 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

البردية الأولى لآدم.. ماجد شيحة: كل جيل يظن أن البقية لا تفهم

حرف

- اللغة ليست أداة نستعملها بل بيت نسكنه ونخرج منه دون أن ننتبه 

- أنتظر اللحظة التى تبدأ فيها الرواية كتابة نفسها بنفسها

- كنت أتعثّر مع الراوى وأضل معه فى لحظات الكتابة

- الحقيقة الفاضحة إذا ظهرت كاملة حوّلت العالم كله لكذبة كبيرة

فى رواية «البردية الأولى لآدم»، الصادرة حديثًا عن دار الشروق للنشر والتوزيع، للروائى ماجد شيحة، لا تبدو الرحلة وراء مخطوطة غامضة مجرد محاولة لفك شفرات نص قديم، بل تتحول إلى بحث فى أصل اللغة والإنسان، وفى المسافة الملتبسة بين الكلمات ومعانيها، وبين الحقيقة وما يصل إلينا منها عبر الذاكرة والترجمة والتأويل.

فمن خلال الطالب الأزهرى المالى إدريس، الذى يعثر فى القاهرة على بردية تفتح أمامه أبوابًا متشابكة من الأسئلة، ينسج الكاتب عالمًا تتقاطع فيه الحكايات، وتصبح فيه الكتابة محاولة لحفظ الحقيقة وإعادة تشكيلها فى آنٍ واحد.

فى حواره مع «حرف»، يتحدث ماجد شيحة عن هواجسه المتعلقة باللغة، وكيف قادته الكتابة من «ورقة بردى» و«شاب غريب» إلى أسئلة تتجاوز حدود الحكاية، متوقفًا عند علاقة الكلمات بسياقاتها، وإشكالية النص الأصلى، ودور الذاكرة فى صناعة الروايات، فضلًا عن الحب حين تعجز اللغة عن أداء وظيفتها فى التقريب بين البشر. 

ماجد شيحة يوقع أحد أعماله
ماجد شيحة يوقع أحد أعماله

■ كيف جاءت فكرة رواية «البردية الأولى لآدم»؟ وكيف عملتَ عليها؟

- يصعب التحديد، فأى كاتب لديه من الأفكار المجهضة أكثر بكثير من الأفكار المكتملة، وأنا عندما أشرع فى كتابة رواية ربما أبدأ من نهاية أو وسط، نادرًا ما أبدأ من بداية كبناء على أن أضع له الأساس والأفكار والشخصيات. 

أنتظر فقط، وأنا أكتب، تلك اللحظة التى تبدأ فيها الرواية فى كتابة نفسها بنفسها، فأتحول أنا إلى أداة ليس إلا، قلم فى يد حكاية تعرف طريقها خيرًا منى، وأستمتع بما يحدث كما يستمتع المسافر بمنظر لم يخطط له. ودون هذه اللحظة تجهض الرواية ولا تكتمل، كبذرة لم يمسسها ماء.

هل يمكننى أن أقول إن اللغة هاجسى الذى لا يتوقف، اللغة بوصفها الشىء الذى يقف بين الحقيقة والمجاز، هل تكفى كلمة بحر للتعبير عن البحر ذاته، ولو اختفى البحر مثلًا، هل ستظل الكلمة معبّرة عن مفردات أخرى، كالاتساع مثلًا، لكنى فهمت أخيرًا عبر كتابة هذه الرواية: إن اللغة ليست أداة نستعملها بل بيت نسكنه، وأننا قد نخرج منه دون أن ننتبه. بدأت كتابة الرواية بـ«ورقة بردى» و«شاب غريب» وجملة تقول إن الماء لا يتعكر من تلقاء نفسه، ثم أخذت الأوراق تتناسل بين يدىّ، كل ورقة تفتح بابًا ولا تغلق آخر، حتى صار البيت كله متاهة من أبواب، لكنى توصلت إلى قناعة أشبه بالعقيدة.

■ تبدأ الرواية من طالب أزهرى من مالى يعثر على بردية غامضة فى القاهرة، ثم يكتشف أن ما بين يديه قد يكون نظامًا لغويًا كاملًا.. هل قصدتَ أن تجعل البحث عن مخطوطة بحثًا عن أصل اللغة والإنسان فى الوقت نفسه؟

- نعم، قصدت ذلك، فالهاجس حين يكون قويًا يتسلل من أى باب. بدأتُ بمخطوطة بين يدى طالب أزهرى من مالى اسمه إدريس، يظنها لغة ميتة ينبغى إحياؤها، ثم وجدتُ أن السؤال عن أصل الورقة يجر خلفه السؤال عن أصل الكلمة، والسؤال عن الكلمة يجر السؤال عمن نطق بها أول مرة، وكأن الأسئلة سلسلة من الحلقات لا تعرف كيف تفلت منها. وليس صدفة أن يحمل الخطاط اسم «مانو»، وهو فى السنسكريتية يعنى الإنسان الأول، أو آدم، كأن الاسم أبى إلا أن يكون إشارة خافتة، همسة لمن يريد أن يسمعها: إن من يبحث عن لغة يبحث فى الحقيقة عن نفسه، وإن المخطوطة مرآة قديمة، كلما أطلنا النظر فيها وجدنا وجوهنا، ووجوه من سبقونا.

■ يظهر فى الرواية سؤال مهم حول علاقة الكلمات بالمعنى: هل تفقد الكلمات معناها عندما تنفصل عن سياقها، أم أن القارئ قادر دائمًا على منحها معانى جديدة؟ 

- الأمران يحدثان معًا، وهذا ما يجعل المسألة أعقد مما تبدو. الكلمة المنتزعة من سياقها تشبه سمكة أُخرجت من الماء، تظل تتحرك بين يديك فتحسبها حية، بينما هى تفقد الهواء الذى كانت تتنفسه. وفى الرواية مثال على ذلك: مترجم يقرأ عبارة قديمة فيظنها حديثة، أو يترجمها بكلمة عصرية تخرجها من زمنها، فتتحول سيارة إلى مركبة تجرها دابة وهاتف إلى صوت عالٍ، وهذا خطأ ينتج عن أن الكلمة لا تعيش وحدها، بل تحمل خلفها زمنها وبيئتها وأنفاس من نطق بها. لكن القارئ، من ناحية أخرى، يملك قدرة غريبة على الإحياء. فمانو الصغير حين يتصفح أوراق أبيه ولا يفهمها، يشعر بأن للكلمات نغمًا وصدى غنائيًا فى قلبه حتى لو لم يفهم معناها. وهذا يعنى أن المعنى ليس كل ما تحمله الكلمات، فهناك الصوت والرائحة والذكرى. ويظل المستحيل الحقيقى هو أن ننطق كلمة بمفردها، منتزعة من السياق، ثم نطالبها بأن تكون كاملة.

■ البردية التى يعثر عليها إدريس تبدو فى البداية شيئًا غامضًا، لكن الغموض يتضاعف كلما حاول قراءتها وفهمها.. هل كان قصدك أن تجعل القارئ يعيش تجربة إدريس نفسها، أى أن يبحث عن المعنى كلما ظن أنه اقترب منه؟ 

- نعم، وبدرجة أكبر مما يبدو. لم أرد للقارئ أن يتفرج على إدريس من بعيد، أردته أن يمشى معه فى الطريق نفسه، يحمل الورقة نفسها ويقرأ السطور نفسها ويشعر بالدوار نفسه. أن يفرح بخيط مسكه ثم يكتشف أنه ينقطع عند أول عقدة. فالحيرة، فى نظرى، ليست عيبًا فى الحكاية بل هى الحكاية، وكل من قرأ صفحة من الأوراق ولم يفهمها وهو يشعر يأنه كاد يفهم، قد ذاق ما ذاقه إدريس وهو ينقل كلمة بعد كلمة فى ليالى القاهرة الباردة. وأعترف بأننى، وأنا أكتب، كنت أعيش ذلك كله. كنت أتعثر مع الراوى وأضل معه، وأظن فى كل فصل أننى أمسكت بالنهاية، ثم تأتى جملة تفلت من يدى كسمكة. وأظن أن هذا الاتفاق الصامت بين الكاتب والقارئ، أن نضيع معًا، هو سر ما قد تحمله الرواية من متعة.

■ الرواية تضع القارئ أمام احتمالات متعددة للحقيقة، وتترك مساحة للشك فى بعض الروايات والشخصيات.. كأنك تقول إنه ليس هناك حقيقة واضحة ومكتملة؟

- لا أقول إنها غير موجودة، بل أقول إنها لا تصل إلينا إلا ممزقة، كنسيج قديم لم يبقَ منه إلا خيوط. فى الرواية مانو يكذب، والراوى يحرر، والمترجم يفسر، والقارئ يتأول، فمن هو الذى أمسك بالحقيقة الأولى؟ ما بين الورقة الأصلية وما وصلنا منها ألف طبقة من الأيدى والعيون والنوايا، وكل طبقة تضيف شيئًا من صاحبها وتحذف شيئًا. وربما كان أصدق ما قيل فى الرواية أن الحقيقة الفاضحة، إذا ظهرت كاملة، حوّلت العالم كله إلى كذبة كبيرة، وبقيت هى وحدها المختلة من السياق. فنحن نعيش، كما أرى، فى ألف كذبة صغيرة تحاصر حقيقة واحدة، ونتعلم مع الوقت أن نحب الكذبات لأنها تحمينا، وأن نخاف الحقيقة لأنها تعرينا.

■ نوفل ودوريان يفتحان بابًا آخر داخل الرواية، هو باب الحب.. هل ترى أن هناك علاقة بين الحب واللغة؟ وهل يمكن للحب أن يظل قائمًا إذا فقد الطرفان الكلمات التى كانا يفهمان بها بعضهما؟ 

- نعم، العلاقة وثيقة، وأعمق مما نعترف به. نحن نحب بالكلمات قبل الأجساد: همسة، اسم يُنادى به المرء فى الظلام، جملة صغيرة يختص بها اثنان ولا يفهمها ثالث. وحين تموت هذه الكلمات يبقى الجسدان فى الغرفة نفسها غريبين، كما حدث لنوفل ودوريان بعد موت ابنتهما، حين صار كل سؤال بينهما اتهامًا وكل جواب دفاعًا وكل صمت جدارًا. هل يمكن للحب أن يظل قائمًا؟ ظل نوفل يكتب رسالته أو حكايته لدوريان باللغة التى يحبها وعاش من أجلها، كثيرًا ما يتصارع نوعان من الحب فى قلب الرجل، حبه للحياة المستقرة مع زوجة يحبها، وحبه لفكرة يؤمن بها وتبتلعه. وأعتقد أن الحب يظل ما دام هناك من يحاول، حتى لو أخطأ الكلمة وتعثر وسقط، فالمحاولة نفسها لغة أخرى، أقدم من أى معجم.

■ الخطاط الذى نسخ البردية لا يبدو صادقًا تمامًا، وهو ما يضع القارئ أمام سؤال يتعلق بمن كتب النص ومن يملك حق روايته.. هل أردت من خلال ذلك التشكيك فى فكرة «النص الأصلى» نفسها؟ 

- نعم، أردت التشكيك بقوة فى مسألة وجود نص أصلى وأصيل، بغض النظر عن ترجمته، فكل واحد فينا عندما يقرأ نصًا تجده يختلط به، وعندما يخرجه مرة أخرى يصبح نصًا آخر تمامًا، والترجمة الأمينة لا يستطيعها أحد. وأضيف أن هذا الشك لم يكن لعبة ذهنية عندى، بل نابع من رحلة طويلة مع الأوراق. فمانو، الذى كتب ما كتب وكذب حول ما كتب، لم يترك لنا أصلًا يمكن الاطمئنان إليه، وإدريس الذى نقله إلى لغته نقله بما فهمه، والراوى الذى حرره غيّر فيه ما ظنه ناقصًا. وفى النهاية بقى بين أيدينا نص يشبه نهرًا لا ننزله مرتين: كلما عدنا إليه وجدناه غير ما تركناه، ووجدنا أنفسنا أيضًا غير ما كنا. 

■ هناك علاقة واضحة بين الكتابة والذاكرة فى الرواية؛ فالإنسان يكتب كى يحفظ الحكاية من الضياع، لكنه قد يغيّرها فى الوقت نفسه.. هل الكتابة تحفظ الحقيقة أم تعيد تشكيلها؟ 

- تفعل الاثنين معًا، وهذا هو مأزقها وجمالها. فالورقة تحفظ الكلام من الضياع، لكنها تحفظه كما يحفظ الزجاج وردة: الشكل باقٍ والعطر ذاهب. وفى الرواية أب يحمل فى رأسه تاريخ سجنائه ووجوههم وجرائمهم، ومع ذلك يحتفظ بالكتب ولا يحرقها، لأنه يعرف أن الذاكرة تموت مع صاحبها، وأن الورق وحده يستطيع أن يخدع الموت قليلًا. لكن الكتابة، وهى تحفظ، تغيّر. فالكاتب يختار ما يكتب وما يترك، والقارئ يختار ما يفهم وما يهمل، وبين الاثنين تتسلل الحقيقة كالماء بين الأصابع. أنا لا أظن أن الكتابة خيانة للذاكرة، بل هى نسخة منها، والنسخة، مهما أُتقنت، لا تكون الأصل. ربما كان هذا ما دفعنى للكتابة أصلًا: إننى أعرف أننى لن أمسك بالحقيقة، لكنى أستطيع أن أمسك بظلها.

■ بعد انتهائك من الرواية يواجهك سؤالان: «ما اللغة التى تحدث بها الإنسان الأول؟»، و«هل نستطيع أن نعرف الحقيقة إذا كانت الحقيقة نفسها لا تصل إلينا إلا عبر اللغة؟».. كيف تجيب؟

- ما رأيك؟ لا أعرف ما اللغة الأولى، ولا أظن أن أحدًا يعرف. لكنى أميل إلى أنها كانت كلمات قليلة وأفعالًا قليلة، هى الكلمات التى علّمها الله، عز وجل، لآدم، عليه السلام، وإن سعى الإنسان فى الأرض هو ما جعلها تتنوع وتختلف، فاللغة هى البيئة، ولغة رجل يعيش فى الثلج ليست كلغة رجل يعيش فى مدينة الضباب. وقد جرّب كثيرون أن يزعموا أن لغتهم هى الأولى، حتى قال بعضهم فى القرون الماضية إن الله خاطب آدم بالسويدية، وكأن تقديس اللغة هو تقديس للنفس. 

أما الحقيقة، فنعم، لا تصل إلا عبر اللغة، وهذا هو سر الأمر وعذابه. فنحن نحاول أن نرى الحقيقة من خلال زجاج هو اللغة نفسها، والزجاج لا يكون شفافًا تمامًا ولا معتمًا تمامًا. لكن فى هذا الغموض أمل صغير: إن القليل الذى نصل إليه يكفى ليبقينا أحياء. وحين كتب نوفل حكايته إلى دوريان باللغة التى يحبها، وصل إليها أكثر مما لو قالها بلغة محايدة، أو مشتركة، فاللغة قد تكون حجابًا بيننا وبين الحقيقة، وقد تكون الجسر الوحيد الذى نعبر عليه إليها.

■ هل ترى أن الإنسان الحديث أصبح أكثر قدرة على الكلام وأقل قدرة على الفهم والوعى؟

- ربما، لكنى أحذر من إطلاق هذه الأحكام، فكل جيل ظن أن الأجيال التى تليه لا تفهم. ما يلفتنى حقًا هو المفارقة: لدينا اليوم من وسائل الاتصال ما لم يحلم به أجدادنا، ولدينا لغات تُترجم بضغطة زر، ومع ذلك تظل جملة بسيطة مثل «أنا آسف» أو «أحتاجك» أثقل ما يمكن أن يحمله اللسان. 

فى الرواية يجلس نوفل ودوريان على مائدة واحدة، ولديهما كل الكلمات الممكنة، ومع ذلك يعبر الحوار بينهما كشاحنة فارغة. وأرى هذا فى كل بيت: أصوات كثيرة وإصغاء قليل، وهواتف تضىء وقلوب تنطفئ. ما نحتاجه ربما ليس كلمات جديدة، بل أذنًا قديمة، من النوع الذى كان يصغى إلى الريح وهو يفهم ما تقوله.