محمود فرغلى: «النقد البيئى» يعيد الأدب للجمهور
يمثل فوز الناقد محمود فرغلى بجائزة «كتارا» فى فرع «الدراسات النقدية غير المنشورة»، عن دراسته التى تحمل عنوان: «تمثلات البيئة فى الرواية.. قراءة إيكولوجية فى أعمال زهران القاسمى»، محطة مهمة فى مسيرته النقدية، التى تتجه إلى استكشاف آفاق جديدة فى قراءة الأعمال الروائية، ومن بينها مقاربة التجارب السردية من منظور النقد الإيكولوجى أو البيئى. واختار «فرغلى» دراسة أعمال الروائى العُمانى زهران القاسمى، مستندًا إلى ما تمنحه الطبيعة من حضور فاعل داخل عالمه الروائى، يتجاوز كونها خلفية للأحداث ليجعلها طرفًا مؤثرًا فى تشكيل الشخصيات والصراعات والمصائر.
فى هذا الحوار، يتحدث «فرغلى» عن دلالة الفوز بالجائزة، ومفهوم النقد البيئى، وما يضيفه إلى قراءة الرواية، إلى جانب دور الأدب فى تشكيل وعى الإنسان بعلاقته بالطبيعة.

■ بدايةً، ماذا تمثل لك جائزة «كتارا»؟
- تمثل جائزة «كتارا» خطوة مهمة فى مسارى العلمى والنقدى، لما تتمتع به من قوة حضور على مستوى الوطن العربى، ودورها فى منح الناقد الثقة فيما يكتب.
■ اخترتَ فى دراستك مقاربة أعمال زهران القاسمى من منظور «إيكولوجى».. فما الذى دفعك إلى هذا الاختيار تحديدًا؟ وما الذى وجدته فى تجربته الروائية يستحق هذه القراءة؟
- منذ قراءتى رواية «تغريبة القافر» لـ«زهران القاسمى»، شعرت بأن حضور البيئة فيها يختلف عن تجارب روائيين عرب آخرين أولوا البيئة حضورًا طاغيًا، مثل إدوار الخراط وصبرى موسى. تأكدت هذه الرؤية مع قراءتى أعماله السابقة واللاحقة، مثل «القناص» و«جوع العسل»، ما دفعنى إلى دراسة تلك الأعمال من منظور النقد البيئى.
■ كيف يمكن تعريف «النقد الإيكولوجى/ البيئى» للقارئ غير المتخصص؟
- «النقد البيئى»، باختصار، اتجاه نقدى بينى ينظر إلى البيئة وموجوداتها بوصفها حضورًا موازيًا للإنسان، لا تابعًا له. ومن ثم، يهتم هذا النقد بالحيوان والنبات والحس المكانى، وبما لهذه الموجودات من حقوق كثيرًا ما يتجاهلها الإنسان. أما الإضافة الحقيقية لهذا الاتجاه، فى رأيى، فتتمثل فى إعادة الأدب إلى الجمهور، ومنحه فاعلية مفقودة، وفتح مساحات أخلاقية واجتماعية أوسع من تلك التى تتيحها اتجاهات نقدية أصاب كثيرًا منها «التكلس».
■ عندما تصبح البيئة موضوعًا للرواية، هل نتعامل معها بوصفها خلفية للأحداث فحسب، أم يمكن أن تتحول إلى عنصر فاعل فى تشكيل الشخصيات والصراعات والمصائر؟
- هذا السؤال يلامس جوهر رؤية «النقد البيئى» للطبيعة والحيوان، فهما ليسا مجرد خلفية للأحداث، أو رموز يستعين بها الإنسان لفرض حمولات فكرية وثقافية خاصة به، وإنما يمتلكان كينونة مستقلة، وحضورًا يسبق الإنسان ويستمر بعده. هذا ما لمسته فى أعمال زهران القاسمى، حيث تنطلق البيئة العُمانية بذاتها وتحقق وجودها من خلال أفلاجها وجبالها ووعولها.

■ كيف تتجلى العلاقة بين الإنسان والطبيعة فى الأعمال التى تناولتها بالدراسة؟ وهل تكشف هذه العلاقة عن أزمة بيئية فحسب، أم عن خلل أعمق فى تصور الإنسان لمكانه فى العالم؟
- تمارس البيئة سطوتها وقوتها فى مختلف أعمال «القاسمى»، وينبنى المعمار الروائى فيها على طبيعتها وأنماط الحياة البرية. فالماء فى «تغريبة القافر» هو البطل الفعلى للرواية، ويحضر بوصفه عنصرًا فاعلًا، لا مجرد حامل للرموز التى قد يحمّله إياها الإنسان فى إطار تصوراته عنه. والوعل فى «القناص» يؤدى الدور نفسه، إذ لا وجود للقناص من دونه، فهو كيان موازٍ له، وليس تابعًا له.

■ إلى أى مدى تستطيع الرواية أن تكشف آثار التغيرات البيئية التى قد لا تستطيع لغة التقارير العلمية وحدها نقل أبعادها الإنسانية والنفسية؟
- تكمن أهمية الأدب فى قدرته، من خلال التخييل والسرد، على بناء نماذج تسهم فى تشكيل وعى المتلقى ببيئته، وتلفت انتباهه إلى أهمية الحفاظ عليها، بعيدًا عن المباشرة، مع الاستعانة بقدر من التوثيق الفنى الذى لا يهدر القيمة الجمالية للسرد.
■ أخيرًا، ما الأعمال التى تعكف عليها حاليًا؟
- أنا مهتم دائمًا بفن الرواية والقصة بحكم تخصصى، ولذلك أتابع الحركة السردية قدر المستطاع، خاصة التجارب الجديدة، سواء فى مصر أو فى الوطن العربى. ولدىّ أكثر من دراسة نقدية فى هذا المجال قيد المراجعة.







