الإثنين 14 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

الخيال الصينى.. ملحق خاص

حسانين فهمى حسين: الترجمة عن الصينية تفتقر لخطة مؤسسية

حرف

- «موجز تاريخ الدبلوماسية الصينية القديمة» أكثر كتاب أرشحه للقارئ المصرى 

- 36 قسمًا للغة الصينية فى الجامعات الحكومية والأهلية والخاصة

- أخشى التضحية بروح النص إذا استسلمنا للترجمة بـ«الذكاء الاصطناعى»

- سلسلة «قراءات صينية» ترجمت 100 عمل بين الإبداع والعلوم الاجتماعية

على امتداد سنوات من الاشتغال باللغة الصينية والترجمة عنها، تشكلت لدى المترجم، والأكاديمى، دكتور حسانين فهمى حسين، أستاذ ورئيس قسم اللغة الصينية بجامعة عين شمس، رؤية مختلفة للصين، تنفذ إلى التاريخ والثقافة والتحولات الاجتماعية والتفاصيل اليومية التى تصنع ملامح المجتمع.

وخلال حواره مع «حرف»، يكشف حسانين فهمى عن كواليس تجربته مع الأدب الصينى، وكيف يمكن للنص الأدبى أن يضىء جوانب خفية من تاريخ الصين وتحولاتها، وأن يفتح فى الوقت نفسه مساحات للتشابه والحوار بين التجربتين المصرية والصينية.

كما يتطرق إلى خصوصية ترجمة الأدب الصينى، من أسماء الأطعمة والأماكن والأمثال والعادات، إلى المخزون الثقافى والحضارى الذى تحمله النصوص، ودور المترجم فى نقل هذه الخصوصيات بأمانة. 

حسانين فهمى يتحدث لبعض وسائل الإعلام
حسانين فهمى يتحدث لبعض وسائل الإعلام

■ بعد سنوات طويلة من العمل بين العربية والصينية، ما الفكرة الأكثر رسوخًا لديك عن الصين اليوم، والتى لم تكن تعرفها قبل أن تصبح مترجمًا عن لغتها؟

الصين بلد حضارى عريق، نشأت حضارته القديمة على ضفاف النهر الأصفر مهد الحضارة الصينية، وآمن منذ نشأته بأن الحضارة والصداقة بمقدورهما أن تكونا جسرين للتواصل والسلام بين الشعوب. 

وبعد هذه الرحلة الطويلة مع اللغة الصينية بين الدراسة والبحث والترجمة، ربما أصبحت أكثر إيمانًا وإعجابًا بتقدير الإنسان الصينى لحضارة وتراث وتاريخ بلاده وإيمانه الرسخ بأن تحقيق رغباته الشخصية لا يتأتى إلا من خلال تحقيق الأهداف المشتركة للأمة الصينية جمعاء، أو كما جاء ضمن الأهداف التى أشار إليها الرئيس الصينى شى جين بينج «تحقيق الرفاه والرخاء المشترك لأبناء الأمة الصينية».

■ هل حدث أن غيرت ترجمة عمل أدبى صينى موقفك من قضية أو شخصية أو مرحلة تاريخية فى الصين.. وما العمل الذى ترك هذا الأثر فيك؟

- ليس تغييرًا بالمعنى الحقيقى للكلمة، وإنما هو كشف لحقائق تاريخية، وتأكيد نقاط تشابه كثيرة فى مراحل تاريخية مهمة بين كل من تاريخ الصين الحديث وتاريخ مصر الحديث، وأقصد بذلك ما صوره الروائى الصينى الكبير والحاصل على نوبل الآداب ٢٠١٢ مويان فى روايته «الذرة الرفيعة الحمراء» ما يتعلق بالمقاومة الصينية ضد المعتدى اليابانى، خاصة ما يتصل بسيرة بطل العمل «يوجان آو»، الذى كان زعيمًا لعصابة قطاع الطرق قبل أن يصبح جزءا مهما من المقاومة الشعبية ضد المعتدى الأجنبى لبلاده، ويتحول إلى بطل شعبى يقود رجاله للقتال جنبًا إلى جنب مع الجيش الصينى. 

وهو ما يذكرنا بفتوات أعمال نجيب محفوظ، عندما يستخدم الفتوة قوته لنصرة المظلوم وحماية الضعفاء، ثم المشاركة فى الدفاع عن الوطن ضد المطامع الأجنبية.

■ عندما تختار نصًا صينيًا لترجمته إلى العربية، هل تنظر أولًا إلى قيمته الأدبية.. أم إلى قدرته على تقديم صورة مختلفة عن الصين للقارئ العربى؟

- دعينا نتفق على أن القيمة الأدبية للعمل شرط أساسى ومهم لضمان نجاح العمل الأصلى، وكذلك نجاح نفس العمل فى اللغة المترجم إليها، خاصة عندما يتعلق الأمر بالترجمة إلى العربية للقارئ الذى يقدر القيمة الفنية للعمل، وبالطبع يشغلنى قدرة العمل على تقديم جوانب جديدة للقارئ عن الصين التى تصورها الأعمال الفنية الغربية وتحصرها فى صور نمطية بعيدة عن قيمتها الحقيقية. وهذا ما عانينا منه أيضًا من نقل أعمال أدبية عربية إلى الصينية عن لغات وسيطة، سارت على نفس المنهج الغربى فى تقديم صورة بعينها للمجتمع العربى، قبل أن ينهض بأمر الترجمة من العربية مجموعة من المستعربين الصينيين ممن هم على دراية جيدة بالثقافة العربية وقيمتها، والتزامهم الدقة والأمانة فى الترجمة عن الثقافة والمجتمع العربى.

■ هناك تفاصيل صغيرة فى الأدب: أسماء الأطعمة، الأمثال، العادات، أسماء الأماكن، قد تكون أكثر قدرة على كشف المجتمع من الأحداث الكبرى.. كيف تتعامل معها كمترجم؟

- كثيرًا ما يجد المترجم نفسه أمام أعمال مليئة بالتفاصيل الدقيقة المتعلقة بأسماء الأطعمة، الأمثال، العادات، أسماء الأماكن وغيرها مما يطلق عليه الخصوصيات الثقافية التى لا يقف أمامها سوى المترجم الذى يقدر قيمة الترجمة، وأنها نقل أمين للنص بكل تفاصيله وليس مجرد نقل كلمات وتعبيرات من لغة إلى أخرى، شخصيًا أتعامل مع هذه التفاصيل بكل حذر من خلال البحث والدراسة والرجوع إلى المعاجم وسؤال المختصين من أبناء هذه اللغة، وهذا حدث معى فى ترجمة أكثر من عمل، منها ما حرصت فيه على زيارة أماكن وردت فى العمل من أجل معرفة أكبر بتفاصيلها التاريخية وخصوصيتها الثقافية، مثل سفرى إلى مسقط رأس الأديب مويان للتعرف على المكان الذى شهد نشأته واستوحى منه عالم رواياته خاصة فى روايته الأشهر «الذرة الرفيعة الحمراء». 

وعندما نتحدث عن أسماء الأطعمة على وجه الخصوص، فقد ترجمت كتاب «ثقافة الطعام الصينى» الذى صدرت طبعته العربية عن المركز القومى للترجمة ٢٠١٧ فى جزءين، وحصل على جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولى عام ٢٠٢١. الذى يتناول تاريخ الأطعمة الصينية وخصوصياتها الثقافية على مستوى المناطق الصينية المختلفة وتقسيمات المطبخ الصينى وعادات وثقافة الأطعمة الخاصة بالأعياد والمناسبات الصينية التقليدية.

كما يقدم الكتاب لثقافة الأطعمة الخاصة بالمعتقدات المختلفة فى الصين بما فيها البوذية والطاوية والإسلام والمسيحية، وعادات الطعام عند الأقليات الصينية الست والخمسين وتاريخ تطور الأطعمة الصينية. كما يهتم الكتاب بتقديم بعض الجوانب المهمة حول ثقافة الشاى الصينى وأنواعه وطرق وآداب تناوله.

■ من خلال تعاملك مع الرواية الصينية.. كيف ترى علاقة الأدب الصينى بالتحولات الاجتماعية الهائلة التى شهدتها الصين خلال العقود الأخيرة؟

- هذه نقطة مهمة يقف عندها المترجم للإبداع الصينى المعاصر، إذ يجد نفسه أمام عدد كبير من الأعمال التى تصور ما شهدته الصين عقب إطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح عام ١٩٧٨ من تحولات وتغيرات اجتماعية كبيرة، أبرزها الهجرة من الريف إلى المدن وتأثير حياة المدينة والتأثر بالثقافة الغربية والاغتراب النفسى والفجوة بين الأجيال خاصة فى ظل سياسة الطفل الواحد التى طبقتها الصين من ١٩٧٨ وغيرها من الظواهر التى رصدتها أعمال أدبية مهمة لكتاب معاصرين، من بينها ما صورته قصة «جبال الذهب والفضة» للكاتب جانج كانج كانج، صدرت ضمن ترجمتنا لكتاب «مختارات قصصية لكاتبات صينيات معاصرات» عن هجرة الفلاحين الصينيين من الريف إلى العاصمة بكين للعمل فى مطلع الثمانينيات، ورواية «الموبايل» للروائى ليوجين يون والتى تعد من أبرز الأعمال الأدبية المعاصرة التى صورت التحولات الاجتماعية فى الصين المعاصرة وتأثيرها على العلاقات بين الأفراد وتفكك الأسرة الصينية. وما صورته رواية «الضفدع» لمويان مما يتعلق بتأثير تطبيق سياسة الطفل الواحد فى الصين.

■ هل تعتقد أن مستقبل الترجمة بين مصر والصين يحتاج إلى مترجمين أكثر.. أم إلى مشروع مؤسسى يحدد ما الذى ينبغى أن يترجم ولماذا ولمن؟

- أعتقد أن كليهما يكمل الآخر، فالمشروع المؤسسى تجربة مهمة سبقت إليها دول أخرى وأثبتت نجاحها، والمشروع المؤسسى الجيد سيفرز بدوره مترجمين متمرسين أكثر وعيًا بأهمية الترجمة ودورها فى تعزيز جسور التواصل بين البلدين. 

ففى ظل الاهتمام المتزايد بتدريس اللغة الصينية فى الجامعات المصرية وانفتاح مصر على الصين، أصبح لدينا فى الوقت الحالى ٣٦ قسمًا للغة الصينية بالجامعات الحكومية والأهلية والخاصة، والتى تخرج بدورها مئات الخريجين كل عام، ولكن كم من هؤلاء الخريجين قادر على الممارسة الفعلية للترجمة وترجمة النصوص الإبداعية على وجه الخصوص؟ صحيح أن حركة التبادل الثقافى بين البلدين تشهد ازدهارًا واضحًا خلال السنوات الأخيرة، ومنذ طرح مبادرة الحزام والطريق الصينية عام ٢٠١٣ على وجه الخصوص، وإطلاق مشاريع تستهدف ترجمة عدد كبير من الكتب الصينية إلى اللغات الأجنبية ومن بينها العربية، لكن ظل العمل فى الترجمة عن الصينية فى مصر يفتقر إلى خطة مؤسسية واضحة تضع أولويات بما نحتاج إلى ترجمته عن الصينية، وهذا لا يقلل من الدور الذى تقوم بها مؤسسات مثل المركز القومى للترجمة ودور ناشر خاصة فى تقديم عدد كبير من الترجمات عن الصينية.

■ بعد وصول مشروع «قراءات صينية» إلى عشرات الأعمال، هل تغيرت معاييرك فى الحكم على ما يستحق أن يصل إلى القارئ العربى؟ وما النص الذى كنت ستختار ترجمته اليوم ولم تكن لتختاره قبل سنوات؟

- كان عام ٢٠١٧ نقطة الانطلاق لمشروع سلسلة «قراءات صينية» بالتعاون مع دار صفصافة للنشر، وقد شارفت الأعمال التى صدرت عن السلسلة مائة عمل بين الأعمال الإبداعية والعلوم الاجتماعية، وحازت بعض أعمال السلسلة على أكثر من جائزة فى الترجمة «جائزة معرض القاهرة الدولى للكتاب فئة أفضل ترجمة مقدمة للطفل، جائزة الترجمة للشباب من المركز القومى للترجمة وجائزة جمال حمدان فى مجال الدراسات الإنسانية والعلوم الاجتماعية». ومنذ صدور العمل الأول من السلسلة، كتاب «التنين يحلق».. دراسة فى الاستثمارات الصينية الخارجية، حتى آخر عمل قيد النشر رواية «زائر السهول»، سارت معاييرنا فى اختيار الأعمال للترجمة وفق رؤية تتطور باستمرار وفق الحاجة المعرفية وانشغلنا بتقديم ما يسهم فى تعزيز التواصل الثقافى الصينى العربى، ويقدم قيمة حقيقية للمكتبة العربية.

■ لو طلبنا منك أن تختار ٣ كتب صينية فقط ليقرأها المصرى الذى يريد أن يفهم الصين بعيدًا عن الصورة السياحية والإعلامية والسياسية، فما الكتب التى ستختارها؟ ولماذا؟

- تزخر المكتبة العربية فى الوقت الحالى بقائمة طويلة من العناوين المهمة عن الصين، والتى نثق فى أنها كفيلة بأن تقدم معلومات مفيدة للقارئ العربى عن الصين، وقد يكون من الصعب حصر الإجابة فى ٣ عناوين فقط من هذه القائمة الطويلة، ولكن إذا كان ولا بد، فمن بين الأعمال التى ترجمتها ربما أميل إلى ترشيح كتاب «موجز تاريخ الدبلوماسية الصينية القديمة»، لما يتضمنه هذا العمل المهم من محتوى ثرى ينطلق من التعريف بسياسة العلاقات الخارجية فى مطلع عصر أسرة شيا الصينية والتى أسست للدبلوماسية الصينية القديمة مع دول وممالك الجوار، مرورًا بانفتاح الصين على العالم الخارجى وبعثات جانج تشيان المبعوث الصينى المعروف والتأسيس لمرحلة مهمة من الدبلوماسية الشعبية الصينية وتأسيس علاقات أكبر مع دول العالم القديم.

وهناك أيضا رواية «الصياد» الصادرة ضمن مشروع «قراءات صينية» للكاتب والشاعر الصينى المعاصر جاولى هونج ترجمة هبة سمير محمد المطراوى وهى رواية للناشئة حازت ترجمتها جائزة معرض القاهرة الدولى للكتاب ٢٠٢١ فئة الكتاب المقدم للطفل، والتى تنطلق من تصوير صدمة الثورة الثقافية الكبرى، وحملة تدمير القديم من التراث والكتب والكنوز التاريخية، وشجاعة بطل الرواية الفتى دالو فى الحفاظ على المنحوية التاريخية.

وأخيرًا هناك كتاب «العرب فى كتب التراث الصينية» الذى صدرت طبعته العربية عن مكتبة الملك عبدالعزيز بالمملكة العربية السعودية مطلع ٢٠٢٦.

وجمعت المواد التاريخية التى تناولها الكتاب من أكثر من ٤٠ كتابًا من كتب التراث الصينية، وتغطى الفترة الزمنية من عصر كتاب «السجلات التاريخية» لمؤلفه سى ماتشيان، وعصر أسرة خان الغربية حتى كتاب «سجلات القارات الأربع» لمؤلفه لين تزه شيو من أواخر عصر أسرة تشينج الإمبراطورية، ما يغطى ٢٠٠٠ عام.

وينقسم الكتاب إلى جزءين رئيسيين، شمل الجزء الأول المواد التاريخية المتعلقة بالعرب فى الكتب التاريخية الـ٢٤ و«سجلات تزى جه» وقسمت الاستشهادات التى اقتبست من الكتب التاريخية الـ٢٤ إلى فصول بحسب ترتيب الأسر الإمبراطورية.

وحوى كل فصل فى نهايته خاتمة موجزة، لخّصت أحوال التبادلات التى كانت قائمة بين تلك الأسرة والعرب، وتناول الكتاب عبر فصوله العشرة: صورة العرب فى كتب التاريخ الرسمية فى عصر أسرة تانج، وأسرة يوان، وأسرة مينج، وأسرة تشينج، وصورة العرب فى كتابى: «سجلات تزى جه» و«ملحق كتاب تزى جه» وكتب التبادلات الصينية الأجنبية، وصورة العرب فى الشعر الصينى القديم.

■ مع اتساع استخدام الذكاء الاصطناعى فى الترجمة.. ما الذى تخشى أن يفقده النص الصينى عندما تنتقل مهمة نقله إلى العربية من مترجم يعرف الثقافة إلى آلة تعرف اللغة؟

- نخشى التضحية بروح النص، وأن تكون عملية الترجمة مجرد نقل آلى لكلمات دون مراعاة تفاصيل كثيرة تمثل جوهر العمل الأصلى، خاصة عندما يتصل الأمر بترجمة نصوص أدبية صينية أهم ما يميزها الإرث الثقافى والحضارى للأمة الصينية التى تتكون من 56 قومية لكل منها إرثها الثقافى الخاص.

اقرأ من «أدب التنين»: 

زائر السهول