الثلاثاء 25 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

رؤية خبير.. ياسر منجى: الـAI لا يمكن أن يهزم الإبداع الإنسانى.. والقادم هو «التأليف التشاركى»

حرف

- الـAI لم يعد يكتفى بتحليل سلوك الإنسان بل قادر على توقّعه والتأثير فيه

- الخطر الأكبر لـAI ليس تهديد الوجود البيولوجى للإنسان بل تهديد استقلاله 

- الأزمة ليست إنتاج النص أو الصورة أو العمل الفنى بل طبيعة الآليات التى تُنتج بها الأعمال

- المشكلة ليست فى استخدام الـAI إنما غياب الشفافية بشأن طبيعة الاستخدام

قبل أيام صدر كتاب بعنوان «مستقبل الإبداع الإنسانى فى عصر الذكاء الاصطناعى»، عن دار العين للنشر، تأليف مشترك بين كل من الفنان الناقد التشكيلى، د. ياسر منجى، الأستاذ بكلية الفنون الجميلة بجامعة العاصمة، والباحث د. بدر المعمرى، أستاذ مشارك فى قسم التربية الفنية بجامعة السلطان قابوس. 

ويستشرف المؤلفان فى كتابهما ما سماه ياسر منجى بـ«إنسان ما بعد الإنسانية» فى ظل الطفرات المذهلة التى حققتها تطبيقات الذكاء الاصطناعى وتغولها فى كل مناحى الحياة الإنسانية.

كما يناقش الكتاب إشكاليات إعادة تعريف الإبداع والدور البشرى فيه، وهل يمكن أن يكون هناك إبداع مشترك ما بين الخوارزميات والإنسان، وما يترتب عليه أيضًا من إعادة تعريف المفاهيم حول الإنسان والإبداع وخصوصيته.

عن الكتاب وما يحتويه من أفكار مهمة تخص الساحة الثقافية، أجرت «حرف» مع الدكتور ياسر منجى الحوار التالى. 

■ أشرتَ فى مقدمة كتابك «مستقبل الإبداع الإنسانى فى عصر الذكاء الاصطناعى» إلى أن الطفرات التكنولوجية خلال العقود الأخيرة غيَّرت من طبيعة حياتنا، وأعادت تشكيل مفاهيمنا حول الهوية البشرية والعلاقات الاجتماعية.. ما طبيعة هذه التغييرات ومظاهرها؟ وكيف غيَّرت مفهوم الهوية البشرية؟

- قصدتُ بذلك فى تقديمى لهذا الكتاب، الذى شاركنى فى تأليفه الدكتور بدر المعمرى، أنه إذا كانت الثورة الصناعية قد غيَّرت علاقة الإنسان بالعمل، فإن الثورة الرقمية غيَّرت علاقة الإنسان بنفسه. وكما وضّحتُ فى تلك المقدمة، فقد انتقلنا من عصر كانت فيه الوسائط التكنولوجية مجرد أدوات خارجية تساعد الإنسان على إنجاز مهامه، إلى عصر أصبحت فيه هذه الوسائط جزءًا من بنيته الإدراكية والمعرفية والاجتماعية.

لقد غيَّرت هذه التحولات مفهوم الهوية من كونها بناءً ثابتًا ومستقرًا إلى كونها بناءً ديناميكيًا قابلًا لإعادة التشكيل باستمرار. فنحن نعيش اليوم فى عالم تتداخل فيه الهويات الواقعية والهويات الرقمية، وتتشكل فيه العلاقات الاجتماعية عبر المنصات والخوارزميات بالقدر نفسه الذى تتشكل فيه داخل المجال الواقعى.

بل إن الذكاء الاصطناعى لم يعد يكتفى بتحليل سلوك الإنسان، وإنما أصبح قادرًا على توقّعه والتأثير فيه. وهنا يبرز سؤال الهوية بوصفه سؤالًا فلسفيًا وثقافيًا يتجاوز مجرد التطور التقنى: مَن نحن عندما تصبح ذاكرتنا رقمية، وتفضيلاتنا قابلة للتنبؤ، وإنتاجنا الفكرى قابلًا للمحاكاة؟

ومن هنا جاء طرحى فى الجزء الخاص بى من الكتاب لمفهوم «إنسان ما بعد الإنسانية»، بوصفه توصيفًا لكائن جديد يعيش فى بيئة تُعاد فيها صياغة مفهوم الإنسان نفسه.

■ قبل أيام تواردت أخبار عن تخليق الذكاء الاصطناعى لفيروس صناعى.. فى رأيك، هل بات الوجود الإنسانى نفسه مهددًا، وليس الإبداع فقط؟

- علينا أن نفرّق بين الحقائق العلمية والعناوين الإعلامية المثيرة؛ فالذكاء الاصطناعى لا يخلق الفيروسات بصورة مستقلة، ولكنه قد يساعد الباحثين على تحليل البِنَى الجينية أو تسريع عمليات التصميم الحيوى. والخطر الحقيقى لا يكمن فى التقنية ذاتها، بل فى كيفية استخدامها.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن التطورات المتزامنة فى الذكاء الاصطناعى والهندسة الوراثية والبيولوجيا التركيبية تفرض تحديات غير مسبوقة.

لكننى لا أعتقد أن الخطر الأكبر يتمثل فى تهديد الوجود البيولوجى للإنسان، وإنما فى تهديد استقلاله المعرفى والأخلاقى. فحين يفقد الإنسان قدرته على التفكير النقدى، ويصبح معتمدًا بصورة كاملة على أنظمة ذكية لاتخاذ القرارات نيابة عنه، فإننا نكون أمام تهديد يمس جوهر الكينونة الإنسانية ذاتها.

■ قبل أسابيع أيضًا أُلغيت عدة جوائز ثقافية إثر اكتشاف أن الأعمال الأدبية المقدمة لها كُتبت بالذكاء الاصطناعى.. هل يعنى ذلك اندثار الإبداع الإنسانى أمام الـAI؟

- لا أعتقد ذلك؛ فقد شهد التاريخ اختراعات كثيرة أثارت المخاوف نفسها وقت ظهورها، ومع ذلك فالآلة لم تُلغِ الحِرفة، والتصوير الفوتوغرافى لم يُلغِ الرسم، والسينما لم تُلغِ المسرح، والوسائط الجرافيكية الرقمية لم تُلغِ الوسائط اليدوية فى معالجات الصورة الفنية.

ولعل هذه الفكرة تلتقى مع أحد المحاور الأساسية التى ناقشها الدكتور بدر المعمرى- المؤلف المشارك معى- فى الجزء الأول من الكتاب، والمتعلق بمحاولة رسم الحدود الفاصلة بين الذكاء البشرى والذكاء الاصطناعى فى العملية الإبداعية؛ إذ إن السؤال لم يعد يتمثل فى إمكان إنتاج النص أو الصورة أو العمل الفنى فحسب، بل فى طبيعة الآليات التى تُنتج بها هذه الأعمال، وفى المعايير التى يمكن من خلالها التمييز بين الإبداع الإنسانى والإنتاج الخوارزمى.

ما يحدث اليوم هو إعادة تعريف لمفهوم الإبداع، وليس إعلانًا عن نهايته. ويمكن القول إن المشكلة لا تكمن فى استخدام الذكاء الاصطناعى فى حد ذاته، وإنما فى غياب الشفافية بشأن طبيعة هذا الاستخدام. فالجوائز الأدبية والفنية تقوم على معايير ترتبط بالأصالة والجهد الفردى والخبرة الإنسانية. وعندما تُقدَّم أعمال أُنتجت آليًا على أنها أعمال بشرية خالصة، فإن المشكلة تصبح أخلاقية وقانونية قبل أن تكون فنية.

■ برأيك، هل يستطيع الذكاء الاصطناعى محاكاة الخيال الإنسانى مهما بلغت دقته اللغوية فى بناء نصوص متماسكة؟

- يمكنه محاكاة بعض مظاهر الخيال، لكنه لا يمتلك الخيال بالمعنى الإنسانى العميق. فالخيال الإنسانى ليس مجرد إعادة تركيب للأنماط والمعلومات المتاحة- كما يفعل الذكاء الاصطناعى التوليدى- بل هو نتاج الذاكرة، والعاطفة، والخبرة، والتجربة الجسدية، والوعى بالزمن، والموت، والحب، والخسارة.

أما الذكاء الاصطناعى فهو يتعامل مع الأنماط الاحتمالية والعلاقات الإحصائية داخل البيانات الموجودة أصلًا، والمتاحة له بوفرة لا يمكن إحصاؤها. وهو قد يكتب نصًا يشتمل على سمات بلاغية، أو يرسم لوحة تتضمن عناصر البناء البصرى المتكامل، لكنه لا يعيش التجربة التى أنتجت هذا النص أو تلك اللوحة. وهنا يكمن الفارق الجوهرى بين المحاكاة والتجربة.

■ قبل ظهور الذكاء الاصطناعى كانت العلاقة بين البعد الإنسانى والتكنولوجيا قائمة على أساس الحفاظ على مناطق النفوذ لكلا الطرفين.. فهل فقد الإنسان نفوذه الآن؟

- أعتقد أن مفهوم «مناطق النفوذ» نفسه أصبح بحاجة إلى مراجعة؛ فقد انتقلنا من نموذج المنافسة إلى نموذج التداخُل. فالإنسان لم يفقد نفوذه بالكامل، لكنه فقد احتكاره لكثرة من الوظائف المعرفية التى كان يعتقد أنها حصرية له.

لقد أصبحنا أمام نموذج جديد يقوم على ما يمكن أن أسميه «الشراكة» بين الإنسان والآلة، لا على الفصل بينهما. لكن نجاح هذه الشراكة يتوقف على قدرة الإنسان على الحفاظ على عناصر وجوده وإدراكه الجوهرية: كالتفكير النقدى، والوعى الأخلاقى، والقدرة على إنتاج المعنى.

■ ألا يُعد تدخل الذكاء الاصطناعى أو الاستعانة به، فى النهاية، منتجًا بشريًا، خاصة أن مدخلاته نتاج معارف بشرية متراكمة؟

- بالتأكيد؛ فالذكاء الاصطناعى ليس كيانًا معزولًا عن الحضارة الإنسانية، بل هو امتداد لها، وإعادة معالجة لِما ورثناه مِن إنجازاتها؛ فالنماذج الذكية تُدرَّب على نتاجات بشرية متراكمة: كتب، وأبحاث، وصور، وموسيقى، وأعمال فنية.

وهذه القضية تحديدًا كانت من النقاط التى استوقفتنا فى الكتاب؛ لأن المقارنة بين الذكاء البشرى والذكاء الاصطناعى لا يمكن أن تُختزَل فى مقارنة بين طرفين منفصلين تمامًا. وقد تناول الدكتور بدر المعمرى هذه الإشكالية- فى الجزء الخاص به- من خلال النظر إلى الإنسان والآلة بوصفهما نظامين مختلفين فى آليات المعالجة والإنتاج، وإن كانت المادة الخام التى تغذى أحدهما مستمدة، فى نهاية المطاف، من التراكم المعرفى الذى صنعته البشرية عبر قرون طويلة.

لكن هذا لا ينفى وجود إشكاليات حقيقية تتعلق بطريقة إعادة تركيب هذه المعارف، وحدود استخدامها، وأحقية أصحابها. فالقول إن الذكاء الاصطناعى نتاج بشرى لا يعنى أن جميع مخرجاته يمكن نسبتها تلقائيًا إلى البشر الذين أسهموا فى تدريبه.

■ هل تعتبر نتاجات الذكاء الاصطناعى للنصوص إبداعًا أصيلًا؟ وهل تترتب عليها حقوق ملكية فكرية؟

- هذه واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل فى الوقت الراهن؛ لأننا إذا نظرنا إلى الإبداع بوصفه إنتاجًا لشىء جديد ومؤثر، فقد يمكن اعتبار بعض مُخرجات الذكاء الاصطناعى إبداعية. أما إذا ربطنا الإبداع بالقصدية والوعى والخبرة الذاتية، فإن المسألة تصبح أكثر تعقيدًا.

أما فيما يتعلق بحقوق الملكية الفكرية، فلا يزال العالم يفتقر إلى إطار قانونى موحد. وبعض التشريعات لا تعترف أصلًا بحقوق ملكية للأعمال المُنتَجة آليًا فى غياب مساهمة بشرية جوهرية. ولذلك، فنحن ما زلنا نعيش مرحلة انتقالية لم تستقر فيها المعايير القانونية والأخلاقية فى هذا السياق على نحوٍ تام بعد.

■ مع استعانة الإنسان به فى العملية الإبداعية، لمن يُنسب العمل فى هذه الحالة؟

- أعتقد أن الإجابة تعتمد على حجم التدخل البشرى. فإذا كان الذكاء الاصطناعى مجرد أداة مساعدة، فإن العمل يُنسَب إلى الإنسان. أما إذا كانت مساهمة النظام الذكى جوهرية فى بناء النص أو الصورة أو الفكرة، فإننا نكون أمام نموذج جديد من «التأليف التشارُكى».

وقد يدفعنا ذلك مستقبلًا إلى إعادة تعريف مفهوم المؤلف نفسه. فربما لن يكون السؤال: مَن كَتَب هذا العمل؟ بل: ما طبيعة العلاقة بين الأطراف التى شاركت فى إنتاجه؟

■ هل يعيد الـAI رسم حدود العلاقة بين المؤلف والنص؟ وكيف؟

- نعم، وبصورة جذرية؛ وقد قامت النظريات الأدبية الحديثة، منذ النصف الثانى من القرن العشرين، على مراجعة مركزية المؤلف، وظهرت أطروحات تحدثت عن «موت المؤلف»- وأشهر نماذج ذلك المقالة المركزية التى كتبها الناقد الأدبى والمُنَظِّر الفرنسى رولان بارت عام ١٩٦٧ تحت عنوان La mort de l›auteur-، كما تعددت الأطروحات التى تناقش مفهوم استقلال النَص عن مُنتِجِه.

لكن الذكاء الاصطناعى بات يطرح سؤالًا جديدًا: ماذا يحدث عندما يصبح المؤلف نفسه غير بشرى؟ إننا- تبعًا لهذا السؤال- ننتقل من العلاقة الثنائية بين المؤلف والنص إلى علاقة أكثر تعقيدًا تضم المؤلف والخوارزمية والبيانات والمتلقى. وهذا التحول يفرض إعادة قراءة كثير من النظريات النقدية التقليدية ومناقشتها من جديد.

■ فى رأيك، ما التغيرات التى قد تطال القيم الإنسانية التى طالما اقترنت بفكرة الإبداع فى جوهرها فى ظل تغوّل الـAI؟

- قد تتعرض قيم كثيرة لإعادة التقييم؛ فالأصالة، والفرادة، والعبقرية، والموهبة، والاجتهاد، كلها مفاهيم بدأت تخضع لمراجعات جديدة. لكننى لا أعتقد أن هذه القيم ستختفى؛ إذ إن ما سيتغير فى تصوُّرى هو تعريفاتها.

فالعبقرية، مثلًا، قد لا تعود مرتبطة بالقدرة على إنتاج العمل المتفرد من الألف إلى الياء، وإنما بالقدرة على طرح الأسئلة الصحيحة، وتوجيه الأدوات الذكية، وبناء الرؤى الجديدة.

■ وإلى أى مدى يمكن لهذه القيم الصمود فى وجه التغيرات الجذرية التى يفرضها الذكاء الاصطناعى؟

- إن القيم الإنسانية الكبرى أثبتت قدرتها على التكيف عبر التاريخ؛ فقد تجاوز الإنسان تحولات كبرى، من الثورة الزراعية إلى الثورة الصناعية ثم الثورة الرقمية.

وأعتقد أن القيم المرتبطة بالتعاطف، والضمير، والمعنى، والمسئولية الأخلاقية ستظل عناصر يصعب استبدالها، لكن الحفاظ عليها لن يكون عملية تلقائية.

إن حفاظنا على هذه المنظومة الإنسانية من القِيَم يتطلب بناء منظومات تعليمية وثقافية جديدة، تُعلى من شأن التفكير النقدى والوعى الأخلاقى، بدلًا من الاكتفاء بتعليم المهارات التقنية.

■ ما الرؤية الاستشرافية التى قدّمها الكتاب لمستقبل الإبداع الإنسانى فى ظل الثورة التكنولوجية الراهنة؟

- لم يحاول الكتاب التنبؤ بالمستقبل بقدر ما حاول استكشاف سيناريوهاته الممكنة؛ فهو لا يقدم صورة «يوتوبِيّة» تحتفى بالذكاء الاصطناعى، ولا رؤية «ديستوبيّة» كارثية تتنبأ بانهيار الإنسان، بل ينطلق من فرضية مفادها أن المستقبل سيكون أكثر تعقيدًا مما نتصور.

■ إلى أى مدى يمكن للذكاء الاصطناعى وتطبيقاته توجيه الرأى العام واحتكار المعرفة؟

- إن القدرة على توجيه الرأى العام ليست مفهومًا جديدًا، لكن أدواتها أصبحت أكثر تعقيدًا. فالخوارزميات أصبحت تتحكم فى نوعية المحتوى الذى يصل إلى المستخدم، وتحدد ما يقرأه وما يشاهده، بل وما قد يفكر فيه مستقبلًا.

ومن هنا تنشأ مخاوف حقيقية تتعلق باحتكار المعرفة، وفقاعات المعلومات، والتلاعب بالمحتوى. لكن الخطر الأكبر يكمن فى انتقال السُلطة من المؤسسات التقليدية إلى أنظمة خوارزمية غير شفافة. ولهذا، فإن الحديث عن الذكاء الاصطناعى يجب أن يقترن دائمًا بالحديث عن مفاهيم الحَوكَمَة، والشفافية، والعدالة الرقمية.