السبت 19 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

عمر بن الخطاب وفقهه.. كتاب جديد يكشف الوجه الآخر للفاروق: مُجدد يغير الأحكام طبقًا للعصر والظروف

حرف

- علماء فى الأزهر أفتوا بأن فرج فودة مرتد ويجب قتله

- الكتاب تحرير لرسالة دكتوراه لعالم لغوى وفقيه أزهرى

- فقهه ملأ الدولة الإسلامية الناشئة آنذاك وحسم به أمور كثيرة كانت محل خلاف

- ما جاء الفاروق باجتهاد هو استنباط للأحكام فيما لم يرد فيه نص

حقق الروائى أحمد عبده مؤخرًا إنجازًا لافتًا بإنهائه مراجعة وتحقيق رسالة الدكتوراه الخاصة بالدكتور عبدالمنعم عايدى أبوالعينين، تحت عنوان «عمر بن الخطاب وفقهه» والتى تعود إلى سبعينيات القرن الماضى، وكانت مجرد مخطوطة مهملة مكتوبة على الآلة الكاتبة، ولم يدرك القراء قيمتها الحقيقية ولا ما تحويه من إنتاج علمى جاد ومهم.

وتكشف الرسالة عن تفاصيل متعددة فى مسيرة ثانى الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب، بما يتيح الوقوف على العديد من الأفكار النيّرة والثورية فى فهم شخصيته ومساره الاستثنائى.

وفى حواره مع «حرف»، يتحدث أحمد عبده عن أسباب حماسه لتدقيق ومراجعة وتحقيق هذه الرسالة العلمية، وعما تحمله من دلالات وأبعاد فكرية، وكيف يمكن أن تعيد إحياء نص ظل مهملًا لعقود ليصبح إضافة نوعية إلى المكتبة العربية.

■ بداية، كيف ومتى عثرت على الكتاب أو رسالة الدكتوراه؟

- فى عام ٢٠٢٣ حكى لى عنه ابن شقيقة صاحب الكتاب، هو يعرف أننى كاتب ولى عدة كتب، فطلبت الكتاب، مجلد ضخم فخم بغلاف كرتونى من القطع الكبير، مكتوب بالآلة الكاتبة، تصفحته، رسالة دكتوراه «العالمية» كما تسمى رسائل جامعة الأزهر، تحمست لإخراج هذا المجلد للنور، بعدما كان رسالة علمية تراثية مدفونة.

ولم يعد أحد يسمع حتى عن الرجل، ولا عن رسالته، ولا جهده العلمى الذى بذله، فتم تحويل الرسالة إلى كتاب عصرى حديث، يتم تداوله بين الناس.

وربما كان من ضمن تحمسى لذلك أن المؤلف، رحمه الله، كان مدرسى فى المرحلة الإعدادية، علاوة على كونه بلدياتى وجارًا لنا فى القرية، فوهبت جزءًا من وقتى له، ورأيت أن أقوم بتقسيمه إلى جزأين، نظرًا لضخامته.

■ ما الذى دفعك لتحرير الكتاب وتدقيقه ونشره؟

- شعرت بالاندفاع نحو هذا الموضوع النادر، «عمر كفقيه»، والمتناثر فقط فى صفحات مئات الكتب، وإعجابى بشخصية عمر بن الخطاب، وكما هو معروف ومشهور فإن أبرز صفة يحبها الناس فى ابن الخطاب هى صفة العدل، التى يتوقون إليها، أذكر حين مات الزعيم جمال عبدالناصر فى سبتمبر ٧٠، وكنت فى السنة الأخيرة من الثانوية، شرعت فى تأليف كتاب عنه أسميته وقتها «لماذا جاء عبدالناصر»، وأثناء الكتاب كنت أضع عمر بن الخطاب نصب عينى. أهملته وربما مزقته فيما بعد لكن بالفعل أفدت منه كثيرًا.

■ يُعرف الفاروق بعدله، فما الجانب الذى كشف عنه «أبوالعينين»؟

- عرفنا عمر بن الخطاب خليفة للمسلمين ونموذجًا فريدًا للحاكم العادل؛ فإذا ذكرت العدالة ذكر عمر بن الخطاب، وعرفناه زعيمًا سياسيًا أنشأ إمبراطورية مترامية الأطراف وثبت أركانها بسياسته الحكيمة الراشدة، كما عرفناه قائدًا عسكريًا من طراز رفيع يتوارى خلفه أعظم القادة العسكريين فى العصر الحديث؛ شخصية متكاملة الأبعاد والجوانب، جعلت الكاتب الأمريكى مايكل هارت يضعه فى قلب كتابه الشهير «العظماء مئة».

فيأتى هذا الكتاب ليبرز الجانب الفقهى عند عمر، ويركز عليه تركيزًا شديدًا، ويذكر أقواله ومواقفه فى عشرات المسائل الفقهية، التى طرأت على دولة حديثة النشأة والتكوين والبناء، والتى يصح الاستناد إلى الكثير منها فى عصرنا الحالى، فقد كشف عايدى أبوالعينين عن بُعد مسكوت عنه عند الفاروق وهو حجم فقهه الذى ملأ الدولة الإسلامية الناشئة آنذاك، وحسم به أمور كثيرة كانت محل خلاف.

د. عبدالمنعم عايدى أبوالعينين
د. عبدالمنعم عايدى أبوالعينين

■ أشرت إلى أن لعمر بن الخطاب فتاوى عدة، ما أبرزها؟ وعلى أى معايير كان يصدرها؟

- كانت معاييره القياس والإلهام الذى تميز به والرأى أحيانًا، فلما حدثت واقعة اليمامة، واستشهد فيها عدد كبير من القراء والحفاظ، وفيهم صحابة الرسول، أدرك عمر بصدق إلهامه أن واقعة اليمامة ليست إلا واحدة من وقائع أخرى ستأتى، فيُقتل الحفاظ والقراء، فأشار على أبى بكر أن يجمع القرآن، حتى لا يتعرض للضياع، وتردد أبوبكر فى ذلك أول الأمر، لكونه شيئًا لم يفعله الرسول، ولكن لم يتركه عمر حتى أقنعه بجمعه.

كذلك كان من رأى عمر منع سهم المؤلفة قلوبهم، فقد رأى أن المؤلفة قلوبهم لم يعد لهم وجود فى واقع حياة المسلمين فى وقت المنع، إذ إن الإسلام قد عز، فاستغنى عن تأليف قلوب أحد، بما وصل إليه من قوة وانتصارات، خاصة بعد نجاح حروب الردة والقضاء على المرتدين.

ويوم بدر أشار عمر على الرسول بقتل الأسرى، ملهمًا بأن قتلهم فيه راحة للإسلام والمسلمين فى تلك المرحلة، وشهد الله بما أنزل من آياته أنه كان كذلك، ولذا حق لعمر أن يقول: «وافقت ربى عز وجل فى ثلاث، فى الحجاب، وفى الأسرى، وفى مقام إبراهيم عليه السلام، بل وافقته عز وجل فى أكثر من ثلاث».

■ أبرز الباحث دور ابن الخطاب فى الاجتهاد، حدثنا عنه مفصلًا..

- مصادر الاجتهاد وأركانه أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وما جاء الفاروق باجتهاد هو استنباط للأحكام فيما لم يرد فيه نص، والنبى نفسه كان يجتهد، يقول الشيخ على السايس: «ثبت ثبوتًا لا يحتمل الريبة أن النبى كان مأذونًا بالاجتهاد، وأنه وقع منه بالفعل، فمن وقائع الاجتهاد التى يشهد بها القرآن أنه استشار أصحابه فيما يصنع بأسرى بدر، ثم أخذ برأى أبى بكر، ورجح قبول الفداء، فى حين عمر اجتهد بقتلهم، وفى ذلك قال الله تعالى: «مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِى الْأَرْضِ» فقال النبى صلى الله عليه وسلم: «لو نزل عذاب ما نجا منه إلا عمر».

وكتاب عمر المشهور إلى شريح القاضى: «إذا أتاك أمر فاقض فيه بما فى كتاب الله، فإن أتاك ما ليس فى كتاب الله، ولم يسن فيه رسول الله، فاقض بما أجمع عليه الناس، فإن أتاك ما ليس فى كتاب الله ولم يسنه رسول الله، ولم يتكلم فيه أحد، فإن شئت أن تجتهد رأيك فتقدم، وإن شئت أن تتأخر فتأخر، وما أرى التأخير إلا خيرًا لك».

■ كان لابن الخطاب رأى فى جمع القرآن والسنة، كيف تناوله الباحث وماذا قال عنه؟

-  لحق الرسول بالرفيق الأعلى، وسور القرآن وآياته مبعثرة لدى الصحابة، وقال زيد بن ثابت: «قُبض النبى ولم يكن القرآن جُمع فى شىء»، أراد عمر بن الخطاب أن يجمع القرآن، فقام فى الناس فقال: من كان تلقى من رسول الله شيئًا من القرآن فليأتنا به، وكانوا كتبوا ذلك فى الصحف والألواح، وكان لا يقبل من أحد شيئًا حتى يشهد شاهدان، فقد رأى عمر جمع القرآن، فى حين رفض أبوبكر قائلًا: كيف أصنع شيئًا لم يصنعه الرسول؟ وفى النهاية قبل رأى عمر.

وفيما يتعلق بالسنة فكان لا يطمئن لخبر، ولا يقبله، إلا إذا صح مضمونه، وسلم من معارضته لأصول الإسلام، ومن مخالفته للمسلمات العقلية المنبثقة عن طبيعة عصر الرسول وظروفه وأعرافه وعاداته، والتثبت العقلى لدرجة من الاطمئنان القلبى، فيطلب مع الراوى الواحد شاهدًا بصحة روايته، إذا لم يحصل لديه التثبت والاطمئنان إلا بذلك، ليكون العمل بالخبر عن بينة قاطعة من جهة، ومن جهة أخرى ليخيف الناس من الاجتراء على التحدث عن الرسول إلا عن ضبط ودقة سماع وصحة فهم، ويعودهم ألا يكثروا من التحدث، ومن الاشتغال به، وعلموا أن عمر يدقق فى قبول الرواية ويطلب أحيانًا شهادة تقويها.

■ ما الذى قصده الباحث بالفقه الاجتهادى لعمر؟

-  الفقه الاجتهادى عند عمر، أحد روافد فقهه وفتاويه فيما لم يرد فيه نص، وكان مميزًا فيه بتأييد الوحى له فى أكثر من موقف، وهو وضع لنا قاعدة ينبغى أن نعود إليها فى عصرنا.

■ الكتاب لفت إلى تأكيد ابن الخطاب على ضرورة الاجتهاد، ألا يعنى هذا أن ما اجتهد فيه من فتاوى لا يتماشى مع طبيعة عصرنا، خاصة أن فتاويه «فقهه» وابنة أو نتاج عصره وبيئته؟

- منها ما يصلح لكل العصور، ومنها ما توقف عند عصرهم، فاليوم ليس هناك غنائم توزع، فهذا شأن الدولة، ولم يعد هناك فىِء، «وهو الأموال التى تأتى للدولة بغير قتال»، ولكن ما يصلح لكل العصور هو حسن إدارة الدولة فى السلم والحرب، فمثلًا: ما أوصى به عمر أبا عبيدة بن الجراح فى كتاب توليته على جند خالد بن الوليد فى الشام بعد ما عزله: «لا تُقدم المسلمين إلى هلكة رجاء غنيمة، ولا تنزلهم منزلًا قبل أن تسترشده لهم، وتعلم كيف مأتاه، ولا تبعث سرية إلا فى عدد من الناس، وإياك وإلقاء المسلمين فى هلكة».

■ لك كتاب بعنوان «مصر تخلع النقاب» إلى أى مدى يتقاطع مع كتاب أبوالعينين، على سبيل المثال ما أوردته فيه عن موقف محمد عمارة من اغتيال شهيد الكلمة فرج فودة؟

-  نأخذ من كتاب «عمر بن الخطاب وفقهه» مسألة خطورة الاجتراء على الفتوى، خاصة فتوى القتل، فعلى أى قاعدة وعلى أى معيار قال الدكتور محمد عمارة: «إن الرئيس محمد مرسى له بيعة فى عنق الأمة، ومن خرجوا عليه هم من الخوارج»، فالشعب المصرى عند محمد عمارة خوارج!، لقد وضع محمد مرسى فى ميزان الإمام على!

وفى عام ١٩٨٦ يصدر الدكتور عمر عبدالرحمن، مفتى الجماعة الإسلامية، فتوى بإهدار دم فرج فودة، ويخرج بيان من ندوة لعلماء الأزهر فى ٨ يونيو ١٩٩٢ بتكفيره وأنه مرتد ووجب قتله، فيتم قتله فى اليوم نفسه.

ويبيح دمه أيضًا الشيخ محمد الغزالى، وفى شهادته أمام النيابة يقول: «إن فرج فودة بما قاله وبما فعله فى حكم المرتد، والمرتد مهدور الدم، وولى الأمر هو المسئول عن تطبيق الحد، وأن التهمة التى ينبغى أن يُحاسب عليها من قتلوه، ليست هى القتل، وإنما هى الافتئات على السلطة فى تطبيق الحد»، ويؤيد قتله الشيخ الشعراوى والدكتور محمد عمارة، و«العلماء» بالأزهر الدكاترة محمود مزروعة وعبدالغفار عزيز وعبدالعظيم المطعنى وغيرهم.

■ فى نفس كتابك «مصر تخلع النقاب» أشرت إلى أن الإنجاز العملى لثورة ٣٠ يونيو الذى انعكس على مصر بالتحديد وهو إسقاط البند الأهم فى المشروع الصهيوأمريكى، المتمثل فى تفكيك الجيش المصرى وتقسيم مصر؟ ما حيثيات وصولك لهذه القناعة؟

- ظهر أننا أمام وضع خريطة جديدة للشرق الأوسط، لتصير دويلات إثنية طائفية ومذهبية متناحرة متقاتلة ضعيفة، لضمان استمرار القوة لإسرائيل، بما يمهد لقيام إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، وما كان ذلك ليحدث إلا بعد تفكيك جيوش المنطقة، كما حدث لسوريا وليبيا واليمن والعراق والسودان، فيقع رئيس الأركان الأمريكى ريموند أوديبرتو بلسانه قائلًا إنه لا حل للعراق إلا بتقسيمه إلى ثلاث دويلات، سنية وشيعية وكردية، وبالطبع فإن حديثه ينطوى على باقى دول المنطقة، وقد حدث ذلك بالفعل على مهل خلال عشر سنوات، وفى ١ أكتوبر ٢٠١٠ نشرت صحيفة الساحة العمانية، مقالًا نشرته صحيفة «جلاسكو هيرالد» الأسكتلندية جاء فيه: حذر الباحث توماس براون، المهتم بشئون الشرق الأوسط، مصر والعرب من مؤامرة بعيدة المدى تهدف إلى حصار مصر ثم التهامها عسكريًا.

■ ذكرت فى الكتاب نفسه أن واشنطن كانت تريد نشر الفوضى من الصين حتى روسيا، من خلال المنطقة الغنية بالطاقة، إلى أى مدى أحبطت ٣٠ يونيو هذا السيناريو، وماذا لو استمر حكم الإخوان لمصر فيما يتعلق بهذه الخطة؟

-  استطاعت واشنطن بالفعل كما نرى اليوم نشر الفوضى فى الجناح الشرقى للكرة الأرضية، يتوسطها منطقة النفط، وربما نجاح ثورة ٣٠ يونيو ظهر فى استقرار مصر دونًا عن دول المنطقة برمتها، ولو كان الإخوان لا يزالون فى الحكم لكانت مصر فى مصير ليبيا وسوريا وغيرهما.

■ ما جديدك الإبداعى بعد «عمر بن الخطاب وفقهه»؟

-  أكتب فى رواية منذ عامين، وكان ذلك على التوازى مع كتابى «عمر بن الخطاب وفقهه»، وأوشكت على الانتهاء منها.

■ من هو عبدالمنعم عايدى أبوالعينين؟

- الدكتور عبدالمنعم عايدى أبوالعينين، رحمة الله عليه، عالم جليل، لغوى وفقيه، من مواليد قرية برمكيم، مركز ديرب نجم، محافظة الشرقية عام 1925 والمتوفى فى 29 أبريل 1984، حاصل على درجة البكالوريوس من كلية الشريعة والقانون من جامعة الأزهر، عمل مدرسًا للغة العربية بوزارة التربية والتعليم، ثم انتدب للعمل فى التدريس فى جمهورية الصومال فى الفترة من 1960 حتى عام 1964، ثم انتدب للعمل بجمهورية الجزائر فى الفترة من 1974 حتى عام 1977، فى تلك الفترة حصل على درجة الماجستير، ثم تقدم لجامعة الأزهر للحصول على درجة «العالمية» الدكتوراه، وكان عنوان الرسالة هو موضوع الكتاب الذى بين أيدينا «عمر بن الخطاب وفقهه»، فحصل على درجة الامتياز مع مرتبة الشرف الأولى فى أكتوبر 1979، وبعد حصوله على الدكتوراه عين أستاذًا بالجامعة الإسلامية فى المدينة المنورة، بالمملكة العربية السعودية عام 1980، وظل فيها حتى وفاته.