سينما أشرف العشماوى.. تمنيت أن أكون «عطية» فى «خرج ولم يعد»
- السينما جزء أساسى من طقوس عائلتى ولها موعد ثابت كل أحد
- فيلم «12 Angry Men» أبرز الأفلام النفسية التى أدهشتنى
- الضباط بحثوا عنى داخل سينما التحرير بسبب قضية
- عبدالله غيث فنان عالمى لم ينل ما يستحقه رغم موهبته الاستثنائية
- زكى رستم من أعظم الممثلين وعدلى كاسب لم يحصل على مكانته
- أتمنى الجلوس على مائدة واحدة تضم آل باتشينو والريحانى والمهندس
- عمرو سلامة يكتب فيلمًا عن نجيب محفوظ من بطولة أحمد عبدالوهاب
- تمنيت حضور العرض الأول لفيلم «المومياء» حتى أشاهد شادى عبدالسلام
- داود عبدالسيد كان ينوى تحويل روايتى «الجمعية السرية للمواطنين» إلى فيلم
- جميع رواياتى بيعت لشركات إنتاج لكنها لم ترَ النور حتى الآن
منذ طفولته، لم تكن السينما بالنسبة للكاتب والمستشار أشرف العشماوى مجرد وسيلة للترفيه، بل نافذة اتسعت معها رؤيته للحياة، ورافقت رحلته من مقاعد دور العرض إلى منصة القضاء، ثم إلى عالم الرواية.
وكانت السينما طقسًا أسبوعيًا ثابتًا فى حياة أشرف العشماوى، إذ اعتاد الذهاب إليها برفقة والديه، وعلقت فى ذاكرته مجموعة من أهم الأفلامم العالمية التى شكلت ثقافته ورؤيته للحياة. وفى حواره مع «حرف» يستعيد أشرف العشماوى أبرز محطات علاقته بالسينما، ويتحدث عن ذكرياته الأولى مع دور العرض، والأفلام التى صنعت وجدانه، ورؤيته لعلاقة الرواية بالفيلم، وتقييمه لتجسيد رجال القضاء على الشاشة، كاشفًا كيف أصبحت السينما أحد أهم مصادر الإلهام فى تجربته الأدبية.

■ بداية.. ماذا تعنى لك السينما على المستوى الشخصى؟
- تعنى لى السينما أشياء كثيرة، وقد اختلفت علاقتى بها باختلاف مراحل العمر، ففى الطفولة كانت مساحة للدهشة والإبهار، حيث الموسيقى والصورة واللقطات المتحركة، وكنت وأنا فى الخامسة من عمرى، أصدق أن ما أراه على الشاشة حقيقة وليس تمثيلًا.
وفى مرحلتى الثانوية والجامعة، مالت ذائقتى إلى أفلام الحركة والإثارة، ثم انتقلت إلى مرحلة الانتقاء، فأصبحت أبحث عن السينما التى تستهوينى بفكرتها، وسيناريوهاتها، وإخراجها، وصورتها، ولا تزال هذه المرحلة مستمرة حتى اليوم، وإن أصبحت أكثر دقة فى اختيار الأفلام التى تستحق المشاهدة.
■ كيف كانت أول زيارة لك إلى دار السينما.. وما الذكرى التى لا تزال عالقة فى ذهنك؟
- كانت أول زيارة لى إلى السينما يوم أحد، برفقة والدى ووالدتى، فى سينما مترو بوسط البلد، أتذكر أن الجريدة السينمائية كانت تُعرض قبل بداية الفيلم، كما لا يزال صوت زئير الأسد الشهير لشركة «Metro-Goldwyn-Mayer MGM» عالقًا فى ذاكرتى، وكان يسبق الفيلم عرض إحدى حلقات «Tom and Jerry» أما الفيلم نفسه فكان من سلسلة «James Bond» وقد اخترته رغم صغر سنى.
■ هل كانت السينما جزءًا من طقوس عائلتك فى طفولتك؟
- كانت السينما جزءًا أساسيًا من طقوس عائلتى، بل كانت موعدًا أسبوعيًا ثابتًا كل يوم أحد، إذ كانت دور العرض، آنذاك، تغيّر أفلامها فى هذا اليوم، وليس يوم الأربعاء كما هو الحال الآن، أما المسرح فكان موعده يوم الخميس، وكنت أحرص على الذهاب مع أسرتى منذ أن كنت فى الثانية عشرة من عمرى، كما اعتدنا حضور الحفلات الموسيقية على مسرح الجمهورية، لقد كانت الفنون بكل أشكالها، جزءًا أصيلًا من حياة والدى ووالدتى، وكنت محظوظًا بأن أنشأ فى هذا المناخ الثقافى.

■ ما أول فيلم شاهدته ولا يزال حاضرًا فى ذاكرتك؟
- كان أول فيلم لا يزال حاضرًا فى ذاكرتى أحد أفلام «James Bond» بطولة «Sean Connery» فى مطلع سبعينيات القرن الماضى، وما زلت أتذكره لأننى أعدت مشاهدته مرة أخرى فى مراحل لاحقة من حياتى، فأصبح جزءًا من ذكرياتى الخاصة، لكن علاقتى بالسينما لم تتوقف عند هذا الفيلم، فأنا على غرار عنوان فيلم بحب السيما، أحب السينما بالفعل، وأشاهد الأفلام بصورة شبه يومية، سواء عبر المنصات الرقمية أو شاشة التليفزيون.
■ أى الأفلام غيّر نظرتك للحياة أو ترك أثرًا كبيرًا فيك؟
- يصعب أن أختزل الأمر فى فيلم واحد غيّر نظرتى إلى الحياة، لكن هناك أعمالًا كثيرة تركت أثرًا عميقًا فى وجدانى، من بينها فيلم «١٢ Angry Men» الذى أعدّه من أبرز الأفلام النفسية، فقد أدهشنى كيف استطاع شخص واحد فقط، هو المحلف رقم ١٢، أن يغيّر قناعة أحد عشر شخصًا كانوا متفقين على رأى واحد.
وأحب أيضًا فيلم «Troy» وكذلك «Cinema Paradiso» إلى جانب الأجزاء الثلاثة من «The Godfather» وخاصة الجزأين الأول والثانى، وهى أفلام أراها خالدة ولا يمكن نسيانها، وكان لها تأثير كبير فى تكوينى.
كما لا أنسى فيلم «Animal Farm» المأخوذ عن رائعة «George Orwell» الذى ظل حاضرًا فى ذاكرتى حتى اليوم.
أما على مستوى السينما المصرية، فأرى أن فيلم «البرىء» ١٩٨٦ بطولة أحمد زكى وإخراج عاطف الطيب، عمل عبقرى بكل المقاييس، وأحب أيضًا فيلم «الكيت كات» ١٩٩١ بطولة محمود عبد العزيز وإخراج داود عبدالسيد، وكذلك فيلم «خرج ولم يعد» ١٩٨٤ بطولة يحيى الفخرانى وإخراج محمد خان، الذى أشعر بأنه يمثلنى على المستوى الشخصى، فكلما شاهدته راودنى الإحساس بالرغبة فى الابتعاد عن ضجيج الحياة وعدم العودة إليه، لأن فكرة الفيلم، تعبر عن الحياة التى تستحق أن تُعاش، فالله خلقنا لنبحث عن السعادة، وهذا ما فعله بطل الفيلم «عطية»، حين اختار الطريق الذى منحه الشعور الحقيقى بالسعادة والحرية.
■ إذا طلبت منك أن تحكى لنا مواقف لا تُنسى ارتبطت بالسينما.. فما هى؟
- ذكرياتى مع السينما لا تقتصر على الطفولة، بل امتدت إلى مراحل مختلفة من حياتى، ومن أكثر المواقف غرابة ما حدث بعد تعيينى وكيلاً للنيابة عام ١٩٩٠ بنيابة حوادث الجيزة، فى ذلك الوقت لم تكن الهواتف المحمولة قد انتشرت بعد، وكانت نيابة الحوادث تعمل على مدار ٤٢ ساعة متواصلة، لذلك كان من المعتاد أن أترك لمأمور القسم مكان وجودى إذا غادرت المكتب.
وفى إحدى المرات، ذهبت مع زوجتى إلى سينما التحرير، وأبلغت مأمور القسم بمكانى تحسبًا لأى طارئ، وبعد نحو عشرين دقيقة فقط من بدء عرض الفيلم، فوجئت بإضاءة القاعة ودخول عدد من ضباط الشرطة يبحثون عنى بين الجمهور، حتى عثروا علىّ وخرجت معهم، كان الموقف كوميديًا للغاية، لكن الحاضرين لم يكونوا يعرفون سبب اصطحاب الشرطة لرجل وامرأة من داخل السينما، وكنت أقرأ فى نظراتهم سؤالًا واحدًا: ماذا فعل هذا الرجل؟
أما الذكرى الثانية فتعود إلى طفولتى، حين كان يجرى تصوير أحد أفلام محمود عبدالعزيز وسهير رمزى أسفل المنزل الذى كنا نسكنه، وأتذكر أن المشهد كان يتطلب خروج سهير رمزى بسيارتها الـ«Pontiac» الأمريكية البيضاء من الجراج، بينما يعترضها محمود عبدالعزيز بسيارة «Peugeot» زرقاء، وكلما بدأ التصوير، كنت أقتحم المشهد بدراجتى وأفسده أكثر من مرة، واليوم أعتبرها واحدة من سخافات الطفولة، لكنها تظل من الذكريات التى لا أنساها.
■ من هم الفنانون الذين تفضلهم؟ ومن هو المخرج الأقرب إلى ذائقتك.. ومن كاتب السيناريو الذى تراه مدرسة فى الكتابة؟
- الفنانون الذين أحبهم كثيرون، لكن يأتى فى مقدمتهم «Al Pacino» لأنه لا يؤدى الدور بقدر ما يتحول إلى الشخصية نفسها، حتى إنك لا تشعر بأنك تشاهد ممثلًا، بل ترى إنسانًا حقيقيًا يعيش تفاصيل الشخصية التى يجسدها، ومن الممثلات العالميات، أحب «Meryl Streep» لما تمتلكه من موهبة استثنائية.
أما فى السينما المصرية، فأفضل أفلام سعاد حسنى ونادية لطفى، وتأتى معهما مديحة كامل ضمن الممثلات الأقرب إلى قلبى، ومن الجيل الجديد تعجبنى موهبة منة شلبى.
ومن الممثلين المصريين أرى أن نور الشريف وأحمد زكى من الممثلين العباقرة، خاصة عندما يعملان مع مخرج يمتلك رؤية وموهبة حقيقية، كما أحب كثيرًا أداء الفنان خالد صالح.
وعلى مستوى الإخراج، تميل ذائقتى إلى أعمال محمد خان، وداود عبدالسيد، وعاطف الطيب، وشادى عبدالسلام، وأعتبر فيلمه المومياء عملًا عبقريًا، وأقدّر أيضًا أعمال تامر محسن.
أما فى كتابة السيناريو، فأرى أن وحيد حامد يقف فى منطقة خاصة فهو، بالنسبة لى، أعظم كاتب سيناريو، وإذا ذكرت أى اسم بعده، فستكون بينه وبينه مسافة طويلة، لأنه كاتب مختلف وعبقرى، ولم يأتِ حتى الآن من يشبهه.

■ هل تميل أكثر إلى أفلام الأبيض والأسود أم السينما الحديثة.. ولماذا؟
- بالنسبة لى، لا أفضل أحدهما على الآخر، صحيح أننا ارتبطنا بأفلام الأبيض والأسود لأنها تحمل قدرًا كبيرًا من الحنين والذكريات، لكن قيمة الفيلم فى النهاية تكمن فى سيناريوه، وإخراجه، وصورته، ولغته البصرية، وفكرته، وليس فى كونه بالأبيض والأسود أو بالألوان.
ولا أستطيع أن أقول إن كل أفلام الأبيض والأسود كانت رائعة، وإن كان أغلبها ممتعًا ويحمل ذكريات جميلة، لكننى اليوم أشاهد الفيلم بعين مختلفة، فلم أعد أتابع الأحداث فقط، بل ألتفت إلى ما وراء اللقطة، إلى التفاصيل الصغيرة فى خلفية الصورة، وإلى تكوين الكادر، وهى أمور لم أكن أنتبه إليها فى الماضى.
أما السينما الحديثة، فلا أرى أنها أقل قيمة، بل إن هناك أفلامًا إيطالية معاصرة لا تزال تُصوَّر بالأبيض والأسود رغم توافر تقنيات الألوان، لأن هذا الاختيار يخدم الرؤية البصرية للفيلم، ويرتبط بتكوين الصورة والظلال، وهو قرار إخراجى وفنى بالأساس.

■ هل هناك فيلم تشاهده كلما أردت تحسين حالتك المزاجية؟
- إذا أردت تحسين حالتى المزاجية، فألجأ إلى فيلم عنتر ولبلب، أو أى فيلم من أفلام الأستاذ نجيب الريحانى، لا أشعر بالملل من مشاهدتها أبدًا، حتى إننى أكاد أحفظ الحوار كاملًا، ومع ذلك أشاهدها فى كل مرة بنفس المتعة والدهشة.
وأرى أن «عنتر ولبلب» ليس فيلمًا بسيطًا أو ساذجًا كما يراه البعض، بل يحمل فى داخله عمقًا فلسفيًا وسياسيًا.
أما الفيلم الذى أحب مشاهدته مرارًا وتكرارًا، فهو «خرج ولم يعد»، بطولة يحيى الفخرانى وفريد شوقى وليلى علوى وعايدة عبدالعزيز، وإخراج محمد خان، بالنسبة لى هو فيلم إنسانى وعبقرى بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
■ إذا عاد بك الزمن.. أى فيلم كنت تتمنى أن تشاهده فى يوم عرضه الأول داخل السينما؟
- بلا تردد، فيلم المومياء للمخرج شادى عبدالسلام، مهما أشاهده لا أشعر بالملل، ففيه حالة فنية غريبة، وكل تفصيلة فيه تكشف عن جهد هائل، والعجيب أنك فى كل مرة تشاهد الفيلم تكتشف شيئًا جديدًا، وكأن العمل يحمل سحرًا خاصًا.
كنت أتمنى حضور عرضه الأول، ليس فقط لمشاهدة الفيلم، وإنما لرؤية شادى عبد السلام نفسه، لأننى لم ألتقه من قبل، كنت أود أن أسأله عن رؤيته لهذا العمل، وعن طريقة تصويره، وحجم المجهود الذى بُذل فيه، وكيف استطاع أن يصنع فيلمًا يكتشف المشاهد فيه تفاصيل جديدة مع كل مشاهدة، وأعتقد أن المومياء سيظل واحدًا من أكثر الأفلام عبقرية فى تاريخ السينما المصرية.

■ ما الشخصية السينمائية التى تمنيت لو كانت موجودة فى الواقع؟
- لدىّ رؤية مختلفة فى هذا الأمر، فأنا أشعر بأن معظم الشخصيات السينمائية موجودة بالفعل فى الواقع، فالمخرج والكاتب يستلهمانها من أشخاص حقيقيين، ثم يضيفان إليها شيئًا من الخيال، تمامًا كما نفعل فى كتابة الرواية، نستند إلى شخصيات واقعية، ثم نمنحها أبعادًا جديدة فتولد الشخصية الروائية.
لذلك، عندما أشاهد فيلمًا، أشعر أن شخصياته حقيقية وليست من نسج الخيال، سواء كانت فى السينما المصرية أو العربية أو العالمية، وأتوحّد معها إلى حد كبير.
ولو كان علىّ اختيار شخصية واحدة، فسأختار شخصية المحلف التى جسدها «Henry Fonda» فى فيلم «١٢ Angry Men» لما تحمله من قدرة مدهشة على الإقناع والتأمل، وهو ما يجعلنى أعتبره من أهم الأفلام النفسية.
■ إذا عُرض عليك تمثيل فيلم مصرى شهير، فأى فيلم ستختار.. وأى شخصية كنت ستجسدها؟
- فى الحقيقة، كانت لى تجربة أداء تمثيلى حقيقية عام ١٩٨٦، عندما كان عمرى عشرين عامًا، كنت صديقًا لنجل المخرجة إنعام محمد على، وذهبت معهم ذات مرة إلى مبنى التلفزيون، حيث كان يجرى تصوير مسلسل رأفت الهجان للمخرج يحيى العلمى فى بداياته.
واقترحوا علىّ أن أؤدى دور الساعى «نينو» فى شركة السياحة، وبالفعل وقفت أمام الكاميرا لأداء اختبار التمثيل، لكننى أُصبت بحالة من الفزع والرهبة، لأن الأستاذ محمود عبد العزيز كان حاضرًا، فلم أستطع التركيز، وسيطر عليّ الخوف والتوتر، ولم تكتمل التجربة.
أما إذا خُيّرت اليوم فى تجسيد شخصية سينمائية، فسأختار شخصية رءوف علوان فى فيلم «اللص والكلاب»، المأخوذ عن رواية الأديب نجيب محفوظ، والتى جسدها ببراعة الفنان كمال الشناوى.
■ ولو أتيحت لك فرصة العمل مع مخرج واحد فقط.. فمن سيكون؟
- سأختار المخرج داود عبدالسيد، وقبل رحيله بعامين أو ثلاثة، فوجئت بحضوره إحدى الندوات التى كنت أتناول فيها روايتى «الجمعية السرية للمواطنين» سعدت كثيرًا بوجوده بين الحضور ورحبت به، وبعد انتهاء الندوة أخبرنى أنه كان يرغب فى تحويل الرواية إلى عمل سينمائى، لكن القدر لم يمهله الوقت لتحقيق ذلك، كنت أتمنى أن أعمل معه، أو أن يتولى إخراج أحد أعمالى، بل وحتى أن أظهر فى أحد أعماله.
■ هل هناك مشهد سينمائى تتمنى لو كنت أنت من كتبه؟
- كنت أتمنى أن أكتب فيلم العار، الذى أبدع فى كتابته الأستاذ محمود أبوزيد، فالفيلم مكتوب بإحكام شديد، لكن كانت لدىّ رؤية مختلفة لبعض الشخصيات، وتحديدًا شخصية وكيل النيابة «شكرى» التى جسدها حسين فهمى، كنت أرى أنه كان من الممكن أن نراه فى مشاهد أكثر وهو يحقق مع تجار المخدرات، وأن يبدو أكثر حسمًا وعنفًا فى مواجهتهم.
والأمر نفسه ينطبق على شخصية الطبيب «عادل» التى جسدها محمود عبدالعزيز، إذ كنت أفضل أن يشاهد، بحكم مهنته، نماذج لمدمنى المخدرات وهم ينهارون أو يفقدون عقولهم أو يموتون بسبب الإدمان، حتى تتجلى المفارقة الدرامية بصورة أقوى عندما يتحول هو نفسه إلى تاجر مخدرات، لذلك أرى أن الفيلم كان يحتمل بعض المشاهد الإضافية التى كنت أتمنى لو شاركت فى كتابتها.
■ هل تعرف فنانين على المستوى الشخصى.. وهل جمعتك صداقات وذكريات ببعضهم؟
- جمعتنى علاقات وصداقات بعدد من الفنانين، منهم المخرجة هالة خليل، التى تمتد صداقتى بها لأكثر من عشرين عامًا، وكذلك الراحلان نور الشريف وأحمد زكى، إلى جانب المخرج عمرو سلامة، والشقيقين محمد دياب وخالد دياب.
وأتذكر موقفًا طريفًا جمعنى بالفنان خالد الصاوى قبل شهرته، عندما التحقت بكلية الحقوق، كان يكبرنى بعدة أعوام، ويتولى رئاسة فريق التمثيل بالمسرح، وذات يوم ذهبت لمشاهدة إحدى البروفات، فنادانى وطلب منى المشاركة ضمن مجموعة من الجنود فى عرض تاريخى، وكان السلاح الذى نحمله مجرد مكانس.
وقفت بينهم نحو ساعة ونصف الساعة دون حركة أو كلمة، حتى شعرت بالإرهاق وقررت المغادرة، وفجأة صاح خالد الصاوى، وهو لا يزال داخل البروفة: «إلى أين تذهب أيها الجندى؟»، فأجبته بعفوية: «رايح الحمام» فضجّ الجميع بالضحك، وبعد انتهاء البروفة حاول إقناعى بالانضمام إلى المسرح، وقال إننا قد نقدم معًا عملًا كوميديًا، لكننى اعتذرت، وكانت تلك أول وآخر مرة أقف فيها على خشبة المسرح.
أما الذكرى الثانية، فكانت مع الفنان نور الشريف، الذى تعرفت عليه فى إحدى صالات البلياردو، لعبنا معًا أكثر من مرة، ثم تطورت العلاقة إلى صداقة، وكان فى تلك الفترة يحرص على الذهاب إلى سور الأزبكية بحثًا عن الكتب والمجلات القديمة، وعندما علم أننى أحتفظ بآلاف الأعداد من مجلات مثل الهلال والبعكوكة واللطائف المصورة داخل خزانة حديدية فى شرفة منزلى، جاء إلى البيت بنفسه واختار منها ما كان يبحث عنه، واستمرت صداقتنا حتى رحيله.
■ هل سبق أن حضرت تصوير فيلم أو مسلسل؟
- بالطبع، حضرت تصوير عدد من الأعمال فى «استوديو الأهرام» و«استوديو جلال»، وخلال سنوات الجامعة، كان عمّ أحد زملائى مخرجًا، وهو ما أتاح لنا حضور تصوير العديد من الأفلام.
كنت أشعر بالانبهار والدهشة، خاصة عندما أرى فريق العمل يقضى ١٢ أو ١٣ ساعة متواصلة لتصوير مشهد واحد فقط، أدركت حينها حجم المجهود الذى يبذله الجميع، ورأيت كيف يصل الإرهاق إلى الممثلين وكل صناع العمل.
كثيرون يظنون أن النجوم يعيشون حياة مختلفة، لكننى وجدتهم فى غاية الإنسانية، أشخاصًا طبيعيين تمامًا خلف الكاميرا، وما إن يبدأ التصوير حتى يتحولوا بالكامل إلى الشخصيات التى يجسدونها.
■ هل سبق أن شعرت بالرهبة عند مقابلة أحد النجوم؟
- قابلت عددًا كبيرًا من الفنانين، ولم أشعر بالرهبة أمام أى منهم، باستثناء الأستاذ عادل إمام، فعندما التقيته وجدت نفسى مأخوذًا بحضوره الطاغى وكاريزمته الاستثنائية، لم أستطع أن أصرف نظرى عنه، كنت أراقب ملامحه، وحركاته، وطريقة حديثه، وكل تفاصيل حضوره، لم أرَ هذه الكاريزما عند أى فنان آخر. أما بقية الفنانين، فقد وجدتهم أشخاصًا طبيعيين، لهم ما للبشر من مزايا وعيوب.
■ إذا وجهت لك دعوة عشاء تضم ٣ من نجوم السينما، فمن ستختار؟
- سيكون الاختيار صعبًا، لكننى أتمنى أن أجلس إلى مائدة واحدة تضم آل باتشينو ونجيب الريحانى وفؤاد المهندس، ولو اتسعت المائدة، فسأضيف إليها أحمد زكى وسعاد حسنى ونادية لطفى.
■ إذا كان عليك اختيار أفضل ٥ أفلام مصرية فى التاريخ، فما هى؟
- من الصعب حصر السينما المصرية فى ٥ أفلام فقط، لكن هناك أعمالًا أراها من أهم ما قُدم، وهى: «اللص والكلاب» و«زقاق المدق» و«البرىء» و«طائر الليل الحزين» و«المومياء»، إلى جانب «خرج ولم يعد». أعتبر هذه الأفلام من العلامات الفارقة فى تاريخ السينما المصرية، لما تحمله من قيمة فنية وإنسانية كبيرة.
■ ما القضية التى نجحت السينما المصرية فى طرحها بصدق؟ وما القضية التى ما زالت تتجنبها؟
- أعتقد أن السينما المصرية نجحت فى تناول قضايا المهمشين. كما قدمت قضية العدالة الاجتماعية بصدق فى عدد من الأعمال المهمة. أما القضايا التى لا تزال تتعامل معها بحذر، فهى كل ما يتعلق بالدين بمختلف أبعاده، إذ تتحسس السينما خطواتها عند الاقتراب من هذه المنطقة، وكذلك السياسة، وإن كانت السينما قد قطعت شوطًا أكبر فى تناول القضايا السياسية مقارنة بالقضايا الدينية.
■ كيف ترى دور المنصات الرقمية؟
- لا شك أن المنصات الرقمية أفادت السينما على المستوى التجارى، إذ منحت الأفلام جمهورًا أوسع، وساعدت على انتشارها بصورة أكبر، لكنها فى المقابل أثرت فى متعة المشاهدة داخل قاعة السينما، بما تمنحه من شاشة كبيرة، ومؤثرات صوتية، وأجواء خاصة، والشعور بالانفصال عن العالم لساعتين كاملتين، لذلك أرى أن المنصات وسعت دائرة الانتشار، لكنها قدمت تجربة مشاهدة أقل متعة.
■ لو أصبحت مسئولًا عن صناعة السينما ليوم واحد.. ما أول قرار ستتخذه؟
- سأختار أن أكون رئيسًا للرقابة على المصنفات الفنية ليوم واحد، وسيكون أول قرار أتخذه هو السماح بعرض عدد من الأفلام المؤجلة أو الممنوعة، حتى تجد طريقها إلى الجمهور.
■ إذا طلب منك ترشيح ٣ أفلام عالمية لا بد أن يشاهدها كل إنسان مرة واحدة فى حياته، فما هى.. ولماذا؟
- أرشح أولًا فيلم «Troy ٢٠٠٤»، لأنه يجمع بين الدهشة والخداع فى آن واحد، ويقدم أسطورة خالدة بتنفيذ سينمائى متميز. الفيلم الثانى هو «١٢ Angry Men»، وهو من أعظم الأفلام النفسية فى رأيى، فرغم أن أحداثه تدور داخل غرفة واحدة تجمع ١٢ شخصًا، لا يشعر المشاهد بالملل للحظة، بفضل قدرته المذهلة على الإقناع وبناء التوتر الدرامى.
أما الفيلم الثالث فهو «Cinema Paradiso»، لأنه يجسد ببراعة علاقة الطفل «Toto» بالسينما، وتعلقه بالرجل الذى يشغل آلة العرض، ويقدم، بصورة تدريجية ومؤثرة، كيف تنمو الدهشة داخل الإنسان، وكيف تشكل السينما خياله ووجدانه.
■ ما أكثر نهاية فيلم عالمى أدهشتك؟
- لا أستطيع أن أحدد نهاية واحدة أدهشتنى، فهناك نهايات كثيرة تركت أثرًا كبيرًا لدى، وبطبيعة الحال، كلما كانت النهاية متوقعة تراجعت مساحة الدهشة، لكن من النهايات التى لم أتوقعها نهاية الجزء الثانى من فيلم «The Godfather»، كما أن كثيرًا من أفلام ميريل ستريب تتميز بنهايات جميلة ومفاجئة.
■ هل انعكست السينما على أسلوبك فى كتابة الرواية؟
- لا شك أن أى روائى يتأثر بالسينما، وينعكس ذلك على كتاباته، خاصة إذا كان يميل إلى الكتابة المشهدية. المدرسة المشهدية فى الأدب تعود جذورها إلى الأدب الفرنسى، ويُعد أونوريه دو بلزاك من روادها. من الطبيعى أن نتأثر بالسينما، فنحاول تكثيف الكتابة، وتحريك الصورة على الورق بطريقة تجعل القارئ يعيش الحدث ويتحرك مع شخصيات الرواية.
■ تكتب الرواية بعين روائى أم بعين مخرج سينمائى؟
- أكتب الرواية بعقل وروح روائى وعين مخرج، أنا لست كاتب سيناريو، ولا أرى أن الروائى يجب أن يكون «سيناريست»، لكنه ينبغى أن يكون مخرجًا يحرك شخصياته داخل الفضاء الروائى، الذى يعادل موقع التصوير فى السينما. عليه أن يعرف من أين تبدأ الحكاية، وكيف تتطور، وأين تنتهى، وأن يرتب مشاهد روايته بعقل الكاتب وعين المخرج، لذلك أرى أن أجمل الأفلام غالبًا هى تلك التى يكتبها مخرجوها.
■ هل تلقيت عروضًا لتحويل أعمالك الروائية إلى أفلام أو مسلسلات؟
- أنا مع تحويل الروايات إلى أعمال درامية، سواء على الشاشة الكبيرة أو الصغيرة. بيعت جميع رواياتى إلى شركات إنتاج، لكنها لم ترَ النور حتى الآن، ولا أعرف سبب ذلك، وأتمنى أن تُقدم هذه الأعمال، لكن مع الحفاظ على عناوينها الأصلية، مثل «سيدة الزمالك» و«البارمان» وغيرهما.
■ مَن من المخرجين ستختار لتحويل إحدى رواياتك إلى فيلم.. ولماذا؟
- كنت سأختار الراحل داود عبدالسيد لإخراج رواية «الجمعية السرية للمواطنين»، وهالة خليل لرواية «صالة أورفانيللى» أو «سيدة الزمالك»، فكلاهما من المخرجين المميزين، وعندما تحدثت معهما عن هذه الروايات وجدت لديهما حماسًا ورؤية فنية قادرة على تقديمها على الشاشة بصورة مختلفة.
■ كيف تقيم تجسيد شخصية وكيل النيابة والقاضى فى السينما المصرية؟
- مرّ تجسيد شخصية وكيل النيابة والقاضى فى السينما المصرية بمراحل مختلفة، بدءًا من فيلم «وكيل النائب العام» بطولة خالد زكى، ثم «يوميات نائب فى الأرياف» بطولة أحمد عبدالحليم، المأخوذ عن رواية الأديب توفيق الحكيم، مرورًا بعدد كبير من الأفلام فى السبعينيات والثمانينيات، ومنها «طائر الليل الحزين» بطولة محمود مرسى.
وفى السنوات الأخيرة، أرى أن الصورة أصبحت أكثر دقة، فقد أجاد الفنان كمال أبورية فى تجسيد شخصية المستشار والقاضى فى مسلسل «لام شمسية». كما قدم محمود حميدة شخصية المستشار بإتقان.
لكن فى فترة السبعينيات تحديدًا، كانت صورة القاضى فى بعض الأعمال أقرب إلى العبث، لا إلى الكوميديا، إذ لم تكن مضحكة بقدر ما كانت ثقيلة الدم، وكانت هناك أخطاء واضحة فى تفاصيل الزى القضائى، وطريقة ارتداء الوشاح، فضلًا عن الخلط بين دور وكيل النيابة والمحامى والقاضى، فى ظل غياب المراجعة القانونية أو وجود مستشار متخصص يوجّه المخرج والممثلين.
وعلى العكس من ذلك، تهتم السينما العالمية بأدق تفاصيل المهن التى تقدمها، فتظهر الشخصيات على الشاشة بصورة قريبة للغاية من الواقع، ومع ذلك أرى أن هذه المشكلة بدأت تتراجع تدريجيًا مع تطور السينما المصرية الحديثة.
■ مَن أفضل ممثل جسّد شخصية القاضى أو وكيل النيابة؟
- أرى أن الأستاذ محمود مرسى قدم واحدًا من أفضل تجسيدات وكيل النيابة فى فيلم «طائر الليل الحزين»، لأنه نجح فى إظهار البعد النفسى والصراع الداخلى الذى يعيشه وكيل النيابة وهو يواجه سلطة سياسية أكبر منه. كما أُشيد بالفنان كمال أبورية فى مسلسل «لام شمسية»، خاصة مشهده الأخير داخل غرفة المداولة بصفته رئيس الدائرة، فقد أُنجز هذا المشهد بإتقان شديد.
■ ما أكثر الأخطاء القانونية التى تتكرر فى الأفلام؟
- من أكثر الأخطاء شيوعًا ألوان الوشاح الخاص بالقضاة ووكلاء النيابة، إذ تُقدم بصورة معكوسة، إلى جانب الأخطاء فى طريقة دخول المحكمة، وترتيب إجراءات الجلسات. وغالبًا ما يكون كاتب هذه المشاهد لم يشاهدها فى الواقع، أو يعتمد على أفلام مصرية سابقة وقعت فى الأخطاء نفسها، فتتكرر دون مراجعة. لكن فى السنوات الأخيرة، بدأ صناع الأعمال يستعينون بقضاة ووكلاء نيابة كمستشارين، وهو ما أسهم فى تحسين الصورة.
■ هل قدمت السينما رجال القضاء بشكل منصف؟
- إلى حد كبير، نعم. فالسينمائيون يتعاملون بحذر مع صورة القضاء، إدراكًا لحساسية تقديمها وما قد يترتب عليها، لذلك جاءت صورة رجال القضاء فى معظم الأعمال محافظة ووقورة إلى حد كبير.
■ ما الفيلم الذى تراه الأكثر تأثيرًا فى طرح قضية إنسانية؟
- أرى أن فيلمىّ «الأرض» و«البرىء» من أكثر الأفلام تأثيرًا فى طرح القضايا الإنسانية.
■ هل استطاعت السينما أن تغيّر نظرة المجتمع إلى بعض القضايا؟
- نعم، استطاعت إلى حد كبير، خاصة منذ نهاية الأربعينيات وحتى عام ٢٠٠٥، فقد أسهمت فى تغيير نظرة المجتمع إلى بعض المهن، وطرحت قضايا مثل الخوف، والفقر، وقهر المرأة، ونجحت فى تغيير كثير من المفاهيم، ووضع يدها على مشكلات مجتمعية مهمة.
■ إذا رشحت فيلمًا يجمع بين القيمة الفنية والرسالة الإنسانية، فما هو؟
- أرشح أفلام «البرىء» و«الأرض» و«الكيت كات» و«نوارة» و«المذنبون» و«ميرامار» و«زقاق المدق» و«بداية ونهاية»، فجميعها تحمل رسائل إنسانية عميقة، وتُعد علامات بارزة ف ى تاريخ السينما المصرية.
■ لو تحولت حياتك الشخصية إلى فيلم، فما عنوانه؟ وما أول مشهد سيبدأ به؟
- لا أرى أن حياتى الشخصية تستحق أن تتحول إلى فيلم سينمائى، ولا أعتقد أنها تحمل من الأحداث ما يجعلها استثنائية، فأنا شخص عادى، سواء خلال عملى وكيلًا للنيابة ثم قاضيًا، أو فى حياتى كروائى.
لكن أصدقائى من الفنانين والمخرجين يرون الأمر بشكل مختلف، لأنهم يعرفون عن قرب بعض المحطات التى مررت بها، ومنها أننى كنت المحقق فى قضية محاولة اغتيال الأديب نجيب محفوظ، خلال سنوات عملى التى امتدت ١٧ عامًا فى النيابة، قبل أن أمضى أكثر من ١٧ عامًا أخرى فى منصة القضاء، وهذه الجوانب يرون أنها ملهمة للسينما.
صديقى المخرج عمرو سلامة كتب بالفعل سيناريو بعنوان «النجيب» عن محاولة اغتيال نجيب محفوظ، وبطل العمل وكيل النيابة المحقق، وهى الشخصية المستوحاة منى، ومن المقرر أن يجسدها الفنان أحمد عبدالوهاب، وهو ممثل شاب أرى أنه يمتلك موهبة كبيرة.
■ لو لم يُسمح لك بمشاهدة سوى فيلم واحد طوال حياتك، فما الفيلم الذى ستختاره؟ ولماذا؟
- سيكون الاختيار بين «The Godfather» و«خرج ولم يعد»، فهما من أقرب الأفلام إلى قلبى، ولا أشعر بالملل مهما أعدت مشاهدتهما.
■ مَن الفنان الذى ترى أنه لم يحصل على التقدير الذى يستحقه؟
- أرى أن عبدالله غيث فنان عالمى لم ينل التقدير الذى يستحقه، رغم موهبته الاستثنائية، كما أعتبر زكى رستم من أعظم الممثلين، فقد امتلك قدرة نادرة على التحول من شخصية الباشا إلى المعلم، ومن الموظف البسيط إلى الشخصيات المركبة، وكان ممثلًا ثقيل الأدوات، وكذلك الفنان عدلى كاسب، الذى لم يحصل على مكانته المستحقة، رغم قدرته على تقديم شخصيات متباينة، وإقناع المشاهد بكل شخصية يؤديها.
■ مَن الفنان الذى كنت تتمنى لقاءه ولم تسنح لك الفرصة؟
- كنت أتمنى لقاء الفنان نجيب الريحانى، لم أكن أراه مجرد ممثل أو حتى كاتب يشارك فى سيناريوهات أفلامه، بل كنت أراه فيلسوفًا يمتلك رؤية خاصة للحياة، كنت أتمنى أن أجلس معه، وأستمع إلى أفكاره قبل أن أشاهد فنه.







