نهى فهيم: «غروب ألكازار» تستعيد لحظة سقوط «القوط»
يمثل الفوز بجائزة «كتارا» محطة مهمة فى مسيرة أى كاتب، لكنه يضعه أيضًا أمام مسئولية جديدة، خاصة حين يكون العمل الفائز هو التجربة الروائية الأولى.
من هذا المنطلق، تتحدث الكاتبة نهى فهيم عن روايتها «غروب ألكازار»، الفائزة بجائزة «كتارا» فى فرع «الرواية التاريخية غير المنشورة»، والتى تستعيد لحظة سقوط حضارة القوط فى شبه الجزيرة الإيبيرية.
وتتجاوز هذه الرواية تسجيل الوقائع التاريخية إلى استكشاف الإنسان فى لحظات التحول الكبرى، حين تتصدع العوالم التى اعتادها، ويصبح المستقبل مفتوحًا على احتمالات مجهولة. فى هذا الحوار، تكشف نهى فهيم عن دلالة الجائزة، ورؤيتها للرواية التاريخية، وكيفية التعامل مع المصادر المتباينة، والحدود الفاصلة بين الحقيقة التاريخية والخيال الروائى.

■ ماذا يعنى لكِ الفوز بجائزة «كتارا» عن رواية «غروب ألكازار»؟
- يمثل الفوز بجائزة «كتارا» فرحة كبيرة وامتنانًا حقيقيًا بالنسبة إلىّ، خصوصًا أن «غروب ألكازار» هى روايتى الأولى. لكننى أرى أن الجائزة لا تمنح العمل قيمة جديدة بقدر ما تمنحه فرصة للوصول إلى عدد أكبر من القراء، وتضعه فى حوار أوسع معهم ومع النقاد.
أدرك أن التتويج يخلق توقعات كبيرة، لكننى لا أريد التعامل مع هذه التوقعات باعتبارها عبئًا يشل تجربتى، أو يجعلنى أسعى إلى تكرار نجاح الرواية نفسها. أريد أن أتعامل معها بوصفها مسئولية تدفعنى إلى التطور، وإلى مزيد من الحرص على ما أكتبه.
فى النهاية، الجائزة لحظة استثنائية فى حياة الكاتب، لكن الاستمرار هو التحدى الحقيقى. وأتمنى أن تكون هذه بداية مسيرة أستطيع خلالها تقديم أعمال تستحق ثقة القراء.

■ لماذا اخترتِ لحظة سقوط حضارة القوط تحديدًا؟ وما الذى جعلها تستحق أن تتحول إلى رواية؟
- ما جذبنى إلى هذه اللحظة أنها ليست مجرد نهاية حكم سياسى أو هزيمة عسكرية، بل لحظة تتقاطع فيها نهايات قديمة مع بدايات لم تتضح ملامحها بعد. نحن نتحدث عن مجتمع يواجه تحولات كبرى، وعن شخصيات لا تعرف بالضرورة أنها تعيش لحظة ستغير تاريخ شبه الجزيرة الإيبيرية.
ما يهمنى فى هذه اللحظات الانتقالية هو المسافة بين ما نعرفه نحن بعد مرور القرون، وما كان يعرفه الناس الذين عاشوا الأحداث. فنحن نقرأ التاريخ ونعرف إلى أين انتهت الوقائع، لكن الشخصيات داخل الحدث لا تملك هذه المعرفة؛ إنها تتخذ قراراتها وسط الخوف والشك والصراع، من دون أن تعرف ما الذى ينتظرها. وجدت فى هذه الفترة مساحة روائية ثرية لاستكشاف الإنسان حين يتصدع العالم الذى يعرفه، وحين يصبح المستقبل مفتوحًا على احتمالات لا يستطيع أحد حسمها. لذلك لم أرد أن أكتب عن معركة أو سقوط حكم فحسب، بل عن البشر الذين عاشوا داخل تلك اللحظة التاريخية.
■ هل يشير عنوان «غروب ألكازار» إلى غروب حضارة كاملة، أم يحمل معنى إنسانيًا أوسع؟
- أحب أن يظل العنوان مفتوحًا على أكثر من مستوى. فكلمة «الغروب» توحى بالنهاية والأفول، لكنها تضعنا فى الوقت نفسه أمام سؤال عما تعنيه النهاية أصلًا: هل تنتهى حضارة عندما يسقط حكمها؟ وهل تنتهى حياة الناس ومعانيها بمجرد أن تتغير الرايات فوق المدن؟
بالنسبة إلىّ، لا يتحرك التاريخ عبر خطوط فاصلة تمامًا؛ فما يبدو نهاية من زاوية معينة قد يكون بداية من زاوية أخرى، وما ينتهى سياسيًا قد يترك أثره فى البشر والذاكرة والثقافة طويلًا بعد زواله.
لذلك أرى أن العنوان لا ينبغى اختزاله فى سقوط طرف تاريخى بعينه، بل يمكن أن يمتد إلى معنى إنسانى أوسع، هو أفول العوالم التى اعتادها الإنسان، ومحاولته العثور على مكانه فى عالم جديد لم يختر بالضرورة أن يولد فيه.

■ هل حاولتِ منح القوط صوتًا إنسانيًا بعيدًا عن صورة الطرف المهزوم فى كتب التاريخ؟
- أعتقد أن من أهم أدوار الرواية التاريخية أن تعيد الإنسان إلى قلب الحدث. فقد تضطر كتب التاريخ أحيانًا إلى التركيز على الدول والجيوش والمعارك والتحولات السياسية، بينما تتيح الرواية مساحة أوسع للاقتراب من التجارب الفردية التى لا تظهر دائمًا فى السرد التاريخى العام.
فى «غروب ألكازار»، لم يكن هدفى أن أستبدل صورة المنتصر بصورة المهزوم، أو أن أقدم طرفًا باعتباره خيرًا مطلقًا وآخر باعتباره شرًا مطلقًا. ما أردته هو التعامل مع الشخصيات بوصفها بشرًا لهم دوافعهم ومخاوفهم وتناقضاتهم، ومنح القارئ فرصة لفهم العالم من زوايا متعددة.
الهزيمة العسكرية لا تلغى إنسانية المهزوم. كما أن الانتصار لا يجعل المنتصر شخصية بسيطة يمكن فهمها من خلال انتصاره وحده. والرواية، فى رأيى، تستطيع الاقتراب من هذه التعقيدات، وأن تترك للقارئ مساحة للتفكير بدلًا من أن تملى عليه حكمًا جاهزًا.
وأظن أن الاقتراب من التاريخ بهذه الطريقة لا ينتقص من أى حضارة أو حدث، بل يجعل فهمنا للماضى أكثر عمقًا وإنسانية.
■ كيف تعاملتِ مع المصادر التاريخية، خصوصًا فى ظل اختلاف الروايات واختلاط الوقائع بالأساطير؟
- كان البحث التاريخى جزءًا أساسيًا من بناء «غروب ألكازار»، لأن الرواية التاريخية تحتاج إلى أرضية متماسكة، ولا يكفى فيها أن تبدو الأحداث مقنعة دراميًا؛ بل يجب أيضًا الاعتناء بالسياق الزمنى والسياسى والجغرافى.
فى الفترات البعيدة، لا تكون المصادر متفقة دائمًا، وقد نجد اختلافًا فى التفاصيل أو فى تفسير الأحداث، وأحيانًا نواجه روايات يصعب التعامل معها باعتبارها حقائق محسومة. لذلك كان علىّ أن أتعامل مع المادة التاريخية بقدر من الحذر، وأن أميز بين ما يمكن الاستناد إليه، وما يظل محل خلاف أو غير محسوم.
أما روائيًا، فكان التحدى هو تحويل هذه المادة إلى عالم حى، من دون أن تتحول الرواية إلى كتاب تاريخ، ومن دون أن يصبح الخيال ذريعة لتجاهل الوقائع. فالحرية الروائية مهمة، لكنها فى الرواية التاريخية تقترن بالمسئولية، خصوصًا عندما نتعامل مع شخصيات وأحداث لها حضور حقيقى فى ذاكرة الشعوب. وأعتقد أن أجمل ما يقدمه هذا النوع من الأدب هو الجمع بين احترام ما نستطيع معرفته عن الماضى، واستكشاف ما لا تستطيع الوثائق وحدها أن تمنحنا إياه من تجربة إنسانية.







