جنون الأرفف الممتلئة.. بثينة الإبراهيم: شراء الكتب دون قراءة عَرَض لـ«اضطراب الاكتناز» وبداية للانعزال الاجتماعى
- الكتب «آلات زمن» و«آثار شخصية» تكشف حياة أصحابها
- مكتبة تشارلز لامب رمز لهوس الأمريكيين بجمع الكتب فى القرن الـ19
- مكتبة تشارلز لامب خاضت رحلة طويلة من لندن إلى نيويورك
- انتقال كتب «لامب» إلى نيويورك جسّد ارتباط حركة الكتب بحركة البشر
قبل أيام صدرت عن دار «الرافدين» للنشر، النسخة العربية لكتاب «جنون الكتب.. قصة جامعى الكتب فى أمريكا»، من تأليف دينيس جيجانتى، وترجمة بثينة الإبراهيم.
الكتاب يرصد كيف تحولت مكتبة الشاعر الإنجليزى تشارلز لامب إلى ظاهرة لهوس جمع الكتب، وكيف تتحول المكتبة الشخصية إلى سيرة ثقافية لصاحبها، مع فتح نافذة على عالم يتجاوز فيه اقتناء الكتب مجرد حب القراءة، ليكشف عن صلات خفية بين الكتاب وذاكرة قارئه، وبين الهوامش والتعليقات الشخصية والذاكرة الجماعية.
عن تاريخ جمع الكتب، ودور المكتبات الشخصية فى تشكيل الذائقة والمعتمد الأدبى، وما تكشفه آثار القراء وهوامشهم عن العلاقة الإنسانية بالكتاب، كان لـ«حرف» هذا اللقاء مع مترجمة الكتاب، بثينة الإبراهيم.

■ ما قصة مكتبة الشاعر الإنجليزى تشارلز لامب؟ متى بدأت وإلى ما انتهت؟ وكيف تتبعتها دينيس جيجانتى؟
- بدأت مكتبة تشارلز لامب مجموعة شخصية صغيرة من الكتب التى رافقته فى حياته اليومية، وانتهت ببيعها وتبعثرها فى نيويورك عام ١٨٤٨، قبل أن تتحول إلى رمز لهوس الأمريكيين بجمع الكتب.
تتبعت الباحثة دينيس جيجانتى هذه النسخ فى كتابها «جنون الكتب»، الذى صدرت ترجمته عن دار «الرافدين»، لتكشف كيف عبرت الأطلسى وأثرت فى تكوين الهوية الثقافية الأمريكية.
بعد وفاة «لامب» وأخته «ميرى»، ورثت إيما موكسن، ربيبة الاثنين، ما بقى من الكتب فى المكتبة. وهذا يعنى أن زوجها الناشر إدوارد موكسن هو القائم عليها بموجب القانون، فاستعرض الكتب القديمة وتخلص من الكتب التى بدت له عديمة القيمة، ونحّى جانبًا ٦٠ مجلدًا كتب فيها «تشارلز» وأصدقاؤه ملاحظاتهم.
لم يعرض الكتب للبيع، ولم يوافق على إيداعها فى إحدى مكتبات المؤسسات البريطانية، لأنها فى نظره لا تحسن تقدير الكتب النادرة. لكنّها بيعت لاحقًا عبر وسطاء إنجليز وشُحِنت إلى نيويورك. وهناك بيعت كتب «لامب» فى متجر «بارتلت وولفورد».
أعادت الباحثة «جيجانتى» بناء قصة هذه العناوين، وتتبعت تنقلها بين هواة جمع الكتب الأمريكيين، وانطلقت من مزاد بيعها لاستقصاء ما مثلته الكتب الإنجليزية فى المشهد الثقافى الأمريكى، وصولاً إلى عدّها بصورة أو بأخرى البذرة لتأسيس أهمّ المكتبات ودور الكتب فى أمريكا.
■ خلال بحثك، ما السحر الذى تميزت به الكتب المهترئة التى اجتذبت مهووسى الكتب؟ وما سر شعبية «لامب» بين جامعى الكتب؟
- إنها شذرات حياة، فالآثار اليومية والهوامش الشخصية جعلت الكتاب يتجاوز كونه نصًا، ويتحول إلى وثيقة تربط بين البشر عبر الزمن. هذا البعد الإنسانى هو ما جعلها أغلى وأشد جذبًا من النسخ الجديدة.
حظيت مكتبة تشارلز لامب بالشعبية أو المكانة بين جامعى الكتب فى القرن الـ١٩ لأنها ليست مجموعة عادية، بل «آثار شخصية حيّة» مليئة بالهوامش، والبقع، والذكريات اليومية، ما جعلها أقرب إلى يوميات أدبية غير مكشوفة على الملأ. وأثار بيعها فى نيويورك عام ١٨٤٨ ضجة لأنها تجسيد لكون الكتاب أثرًا إنسانيًا، لا نصًّا مطبوعًا فقط.

■ هل احتوت مكتبة «لامب» على مؤلفات أو مخطوطات عربية؟ وما أبرز ما تحتويه بصفة عامة؟
- لا توجد أدلة على أن مكتبة تشارلز لامب ضمّت مؤلفات أو مخطوطات عربية، بل كانت أغلب محتوياتها عناوين إنجليزية وأوروبية، إلى جانب مخطوطات ورسائل شخصية مرتبطة بأدبه وأصدقائه من شعراء الرومانسية مثل «كولرج» و«وردزورث».
لم يُعرف عن «لامب» اهتمام مباشر بالأدب العربى أو اقتناء مخطوطاته. بل عُرِف بهوسه بجمع الكتب القديمة والنادرة، وتميزت مكتبته الخاصة بتركيزها على أدب القرنَيْن الـ١٦ والـ١٧. كما عُرِف عنه ازدراؤه للطبعات الحديثة والمعاصرة فى زمانه.
أبرز المؤلفات والعناوين التى ملأت رفوف مكتبته الشخصية: المجموعة الأولى من مسرحيات شكسبير المطبوعة، المسرحيات الكوميدية والتراجيدية، «الفردوس المفقود» و«شمشون المصارع» لجون ملتن، «ملكة الجن» لإدموند سبنسر، «تشريح الكآبة» لروبرت بيرتن، «الإلياذة» و«الأوديسة»، وغيرها من الأعمال الكلاسيكية.

■ ما هو «هوس الكتب»؟ هل هو مرض؟
- يتعدّى الأمر حبّ القراءة واقتناء الكتب، فيتحول إلى اضطراب الاكتناز، فيقتنى المرء الكتبَ ويواظب على ذلك حتى وإن لم يقرأها. أعراض ذلك تشمل: تراكم الكتب دون قراءتها، وصعوبة التخلص منها أو التخلص من النسخ المكررة أو التالفة، وقد يؤدى إلى الإفراط فى إنفاق المال وإن كان شحيحًا، والانعزال الاجتماعى.
تحدّث توماس فروجنل دبدن فى كتابه «الببليومانيا» عن هواة جمع الكتب، على الرغم من أنه هو نفسه كان جامعًا لها، واتخذ كتابه شكل رسالة موجهة إلى الموقر رتشارد هبر، وهو جامع كتب إنجليزى ملأ ٩ بيوت بالكتب، بعضها فى إنجلترا وأخرى فى قارة أوروبا، حيث يذهب مرارًا فى رحلات لشراء الكتب.
ولم تكن النسخة الواحدة من الكتاب لتشبع نهم هواة الكتب من أمثال «هبر»، الذى أوضح قائلاً: «مثلما ترون، لا يهنأ بال لامرئ من دون ٣ نسخ من الكتاب، واحدة للعرض، ويقتنى أخرى للقراءة واستقاء المعلومات. وما لم يكن راغبًا فى التخلى عن هذه النسخة، وهو أمر مزعج، أو يخشى تلف نسخته المفضلة، فعليه إذن أن يقتنى نسخة ثالثة لتكون متاحة لأصدقائه».
لا أدرى إن كان لهذا المرض شفاء أم لا، لكن العلاج يشمل الجانبين السلوكى والمعرفى، والحقيقة أننى لم أسمع بمهووس بالكتب قصد معالجًا نفسيًا كى يشفى من هذا الداء!

■ كيف يمكن للكتاب أن يتحول من مجرد وعاء للمعرفة إلى وسيلة لربط الأفراد بعضهم ببعض عبر الزمن والمكان؟
- يغدو الكتاب وسيلة لربط الأفراد عبر الزمان والمكان إذا خرج من كونه ورقًا وكلامًا مطبوعًا وتحول إلى أثر إنسانى حىّ. أما إعادة قراءة الكتاب فتكشف عن روابط جديدة بين النص وحياة القارئ، لأنها تتيح له أن يرى العمل الأدبى فى ضوء تجاربه المتغيرة، وتحوّل الكتاب إلى مرآة للذاكرة والهوية.
وفى عصر «الرقمنة»، تستمر هذه الروابط لكن بوسائط مختلفة، من النوادى الرقمية إلى منصات القراءة التفاعلية، فتتحول إعادة القراءة إلى تجربة جماعية وبيانات قابلة للتتبع، ويغدو النص سجلاً لتجارب القارئ، إضافة إلى أن إعادة القراءة تكشف للقارئ جوانب لم يلاحظها فى القراءة الأولى، وتتشكل روابط إنسانية جديدة حول النص عند قراءته أو إعادة قراءته مع الآخرين فى نوادى القراءة.
■ ما الذى تكشفه النسخ الشخصية من الكتب عن أصحابها، خاصة من خلال التعليقات والاعترافات والتأملات والذكريات التى يتركونها على صفحاتها؟
- المكتبة الشخصية هى جزء من سيرة صاحبها، لأنها تعكس كثيرًا من جوانب شخصيته. وإذا كانت العناوين تفعل هذا، فلا شك فى أن الملاحظات والتعليقات والتأملات والذكريات تظهر أكثر عن فكر صاحبها ومشاعره وتكون شواهد على حياته التى عاشها. هى إذن شكل آخر من أشكال المذكرات أو حتى اليوميات، وشكل آخر من قصص النضوج أو حتى عدمه.

■ كيف أسهمت الكتب الشخصية بالقرن الـ١٩ فى تشكيل سلاسل من العلاقات الإنسانية والثقافية التى امتدت إلى النوادى والمطبوعات والتذكارات والمعالم؟
- أسهم كثير من جامعى الكتب فى تأسيس نوادٍ أدبية فى أمريكا، مثل «جمعية الآثاريين» ذات الفروع المختلفة فى الولايات، وصار لها اتحاد يجمعها تحت مظلته، وأسهمت فى جمع موادّ التاريخ الأمريكى وترتيبها وأرشفتها، ونشر بعض المصنّفات التى تهتمّ بتاريخ المستعمرات الأولى مثل «نيوإنجلند»، أو «نادى عشاق شكسبير» الذين أهدوا ميرى كاودن كلارك، مؤلفة «المعجم المفهرس لأعمال شكسبير»، كرسيًا تذكاريًا تعبيرًا عن إعجابهم بعملها الفذ فى دراسة أعمال شاعرهم الذى لا يعرف له مثيل. وهكذا تحولت المكتبات الخاصة إلى فضاءات جماعية للنقاش.
■ كيف تكشف مكتبة تشارلز لامب، وما جرى لكتبها بعد تبعثرها فى نيويورك عام ١٨٤٨، عن حركة الكتب وجامعيها فى أمريكا خلال القرن الـ١٩؟
- يكشف بيع مكتبة تشارلز لامب فى نيويورك عام ١٨٤٨ عن لحظة محورية فى تاريخ الكتب بأمريكا، فقد تحولت هذه المجموعة الصغيرة إلى رمز لهوس الأمريكيين بالكتب، وأظهرت إسهام جامعيها وبائعيها فى تشكيل هوية ثقافية جديدة، مرتبطة بالذاكرة الأدبية الأوروبية ولكنها متجذرة فى سياق أمريكى، وأظهرت جنون جمع الكتب الذى ميّز القرن الـ١٩ فى أمريكا، وانتقال هذا الجنون من الفضاء الخاص إلى فضاء عامّ.
وحقق جوزف جرين كوجزويل، وهو أحد أشهر المهووسين بالكتب، حلمًا راوده طويلاً فى وضع اللبنة الأولى لبناء ما يعرف اليوم بـ«مكتبة نيويورك العامة»، بعدما أقنع قطب العقارات جون جيكوب أستور بأن يموّل المشروع، ليكون أثرًا يخلّد اسمه أبد الدهر.
وتعدّ «مكتبة أستور» ثمرة جهود «كوجزويل» الذى لا يعرف التعب، والغاية التى كرس لها كل إمكاناته، وأسفر هذا الجهد عن مؤسسة عظيمة أخرى، ونعنى بها «مكتبة نيويورك العامة».
بدأت هذه المؤسسات الرائدة بالكثير من الجهود الفردية المستقلة نحو هدف مشترك وهو الرفاه العام، قبل اتحاد بعض من هذه الجهود المستقلة المبددة، وشيئًا فشيئًا أخذت ثمرة ذلك تجتذب وتضم من بقى خارج الدائرة، فظهر الناتج فى كيان مرن قوى كثير الموارد.

■ إلى أى مدى يمكن النظر إلى تاريخ جمع الكتب بوصفه جزءًا من التاريخ الأدبى، وليس مجرد تاريخ للملكية والاقتناء؟
-لا يقتصر تاريخ جمع الكتب على الملكية والاقتناء، بل يعكس تطور الذائقة الأدبية، ويؤثر فى تشكيل ما يعرف باسم «المعتمد الأدبى» عبر العصور. فالمجموعات الخاصة والمكتبات العامة التى نشأت من جهود جامعى الكتب ساهمت فى حفظ النصوص، لتنجو كثير من الأعمال الكلاسيكية بفضل جامعى الكتب الذين رأوا فى اقتنائها مسئولية ثقافية. ثم إنّ النسخ الموقعة التى تهاداها الكُتّاب، أو النسخ الشخصية التى دوّنوا عليها ملاحظاتهم، تؤرخ للكاتب نفسه وتظهر طريقة تفكيره، وتؤرخ للعصر عبر بيان ما ساد من تيارات وما نُشر من تجارب.
■ لماذا كان عام ١٨٤٨ محطة محورية فى تتبع مسارات الكتب وجامعيها؟
- هذا العام جمع بين ثورات سياسية واسعة فى أوروبا، وتطورات تقنية فى الطباعة والتوزيع، وتحوّل المكتبات والكتب إلى مساحات وأدوات للنقاش السياسى والاجتماعى، فأدى ذلك إلى ارتباط حركة الكتب بالتحولات الكبرى فى المجتمع. فالاضطراب فى أوروبا فتح سوقًا جديدة أمام الكتاب فى أمريكا، ما أسهم فى ازدهار المشهد الثقافى الناشئ هناك.
■ هل يمكن القول إن انتقال الكتب بين القارات كان موازيًا لحركة البشر أنفسهم، خاصة فى ظل الهجرة والاضطرابات السياسية والثورات التى شهدها ذلك العام؟
- غادر آلاف المثقفين والناشطين أوروبا بعد ثورات ١٨٤٨، ومعهم حملوا مكتبات صغيرة أو مخطوطات، لتصبح جزءًا من المشهد الثقافى فى أمريكا. هذا إلى جانب نشاط الناشرين وباعة الكتب الذين وجدوا فى بريطانيا موردًا غنيًا للكتب يرفدون به السوق الأمريكية، وكانت السفن وسيلة نقل الكتب، وهى الوسيلة نفسها التى انتقل بها المهاجرون من أوروبا إلى أمريكا، فالتوازى إذن بين حركة الكتب والبشر كان مجازًا وحقيقة.

■ ما دلالة وجود عدد من الشخصيات المرتبطة بقصة مكتبة تشارلز لامب فى باريس أثناء ثورة فبراير ١٨٤٨؟
- يرمز إلى تداخل عالم الكتب مع الأحداث السياسية الكبرى؛ فقد أثبت حضورهم هناك أن تجارة الكتب وجمعها لم تكن نشاطًا معزولاً، بل جزءًا من شبكة ثقافية أوروبية أمريكية عابرة للأطلسى، تتأثر مباشرة بالاضطراب السياسى. كانت أنظار الأمريكيين تتجه صوب أوروبا زمن ثورة ١٨٤٨ فى باريس لمتابعة أخبار الثورة، ووجد بعض باعة الكتب أنفسهم فى قلب الحدث، فأسفر ذلك عن نقاشات سياسية أدت إلى إثراء الوسط الثقافى الأمريكى.
■ ما الدور الذى لعبه تشارلز ولفورد فى انتقال مجموعة «لامب» من لندن إلى نيويورك، ثم بيعها فى خضم أحداث الثورة الفرنسية؟
- كان تشارلز ولفورد حلقة الوصل بين التراث الإنجليزيّ العريق والهويّة الثقافيّة الأمريكيّة الناشئة، فهو الوسيط الأساسى فى نقل مكتبة تشارلز لامب من لندن إلى نيويورك عام ١٨٤٨، حين أقنع الناشر إدوارد موكسن بالسماح له بحمل المجموعة إلى أمريكا، ثم عرضها للبيع فى متجره «بارتلت وولفورد» فى نيويورك، لتصبح حدثًا ثقافيًا بارزًا فى سياق الهوس الأمريكى بجمع الكتب.
لم يكن لهذا البيع علاقة مباشرة بالثورة الفرنسية، بل جاء فى خضم الاضطرابات الأوروبية عامةً، بينما وجد فى أمريكا جمهورًا متحمسًا لهذه «الآثار الأدبية».
عزّز بيع المكتبة شعورَ الأمريكيين بأنهم قادرون على منافسة أوروبا فى اقتناء تراث أدبى حى، خاصة أن كتب «لامب» كانت مليئة بالملاحظات التى يدونها فى هوامش الكتب، إلى جانب هوامش صديقه الشاعر «كولرج» التى يتركها على كتب «لامب».

■ كيف أسهم بائعو الكتب والناشرون وجامعو الكتب فى تشكيل شبكة ثقافية عابرة للمحيطات خلال القرن الـ١٩؟
- ربط باعة الكتب بين الإنتاج الأدبى المحلى والأسواق العالمية، إذ نقلوا الكتب من لندن إلى أمريكا والعكس، ما أتاح للأدب الأمريكى أن يُقرأ فى أوروبا، ولللأدب البريطانى أن يجد جمهورًا جديدًا فى أمريكا، وتحوّل الكتاب إلى وسيط رئيس لتشكيل هوية ثقافية مشتركة.
تمثّل إسهام الناشرين فى تشكيل هذه الشبكة فى إعادة طباعة عيون الأدب الإنجليزىّ فى أمريكا كأعمال السير والتر سكوت، وطباعة أعمال من الأدب الأمريكى فى بريطانيا كأعمال واشنطن إرڤنج مثلاً، فتوسّعت سوق الكتاب، ونشط التبادل الأدبى بين العالم القديم والجديد، ورفع هواة جمع الكتب قيمة النسخ النادرة والمخطوطات، وحوّلوا اقتناء الكتب إلى رمز ثقافى واجتماعى، أسهم لاحقًا فى تأسيس مكتبات عامة وجامعية فى أمريكا.
■ فى ضوء هذه التجربة التاريخية، كيف يمكن قراءة الكتاب باعتباره كائنًا متحركًا يكتسب دلالات جديدة مع كل انتقال من قارئ إلى آخر؟
- بصور شتّى، فحين يترك قارئ تعليقًا أو ملاحظة، يتحول الكتاب إلى سجل مشترك بينه وبين من سيقرأه لاحقًا. وقد يتحول من أثر فردىّ إلى ذاكرة جماعية عندما ينتقل من مكتبة شخصية تُهدى إلى مكتبة عامة بعد رحيل صاحبها. ويشبه الكتاب آلة الزمن حين يتواصل قارئ اليوم وقارئ الأمس من خلال الملاحظات والتعليقات فى الهوامش.

■ هل يمكن اعتبار رحلة مكتبة تشارلز لامب نموذجًا لـ«التاريخ الترابطى للكتاب»؟
بل يمكن القول إن مكتبة «لامب» كانت جسرًا ربط بين بريطانيا وبين الدولة الأمريكية الناشئة حديثًا، بعد أن كانت إحدى المستعمرات البريطانية. وإذ كانت أوروبا تشهد اضطرابًا سياسيًا، فإن أمريكا مثّلت الاستقرار الذى يعد بازدهار سوق الكتب، إلى جانب أن حركة استيراد الكتب من بريطانيا لم يكن لها مدلول تجارى فحسب، بل إثبات بأنّ أمريكا صارت جزءًا من المشهد الثقافى العالمى.
كانت كتب «لامب» بما تحمله من ملاحظاته وآثاره قد تحولت إلى وثائق ثقافية ربطت بين حياة الكاتب واهتمامات القراء. وهذا يعنى أن مكتبة «لامب» توفرت فيها كل العناصر التى تجعل منها نموذجًا للتاريخ الترابطى للكتاب، من سياق تاريخى وشبكة وسطاء وتبادل ثقافى وآثار مادية.







