السبت 10 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

رئيس أركان النصر.. «الوثائقية» تكشف أسرار سعد الدين الشاذلى

حرف

- «الوثائقية» حريصة على توثيق بطولات الجيش المصرى

- هذا الرجل لم يمر على العسكرية المصرية مرورًا عابرًا

فى إطار الاحتفاء بالذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر المجيدة، قدم قطاع الإنتاج الوثائقى بالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية للجمهور المصرى والعربى الفيلم الوثائقى «الشاذلى.. رئيس أركان النصر»، الذى يوثق سيرة الفريق سعد الدين الشاذلى، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية خلال حرب أكتوبر 1973، وأحد أبرز قادة النصر، مستعرضًا مسيرته منذ نشأته فى قرية شبراتنا بمحافظة الغربية عام 1922، وانتقاله إلى القاهرة خلال ثلاثينيات القرن الماضى، ثم التحاقه بالكلية الحربية ومشاركته فى حرب فلسطين، وتأسيسه أول كتيبة مظلات فى الجيش المصرى.

ويرصد الفيلم محطات «الشاذلى» العسكرية فى الكونغو واليمن، ودوره خلال حرب الاستنزاف، وصولًا إلى المحطة الأهم فى مسيرته، والمتمثلة فى التخطيط والإعداد لمعركة العبور فى السادس من أكتوبر 1973، ودوره داخل غرفة عمليات الحرب فى «المركز رقم 10».

كما يتوقف الفيلم عند جوانب من شخصية الفريق سعد الدين الشاذلى وعقليته العسكرية الفذة، وقدرته على التخطيط وقراءة تفاصيل المعارك، إلى جانب محطات عمله الدبلوماسى وإسهاماته فى الفكر والكتابة العسكرية، مستندًا إلى شهادات أفراد من أسرته، وعدد من الخبراء والمؤرخين والعسكريين، فضلًا عن مواد أرشيفية ووثائق نادرة.

واحتفاءً بهذا العمل، تلتقى «حرف» صناع الفيلم للحديث عن كواليس خروجه إلى النور، وكيف جرى تقديم سيرة أحد أبرز قادة نصر أكتوبر فى عمل وثائقى متميز.

مدير عمليات التشغيل.. أحمد صفوت: يجمع بين رصانة التوثيق وجاذبية العرض

أحمد صفوت
أحمد صفوت

قناة «الوثائقية» حرصت على أن يأتى عرض فيلم «الشاذلى.. رئيس أركان النصر» ضمن احتفائها بالذكرى الـ٥٣ لانتصارات حرب أكتوبر، بما يعكس أهمية المناسبة وقيمة الشخصية التى يتناولها الفيلم، والذى يجمع بين رصانة التوثيق وجاذبية العرض.

التعامل مع الأعمال المرتبطة بالأحداث الوطنية الكبرى يتطلب عناية خاصة فى جميع مراحل الفيلم، خاصةً عندما يكون العمل قائمًا على مواد أرشيفية وشهادات ووثائق تتطلب الحفاظ على جودتها وسلامة تقديمها للمشاهد، إلى جانب ضمان خروج الفيلم فى أفضل صورة ممكنة على الشاشة، فى قالب يمزج بين ثقل العمل الوثائقى وجاذبيته للمشاهد.

«الوثائقية» تعمل على بناء خريطة عرض متكاملة للأعمال المرتبطة بذكرى أكتوبر، بحيث لا تقتصر الاحتفالية على استعادة مشاهد النصر، إنما تمتد إلى تقديم قصص القادة والجنود والأبطال ممن أسهموا فى صناعة هذا الانتصار.

فيلم «الشاذلى.. رئيس أركان النصر» يمثل إضافة مهمة إلى هذه الخريطة، بما يقدمه من رحلة تمتد من سنوات التكوين الأولى للفريق سعد الدين الشاذلى، مرورًا بمحطاته العسكرية المختلفة، ودوره فى التخطيط والإعداد لمعركة العبور.

مدير إدارة المنتجين الفنيين.. محمود توفيق:  تنوع كبير فى المواد البصرية والأرشيفية

محمود توفيق
محمود توفيق

فيلم «الشاذلى.. رئيس أركان النصر» يمثل تجربة مهمة على مستوى الإنتاج الفنى، نظرًا لطبيعة الشخصية التى يتناولها، وتعدد المراحل التاريخية التى يرصدها، وما تفرضه هذه المراحل من تنوع كبير فى المواد البصرية والأرشيفية المستخدمة داخل الفيلم، فى إطار حرصنا على تكامل العناصر الفنية لخدمة العمل، حتى يصبح مرجعية للأجيال المقبلة.

الفيلم يعتمد على الاستفادة من الوثائق والصور والمواد الأرشيفية باعتبارها عناصر أساسية فى بناء الفيلم الوثائقى، مع الحرص على تحقيق التكامل بينها وبين شهادات الضيوف، إلى جانب التعليق الصوتى الذى يلعب دورًا رئيسًا فى الفيلم، ويساعد المشاهد على الانتقال بين المراحل والأدوار المختلفة التى عاشها وأداها الفريق سعد الدين الشاذلى.

القيمة الفنية فى الفيلم لا تنفصل عن القيمة التوثيقية، إذ يهدف فريق العمل إلى تقديم معالجة بصرية تحافظ على طبيعة الفيلم الوثائقى، وفى الوقت نفسه تمنح المشاهد تجربة مشاهدة قادرة على استعادة تفاصيل مراحل مهمة من التاريخ العسكرى المصرى.

مراحل إنتاج الفيلم شهدت اهتمامًا خاصًا بالتفاصيل، بدءًا من جمع المواد ومراجعتها، وصولًا إلى توظيفها داخل البناء البصرى للعمل، بما يضمن تقديم سيرة الفريق الشاذلى بصورة تليق بمكانته وبأهمية حرب أكتوبر فى الذاكرة المصرية.

رئيس قطاع الإنتاج الوثائقى بالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية.. شريف سعيد: فرصة للتعريف بأبرز قادة أكتوبر

 

شريف سعيد
شريف سعيد

فيلم «الشاذلى.. رئيس أركان النصر» يأتى فى إطار اهتمام قناة «الوثائقية» بتوثيق بطولات القوات المسلحة المصرية، وتسجيل سير قادتها من صناع نصر أكتوبر المجيد.

الفيلم يأتى كذلك تلبيةً للحاجة إلى تقديم المروية المصرية فى مواجهة المرويات المضللة التى يروج لها العدو أو تروج لها الجماعات الإرهابية، حتى لا تُترَك الأحداث الوطنية الكبرى، بأبطالها وشخوصها، وفى مقدمتها حرب أكتوبر المجيدة، مادة للتشويه أو الاختزال أو قلب الحقائق من جانب الأبواق الدعائية المُعَادية.

الفريق سعد الدين الشاذلى يمثل نموذجًا مهمًا للقائد العسكرى الذى ارتبط اسمه بالتخطيط والإعداد لحرب أكتوبر، ولذلك كان من المهم تقديم سيرته، والاقتراب من تكوينه الإنسانى والعسكرى، والوقوف على مراحل تطوره الفكرى والمهنى، وصولًا إلى دوره فى التخطيط لمعركة العبور، والمشاركة فى إدارتها من داخل غرفة العمليات الرئيسة.

الفيلم يعتمد على رحلة بحث وتقصٍّ واسعة، تجمع بين الشهادات والوثائق والمواد الأرشيفية النادرة، بما يسمح بتقديم صورة أكثر اكتمالًا وعمقًا عن «الشاذلى»، ويمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف بعمق على أحد أبرز قادة النصر.

صناعة الفيلم الوثائقى أصبحت جزءًا أساسيًا من عملية صناعة الوعى والإدراك، ومراكمة البناء المعرفى، وسلاحًا استراتيجيًا لدعم مناعة المتلقى المصرى والعربى فى مواجهة مرويات الجماعات المعادية.

«الوثائقية» حريصة على توثيق بطولات الجيش المصرى وتسجيل سيّر قادته، لإعطاء القدوة للأجيال الجديدة، وحتى تصبح هذه الأعمال الوثائقية مرجعية لمن لم يعاصروا تلك الأحداث أو يشاهدوا هؤلاء الأبطال.

«الشاذلى.. رئيس أركان النصر» يأتى هذا العام فى إطار استكمال سلسلة من الأعمال الوثائقية التى ينتجها قطاع الإنتاج الوثائقى بالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، بهدف تسجيل سير أبطال الجيش المصرى، مثل «الجمسى»، و«أحمد إسماعيل.. وزير حربية النصر»، و«عبد المنعم رياض.. سيرة المقاتل الشهيد»، و«البطل أحمد عبدالعزيز».

مدير إدارة المحتوى.. إمام أحمد: يواجه المرويات المضللة لأعداء الوطن

إمام أحمد
إمام أحمد

قال الكاتب الصحفى إمام أحمد، إن فيلم «الشاذلى.. رئيس أركان النصر» لا يكتفى بتوثيق الدور العسكرى للفريق سعد الدين الشاذلى خلال حرب أكتوبر، وإنما يعود إلى البدايات الأولى فى حياته، لرصد المراحل التى أسهمت فى تكوين شخصيته العسكرية وصياغة رؤيته وفكره، مؤكدًا أن الفيلم يواجه المرويات المضللة التى تحاول اختزال الحقائق، ويقدم الفريق الشاذلى كأحد أبناء المؤسسة العسكرية المصرية وأحد صناع نصر أكتوبر.

وأوضح أن الفيلم يتتبع مسيرة الشاذلى منذ نشأته فى قرية شبراتنا بمحافظة الغربية، ثم انتقاله إلى القاهرة والتحاقه بالكلية الحربية، مرورًا بمشاركته فى حرب فلسطين، وتأسيسه أول كتيبة مظلات فى الجيش المصرى، وصولًا إلى مشاركاته العسكرية فى الكونغو واليمن، ثم دوره المهم خلال حرب الاستنزاف. وأضاف أن أهمية الفيلم تنبع من محاولة قراءة هذه المحطات باعتبارها حلقات متصلة فى مسيرة قائد كان حاضرًا فى عدد من أهم مراحل إعادة بناء وتطوير القدرات العسكرية المصرية، قبل أن يصل إلى محطة السادس من أكتوبر ١٩٧٣، حيث كانت تنتظره مهمته الأسمى كأحد صناع النصر.

وأكد أن العمل يستند إلى مواد أرشيفية ووثائق وشهادات متنوعة، بهدف تقديم سيرة موثقة ومتعددة الزوايا، تتيح للمشاهد التعرف على الشاذلى قائدًا عسكريًا وصاحب تجربة فكرية وإنسانية متراكمة.

كاتب ومُعد.. أحمد عاطف: يكشف دوره المنسى فى حرب 48

أحمد عاطف
أحمد عاطف

حينما جلست لأحاور حفيد الفريق سعد الدين الشاذلى عن جده وعن مفاتيح شخصيته، سألته عن علاقة الفريق الشاذلى بلعبة الشطرنج منذ صغره، لم تكن الإجابة عابرة فقد فاجأنى بأن أحدًا من أحفاده لم يتمكن يومًا من هزيمته فى الشطرنج ولو مرة واحدة، ثم كشف لى عن سر اللعبة عنده، موضحًا: «كان يضع نفسه مكان الخصم، يفكر بعقله، ويتوقع حركته التالية قبل أن تقع». من هذه اللحظة بدأ مفتاح المعالجة يتضح أمامى، لم تعد الشطرنج مجرد هواية فى حياة الشاذلى بل مدخلًا لفهم عقله العسكرى، كيف يرى الرقعة كاملة، وكيف يقرأ العدو، وكيف لا يتحرك برد فعل سريع، بل وفق تصور أوسع ومسار محسوب، وهنا تحديدًا أدركت أن قوة الشاذلى لم تكن فقط فى تكوينه كضابط تولى لاحقًا تأسيس أولى كتائب وحدات المظلات، رغم أن ضابط العمليات الخاصة يرتبط فى الوعى بالقوة البدنية والصلابة الميدانية، وإنما كانت قوته الأعمق فى عقله وفى قدرته على التفكير والتحليل والمناورة واتخاذ القرار تحت الضغط.

بالنسبة لى، لم يكن سهلًا أن تكتب عن رجل تحدث كثيرًا فى حياته عما فعل، ودون آراءه، وخاض معاركه الفكرية والعسكرية والسياسية بوضوح، ولم يكن سهلًا أيضًا أن تقترب من شخصية يطرح اسمها دائمًا فى كل احتفال من احتفالات أكتوبر، ومعه سؤال متكرر: لماذا لم يُصنع فيلم عن الشاذلى؟ لذلك شعرت وزملائى بأن هذا الفيلم يجب أن يكون إجابة هادئة دون ضجيج، على أهمية الرجل ودوره فى أكتوبر، وفى محطات أخرى من تاريخ مصر العسكرى.

ربما يعرف الكثيرون الشاذلى بوصفه رئيس أركان القوات المسلحة خلال حرب أكتوبر ١٩٧٣، لكن مسيرته أوسع من هذه اللحظة مهما كانت عظيمة، فهناك دوره فى الحرب العالمية الثانية، حرب فلسطين ١٩٤٨، العدوان الثلاثى عام ١٩٥٦، وفى تأسيس المظلات والجمع بينها مع الصاعقة، وفى منطقة البحر الأحمر، وفى حرب اليمن، وقيادته لأول مجموعة حفظ سلام مصرية فى الكونغو، فبالطبع نحن أمام رجل لم يمر على العسكرية المصرية مرورًا عابرًا بل ترك أثرًا فى أكثر من محطة. كان علينا أيضًا أن نقترب من المناطق المركبة فى سيرته وعلى رأسها علاقته بثورة يوليو ١٩٥٢ والضباط الأحرار، علاقته بجمال عبدالناصر، سنواته الدبلوماسية كسفير لمصر فى بريطانيا والبرتغال، ثم كتاباته العسكرية التى قدمته لا كقائد ميدانى فقط، بل كمفكر استراتيجى أضاف إلى المكتبة العسكرية العربية، فى وقت ظل فيه كثير من الاهتمام العربى بالفكر العسكرى متجهًا إلى الخارج مثل «كلاوزفيتز» و«أيزنهاور» وغيرهما.

ومن أهم النقاط التى حاولنا التعامل معها بإنصاف، كانت مسألة اختلاف وجهات النظر أثناء الحرب، خصوصًا ما ارتبط بتطوير الهجوم، فكان «الشاذلى» صاحب رأى يدافع عنه، لكنه فى الوقت نفسه ظل عسكريًا منضبطًا يدرك معنى التراتبية وتنفيذ التعليمات، وحتى فى لحظات الخلاف بقى جوهر موقفه وطنيًا، كما كانت دوافع الأطراف الأخرى وطنية أيضًا، وفى مقدمتها تخفيف الضغط عن الجبهة السورية.

ما جذبنى فى شخصية الشاذلى أنه لم يكن رجلًا ذا بعد واحد، بل كان قائدًا ومخططًا ومقاتلًا ودبلوماسيًا، وكاتبًا وصاحب رأى، رجلًا يعرف متى يعترض ومتى ينفذ ومتى يحافظ على البروتوكول العسكرى حتى فى أصعب اللحظات.

ربما لا يعرف كثير من الشباب أن العبور لم يكن لحظة اندفاع كبرى فقط، بل منظومة دقيقة حُسبت فيها كل تفصيلة من ترتيب جلوس المقاتلين داخل قوارب العبور، إلى تسليحهم وما يجب أن تفعله كل قوة خلال الساعات الأولى من القتال، وهنا تظهر القيمة العظيمة لـ«التوجيه ٤١» الذى وضعه الفريق سعد الدين الشاذلى، كوثيقة حددت مهام الجميع وأوامرهم خلال العبور والاشتباك، من المجند فى الصفوف الأولى إلى القائد فى موقع القرار.

وفى شهادات العائلة، حضرت أيضا مساحة مهمة من الاعتزاز بتكريم القوات المسلحة لاسم الفريق سعد الدين الشاذلى، وتأكيد فخر الأسرة بامتداد علاقتها بهذه المؤسسة الوطنية العريقة، خاصة مع تسمية دفعة عسكرية باسمه، وإطلاق اسمه على عدد من الطرق والمحاور والميادين، وتكريم اسمه من الرئيس عبدالفتاح السيسى فى اليوبيل الذهبى لانتصارات أكتوبر.

بالنسبة لى، كان فيلم «الشاذلى» محاولة للاقتراب من عقل رجل ظل يفكر كأنه أمام رقعة شطرنج واسعة، بينما كانت رقعته الحقيقية دائمًا هى الوطن.

مسئول الأرشيف.. وسيم عفيفى:  تكليفى بالأرشيف أزال غصّة قديمة عالقة فى ذاكرتى

وسيم عفيفى
وسيم عفيفى

كانت سعادتى غامرة حين صدر تكليف من إدارة قناة الوثائقية بأن أتولى تجهيز أرشيف فيلم عن الفريق سعد الشاذلى. لم يكن سبب سعادتى أن الفيلم سيصبح، بالضرورة، جزءًا من تاريخى الشخصى، بقدر ما كان يمثل لى حالة من السعادة الذاتية، على المستوى المهنى والنفسى.

ومن هنا وجدتنى أسأل نفسى: ما الذى يجعل أرشيف فيلم سعد الشاذلى متعة نفسية بالنسبة إلىّ؟

ظهيرة التاسع من فبراير ٢٠٢٦، اتصل بى الأستاذ إسلام سليمان، وطلب منى الحضور إلى ستديو القناة للقاء الزميل الأستاذ أحمد عاطف رمضان، وتسلم مادة نادرة تخص أرشيف فيلم الفريق سعد الشاذلى وتصويرها. ذهبت، وتسلمت المادة، وفى طريقى كنت أشعر بفخر لا يخلو من سؤال داخلى: صحيح أننى أمسك وثائق تخص رجلًا لن ينساه التاريخ، لكن لماذا أسعدنى الأمر إلى هذا الحد؟

سرعان ما وجدت الإجابة فى مكان أبعد من الأرشيف نفسه.

كنت أوثق لشخصية لم أعرفها إلا فى بدايات صباى، حين دخل اسمها إلى وعيى للمرة الأولى عبر خبر عاجل على الشريط الأحمر فى شاشة التليفزيون المصرى. كان ذلك فى فبراير ٢٠١١.

ثم، فى الفصل الدراسى الثانى من السنة الأولى بالجامعة، وجدت صورته على الأرصفة، على غلاف مذكراته. كان اسمه حاضرًا فى كل مكان، وصخب الحديث عنه كبيرًا. اشتريت نسخة من المذكرات، وبدأت القراءة، وكانت دهشتى حقيقية.

كيف لم أسمع، طوال سنوات مشاهدتى منذ المرحلة الابتدائية لما تيسر من البرامج والأفلام التسجيلية والتاريخية، عن هذا الرجل؟ كيف مرّ اسمه بعيدًا عنى، وهو الفريق سعد الشاذلى، أحد أبرز الأسماء فى تاريخ العسكرية المصرية؟

من هنا بدأت رحلة التعرف إليه. قرأت مذكراته، ثم تابعت ما أتيح على يوتيوب، ومع مرور الوقت اتسع حضور الرجل فى الأفلام الوثائقية والأعمال التسجيلية.

لكن ظلّت لدى غصّة، غصّة الأرشيفجى تحديدًا.

كان الأرشيف الصحفى المتعلق بسعد الشاذلى فقيرًا، لأسباب ارتبطت بصعوبة الوصول إلى المواد الأرشيفية فى ذلك الوقت. وبالطبع، لا أضع الصحافة فى منزلة مذكرات الرجل أو لقاءاته، لكنها تظل قطعة مهمة فى الصورة، وشاهدًا يساعد على استكمالها.

ولهذا، حين كُلّفت بأرشيف الفيلم، شعرت بشىء يتجاوز فرحة العمل نفسه. كأن غصّة قديمة علقت فى ذاكرتى منذ سنوات، وجاء هذا التكليف ليزيلها أخيرًا. فشعرت بسعادة غامرة.

الباحث فى الجرائد القديمة، حين يبلغ مرحلة معينة من الوله بها، يبدأ فى الإحساس بسرعة الزمن أكثر من إحساسه بثقل السنوات. لا يدرك كثرتها إلا إذا توقف وحسب الفارق بينها.

فإذا كان بين يديه أرشيف صحيفة يومية يمتد لخمسين عامًا فى ملفات PDF، أو مجلدات من الجرائد الورقية، تكفى ضغطة على الماوس مع زر من لوحة المفاتيح، أو تقليب فاصل القراءة القماشى، لينتقل من سنة إلى أخرى، ومن حدث إلى آخر، كأن نصف قرن لم يكن سوى لحظة.

وهذا الإحساس بسرعة الزمن، من دون الشعور بكثرة السنوات، قد يصبح خطيرًا إذا تحولت النوستالجيا إلى مرض؛ لأن الأرشيف، فى هذه الحالة، لا يعيدك إلى الماضى فحسب، بل يجعلك تتحرك داخله وكأنك تعرف نهايته قبل أبطاله. 

الأرشيفجى، بحكم عمله، قد يجد بين يديه زمنًا لم يولد فيه أبوه، وربما لم يكن جده قد وُلد فيه أيضًا. وقد يحدث، فى فيلم من الأفلام، أن يكون الزمن الذى يبحث فيه هو نفسه زمنًا عاش الأرشيفجى جزءًا منه طفلًا، من دون أن يعرف أن السنوات ستمضى، وأنه سيعمل يومًا فى مؤسسة تتناول تلك الفترة، فيعود إليها من باب الأرشيف، ويوثق ما كان يراه بعين الطفل ولا يفهمه آنذاك.

هنا تتداخل الذاكرة مع القصاصة.

يستعيد الأرشيفجى شيئًا من طفولته وصباه، ثم يمد يده إلى زمن أقدم منه، فيتنقل بين أزمنة لم يعش بعضها، وعاش بعضها الآخر من دون أن يدرك قيمته. وبين كل هذه الأزمنة، لا يعود الأرشيف مجرد مادة للفيلم، ولا تصبح القصاصة مجرد ورقة قديمة؛ إنما يتحول الاثنان إلى جسر بين حياة عاشها الإنسان وحقبة لم يعشها، وبين ما عرفه طفلًا وما اكتشفه رجلًا، وما سيظل يكتشفه ما دام حيًا.

وربما لهذا تكون متعة الأرشيفجى مختلفة: فهو لا يبحث عن الماضى فقط، بل يعيش معه على نحو لا تسمح به الحياة العادية؛ يعرف بدايات الحكايات ونهاياتها، بينما أبطالها أنفسهم كانوا يمضون فى أيامهم من دون أن يعرفوا ما الذى ينتظرهم فى الصفحة التالية.

منتج فنى.. إسلام سليمان:  اجتهدنا فى تصميم مواقع التصوير والجرافيك

إسلام سليمان
إسلام سليمان

بالنسبة لى كمنتج فنى لفيلم «الشاذلى» على شاشة «الوثائقية» لم يكن الأمر مجرد إدارة لتفاصيل إنتاجية، بل مسئولية أمام تاريخ كبير وشخصية استثنائية فى الذاكرة الوطنية المصرية، خاصة وأنه منذ اللحظة الأولى كان واضحًا أننا لا نعمل على مشروع وثائقى عادى، ولا على سيرة يمكن المرور عليها بسرعة، بل كنا أمام اسم كبير فى تاريخ العسكرية المصرية، وأمام رجل ارتبط فى وعى المصريين بالتخطيط والانضباط والعبور ونصر أكتوبر، لذلك كان علينا أن نساعد فى خروج العمل بالشكل الذى يليق بقيمة الفريق سعد الدين الشاذلى ومكانته.

الفيلم الوثائقى لا يقوم فقط على الفكرة الجيدة أو النص القوى، لكنه يحتاج إلى بناء كامل خلف الكاميرا، من بحث، أرشيف، مواقع تصوير، تنسيق، جرافيك، مونتاج، ومتابعة مستمرة لكل تفصيلة حتى تصل الصورة النهائية إلى المشاهد كما ينبغى.

وكان التحدى الأساسى هو أن نوفر للفريق كل ما يساعده على الاقتراب من الشخصية، من المواد الأرشيفية والشهادات إلى المعالجة البصرية التى تمنح الحكاية روحها دون أن تفقد صدقها، فالشاذلى لم يكن مجرد قائد عسكرى بل كان رمزًا من رموز نصر أكتوبر وشخصية تحتاج فى تقديمها إلى حساسية خاصة واحترام شديد للوقائع وللذاكرة الوطنية.

من أكثر ما شعرت به أثناء العمل أن كل مرحلة فى الفيلم كانت تحمل اختبارًا مختلفًا، فأحيانًا يكون التحدى فى العثور على مادة أرشيفية مناسبة وأحيانًا فى توظيفها داخل البناء الدرامى للفيلم، وأحيانًا أخرى فى خلق إيقاع بصرى يحافظ على جدية الموضوع وفى الوقت نفسه يجذب المشاهد، خاصة الأجيال الجديدة التى نريد أن تقترب من هذه الشخصيات وتراها كقدوة حقيقية لا كأسماء بعيدة فى كتب التاريخ.

فيلم «الشاذلى» بالنسبة لى كان تجربة أعتز بها؛ لأنها جمعت بين العمل المهنى والشعور الوطنى، كنا نعمل ونحن ندرك أن ما نقدمه ليس مجرد حكاية رجل، بل جزء من حكاية وطن وجيل دفع ثمن النصر من عمره وجهده وعرقه.

الباحثة.. ليليت فهمى: تكريم واعتراف بعظمة صاحب أقوى الخطط العسكرية

ليليت فهمى
ليليت فهمى

البحث عن سعد الدين الشاذلى رحلة طويلة جدًا بين هضاب وسهول وجبال وعرة للشخصية، تبدأ باسم يبدو لغزًا أو متاهة شيقة، نبحث عن مفاتيحها، مداخلها ومخارجها، حياة كاملة مشحونة بالتفاصيل الغنية متوجة بالبطولة والانتصارات، محفوفة بالخطر أيضًا.

ومن البحث بين دفاتر التاريخ المروى على لسان أصحابه أو معاصريه كانت النواة الأولى فى رحلة تستمر حتى نهاية الفيلم الوثائقى، حول سؤال مركزى: «من هو سعد الدين الشاذلى؟».

فى هذه التجربة كنت مسئولة عن الحلقة الأولى فى رحلة صناعة الفيلم، وهى إعداد البحث الذى سيقودنا فى الرحلة كدليل استرشادى يشتبك فيما بعد مع الوثائق والشهادات.

كنت ممتلئة بالشغف كى أعرف أكثر عن الشخصية التى ما إن ذُكِرت ذُكِر معها نصر أكتوبر المجيد، والضربات الأولى للمعركة التى أعادت ترتيب وحسابات القوة العسكرية فى العالم.

إن بحثًا حول شخصية عسكرية تاريخية ارتبطت بالبطولة يضع الباحث أمام أفق توقعات يتحدد بأفكار مسبقة فوق بشرية عن الصورة الأسطورية للبطولة، الحياة العسكرية بكل قسوتها وجفافها، والطبيعة الخشنة لرجل الحرب ذى الدهاء والحيلة.

غير أن رحلة البحث قادتنى إلى لحظات متدفقة أكثر بشرية وإنسانية مما توقعت، صبغت تاريخه البطولى الاستثنائى بلمسات درامية من لحم ودم، بداية من حياة طفل مصرى ولد بالريف وتشكلت ذاكرته الأولى فى هذه البيئة الثرية بمفردات الطبيعة الزراعية وتاريخها الحضارى.

طفل مولود فى عائلة وطنية ذات أصول عريقة بمحافظة البحيرة، ويتوسط عددًا غير قليل من الإخوة الأشقاء وغير الأشقاء، وسمى «سعد» تيمنًا بزعيم مصر الوطنى سعد زغلول.

وبانتقال الأسرة إلى المدينة يفقد الطفل هذه البيئة الحاضنة الأولى، لكنها ستظل إلى الأبد مضيئة بالذاكرة، نقطة يستدعيها كلما فكر فى الوطن وضاقت به السبل.

لم تكن المدينة بالنسبة له المنفى، إنما كان لها وجوه أخرى كثيرة رسمت مشواره، على رأسها التحاقه بالكلية الحربية، حيث رتب له القدر مسيرة طيبة ملؤها الكفاح والبطولة.

عام ١٩٤٠ تخرج فى الكلية الحربية، وبدأت مسيرة من البطولات فى كل معركة خاضها. بدأت هذه المعارك فى حفر اسمه محليًا ودوليًا بحروف من نور، من الفيلق المصرى فى الحرب العالمية الثانية، إلى حرب فلسطين، ثم التصدى للعدوان الثلاثى، وحرب اليمن، و«النكسة»، وحرب الاستنزاف، وصولًا إلى أكتوبر ١٩٧٣.

فى كل هذه المعارك هنالك معركتان فارقتان فى مسيرته، الأولى فى الحرب العالمية الثانية. عندما كانت القوات المصرية والبريطانية تواجه القوات الألمانية فى الصحراء الغربية، وصدرت الأوامر بالانسحاب، بقى الملازم الشاذلى ليدمر المعدات الثقيلة المتبقية فى وجه القوات الألمانية المتبقية، وقد أكسبته هذه الواقعة شهرة عسكرية واسعة. أما الثانية فتشترك مع الأولى فى رفض الانسحاب، وفى تلك الشجاعة الفريدة المميزة للجندى المصرى. غير أن الثانية التى جرت أحداثها خلال «النكسة» بلورت لدى «الشاذلى» فكرة الثأر، وتعتبر هى اللحظة الممهدة لمشهدية أكتوبر ١٩٧٣ بكل ألقها. كان «الشاذلى» وقتها على رتبة لواء، يقود وحدة من القوات المصرية الخاصة عرفت باسم «مجموعة الشاذلى» ومهمتها تأمين وسط سيناء. وفى ظل انقطاع الاتصالات بين القيادات العسكرية، وبالتالى انعدام المعلومات والتعليمات، اتخذ «الشاذلى» قرارًا جريئًا بأن يعبر بقواته الحدود الدولية ويتمركز داخل الأراضى الفلسطينية. وبذلك كان يتقدم تجاه العدو فى الوقت الذى كانت الهزيمة والانسحاب هما محددات اللحظة التاريخية.

وبعد أيام من الصمود والمقاومة والحركة الدقيقة بين الجبال وصلت التعليمات بالانسحاب ليعود «الشاذلى» بوحدته بأقل خسائر، بشرية وبرغبة أكيدة فى الثأر الذى سيكلل بالنصر فى أكتوبر ١٩٧٣. هذه المرة يعود «الشاذلى» ليكشف عن وجه آخر خلاف قدراته كمحارب وقائد ومؤسس لسلاح المظلات وغيرها. هذه المرة يكشف عن قدرات استراتيجية هائلة واستبصارات شاملة وإمكانات عملية فى قياسات القدرة القتالية للعدو وحدود قوته. هذه المرة عاد كرئيس أركان للجيش المصرى، ليعد واحدة من أكثر الخطط الحربية تميزًا فى تصميمها ودقة تنفيذها، وهى خطة العبور أو ما عرفت كوديًا بخطة «المآذن العالية».

هذه الرحلة الحافلة لرجل قام بأدوار بطولية فى تاريخ جيش من أقدم جيوش العالم وأكثرها وطنية، لا تطرح فقط صورًا جافة من التاريخ، إنما تكشف عن فرادة إنسانية وصور عديدة ملهمة من الرجل ذاته.

المخرج.. إبراهيم السيد:  مسئولية تاريخية أمام أجيال لم تعش الحرب

إبراهيم السيد
إبراهيم السيد

نحن جيل تربى على أن أكتوبر ليست مجرد نصر عسكرى فى كتب التاريخ، بل جزء حى من الذاكرة الوطنية المصرية، لذلك حين يأتى إليك مشروع لتقديم سيرة رجل كان فى قلب هذه اللحظة الفارقة، وأحد صناع النصر، فإنك لا تستقبل العمل باعتباره فيلمًا وثائقيًا جديدًا، بل باعتباره مسئولية أمام التاريخ وأمام المشاهد وأمام أجيال لم تعش الحرب، لكنها تستحق أن تعرف كيف صُنعت لحظة العبور. كنت سعيدًا وفخورًا بأن أكون جزءًا من فيلم عن الفريق سعد الدين الشاذلى على شاشة «الوثائقية»، فمثل هذه الشخصيات يجب أن تعود إلى ذاكرة الأجيال الجديدة، لا باعتبارها أسماء محفوظة فى مناسبات وطنية، بل كنماذج إنسانية ملهمة صنعت تاريخ هذا البلد بالإيمان والعلم والانضباط والتضحية.

سعد الدين الشاذلى شخصية استثنائية فى تاريخ العسكرية المصرية، لا يمكن اختزاله فى منصبه كرئيس لأركان حرب القوات المسلحة خلال حرب أكتوبر، رغم أن تلك كانت لحظة توهجه الكبرى، ولا فى دوره المحورى فى نصر العبور، رغم أنها الصفحة الأكثر حضورًا فى الوجدان العام، نحن أمام رجل ممتد فى تاريخ مصر العسكرى، من حرب ١٩٤٨ إلى دوره فى تأسيس أولى وحدات المظلات والصاعقة فى الجيش المصرى، وصولًا إلى دوره البطولى فى أكتوبر.

منذ اللحظة الأولى، كنا ندرك أننا لا نتعامل مع شخصية عسكرية عادية. لذا لم نكن نريد أن نصنع فيلمًا يكتفى باستعراض السيرة والبطولات، بل أردنا أن نقترب من الإنسان خلف القائد، ما الذى شكله؟ ما التجارب التى صقلته؟ ما المؤثرات التى صنعت هذا العقل العسكرى شديد النظام؟ كان السؤال الأساسى الذى صاحبنا طوال الرحلة «من هو سعد الشاذلى؟».

قضى فريق العمل وقتًا طويلًا بين الوثائق والشهادات والصور والتسجيلات والمواد الأرشيفية، المكتوبة والبصرية، فعندما تقدم شخصية مثل «الشاذلى»، فأنت أمام تاريخ طويل لا أمام سيرة يمكن اختزالها بسهولة، خاصة أن هناك مراحل عسكرية وسياسية وإنسانية متشابكة، وأحداث يعرفها الجمهور، وأخرى تحتاج إلى بحث وتدقيق، مع تحدى حقيقى يتمحور حول كيف نختصر هذا التاريخ دون أن نختزل من عظمة صاحبه؟

حاولنا أن نقدم للمشاهد، خاصة الجيل الجديد، صورة لجيل الآباء والأجداد الذين ضحوا كى يعيش الوطن فى أمن وسلام وانتصار. لكن الفيلم الوثائقى- فى رأيى- لا يكفى أن يقول للمشاهد ماذا حدث، عليه أن يجعله يقترب من الحدث ويشعر بالشخصية ويرى ما وراء الوقائع.

كان من أصعب التحديات تحقيق التوازن بين الدقة التاريخية واللغة السينمائية، فبعض المراحل لم تكن تملك مادة بصرية كافية لسردها بالطريقة التقليدية. كما أن المادة الأرشيفية نفسها كانت متفاوتة فى الجودة والمصدر وتحتاج إلى تعامل شديد الحساسية، لذلك لجأنا فى بعض المشاهد إلى تقنيات «الذكاء الاصطناعى» لخلق معادل بصرى مناسب دون الإخلال بروح الحقيقة أو احترام الذاكرة.

أخيرًا، لا يسعنى إلا أن أتوجه بالشكر إلى كل زملائى وفريق العمل الذين شاركونى هذه الرحلة، فى البحث والإعداد والتصوير والمونتاج والجرافيك والأرشيف وكل تفاصيل صناعة الفيلم. هذا العمل ثمرة جهد جماعى، وأتوجه بكل الشكر والتقدير إلى قناة «الوثائقية» والشركة المتحدة للخدمات الإعلامية على دعمهما وحرصهما على تقديم أعمال توثق تاريخ مصر وشخصياتها الوطنية.