الانعزالى.. مجدى القشاوى: القصة القصيرة لن تفقد مكانتها أمام الرواية
- الإبداع الحقيقى لا يتأتى إلا لراهب يتخلى عن كل شىء ويحتشد للكتابة
- الحالة الثقافية المصرية «عظيمة» ولدينا مبدعون فى كل المجالات
- النشر كان قرار الشفاء بعد سنوات من العزلة
- حصلت على جوائزى بفرح الكتابة والتلقى الجميل
- دمياط منحت قصصى خصوصية اللغة واللون
رغم أنه لم ينشر غير مجموعتين قصصيتين فقط، هما «شروط الوردة» فى عام 2024، ثم «كل الألوان أزرق» فى العام اللاحق 2025، عن دار «العين» للنشر، قوبلت المجموعتان باحتفاء نقدى كبير.
إنه الكاتب القاص مجدى القشاوى، الذى التقته «حرف» فى حوار خاص، كشف فيه عن أسباب تأخره فى نشر أعماله، رغم عمله فى الصحافة الثقافية لسنوات طويلة، إلى جانب سر ابتعاده عن الوسط الثقافى، وكيف يرى المشهد من بعيد، وتحديدًا من دمياط، التى يعيش فيها، ومنحته خصوصية فى اللغة واللون، الذى اكتسبه من التقاء السماء بالبحر والنهر.
وعلى النقيض من الرؤية التشاؤمية للواقع الثقافى المصرى، يحمل «القشاوى» رؤية مغايرة، خاصة فيما يتعلق بفن القصة، وتقدم الرواية عليه، سواء فيما يتعلق بالمقروئية أو النشر أو الجوائز.
كما يتحدث «القشاوى» عن المعانى التى فقدت بريقها، ورغبته فى تحويل هذه المعانى إلى لوحات تشكيلية، إلى جانب شغفه بالفنون، خاصة السينما والفن التشكيلى.

■ رغم أن قراءتك للحياة والناس تبدو ممتدة ومتراكمة منذ سنوات، وبينها عملك بالصحافة الثقافية، تأخرت تجربة النشر لديك.. لماذا؟
- أسباب عديدة أدت إلى تأخرى فى النشر، منها عملى الذى يستهلك معظم وقتى، ومنها تبريرات كنت أسوقها لنفسى: أن العالم مزدحم بالإبداعات، ولا ينتظر ذلك القابع عند مصب النهر، بالإضافة إلى تصور لا يفارقنى أن الإبداع الحقيقى لا يتأتى إلا لراهب، يتخلى عن كل شىء ويحتشد للكتابة، وهكذا استبدلت النشر بحالة تلقى عظيمة الإمتاع لكل أنواع الفنون. السينما تحديدًا استحوذت على جانب كبير من اهتمامى، والموسيقى، والأدب بالتأكيد بوصفه الاهتمام الأول.
وهنا كانت الكتابة استكمالًا لحالة تحقق شخصى انعزالى. حتى جاء ما يمكن أن نطلق عليه وضع الاستحالة. أصبت ببعض المتاعب الصحية، وأرسل لى ابنى خطابًا من برلين حرص أن يكون ورقيًا، كتب فيه: «الجسد لا ينسى»، وهكذا كان قرار النشر، قرار الشفاء.
فى مناقشة مجموعة «شروط الوردة»، أثنى الروائى الكبير فكرى داود على المجموعة، ثم سألنى: كيف تحملت فكرة الكتابة بهذا المستوى لسنوات دون نشر؟ لا أعرف الإجابة، ولكن هذا ما حدث. والتلقى الرائع للمجموعتين الصادرتين كان تعويضًا، وربما بشارة أن الوقت كان مناسبًا.
■ هل لصعوبة نشر المجموعات القصصية عامل فى هذا التأخر؟
- لم أواجه صعوبات فى نشر المجموعتين. تقدمت للدكتورة فاطمة البودى، مديرة دار «العين»، وبعد مراجعة المجموعة رحبت بالنشر، وهى دار تتعامل باحترافية فى كل تفاصيل عملية النشر..
فقط كانت هناك حادثة ضياع مجموعتين قصصيتين من أعوام بعيدة، فى إحدى هيئات النشر، بعد أن تحمس لهما ناقد كبير، ولم يترك لى فرصة اختيار النشر من عدمه. ووقتها اعتبرت هذا الفقد إشارة، وقد يكون ذلك حقيقيًا.
■ ماذا تبقى من الصحافة الثقافية فى ذاكرتك؟ وهل أفادت تجربتك الإبداعية؟
- بالتأكيد استفدت كثيرًا بعملى بالصحافة الثقافية، فمن خلالها تعرفت على الكثير من المبدعين فى كل المجالات، وخضت مع بعضهم تفاصيل تجاربهم الإبداعية. أنتِ تدركين أكثر منى أن الصحافة تتيح اتصالًا متجددًا بالأعمال الصادرة، مكتوبة أو مرئية، وقدرًا من التفاعل والمتابعة والتصدى للقراءات، وتكوين موقف نقدى. ودعينى أخبركِ بأن الصحافة كانت سببًا لصداقة مع أحد كتّابى المفضلين، إدوار الخراط، والأثر العظيم التى تركته تلك الصداقة على.

■ لماذا القصة مبتدأ لتجربتك الإبداعية، رغم أننا نعيش زمن الرواية؟ وهل للجوائز المُكرَسة للرواية دخل فى ذلك؟
- أحب القصة القصيرة، قراءة أولًا، ثم كتابة، هى فن خاص جدًا، لا أعتقد أن انتشار الرواية يمكن أن يفقدها مكانتها. كثير من الذين تناولوا قصصى بالنقد أشاروا إلى المشهدية فى كتاباتى، ويبدو أن المكان الذى أعيش فيه يمثل عاملًا مهمًا فى اختياراتى، حيث أسكن عند التقاء النهر بالبحر والبحيرة. بخلاف الأسباب التى تمليها التكوينات النفسية للكُتَّاب وتحدد تفضيلاتهم الشكلية والجمالية.
أما عن الجوائز فهى عظيمة، ولها أصحابها الذين يستحقون. أنا حصلت مرارًا على جوائزى بفرح الكتابة، والتلقى الجميل.
■ هل تعرضت لإغواء كتابة الرواية؟ وإذا ما كانت الإجابة بنعم، كيف قاومته؟
- بالتأكيد أتمنى أن أخوض التجربة، لكن تأخر النشر أدى لتراكم عدد كبير من المجموعات القصصية تنتظر النشر. فلتنتظر الرواية دورها إن تفضلت.
■ لكَ اهتمامات بالسينما والموسيقى والفن التشكيلى. كيف انعكست هذه الاهتمامات أو المؤثرات على تكوين عالمك القصصى؟
- أحلم دائمًا بكتابة تجمع بين أنواع الفنون، السينما تصنع ذلك بامتياز. فى المشهد الواحد، تجتمع ٤ أو ٥ من الفنون، ما ينتج عنه ما نسميه سحر السينما.
فى مجموعة «كل الألوان أزرق» حاولت الجمع بين التشكيل والأدب. فى نفس اليد فرشاة وقلم، ولنستكشف تأثير الطاقات التى تتخلق عن ذلك الجمع. حواركِ مع الناقدة الكبيرة د. مارى عبدالمسيح تناول ذات الموضوع بشكل رائع، وهو بالمناسبة حوار جميل، وشديد الثراء.
■ «شروط الوردة» أولى مجموعاتك القصصية المنشورة، هل كتبت قصصها فى فترات زمنية متباعدة، أم أنها جاءت ضمن مشروع قصصى واحد تشكلت ملامحه تدريجيًا؟
- عندما قررت النشر لم أقدر إلا التقدم بالقصص التى كتبت فى ذات السنة، كنت أريد أن أسمع رأى القراء فيما أكتب الآن، وعلىّ أن أتخذ قرار ماذا سأنشر فى كل مرة بما تمليه الظروف. فى مجموعة «كل الألوان أزرق»، كان الاختيار لتجربة الجمع بين الكتابة والتشكيل أساسًا للمجموعة.
■ يصف النقاد تجربتك بأنها تقوم على رؤية واضحة للموضوعات، إلى أى مدى كانت هذه الرؤية حاضرة فى «شروط الوردة» و «كل الألوان أزرق»؟
- الرؤية التى أسعى إليها جمالية فى المقام الأول، ومع ذلك أريد تأكيد أننى كنت محظوظًا بالعمل فى مهن مختلفة، ما سمح لى باكتساب خبرات متنوعة. محظوظ أيضًا بحبى لجغرافيا مصر، ما دعانى للسفر لكل مدنها، وبالأخص صحاريها ومحمياتها الطبيعية، وكنز الناس فى كل المدن، ولعل هذا ظهر واضحًا فى القصص التى أكتب.

■ كيف تتشكل العلاقة بين الواقع والمُتخيَل لديك أثناء الكتابة؟
- مع تراكم السنوات والخبرات، يأخذ التفكير مناحى مختلفة، فكثيرًا ما صارت الكتابة تبدأ بجملة واحدة، جملة تتردد فى الذهن، وما إن تُكتب فى بداية الصفحة حتى تستدعى عالمًا مكتملًا، أو ترك القصة تتدفق بصورة طبيعية.
يبقى الهم الأكبر الصدق، والتعبير عن تجارب شعورية حقيقية، وهو ما يجعل قصة تختلف عن الأخرى، لنفس الكاتب وبذات المجموعة. فى إحداها يصيب الكاتب فى الوصول إلى طريق البئر، وعندها، للحصول على الماء، لا يكون عليه إلا رفع الدلو.
الواقعى، المتخيل، والسرد المخطط، أو تيار الوعى، هى الألوان التى تتخلق عند الوقوف أمام اللوحة، والمبدع الأعظم هو الذى يجيد تلقى الهبة.
فى مرة، نصحنى رجل يعمل بتقليم الأشجار قائلًا: «إذا رأيت المقص يتوقف فى يدى للحظة، بحثًا عن الفرع الذى علىَّ قصه، فاعلم أننى خائب، ولا تأتمنى على الأشجار».
■ دعنى أعيد عليك سؤال بطل قصة «طبيعة صامتة»، إحدى قصص مجموعتك الثانية «كل الألوان أزرق»: لماذا لا توجد نصوص أدبية على صورة لوحات الطبيعة الصامتة؟
- معظم أصدقائى المقربين من الفنانين التشكيليين، ودائمًا ما كنت أحسدهم على «الإتاحات»، إن صح التعبير، التى يقدمها هذا الفن. فى الكتابة نخط كلمة بعد كلمة، حتى نصل للجملة، ثم للفقرة، مُكبَلين بتاريخ من قهر التراكيب. أما فى اللوحة فيمكن للفنان سكب دلو ممتلئ بالألوان فى لحظة، يمكنه وضع طبقات فوق طبقات من خامات مختلفة، ما يعمل على تخليق لون خاص بالفنان وحده. دائمًا ما تمنيت أن أكتب لغة مختلفة، أن أسكبها وأملك القدرة على وضع مفرداتها فوق بعضها، ثم أجرحها بسكين الرسم. تبدأ القصة لدى بصورة، وتسعى لأن تكتمل كصورة.
■ أشرت إلى أنك تسعى فى هذه المجموعة إلى الخروج من دوائر الزمن والحركة والصخب نحو اللون وثباته، ماذا يعنى لك هذا الانتقال من الحركة إلى السكون؟
- الطبيعة الصامتة هى الفن القادر على تحييد المعانى، وهو ما يمثل بالنسبة لى حلمًا دائمًا.. أهلكتنا المعانى وسئمنا تكرارها، وفشلها فى تحقيق الخير والحق والجمال، أهلكتنا تبدلاتها ووجود المؤيدين لكل الشعارات دون خجل.

■ كيف للكاتب أن يصل الجمال، دون الاضطرار لكل الكلمات المربعة الشكل، بزواياها القائمة، ولتاريخ أثقل المعانى حتى صار مجرد حملها عبئًا؟
- استأذنك فى الرد على سؤالك بما جاء على لسان بطل قصة طبيعة صامتة: «الأمر معى. بدأ بدهشة فى كل مرة أرى رسمًا لمنضدة، وعليها عدة كئوس وفاكهة وزهور، ويكون قادرًا على منحى الجديد، رغم آلاف اللوحات التى رُسمت. ثم تطورت الدهشة إلى افتتان بما كنت أراه إزاحة لطبقات كلسية من فوق الألوان، إزاحة التضمينات والإحالات إلى الأفكار والحكايات الكبرى، وإسقاطها بقوة من فوق المنضدة؛ لتبقى الألوان حرة كيوم خطتها يد السماء.. أيها الأصفر، عبّر عما تشعر به، واحكِ تاريخ صحرائك. وأنت يا أحمر، قُل، تكلّم وهجك وتكلّم انطفاءك.. تحرر من الثورة والدماء. ويا أسود، أخبرنا بكل ما جعلناك تُخفى داخل نسيجك المقدس».
■ لماذا يبدو مجدى القشاوى بعيدًا عن الوسط الثقافى؟ ومن مكانك البعيد عن المركز (القاهرة) كيف يبدو لك هذا الوسط؟
- لست بعيدًا على الإطلاق، بل على العكس أنا متابع جيد لمعظم الإصدارات، قد يكون البعد المقصود هو حضور الفعاليات، والاهتمام بالظهور الإعلامى، وهذا حقيقى ويعود للطبيعة الشخصية، وهو وإن كان فى أحد جوانبه عيبًا، إلا أنه لا يخلو من مميزات، إذ يمنح صاحبه وقتًا أكثر للقراءة والكتابة، وبُعدًا آمنًا عما يطلقون عليه الصراعات.
فى الأيام السابقة، غيّرت صورة غلاف صفحتى على «فيسبوك» بصورة تجمع غلافىّ المجموعتين، أهدتنى إياها صديقة، فعلق الأصدقاء بكرم رائع وباركوا. فى اليوم الثانى كان لدى خبر عن الكتابة، ورفضت نشره على صفحتى. وكان ردى على ابنتى حين لامتنى: «هى الناس ملهاش شغلة غيرى؟!».
أما عن الحالة الثقافية فى مصر فهى عظيمة. مبدعون فى كل المجالات على أعلى المستويات. أتذكر أثناء عملى بالصحافة أن أخبرنى مسئول ثقافى إماراتى، بأنهم أسسوا هناك كل المؤسسات ووفروا كل الإمكانيات، ولكن ينقصهم وجود المبدعين الذين يملأون مقاهى وسط البلد فى القاهرة.
■ أشرت فى حديثك إلى عدة مجموعات جاهزة للنشر، فهل توشك على إصدار إحداها فى معرض الكتاب المقبل؟
- كنت قد جهزت مجموعة تعد امتدادًا لتجربة التشكيل فى النص الأدبى، ولكنى فضّلت تأجيلها لإصدار مقبل. المجموعة الجديدة تتناول المطر فى قريتنا الساحلية، وهنا دعينى أخبركِ بأن الصيادين فى بلدتنا يطلقون على البحر اسم «شوية المية دول»، و أن المطر كان شريكًا فى معظم أحلامى.
فى الفيلم الطويل جدًا الذى أتولى إخراجه لنفسى، وغير المخطط له أن ينتهى، الأجواء دائمًا ممطرة، والسؤال بين الأبطال يتكرر: هل تتوقع لها أن تمطر. «ولها» هنا تشمل كل شىء. السماء، والكلمات، وعيون المحبين، والأرزاق لمن يعيشون على جهد أذرعهم يومًا بيوم.
أتمنى جدًا أن يكون حظ هذه المجموعة جيدًا كما المجموعتين السابقتين، لأننى أحبها بشكل خاص، وعلى القارئ الاستعداد لدرجة معتبرة من البلل!
■ ما الذى تكتشفه عن نفسك خلال الكتابة؟ وهل هناك ما تغيره الكتابة فيك؟
- هذه الاكتشافات هى أجمل ما فى الكتابة، فرح الكاتب بذاته، وبقدرته على ارتياد أراضٍ جديدة. أحيانًا تتسبب جملة أو فقرة فى إحداث تبدل فى وعى ومشاعر كاتبها.
الكاتب يصل مع أمواجه للشطوط، ويرتد مع الأمواج العائدة للعمق، فى مدّه وجزره يتخلق داخله وعى مختلف، وهذا الوعى هو ضمانة الرؤية والتناول الجديد.
وعلى العموم يمكننى أن أبوح لك بسر: أن الكتابة جعلتنى أحب نفسى أكثر، وأرى صورتى أكثر قبولًا، وهى أحوال جديدة على تمامًا.







