الإثنين 14 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

الخيال الصينى.. ملحق خاص

أحمد ظريف: الصورة النمطية عن الصين كـ«دولة المنتجات الرخيصة» غير حقيقية

حرف

- ترجمتى كتاب «اقتباسات الرئيس الصين» الأصعب فى مسيرتى 

- يجب على المترجم الإلمام التام بثقافة الصين وليس اللغة فقط

- الرئيس شى جين بينج واسع الثقافة ومهتم بالأدب الكلاسيكى

- تشابه مذهل بين المصريين والصينيين فى التعامل مع مفهوم الأسرة 

شهدت حركة الترجمة من الصينية إلى العربية خلال العقدين الماضيين حراكًا ملحوظًا، بالتوازى مع تنامى الاهتمام بالصين وثقافتها وتاريخها وتجربتها الحضارية.

وفى قلب هذا المشهد يأتى دور المترجمين الذين لا تقتصر مهمتهم على نقل الكلمات من لغة إلى أخرى، وإنما تمتد إلى عبور المسافات الثقافية والتاريخية بين مجتمعين لكل منهما خصوصيته، ومن بينهم مترجم الأدب الصينى، الدكتور أحمد ظريف.

وخلال حواره مع «حرف»، يكشف الدكتور أحمد ظريف عن أسباب اختياره اللغة الصينية فى وقت لم تكن تحظى بالانتشار الذى تتمتع به اليوم، كما يكشف عن تجربته فى الدراسة داخل الصين، ومعايير اختياره الأعمال الأدبية، والتحديات التى واجهته فى ترجمة النصوص، خاصة الأعمال التى تستند إلى التراث والكلاسيكيات.

■ كيف بدأت علاقتك باللغة الصينية وآدابها؟ وما الذى دفعك إلى اختيار الترجمة منها إلى العربية؟

- بدأت علاقتى باللغة الصينية عند التحاقى بقسم اللغة الصينية بكلية الألسن جامعة عين شمس، وقتها لم تكن اللغة الصينية شائعة مثل وقتنا الحالى، إلا أنى فضلت اختيار لغة نادرة لها مستقبل نظرًا لأن الصين وقتها كانت بدأت رحلة الصعود القوى. وبالطبع كان الهدف من دراسة اللغة هو تسهيل التواصل على المستوى الشخصى ثم على مستوى أعلى لأكون جسرًا للتواصل بين الصين والعرب عبر ترجمة الكتب الصينية.

■ ما أبرز الصعوبات التى واجهتك فى البداية؟

- فى البداية كان انتشار الإنترنت محدودًا، كذلك لم يكن هناك الكثير من الصينيين الموجودين فى مصر، فكانت هناك صعوبات فى ممارسة اللغة والبحث عن معانى الكلمات، فكنت أضطر للبحث كثيرًا عن معنى كلمة واحدة، بينما فى الوقت الحالى يمكن بضغطة زر معرفة معناها فى ثوانٍ. وكان من حسن حظى حصولى على منحة لدراسة الفرقة الثالثة فى جامعة اللغات ببكين، والتى كان لها أبلغ الأثر فى دراسة اللغة من مصدرها الأول والاحتكاك عن قرب بالمجتمع الصينى.

■ عندما تختار عملًا صينيًا لترجمته، ما المعايير التى تحكم اختيارك؟ وهل الأولوية للقيمة الأدبية أم لأهمية الموضوع أم لمدى قربه من القارئ العربى؟

- عند اختيار العمل أحاول بقدر الإمكان اختيار عمل معبّر عن الثقافة الصينية وفى نفس الوقت يسهل تقبله من القارئ العربى. بالطبع لكل عمل طبيعته الخاصة المميزة، فهنا نحاول من خلال الأدب التقريب بين الشعوب والثقافات، لذلك فاختيار أعمال للترجمة هو مهمة صعبة للغاية.

■ إلى أى مدى يحتاج مترجم الأدب الصينى إلى معرفة بالتاريخ والفلسفة والعادات والموروث الشعبى الصينى حتى يستطيع نقل النص بأمانة؟

- بالطبع يجب على مترجم الأدب الصينى الإلمام التام بثقافة الصين وعاداتها وتقاليدها، وليس مجرد إتقان اللغة فحسب، فالجملة الواحدة يختلف معناها باختلاف الزمن واختلاف السياق، وعدم الإلمام الجيد بالعناصر السابقة قد يؤدى فى النهاية إلى ترجمة حرفية تُخرج النص عن معناها الأصلى.

■ ما أبرز الأعمال التى ترجمتها وتشعر بأنها تمثل تجربتك كمترجم بصورة حقيقية؟

- مؤخرًا قمت بترجمة رواية للكاتبة الصينية تشى تزيه جيان بعنوان «أجنحة جبل التنين»، هذه الرواية معقدة للغاية نظرًا لكثرة شخصياتها وعدم وجود بطل واحد تدور حوله الأحداث، فالشخصيات كلها أبطال للرواية، وكل شخصية منهم لها حكاية مستقلة، هذه الحكايات تنسج فيما بينها رواية واحدة كاملة، فتلك الرواية من رأيى أشبه بلوحة من الموزاييك، قطع صغيرة تنسج لوحة كبيرة.

■ أى عمل من ترجماتك كان الأكثر تحديًا بالنسبة إليك؟ وما السبب؟

- بالتأكيد كانت ترجمتى كتاب «اقتباسات الرئيس الصينى شى جين بينج- الجزء الثانى» فهذا الكتاب احتوى على أهم الاقتباسات التى وردت فى خطابات الرئيس الصينى، ومعنى كل اقتباس ومصدره، فالرئيس الصينى واسع الثقافة وشديد الاهتمام بالكلاسيكيات الصينية، لذلك دائمًا ما يضمّن فى خطاباته اقتباسات مشهورة فى التاريخ الصينى، سواء كانت أمثالًا أم أبياتًا شعرية أم جملًا مشهورة لشخصيات تاريخية، كل اقتباس منها يمثل قصة كاملة فى حد ذاته، فالاقتباس الواحد يعبّر بكلمات قليلة عن معانٍ عظيمة تحتاج لشرح طويل، فكان التحدى هنا هو البحث عن قصة كل اقتباس، وترجمتها بشكل يفهم منه القارئ العربى المعنى العميق الكامن خلف الاقتباس، كذلك كانت بعض الاقتباسات مقتبسة من اللغة الصينية القديمة، فكنت أحتاج أولًا إلى ترجمة اللغة القديمة إلى اللغة الصينية الحديثة، ثم أترجمها بعدها إلى اللغة العربية، بالإضافة إلى تحدٍ أكبر يتمثل فى عِظَم المسئولية نظرًا لمكانة الرئيس الصينى وأهمية كلماته لدرجة أن الصين نادرًا ما تعهد بمهمة ترجمة كتب الرئيس الصينى إلى أى أجنبى.

■ كيف تغيرت صورتك عن الصين بعد التعمق فى لغتها وآدابها وترجمة أعمال كتّابها؟

- بالطبع كانت الصورة النمطية عن الصين فى البداية هى أفلام الكونغ فو، وأنها دولة بعيدة جدًا عنّا وذات عدد سكان كبير، وأعتقد أن هذه هى الصورة النمطية التى لا تزال سائدة عند بعض الأفراد وإن أضيف إليها أيضًا المنتجات الصينية المنتشرة فى كل مكان بسعر زهيد، لكن بعد معرفة الصين وجدت أنها دولة ذات حضارة عريقة، تتميز حضارتها بأنها الحضارة الوحيدة فى العامل التى استمرت حتى يومنا هذا، فالحضارات القديمة الأخرى، ومنها على سبيل المثال الحضارة الفرعونية، كلها اندثرت ولم يبق من تاريخها وثقافتها إلا ما يدرس فى أقسام المصريات المتخصصة، لكن بالنسبة للصين استمر الموروث الثقافى منذ القدم وحتى الآن، وهذا نتج عنه إرث ثقافى هائل يستحق منا الدراسة والتعلم واختيار ما يناسب طبيعة مجتمعاتنا وثقافتنا.

■ إلى أى مدى يعكس الأدب الصينى التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التى شهدتها الصين خلال العقود الأخيرة؟

- الأدب بوجه عام هو مرآة المجتمع، فإن أردت معرفة حقيقة أى مجتمع بعيدًا عن الأخبار والدعاية فيمكنك البدء من الأعمال الأدبية. الأديب الذى عاش فى مجتمع ما يستمد إلهامه من القصص الحقيقية المحيطة به، ويستمد شخصياته من أشخاص عاشوا حوله، ويستمد حبكته من مواقف عاشها، ولكن هنا أحب أن أنوه بأن الأعمال المترجمة من الصينية إلى العربية ليست بالضرورة أعمالًا حديثة أو أعمالًا تحكى عن الصين الحالية، فمنها الكثير من الأعمال التى تتحدث عن فترات تاريخية فى الصين.

■ هل هناك تشابه فى طريقة تعامل المصريين والصينيين مع مفاهيم مثل الأسرة، والعمل، واحترام كبار السن، والحفاظ على الموروث؟

- بالتأكيد هناك تشابه مذهل بين المصريين والصينيين فى التعامل مع مفهوم الأسرة مثلًا، فالأسرة مقدسة، واحترام كبار السن واجب متأصل فى وجدان كل مصرى وكل صينى. وتعاليم «كونفوشيوس» أكدت تلك النقاط منذ أكثر من ألفى سنة، وكذلك الحضارة المصرية القديمة غرست تلك الأخلاق فى نفوس المصريين وأكدت عليها الأديان فيما بعد. ففى الوقت الحالى تجد مفهوم الترابط الأسرى حاضرًا وبقوة فى الحياة اليومية سواء للمصريين أو الصينيين، نجد ذلك فى اجتماعات الأسرة فى الأعياد مثلًا.. مثل عيد الربيع فى الصين والأعياد والمناسبات الدينية لدى المصريين.

■ كيف تنظر إلى فكرة أن الحضارتين المصرية والصينية من أقدم الحضارات المستمرة فى العالم؟ وهل يمكن لهذا التشابه التاريخى أن يشكّل أرضية لحوار ثقافى؟

- الحضارة المصرية ليست مستمرة، رغم أننا أحفاد الفراعنة إلا أننا لا نتحدث اللغة المصرية القديمة ولا نكتب بالكتابة الهيروغليفية. بالطبع حافظ المصريون على بعض العادات المتوارثة منذ العصر الفرعونى مثل عيد شم النسيم مثلًا، ولكن لا يمكن القول إن الحضارة الفرعونية مستمرة حتى الأن. بينما الحضارة الصينية هى الحضارة الوحيدة فى العالم التى استمرت منذ القدم بنفس اللغة ونفس الثقافة منذ نشأتها. العنصر الأهم هنا بالنسبة لى هو اللغة، فاللغة هى الوعاء الذى يحمل ثقافة الأمم وأفكارها وعاداتها وتقاليدها، إن غاب هذا العنصر أو تغير فقدنا معه الكثير من التراث غير المادى، وللأسف هذا ما حدث فى مصر لأسباب تاريخية كثيرة. إلا أنه رغم ذلك يظل هناك الكثير من التشابه التاريخى بين البلدين، وبالطبع البعد الحضارى يعد أساسًا ممتازًا للتعاون فى العصر الحديث، حيث من خلاله يمكن إيجاد الكثير من القواسم المشتركة.

■ ما أوجه الاختلاف الحضارى بين مصر والصين التى يلمسها المترجم بوضوح عندما ينتقل بين اللغتين والثقافتين؟

- ربما كان العنصر الدينى هو من أبرز نقاط الاختلاف، فهناك كلمات شائعة فى اللغتين مفهوم معناها لأصحاب اللغة بحكم تداولها بكثرة فى الحياة اليومية، كلمة مثل «حلال» مثلًا، نحن نفهم معناها، لكن حين نقلها إلى اللغة الصينية يتطلب الأمر شرحًا للكلمة وليس مجرد ترجمة، الأمر كذلك عند ترجمة بعض المصطلحات من الديانة البوذية مثلًا. وهناك أيضًا المصطلحات المرتبطة بعصر معين، فحين أترجم مصطلحات من عصر الثورة الثقافية فى الصين مثل «عصابة الأربعة»، فهذا مصطلح يفهمه أى صينى لكن لا يمكن الاكتفاء بنقله كما هو إلى العربية، بل يتطلب الأمر شرحًا مفصلًا إلى أن يشيع المصطلح فى اللغة العربية فلا يحتاج بعدها القارئ إلى إعادة شرحه وتفسيره.

■ هل ترى أن هناك عناصر مشتركة بين الأدب الشعبى المصرى والصينى، خصوصًا فى الحكايات والأساطير والأمثال والحكمة الشعبية؟

- بالطبع، هناك الكثير من الأمثال الشعبية المتشابهة بين الجانبين، وهذا أمر طبيعى، لأن الأمثال تمثل خلاصة حكمة وتجارب الشعوب وصياغتها بأسلوب بسيط يعبّر عن معانٍ عميقة، وكلما طال تاريخ بلد ما زادت أمثاله الشعبية نتيجة لتراكم الخبرات والحكايات، كذلك هناك دائمًا حكايات عن المواطن البسيط الذكى الذى يستخدم ذكاءه ليهزم بلسانه مَن هم فى المراتب الأعلى، كما فى حكايات «جحا» الشعبية مثلًا والتى نجد لها مقابل فى الحكايات الشعبية الصينية فى شخصية «أفاندى».

■ كيف يمكن استثمار هذا التقارب الحضارى فى تقديم الثقافة المصرية للقارئ الصينى، والثقافة الصينية للقارئ المصرى؟

- بالطبع ترجمة الأعمال الأدبية تمثل الخطوة الأولى لأى تقارب، وأعتقد أيضًا أن تحويل الأعمال الأدبية المترجمة إلى أعمال سينمائية وتليفزيونية قد يفتح المجال أمام جمهور أكبر لا يحب القراءة كثيرًا ويفضل عليها السينما والتليفزيون.

■ فى رأيك ما أبرز نقاط الالتقاء بين الحضارتين المصرية والصينية؟

- أبرز نقاط الالتقاء هى التمسك بالتقاليد، فالتقاليد المتوارثة عبر الأجيال تعد من النقاط الأساسية التى تحكم تعامل أفراد المجتمع مع بعضهم البعض، هذه النقطة نجدها واضحة أكثر فى المجتمعات الشرقية بوجه عام، وبالطبع كلما ازدادت الحضارة قدمًا زاد تأثير هذا العامل.

اقرأ من إبداع الصين:

أجنحة جبل التنين