السبت 17 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

مواجهة صريحة.. دسوقى سعيد: «سيدة القصر» منقول من أعمالى وليس تأليف سهير عبدالحميد!

حرف

- راجعته صفحة بصفحة ورأيت صياغاتى التى كتبتها بيدى فى الكتاب

- الإشارة إلى اسم كتاب لا تعنى تلقائيًا أن كل حجم النقل يصبح مشروعًا

- رصدت مواضع منقولة تتعلق بالندابات وطعام العزاء وطقوس الزواج فى «زنوبة»

تعود قضية المترجم دسوقى سعيد مع كتاب «سيدة القصر.. اغتيال قوت القلوب الدمرداشية» لمؤلفته سهير عبدالحميد، إلى الواجهة، فى نزاع يدور حول حدود الاقتباس وحقوق المترجم الأدبى، بعدما أعلن عن اكتشافه فى يوليو 2026 مواضع فى الكتاب يرى أنها تتطابق أو تتقارب بصورة لافتة مع صياغاته العربية فى ترجمتىْ «رمزة ابنة الحريم» و«زنوبة»، اللتين صدرتا بالعربية عامى 1999 و2000. القضية لا تتعلق بمجرد تشابه فى المعلومات حول الأديبة المصرية قوت القلوب الدمرداشية، وإنما تمتد إلى صياغات عربية وترتيبات وتفاصيل يرى دسوقى سعيد أنها تستوجب المقارنة والفحص الفنى، وهو ما دفعه إلى اللجوء للقضاء، مؤكدًا أنه لا يخوض خصومة شخصية مع مؤلفة «سيدة القصر»، وأن الفصل فى مدى ثبوت ما يطرحه من ادعاءات يظل من اختصاص القضاء والخبرة الفنية.

فى حواره مع «حرف»، يتحدث دسوقى سعيد عن علاقته المباشرة بأسرة قوت القلوب وأبنائها، وكواليس ترجمته لأعمالها، وكيف اكتشف مواضع التشابه التى أثارت اعتراضه، وطبيعة المقارنات التى أجراها بين النصوص العربية والأصول الأجنبية، إلى جانب تفاصيل العقود والمستندات التى يستند إليها فى دعواه، ورؤيته لموقع المترجم الأدبى وحقوقه الإبداعية.

دسوقى سعيد
دسوقى سعيد

■ بداية.. كيف ومتى بدأت قصتك مع قوت القلوب الدمرداشية لأول مرة؟

- بدأت قصتى مع قوت القلوب الدمرداشية منذ سنوات طويلة، عندما تعرفت إلى أعمالها واكتشفت أننا أمام أديبة مصرية كبيرة كتبت بالفرنسية، لكنها كانت فى ذلك الوقت بعيدة نسبيًا عن معرفة القارئ العربى.

ما أثار اهتمامى أن كتاباتها، رغم صدورها بالفرنسية، كانت شديدة الارتباط بالمجتمع المصرى وتفاصيله: عالم الحريم، وضع المرأة، الأسرة، العادات، الموروث الشعبى، والعلاقات الاجتماعية فى عصرها.

ثم تطورت علاقتى من الاهتمام الأدبى إلى معرفة مباشرة بأسرة قوت القلوب نفسها. عرفت الدكتور محسن الدمرداش، وعرفت المهندس الدكتور أحمد الدمرداش، ابن قوت القلوب وشيخ الطريقة الدمرداشية، وكانت لى صلة مباشرة بالأسرة وبالبيت الكبير خلف مستشفى الدمرداش، كما كنت أشارك فى الحضرة التى كانت تقيمها الطريقة الدمرداشية.

هذه العلاقة المباشرة هى التى جعلت علاقتى بقوت القلوب مختلفة عن علاقة باحث قرأ عنها لاحقًا فى الكتب. أنا تعرفت إلى أبنائها، ودخلت عالم الأسرة، وحصلت منهم على كتب وصور ومواد ووثائق.

ومن خلال هذه الصلة جاءت ترجمتى لـ«رمزة ابنة الحريم» و«زنوبة»، اللتين نشرتا بالعربية عامى ١٩٩٩ و٢٠٠٠. ويؤكد البيان الذى أصدرته أن الترجمتين العربيتين جاءتا بعد صدور الترجمتين الألمانيتين للعملين سنة ١٩٩٥، وأننى قدمت العملين إلى القارئ العربى فى تلك المرحلة.

وأعتقد أن هذه الخلفية مهمة لفهم القضية كلها؛ لأننى لم أكن مجرد مترجم وقع فى يده نص أجنبى، وإنما كانت لى علاقة مباشرة بالأسرة وبالمادة المتعلقة بحياة قوت القلوب وأعمالها.

■ فى بيان لك أشرت إلى أنك لم تعلم بواقعة التعدى على ترجماتك إلا فى يوليو ٢٠٢٦، عندما طالعت كتاب «سيدة القصر» لأول مرة؛ كيف اكتشفت تحديدًا مواضع التشابه، وما أول ما لفت انتباهك؟

- أول ما لفت انتباهى لم يكن مجرد وجود معلومات عن قوت القلوب، لأن المعلومة التاريخية بطبيعتها قد توجد فى أكثر من مصدر.

الذى لفت انتباهى أننى وجدت أمامى صياغات عربية أعرفها جيدًا لأنها صياغات سبق أن كتبتها بنفسى أثناء ترجمة «رمزة» و«زنوبة».

المترجم يعرف لغته ويعرف اختياراته، وخصوصًا عندما تكون العبارة لها صياغة خاصة أو تركيب غير مألوف أو إيقاع معين.

لذلك لم أعتمد على الذاكرة وحدها. عدت إلى النسخ المطبوعة من الروايتين، وبدأت المقارنة صفحة بصفحة مع «سيدة القصر».

ومن هنا بدأت تظهر أمامى سلسلة من المواضع، وليست واقعة منفردة. فى «رمزة» ظهرت مواضع مرتبطة بمقدمة الرواية، ومجتمع الحريم، وقصة الأم «إندشا»، وسباق الجوارى، ومكتبة الأب، وطقوس الحسد، والعروسة الورقية، والمربية الفرنسية، ومشهد المتحف، والجعارين، وطقوس الخصوبة، وقضية زواج رمزة وماهر، ومشهد الخاتمة.

وفى «زنوبة» ظهرت مواضع تتعلق بالندابات، وطعام العزاء، وطقوس الزواج، وعبدالمجيد وزيجاته، ونرجس وجولسيار، والمشاهرة، ووسائل تثبيت الحمل، والتمائم، والأغانى الشعبية وغيرها.

فالمسألة بالنسبة لى بدأت بسؤال بسيط: كيف ظهرت هذه الصياغات العربية نفسها أو القريبة جدًا منها فى كتاب لاحق؟

■ كيف أجريت المقارنة بين ترجمتك وكتاب «سيدة القصر»؟ وهل استعنت بخبير أو تقرير فنى متخصص؟

- بدأت المقارنة يدويًا وبشكل مباشر. وضعت «رمزة» و«زنوبة» إلى جانب «سيدة القصر»، وسجلت رقم الصفحة فى الرواية القديمة، والصفحة المقابلة فى الكتاب اللاحق، ثم بدأت تصنيف طبيعة التشابه، هل هو تطابق حرفى؟ هل هو تقارب شديد فى الصياغة؟ هل هو تلخيص لنفس المشهد أو الفقرة؟ هل تم الاحتفاظ بترتيب التفاصيل نفسها؟ هل هناك عبارة عربية ذات خصوصية تظهر فى الموضعين؟

ثم توسعت الدراسة لتشمل مقارنة «سيدة القصر» أيضًا بالمصادر الأرشيفية والمطبوعة والإلكترونية السابقة، والبيان يشير بالفعل إلى وجود دراسة تحليلية ترصد حجم الاقتباسات والنقل ومدى الأصالة فى الكتاب.

لكننى أحرص على الدقة: ما أعددته هو ملف تحليلى مقارن واسع، ولا أصفه بأنه تقرير خبير قضائى إلا إذا أعده خبير منتدب أو اعتمدته المحكمة.

■ ما طبيعة التقرير الفنى ومن أعده، وما أبرز نتائجه؟

- هو فى حقيقته ملف تحليلى مقارن واسع، يقوم على تفكيك متن «سيدة القصر» ومقارنته بما سبق نشره من ترجمات وكتب ومقالات ومواد أرشيفية وإلكترونية. والهدف ليس مجرد إثبات أن معلومة ما ظهرت سابقًا، وإنما تحديد طبيعة استخدامها.

هل هى معلومة عامة؟ هل هناك نقل حرفى؟ هل هناك تلخيص؟ هل هناك صياغة قريبة؟ هل هناك اعتماد على مصدر معروف؟ وهل تمت الإحالة إليه بصورة كافية؟ وقد ذكرت فى بيانى أن الدراسة التى أعددت فى هذا الإطار توصلت إلى وجود اعتماد واسع على مواد سابقة النشر، وطرحت مسألة مدى الإضافة الأصلية التى قدمها الكتاب.

أما «من أعده»، فإذا لم يكن هناك حتى الآن خبير قضائى باسمه وصفته وتوقيعه، فأنا أفضل أن أقول بوضوح إنه ملف تحليلى أُعد فى إطار مراجعة القضية، ولا أنسبه إلى جهة خبرة مستقلة لم تعتمد رسميًا.

■ ماذا عن حجم المادة التى تراها متطابقة، خاصة أن سهير عبدالحميد أشارت إلى ترجمتك كمصدر؟

- المقارنة أصبحت واسعة جدًا، وشملت عددًا كبيرًا من صفحات «رمزة» و«زنوبة» فى مواجهة «سيدة القصر». لكننى لا أريد أن أقدم نسبة رقمية قبل أن يكون هناك معيار ثابت للقياس.

■ هل نقيس بعدد الكلمات؟ أم بعدد الصفحات؟ أم بعدد المقاطع؟ هل نحسب التطابق الحرفى وحده أم التلخيص والتقارب الشديد أيضًا؟

- لذلك الوصف الأكثر دقة بالنسبة لى هو أن المادة محل الاعتراض كبيرة ومتكررة وموزعة على مواضع متعددة. أما كون ترجمتَى قد ذكرتا ضمن المصادر، فأنا أراه أمرًا لا ينهى السؤال.

ذكر المصدر شىء، وطبيعة وحجم استخدامه شىء آخر. فالإشارة إلى اسم كتاب لا تعنى تلقائيًا أن كل حجم النقل يصبح مشروعًا. لكن تحديد الحد القانونى المسموح به ليس دورى، وإنما دور القانون والخبرة والمحكمة.

■ ما الذى يجعل الأمثلة التى أوردتها تتجاوز حدود التشابه الطبيعى بين الكتب التى تتناول الشخصية نفسها؟

- لو كان التشابه يتعلق فقط بمعلومات مثل تاريخ الميلاد أو السفر أو أسماء أفراد الأسرة أو وقائع تاريخية معروفة، لما كان هذا محل اعتراضى. لكن ما أراه فى بعض المواضع هو اجتماع أكثر من عنصر فى وقت واحد: صياغة عربية مميزة، وترتيب معين للتفاصيل، وحوار أو تعبير خاص، وتسلسل للمشهد، ثم تكرار هذا النمط فى مواضع عديدة.

فى «رمزة» مثلًا نجد سلسلة من المواضع تبدأ من المقدمة ومجتمع الحريم، وتمتد إلى الجوارى والطقوس والمتحف والنزاع القضائى والخاتمة.

وفى «زنوبة» هناك سلسلة أخرى تشمل العزاء والزفاف والإنجاب والمشاهرة والتمائم والأغانى الشعبية وغيرها.

كل موضع منفرد يمكن مناقشته. لكن عندما تتراكم عشرات المواضع، يصبح من الضرورى فحصها كوحدة واحدة لا كجمل منفصلة.

■  كيف ترد على احتمال أن تكون بعض المواضع المتشابهة ناتجة عن الرجوع إلى الأصل الفرنسى أو إلى مصادر تاريخية مشتركة؟

- هذا احتمال مشروع ويجب فحصه. أنا لا أرفضه لمجرد أنه يطرح تفسيرًا مختلفًا عن موقفى. بل أقول: لنضع النصوص كلها أمامنا.

الأصل الفرنسى، والترجمة الألمانية، والترجمة الإنجليزية إن وجدت، وترجمتى العربية، ثم النص الموجود فى «سيدة القصر».

وبالنسبة لى، «الدليل الفاصل» ليس كلمة واحدة، وإنما تراكم الصياغات والترتيبات والتفاصيل الخاصة عبر عدد كبير من المواضع.

■  ما قصة الصورة النادرة لقوت القلوب التى حصلت عليها من الدكتور محسن الدمرداش؟

- هذه الصورة مهمة بالنسبة لى لأننى أعرف مصدرها بصورة مباشرة. الدكتور محسن الدمرداش أعطانى الصورة شخصيًا من بين ما كان يحتفظ به من والدته.

وقد ذكرت فى بيانى أنه قال لى ما معناه إن هذه من الأشياء التى ورثها عن والدته. ثم نشرت الصورة فى ترجمتى.

وعندما وجدتها لاحقًا فى المادة المستخدمة فى «سيدة القصر» أصبحت بالنسبة إلىّ إحدى القرائن التى تستحق الفحص.

وقد أشرت فى البيان أيضًا إلى أن الصورة، حسب النسخ التى كانت متاحة لى، لم تكن موجودة فى الطبعات الفرنسية القديمة ولا فى الألمانية أو الإنجليزية التى قارنتها.

لكننى لا أقول إن الصورة وحدها تحسم القضية. هى قرينة مصدرية تضاف إلى مجموعة أكبر من القرائن النصية والمستندية.

■ ما أهمية الأصول الفرنسية والنسخ الإنجليزية فى إثبات أن ترجمتك تمت عن النص الألمانى، وليس عن مصدر آخر؟

- من المهم أولًا تثبيت التسلسل بصورة دقيقة. قوت القلوب كتبت أعمالها بالفرنسية. أما ترجمتى العربية لـ«رمزة ابنة الحريم» و«زنوبة» فقد أنجزتها عن النسختين الألمانيتين اللتين صدرتا سنة ١٩٩٥، كما ذكرت فى بيانى.

وفى الوقت نفسه كانت لدى الأصول الفرنسية التى أهداها إلىّ المهندس الدكتور أحمد الدمرداش، ابن قوت القلوب. كما حصلت فيما بعد على الترجمات الإنجليزية الصادرة عن جامعة سيراكيوز.

وأهمية وجود الفرنسية والألمانية والإنجليزية مع العربية ليست فى إثبات أننى ترجمت من الفرنسية؛ بل العكس، هى تساعد على فحص سلسلة النصوص. أى: ما الموجود فى الأصل الفرنسى؟ ماذا فعلت الترجمة الألمانية؟ ماذا ورد فى الإنجليزية؟ وما الاختيار الذى صنعته أنا فى العربية؟ ثم نقارن هذه الصياغة العربية بالكتاب اللاحق. وهذه من أهم الطرق التى يمكن أن تساعد فى التمييز بين الرجوع إلى مصدر أجنبى مشترك وبين استخدام ترجمة عربية سابقة.

■ ما الذى تطلبه تحديدًا من القضاء المصرى؟ وهل ترى أن الحكم يمكن أن يمثل رسالة أوسع بشأن حماية المترجمين؟

- أطلب أولًا أن تفحص المحكمة النصوص والمستندات والخبرة الفنية بصورة دقيقة. أريد تحديد طبيعة العلاقة بين ما ورد فى ترجمتى «رمزة» و«زنوبة» وبين ما ورد لاحقًا فى «سيدة القصر».

وأطلب بعد ذلك ما يقرره القانون من حماية لحقوقى الأدبية والمادية إذا ثبتت الوقائع التى أستند إليها. لكننى لا أريد أن أستبق حكم المحكمة، ولا أن أصف النتيجة قبل أن يصدر الحكم.

الدعوى، حسب البيان المرفق، تحمل رقم ٢٧٣٣ لسنة ٢٠٢٦، وقد حددت جلسة ٧ ديسمبر ٢٠٢٦ كأولى جلسات نظر الموضوع بعد الجلسة التحضيرية. أما البعد الأوسع، فأنا بالفعل أتمنى أن تلفت هذه القضية الانتباه إلى وضع المترجم الأدبى. المترجم ليس موظفًا يستبدل كلمات من لغة بأخرى. هو صاحب جهد إبداعى وصياغة واختيار، ويقضى أحيانًا سنوات من عمره فى تقديم عمل إلى ثقافة جديدة.

إذا أسهمت هذه القضية فى زيادة احترام حقوق المترجمين وفى ترسيخ فكرة أن الترجمة الأدبية مصنف له قيمة وحقوق، فسأعتبر أن القضية حققت جانبًا مهمًا يتجاوز شخصى. وفى النهاية، أنا أترك الحكم للقضاء المصرى، لأن الوثائق والنصوص والخبرة هى التى يجب أن تقول الكلمة الأخيرة، لا السجال الإعلامى.

■ تؤكد أن القضية ليست خلافًا شخصيًا مع سهير عبدالحميد؛ كيف تريد أن يفهم القارئ طبيعة النزاع؟

- أريد أن يفهم القارئ أننى لا أخوض خلافًا شخصيًا مع الكاتبة. ليست القضية بالنسبة إلىّ مسألة إعجاب أو عدم إعجاب بكتاب أو بشخص. أنا أمام ترجمات نشرتها قبل أكثر من عشرين عامًا، وعقد، وطبعات، ومقاطع نصية، وصور، ومستندات. وهناك كتاب صدر لاحقًا. كل ما أطلبه هو أن توضع النصوص والمستندات أمام جهة الاختصاص ويتم فحصها. ولهذا اخترت القضاء، لا السجال الإعلامى. وقد قلت بوضوح فى بيانى إن المسألة فى نظرى تتعلق بحقوق الملكية الفكرية، وإن القضاء هو صاحب القول الفصل.