الخيال الصينى.. ملحق خاص
منة الله عطية: مؤلفات صينية كثيرة لم تحظَ بالقدر الكافى من الاكتشاف عربيًا
- الصور النمطية لا تكفى لفهم الصين.. والترجمة فرصة لاكتشافها من الداخل
- اختلاف المرجعيات الثقافية من أصعب تحديات الترجمة من الصينية إلى العربية
- الأسرة واحترام الوالدين والروابط الاجتماعية قواسم مشتركة بين مصر والصين
فى السنوات الأخيرة، بدأت الترجمة عن اللغة الصينية تشق طريقها بصورة أكثر حضورًا إلى المشهد الثقافى العربى، فاتحة نوافذ جديدة على أدب الصين وفكرها وتجاربها الإنسانية.
فى هذا السياق تأتى تجربة المترجمة الشابة منة الله عطية، التى اختارت الصينية منذ دراستها الجامعية، قبل أن تتحول علاقتها باللغة إلى مشروع مهنى فى الترجمة.
تنوعت تجربتها بين أدب الطفل والنصوص الأدبية والكتب الفكرية والثقافية، إلى جانب الموضوعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومن بينها ترجمة كتاب «الحكمة الصينية» لـ«وانج شو تشانج»، والمشاركة فى ترجمة «الازدهار المشترك» و«حكايات الخبراء الأجانب».
فى هذا الحوار مع «حرف» تتحدث منة الله عطية عن بدايات علاقتها بالصينية، وكواليس تجربتها فى نقل النصوص الصينية إلى العربية، والتحديات التى تفرضها الفوارق الثقافية والمصطلحات الفكرية، فضلًا عن خصوصية ترجمة أدب الطفل، ورؤيتها لدور الترجمة فى بناء جسور المعرفة والتواصل بين الثقافتين المصرية والصينية.

■ كيف بدأت علاقتك باللغة الصينية؟ ومتى تحولت دراسة اللغة إلى مشروع للترجمة؟
- بدأت علاقتى باللغة الصينية عندما التحقت بكلية الألسن، وجاء اختيارى لها بعد تفكير فى اللغات المُتَاحة أمامى لدراستها، ليقع اختيارى على قسم اللغة الصينية، بعدما وجدت فى نفسى توقًا إلى فهم رموزها، فلطالما كانت تثير فى نفسى شغفًا لفهم ما وراءها، والتعرف إلى ثقافة شعبها وتاريخه.
منذ ذلك الحين، بدأ عهدى بدراسة اللغة الصينية دراسة أكاديمية متخصصة، وبدأت معها علاقتى بالترجمة أيضًا. ففى الوقت الذى كنت أدرس الترجمة باعتبارها مقررًا دراسيًا فى الجامعة، حدثت النقلة النوعية فى طريقة تفكيرى وإدراكى لأهميتها، عندما بدأت أجد فى نفسى القدرة على الترجمة من الصينية إلى العربية بصورة أستسيغها، وأستمتع معها بقراءة النص العربى. حينها بدأت أشعر بأننى لا أنقل مجرد كلمات من لغة إلى أخرى، وإنما أنقل معنى ونصًا حيًا يمكن أن يُحدث تأثيرًا فى نفس القارئ.

من هنا بدأت أمارس الترجمة كهواية، وأصبحت علاقتى بها تتجاوز كونها مجرد مقرر جامعى. ثم أخذت هذه العلاقة منحى مختلفًا تمامًا فى عامى الجامعى الرابع، عندما قررت أن يكون مشروع تخرجى متعلقًا بالبحث فى إشكاليات الترجمة بين الصينية والعربية، مع تطبيق ذلك من خلال ترجمة كتب صينية بالاشتراك مع زملائى. كانت هذه التجربة نقطة مهمة فى مسيرتى، إذ جعلتنى أشعر بصورة أعمق بمدى أهمية دور الترجمة، وبمدى المتعة التى أستشعرها عندما أترجم كتابًا من الصينية إلى العربية.
ثم تحولت دراستى للغة إلى مشروع للترجمة بعد تخرجى عام ٢٠٢٣، والعمل مترجمة فى مجموعة «بيت الحكمة للثقافة»، والتى كان لها دور فارق فى رحلتى مع الترجمة، فهى لم تتح لى فقط فرصة العمل فى المجال الذى أحببته، وإنما منحتنى أيضًا فرصة لتحقيق حلم شخصى طالما راودنى، وهو أن أرى الكتب التى أترجمها منشورة وتحمل اسمى.
أعتز بشكل خاص بأن هذه التجربة كانت تحت إشراف الأستاذ عمرو مغيث، الذى أتاح لى فرصة مهمة لاكتساب خبرات حقيقية فى مجال الترجمة من خلال توجيهاته وإشرافه.

ولا يمكننى الحديث عن بداية شغفى بالترجمة من الصينية دون الإشارة إلى الأستاذ الدكتور أحمد السعيد، فقد كان لقراءتى لكتبه ومؤلفاته دور كبير فى تشكيل هذا الشغف، سواء الأعمال المترجمة من الصينية، أو كتبه ومؤلفاته التى تناولت الشأن الصينى. أفادتنى هذه الكتب كثيرًا، ووسعت مداركى، وساعدتنى على التعرف إلى الصين وثقافتها بصورة أعمق، وكان لها أثر كبير فى اختيارى طريق الترجمة والاستمرار فيه.
ومن خلال «بيت الحكمة»، تنوعت تجربتى بين ترجمة أدب الطفل، والنصوص الأدبية، والكتب الفكرية والثقافية، إلى جانب النصوص السياسية والاقتصادية والاجتماعية. هذا التنوع أتاح لى التعرف إلى أنماط مختلفة من الكتابة، واكتساب خبرة متنوعة فى التعامل مع كل نص بما يتناسب مع طبيعته وخصوصيته.
والآن وبعد التحاقى بالعمل الجامعى من خلال تدريس اللغة الصينية، لا تزال الترجمة هى المشروع الذى أسعى دائمًا للتطور من خلاله، سواء أكاديميًا أو عمليًا.

■ ما الذى جذبك تحديدًا إلى ترجمة الكتب الصينية إلى العربية مقارنة باللغات الأخرى؟
- ما جعلنى أتمسك بالترجمة من الصينية إلى العربية هو أننى وجدت نفسى أمام مساحة واسعة من المؤلفات الصينية التى لم تحظَ بالقدر الكافى من الاكتشاف فى اللغة العربية.
لا تزال اللغة الصينية، بما تزخر به من اتساع فى الأفكار والتجارب، تفتح أمامنا آفاقًا واسعة للمعرفة. فهناك الكثير من الأدب والفكر والتجارب الإنسانية الصينية التى تستحق أن تصل إلى القارئ العربى، ودورى كمترجمة يمكن أن يسهم، ولو بقدر بسيط، فى فتح هذا الباب، وإتاحة فرصة أكبر للتعرف إلى الصين وثقافتها.

■ ترجمت كتاب «الحكمة الصينية» لـ«وانج شو تشانج».. ما الذى وجدته فى الكتاب ويستحق أن يصل إلى القارئ العربى؟
- الكثير من الأفكار والقيم التى حرى بنا أن نتعرف عليها ونحذو حذوها، خاصةً ما يتصل منها بنظرة الإنسان إلى الحياة، وإلى نفسه، وإلى علاقته بالآخرين والمجتمع من حوله.
وجدت أن كثيرًا من هذه الأفكار والقيم، وإن نشأت فى سياق الثقافة الصينية، تحمل فى جوهرها قيمًا إنسانية تتجاوز حدود الثقافة والجغرافيا، ويمكن أن يجد فيها القارئ العربى ما يلامس تجربته وحياته.
الحكمة الصينية ليست مجرد أقوال أو حكم متوارثة، وإنما هى نتاج تاريخ طويل وثقافة تشكلت فى إطار حضارى وجغرافى محدد، وتنوعت مصادرها الفكرية والأخلاقية.
الفكر «الكونفوشيوسى» مثلًا يؤكد أهمية الأخلاق والعلاقات الإنسانية وتحمل المسئولية، بينما يقوم الفكر «الطاوى» على الانسجام والتوازن والتكيف مع الطبيعة والمتغيرات. فيما أسهمت «البوذية» فى ترسيخ قيم تتعلق بالإنسان وسلوكه ونظرته إلى الحياة، إلى جانب أفكار المدرسة القانونية حول القانون والسلطة.
ولا تقتصر الحكمة الصينية على هذه المدارس، بل تمتد إلى الفكر العسكرى والمنطق ومدرسة الين واليانج والعناصر الخمسة، وهو ما يعكس تنوع طرق الفكر الصينى فى فهم الإنسان والمجتمع والطبيعة وتنظيم الحياة.
من هنا أرى أن ما يستحق أن يصل إلى القارئ العربى هو هذا التراث المتنوع من القيم والأفكار، كالأخلاق، والانسجام والتوازن، واحترام القانون، وتحمل المسئولية، والعمل الجماعى، والقدرة على التعامل مع التغيرات، وهى قيم، رغم نشأتها فى سياق صينى خاص، تحمل أبعادًا إنسانية تتجاوز حدود المكان والثقافة.
■ عند ترجمة كتاب يتصل بالفكر والحضارة الصينية.. كيف توازنين بين أمانة النص الأصلى وضرورة أن يكون مفهومًا للقارئ العربى؟
- أرى أن الأمانة فى الترجمة لا تعنى الالتزام الحرفى بالكلمات، وإنما تعنى الحفاظ على المعنى وروح النص. لذلك أحاول دائمًا أن أبدأ بفهم النص الصينى فى سياقه المجتمعى الكامل، ثم أبحث عن الطريقة التى يمكن أن أنقله بها إلى العربية بصورة واضحة دون أن يفقد أمانته.
فى الكتب التى تتصل بالفكر والحضارة، تكون المسألة أكثر حساسية، لأن بعض المفاهيم قد تكون مرتبطة بسياق ثقافى أو تاريخى لا يعرفه القارئ العربى بالضرورة. هنا يحتاج المترجم إلى أن يحقق قدرًا من التوازن، فلا يشرح النص بصورة تثقل عليه، ولا يحذف خصوصيته الثقافية فى الوقت نفسه.
■ شاركتِ فى ترجمة «الازدهار المشترك».. كيف تعاملت مع المصطلحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى تحمل دلالات خاصة فى السياق الصينى؟
- كنت أحرص أولًا على فهم المصطلح فى سياقه الصينى، وعدم التعامل معه باعتباره كلمة منفصلة يمكن ترجمتها ترجمة مباشرة. فبعض المصطلحات قد تكون لها دلالة محددة داخل الخطاب السياسى أو الاقتصادى الصينى، وقد يؤدى نقلها بصورة حرفية إلى معنى غير دقيق أو غير مألوف للقارئ العربى.
لذلك كان البحث والتحقق جزءًا أساسيًا من عملية الترجمة، إلى جانب الرجوع إلى السياق الذى ورد فيه المصطلح ومقارنته بالاستخدامات العربية المتداولة متى كان ذلك ممكنًا. كما كان العمل الجماعى مفيدًا جدًا فى هذه المرحلة؛ إذ كان يساعد فى الوصول إلى صياغة أكثر دقة واتساقًا.
■ ماذا أضافت لك تجربة الترجمة المشتركة فى «الازدهار المشترك» و«حكايات الخبراء الأجانب».. وهل تختلف آليات العمل الجماعى عن الترجمة الفردية؟
- أضافت لى الترجمة المشتركة خبرة مهمة جدًا، لأنها علمتنى أن الترجمة ليست دائمًا عملًا فرديًا مغلقًا، وإنما يمكن أن تكون تجربة قائمة على الحوار وتبادل الرؤى.
فى العمل الجماعى، لا يقتصر الأمر على ترجمة الجزء الموكل إلى كل مترجم، وإنما توجد مرحلة مهمة من المراجعة والمناقشة وتوحيد المصطلحات والأسلوب، بحيث يبدو الكتاب فى النهاية نصًا واحدًا متماسكًا، لا مجموعة من النصوص المنفصلة.
أما فى الترجمة الفردية، فالمترجم يمتلك مساحة أكبر لاتخاذ قراراته بنفسه، لكنه يتحمل فى المقابل مسئولية أكبر عن كل اختيار لغوى وأسلوبـى. لذلك أرى أن لكل تجربة طبيعتها وتحدياتها.
■ فى «حكايات الخبراء الأجانب: قصص إنسانية من الصين»، كيف تعاملتِ مع نقل التفاصيل المرتبطة بالحياة اليومية والمجتمع الصينى دون أن تفقد روحها الأصلية؟
- فى هذا النوع من النصوص، لا تكمن الصعوبة فى نقل المعنى اللغوى بقدر ما تكمن فى نقل الجو الذى يتحرك فيه النص. فعلى جانب، لكل شخصية أفكارها وانطباعاتها الخاصة عن الصين، وهو ما كان يجب نقله بما يعكس تجربة كل شخصية ورؤيتها. ومن جانب آخر، هناك تفاصيل الحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية والعادات التى تمنح كل حكاية طابعها الخاص.
■ انتقلتِ فى ترجماتك من الكتب الفكرية إلى أدب الأطفال. ما الذى يتغير فى أدوات المترجم عندما يكون المتلقى طفلًا؟
- أعتقد أن أكثر ما يتغير فى ترجمة أدب الطفل هو الأسلوب، مع ضرورة تحرّى الدقة، لأن بساطة اللغة لا تعنى بساطة العمل نفسه. فعندما يكون المتلقى طفلًا، يصبح على المترجم أن يفكر فى مستوى لغته، وفى قدرته على الفهم، وفى الإيقاع الذى يجذب انتباهه. لذلك أبذل جهدى لأن تكون اللغة واضحة وسهلة، ولكن من دون أن تصبح فقيرة أو تفقد جمالها.
■ ترجمت أعمالًا مثل «أمى مصففة شعر» و«شجرة غريبة» و«فوق قمة إيفرست».. ما المعايير التى تحكم اختيار قصة صينية لتقديمها إلى الطفل العربى؟
- أعتقد أن أكثر ما يحكم هذا الاختيار هو أن تحمل القصة، فى المقام الأول، قيمة إنسانية يمكن أن تصل إلى الطفل العربى، حتى وإن كانت تنتمى إلى بيئة ثقافية مختلفة. وفى الوقت نفسه، لا بد أن تحمل قدرًا من المتعة والتشويق يجعل الطفل يُقبل على قراءتها بشغف.
■ ما أصعب ما واجهكِ أثناء ترجمة الأدب الصينى إلى العربية: اللغة.. أم اختلاف المرجعيات الثقافية، أم نقل الإيقاع والصور والتعبيرات؟
- لا يمكن حصر تلك الصعوبة فى جانب واحد، فالترجمة الأدبية من الصينية إلى العربية تجمع بين هذه التحديات جميعًا. لكننى أرى أن اختلاف المرجعيات الثقافية من أكثر الأمور التى تحتاج إلى وعى ودقة، لأن المترجم قد يفهم الجملة لغويًا، لكنه إذا لم يفهم خلفيتها الثقافية فقد ينقلها بصورة صحيحة من الناحية اللغوية، لكنها لا تؤدى المعنى نفسه للقارئ العربى.
هناك أيضًا تحدى نقل الإيقاع والصور والتعبيرات، فقد تكون هناك عبارة بسيطة فى ظاهرها، لكنها تحمل نبرة أو صورة أو إحساسًا معينًا يصعب نقله حرفيًا. هنا يحتاج المترجم أحيانًا إلى أن يبتعد عن الحرفية، لا ليبتعد عن النص، وإنما ليقترب من أثره وروحه.
ولهذا أرى أن المترجم الأدبى يحتاج إلى أن يكون قارئًا جيدًا قبل أن يكون مترجمًا جيدًا، لأن فهم الأدب، وحس اللغة، والقدرة على قراءة ما وراء الكلمات، كلها أمور أساسية فى عملية الترجمة.
■ هل ترين أن الترجمة من الصينية يمكن أن تصبح جسرًا حقيقيًا للتعريف بالثقافة الصينية بعيدًا عن الصور النمطية والانطباعات الجاهزة عنها؟
- بالطبع، فالترجمة من أهم الجسور التى يمكن أن تفتح حوارًا حقيقيًا بين الثقافتين. فهى التى تمنح القارئ فرصة حقيقية لأن يتعرف إلى المجتمع الصينى من خلال أصواته وتجارب أفراده وكتّابه، وليس فقط من خلال الصور التى تقدمها وسائل الإعلام أو الانطباعات العامة.
تتعاظم أهمية الترجمة كونها تتيح لنا أن نرى الثقافة الصينية فى تنوعها، وأن نتعرف إلى الإنسان الصينى من خلال تفاصيل حياته وأفكاره ومشاعره وتجربته اليومية، بعيدًا عن الصورة الواحدة أو الانطباع الجاهز.
■ فى رأيك ما القواسم المشتركة بين الحضارتين والشعبين فى مصر والصين؟
- رغم اختلاف السياقات التاريخية والجغرافية فهناك مساحات واسعة من التشابه بين الحضارتين والشعبين. فكلاهما ينتمى إلى حضارة عريقة تمتد جذورها إلى آلاف السنين، ويولى أهمية كبيرة للأسرة، واحترام الوالدين، والروابط الاجتماعية.
■ ما المشروع الذى تحلمين بترجمته من الصينية إلى العربية؟
- بالإضافة إلى الترجمة من الصينية إلى العربية أتمنى أن أسهم فى نقل الثقافة المصرية والعربية إلى الشعب الصينى من خلال ترجمة أعمال مصرية إلى الصينية.. ما يسهم فى تبادل حقيقى للثقافة بين الشعبين.







