الثلاثاء 15 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

الخيال الصينى.. ملحق خاص

مى عاشور: كلما اقتربت من الصين اكتشفت أرضًا مشتركة مع مصر

مى عاشور
مى عاشور

- البلدان يتشابهان فى القيم الإنسانية والعادات والتقاليد والعلاقات الأسرية

- المصريون والصينيون يتشابهون فى الاحتفال بالأعياد وكرم الضيافة ومساعدة الآخر

- على البردى و«الجياندو».. المصريون والصينيون علموا العالم الكتابة

تتجاوز العلاقة بين مصر والصين حدود المسافات والجغرافيا، لتلتقى حضارتان ضاربتان فى التاريخ عند مساحات واسعة من القيم الإنسانية والعادات والتقاليد والفنون والثقافة. 

وبينما تبدو الاختلافات واضحة للوهلة الأولى، تكشف التجربة المباشرة والاقتراب من تفاصيل الحياة اليومية أن ثمة أرضًا مشتركة تجمع الشعبين، وتمنح الحوار بينهما أبعادًا تتجاوز الصور النمطية.

فى حوارها التالى مع «حرف»، تكشف المترجمة والباحثة فى الثقافة الصينية، مى عاشور، تجربتها مع الصين وثقافتها، وكيف تبدلت رؤيتها إليها عبر الاحتكاك المباشر بلغتها وأدبها وتراثها ومدنها، متوقفة عند أوجه التقارب بين الحضارتيّن المصرية والصينية، وما تكشفه الفنون والعمارة والحكايات الشعبية من قواسم مشتركة.

كما تتحدث عن دور الترجمة فى مد جسور التواصل الثقافى، وإذابة الحواجز الفكرية، ونقل صورة أكثر عمقًا عن الآخر، مؤكدة أن فهم أى ثقافة لا يكتمل من خلال الكلمات وحدها، وإنما يبدأ بالقراءة والاقتراب والتجربة واكتشاف الإنسان خلف النص.

مى عاشور فى إحدى الندوات الثقافية
مى عاشور فى إحدى الندوات الثقافية

■ بحكم احتكاكك بالثقافة الصينية، كيف تغيرت رؤيتك إليها؟.. وما أبرز أوجه التشابه والاختلاف بينها وبين الثقافة المصرية؟

- يستوقفنى كم أن الشرق مختلف ومماثل فى الوقت نفسه، تبرز أرضه المشتركة كلما خطوت صوبه، بل تتجلى فيه أوجه الشبه خارج صورته النمطية، والتى لا تظهر لك دائمًا بالملاحظة، بل تتوامض بقوة كلما فهمت أنك تنتمى إليه. هذا مفهومى للتشابه بين مصر والصين، نحن ننتمى إلى الشرق، وهذا الشرق له حضارة وتاريخ شكلت ملامحه وثقافته وشخصيته المتفردة. يتجلى هذا فى المعتقدات الثقافية، والعادات والتقاليد، وتقديس الأعياد ومدى أهميتها، والعلاقات الأسرية، والقيم الإنسانية، ونظرة الإنسان للدنيا وتعامله مع الأمور.

فى مايو الماضى ذهبت إلى متحف للتراث الثقافى غير المادى فى مدينة جوانج چو، وهناك لفت نظرى وجود العديد من الأشياء الغنية التى تنتمى إلى التراث الثقافى غير المادى، وهذا التراث الثقافى الغنى موجود أيضًا فى مصر، لا أقصد من حيث التشابه، بل المخزون الغنى والوافر.

كتب المصريون القدماء على ورق البردى ودونوا على جدران المعابد، وكتب الصينيون قبل اختراع الورق على «الجياندو»، والتى تشير إلى شرائح من الخشب والخيزران استخدمها الصينيون قديمًا فى الكتابة والتدوين. والشرائح الرفيعة والطويلة منها تسمى «جيان»، أما العريضة والأكثر سمكًا تسمى «دو». وعادة ما كانت تُجمع الشرائح وتُربط معًا بحبل أو خيوط حريرية، لتصير مصفوفة مثل قطعة من الورق الطويل الملفوف.

كانت صناعة شرائح الخشب والخيزران تمر عادة بعدة مراحل، بداية من التحضير، مرورًا بالتقطيع والصقل والتجفيف على النار. ويكون التجفيف خاصًا بالخيزران، لأنه يحتوى على نسبة من السوائل، وبالتالى يجب أن يمر بهذه المرحلة أولًا، قبل الكتابة عليه.

استُخدمت شرائح الخيزران والخشب فى توثيق السجلات والكتب القديمة والوثائق والأوراق الرسمية، وبذلك لعبت دورًا مهمًا فى تسجيل مسيرة الحضارة الصينية، فمن خلالها يمكن القراءة عن فترات مختلفة من تاريخ الصين، بل والتعرف على العديد من تفاصيل الحياة الاجتماعية والسياسية وغيرها.

■ هل هناك ملامح أخرى لهذا التشابه؟

- منذ عامين، ذهبت إلى مدينة دون خوانج فى مقاطعة جان سو، وهناك وقفت أمام الكهوف، التى يعود تاريخها إلى ١٦٠٠ سنة، فلم تختلف عن الصور التى رأيتها من قبل، لكن اختلف الأمر تمامًا عندما دخت إليها.

زرنا الكهوف فى مجموعات بصحبة مرشدة سياحية خاصة بالمكان، كانت من داخلها معتمة جدًا، وكأن الليل داخلها والنهار خارجها. وكلما أشارت المرشدة إلى الجدران أو السقف بالقلم الصغير الذى يشبه المصباح اليدوى، توهجت الجدران بألوان نابضة بالحياة، ورسوم ضخمة وأخرى دقيقة التفاصيل تستدعى التأمل، وتماثيل ملونة بارزة.

لا يوجد مجال للفراغ على جدران الكهوف التى تروى حكايات وأساطير مختلفة. وفجأة تذكرت زيارتى لمقابر «بنى حسن» فى المنيا، تلك المقابر المنحوتة فى الصخور. بدا لى أن هناك خيطًا ما من التشابه، رغم الفجوة الزمنية، وغيرها من التفاصيل.

ترجع حكاية ظهور «كهوف موجاو» إلى عام ٣٦٦ م، عندما جاء راهب اسمه «لِه زون»، ووصل إلى جبل «سان وى» بالقرب من دون خوانج، وعندما رفع رأسه، خطف بصره نور ذهبى يتجلى من أعلى الجبل كأن يلوح من بين خيوطه ألف بوذا.

بدا للراهب أن هذا المكان بمثابة أرض مقدسة، فوظف أناسًا لفتح أول كهف. وفيما بعد جاء راهب آخر من ناحية الشرق اسمه «فا ليانج»، أسره سحر المكان، ومن ثم، ظلت الكهوف تُنحت من القرن الرابع وحتى القرن الرابع عشر، أى على مدار آلاف السنين.

فى تقديرى أن مواطن التقارب بين الحضارتين المصرية والصينية كبيرة، ونكتشفها عندما نتأمل الفنون والعمارة والثقافة والعادات والتقاليد. فى رأيى اختزال هذا فى سطور أمر صعب.

■  ما الصورة التى يحملها المصريون عن الصين؟ وما الصورة التى وجدتها لدى الصينيين عن مصر فى المقابل؟ وهل ما زالت أسيرة بعض الصور النمطية؟

- لا يمكننى التعميم أو الرد على هذا السؤال ببساطة. رأيى أن هناك العديد من العوامل تدخل فى تكوين تصورات الإنسان عن الأخر، وأبسطها المسافات البعيدة والرقعة الجغرافية. قد تكون هذه التصورات حقيقية أو وهمية. لكن ما يحسمها فى النهاية هو التواصل المباشر، والانفتاح على الأخر، والتقرب خطوات إليه بشتى الطرق.

أجزم أن كل الصور النمطية تتكسر أمام زيارة واحدة إلى مصر أو الصين. يرى المصرى الصين المعاصرة فتتلاشى الأفكار والصور النمطية التى يسمع عنها. وكذلك يأتى الصينى إلى مصر فتتبخر كل الصور التى تختزل مصر فى الأهرامات وأبو الهول، بل ويرى العديد من التفاصيل التى تكشفها له تجربته أثناء الزيارة.

■ إلى أى مدى يتشابه المصريون والصينيون فى علاقتهم بالأسرة والمجتمع والعمل والقيم الإنسانية، رغم اختلاف اللغة والعادات؟

- لو تجولت فى أسوان وذهبت إلى المعابد هناك، سترى آثار الحضارة الفرعونية، ولو مشيت فى شوارع القاهرة القديمة وأزقتها ستشعر بأنك تقرأ صفحات متفرقة من التاريخ، فهذه الجوامع والبيوت القديمة والحرف اليدوية والمقاهى الشعبية، والكرم الذى يفيض فى شوارع مصر، وغيرها من أشياء مذهلة، لم يخلق صدفة، بل هو امتداد لموروث حضارى كبير متصل وثرى، وتقدير لقيمة العمل، ووجود نظرة مختلفة لعلاقة الإنسان مع الحياة. نفس الشىء فى الصين، هناك حضارة نتج عنها الحاضر بتفاصيله، وانعكست فى صور كثيرة ملموسة، وكنتاج عمل واجتهاد وتنمية للذات البشرية.

من الطبيعى أن تلتقى الحضارات عن نقاط بعينها، وهذا سبق وذكرته. ويتشابه الصينيون والمصريون فى العديد من النقاط: يهتمون بالأعياد، وتكون التجمعات العائلية فيها مهمة جدًا. المصريون والصينيون يفهمون معنى الود وكرم الضيافة ومساعدة الآخر. هناك الكثير من الأشياء تجمع بينهما. ثمة شىء عميق يجمع بين المصريين والصينيين، فيجعل القدرة على التواصل أحيانًا تجتاز الحواجز اللغوية، وهذا رأيته العديد من المرات.

■ من خلال الأدب الذى تعاملت معه.. ما أبرز ملامح المجتمع الصينى المعاصر التى يمكن أن يكتشفها القارئ العربى، ولا تظهر بوضوح فى الخطاب الإعلامى أو السياسى؟

- بالطبع يمكن الحديث عن المجتمع الصينى، وملامحه، لكن الملامح الحالية تشكلت عبر فترات مختلفة. فنتج عنها مجتمع سار نحو البناء والتقدم والاجتهاد فى فترة وجيزة، وترسخت عنده قيمة العمل والعمل الجماعى، وتمسك بثقافته، إلى جانب تقديس الوقت واحترام مجهود الآخر.

يمكن ملاحظة التغيرات التى طرأت على الصين وتقدمها، وبالتالى نفهم إلى أى مدى انعكس ذلك على المجتمع الصينى وارتقى به. اقتصاديًا واجتماعيًا، ومن خلال الأدب، يمكننا التعرف على ملامح المجتمع الصينى بشكل عام، لكن لا يمكن اختزاله، لأن ذلك يتوقف على العمل الأدبى والموضوع الذى يطرحه والخلفية التاريخية، والمكان الذى يتناوله الكاتب. قرية أم مدينة مثلًا. فى تقديرى يمكن التعرف على ملامح المجتمع الصينى المعاصر أيضًا من خلال الأفلام الصينية.

■ هل وجدتِ فى الأدب والحكايات الشعبية الصينية ما يقابله أو يشبهه فى التراث المصرى؟.. وما الذى يكشفه ذلك عن القواسم المشتركة بين الشعبين؟

- فى نهاية العام الماضى صدر عن دار «المحتوى العربى» كتب ترجمتها لحكايات شعبية صينية. وأعتقد ربما تعطى القارئ خلفية جيدة بالحكايات الشعبية الصينية. من رأيى هناك شىء مشترك بين الحكايات الشعبية العربية والصينية، من حيث القيم الإنسانية والمغزى.

على سبيل المثال، هناك قصة اسمها «ساى ونج فقد حصانه»، وهى مثل فى الأصل، تحكى عن رجل مسن يقابل العديد من العقبات والصعوبات، لكنه كان ينظر بالأمور نظرة مختلفة، يقول إن حدوث شىء محزن ليس بالضرورة أمر سيئ، وهذا ذكرنى بمثل «رب ضارة نافعة».

■ إلى أى مدى تستطيع الترجمة أن تكون جسرًا حقيقيًا بين الحضارتين؟.. وهل يمكنها أن تغير الصورة النمطية التى يحملها كل شعب عن الآخر؟

- الترجمة بالفعل هى جسر يجمعُ بينَ عالمين، والأدبُ أفقٌ يحتضنهما. أما التواصل الثقافى فهو أرض مشتركة نقف عليها للتفاعلِ وفهمِ الآخرِ. الترجمة قطعًا تسهم فى إذابة الحواجز الفكرية والثقافية، بل ونقل العديد من التفاصيل المهمة عن الآخر. قد تكون هذه التفاصيل كامنة فى قصة أو رواية أو قصيدة. أن نرى المواضيع المطروحة فى كل مجتمع، والمشكلات، ونلمس علاقة الكُتَّاب مع مدنهم والأماكن التى نشأوا فيها، ومدى تأثير ذلك عليهم فى كتابتهم وتفكيرهم. وهنا أنا أتحدث عن الترجمة الأدبية باعتبارها تخصصى.

■ ما أكثر ما يمثل تحديًا عند نقل الخصوصية الثقافية الصينية إلى القارئ العربى؟ وكيف تحافظين على روح النص دون أن تفقديه خصوصيته؟

- للغة الصينية طبيعة خاصة ومختلفة عن اللغة العربية. بالطبع، كلاهما لغة صعبة. لكن فى الترجمة نجتاز حواجز اللغة، ونغوص بداخل ما يتوارى فى أعماقها. فهناك تكمن العديد من الأشياء التى تحتاج قبل ترجمتها مباشرة، القراءة عنها وفهمها، ومن دونها تكون الترجمة مجرد نقل للكلمات والجمل.

أنا أرى أن الترجمة عملية نقل معرفى شاملة، لذا، فى سبيل أن ينقل المترجم النصوص بشكل جيد، عليه أن يكون قارئًا جيدًا، بل ويدرك أن كل عمل جديد هو تجربة جديدة مستقلة بذاتها، والترجمة عملية تطور غير منقطع واكتشاف مستمر.

على المترجم أن يكون ملمًا بلغته الأم فى المقام الأول، وهذا هو مربط الفرس، فبدون هذا، ستظل هناك مشكلة فى التعبير عما ينقله بسلاسة، وما أقصده بالسلاسة هو ألا يشعر القارئ بالغربة عند قراءة النص، بل يشعر بتدفقه وانسيابه، حتى ينسجم معه. يقرأ وكأن النص كُتب باللغة الأم، هذا الجزء الأهم فى الترجمة: أن تضع نفسك باستمرار مكان القارئ، الذى لا يعرف ثقافة البلد أو اللغة التى تنقل عنها.

■ بعيدًا عن الأدب، ما الجوانب فى الثقافة الصينية التى تتمنين أن يتعرف إليها المصريون بصورة أعمق؟ وبالمقابل.. ما الذى تتمنين أن يعرفه الصينيون عن مصر المعاصرة؟

- أكتب عن الصين وثقافتها بشكل مستمر، وأوثق تجربتى مع الصين، وذهابى إلى مدنها المختلفة، وكذلك أدون مشاهداتى، فأنقل للقارئ حكايات من الأمكنة والثقافة. زرت مقاطعة جان سو «وتكتب أيضًا قانسو» منذ عامين، وكتبت سلسلة مقالات حول التجربة، وعن طريق الحرير، والأماكن الأثرية والتاريخية التى تجولت فيها، فعرفتنى أكثر عن الصين.

■ هل أصبحت الاختلافات بين المصريين والصينيين أكثر وضوحًا بالنسبة إليك؟

- بالنسبة لى، الصين ولغتها وأدبها وثقافتها ليست مجال تخصصى وحسب، لكنها أيضًا تجربة شخصية، أخطو صوبها باستمرار، وأدونها. ما زالت هناك العديد من الأشياء، يمكننى أن أتعلمها واكتشافها وأشاركها مع القارئ العربى. فأنا أنقل الأدب الصينى، ولكننى أيضًا أكتب عن حكايتى مع الصين.

اقرأ من «أدب التنين»:

شجرة الصفصاف الثامنة