اغتيال الفصحى.. شعراء يتحدثون عن استبعاد «ديوان العرب» من «التشجيعية»: كوميديا سوداء!
- ما أعرفه وأستوعبه جيدًا هو أن الشعر «فن العربية الأول»
- التناوب كان موجودًا حتى فى السابق
لم تكد تهدأ عاصفة جوائز الدولة لعام 2026، حتى اندلع حريق جديد يتعلق بالجائزة نفسها، فقبل أيام، أُعلن عن فتح باب الترشيح والتقدم لجوائز الدولة لعام 2027، التى تنظمها وزارة الثقافة ممثلة فى المجلس الأعلى للثقافة.
غير أن الإعلان حمل مفاجأة أثارت غضبًا واسعًا فى الوسطين الشعرى والثقافى، تمثلت فى غياب شعر الفصحى عن فروع جائزة الدولة التشجيعية لعام 2027، فى سابقة أثارت غضبًا وتساؤلات حول الطريقة التى جرى بها تحديد فروع الجائزة وتوزيعها بين الدورات المختلفة. وما إن نشرت جريدة «الدستور» تقريرًا حول ما اعتبرته عوارًا أصاب منظومة الجائزة، متضمنًا تصريحات خاصة للشاعر الكبير أحمد عبدالمعطى حجازى، حتى أصدر المجلس الأعلى للثقافة بيانًا رسميًا تعليقًا على ما نشرته الصحيفة. وأوضح المجلس، فى البيان، أن فروع جوائز الدولة التشجيعية «يتم تحديدها بشكل مسبق لثلاث سنوات، من خلال لجنة عليا تضم مقررى اللجان النوعية بالمجلس الأعلى للثقافة، بالإضافة إلى الهيئة العليا للمجلس».
وأضاف أن فروع أعوام 2025 و2026 و2027 جرى تحديدها فى عام 2024، بناءً على مقترح اللجنة المختصة، قبل رفعه إلى الهيئة العليا للمجلس لمناقشته وإجراء ما تراه من تعديلات قبل اعتماده فى صورته النهائية.
لكن بيان المجلس، الذى جاء لتفسير القرار ووضعه فى إطاره المؤسسى، لم يغلق باب الجدل، بل فتح أسئلة أخرى حول طبيعة هذا الترتيب، والأسس التى جرى على أساسها توزيع فروع الجائزة، ودور اللجان التى شاركت فى وضع التصور، والتى يغلب على أداء أعضائها سمة «الموظفين» لا المبدعين المفكرين المفترض بهم أن يصوغوا السياسة الثقافية لمصر برمتها وليس فقط جوائز الدولة.
«حرف» ترصد القضية من جميع جوانبها على لسان المعنيين بها، وهم الشعراء المصريون الذين انتفض أغلبهم بسبب القرار، حيث يطرحون أسئلتهم حول ما جرى، ومن اتخذ القرار، وما الذى يعنيه ذلك بالنسبة إلى واحد من أعرق الفنون فى الثقافة المصرية وهو فن الشعر.

أحمد عبدالمعطى حجازى: تنكّر للثقافة المصرية

استبعاد شعر الفصحى من الجائزة أمر مخجل، لأنه يمثل مكونًا مهمًا من مكونات الهوية المصرية والعربية.
والاستبعاد يأتى فى وقت تشهد فيه دول المنطقة اهتمامًا بشعر الفصحى، من خلال الاحتفاء به وتكريمه ومنح جوائز مخصصة له، فما أسباب اتخاذ هذا القرار فى جائزة من أهم جوائز الدولة المصرية.
وأرى أن استبعاد شعر الفصحى خطأ فاحش وتجاهل كامل، ليس فقط لشعر الفصحى، وإنما للثقافة المصرية كلها والثقافة العربية.
وهناك مفارقة تتمثل فى أنه فى وقت إعلان مؤسسة «الدستور» إطلاق جائزة باسم الشاعر الراحل صلاح عبدالصبور فى شعر الفصحى، يجرى استبعاد فرع شعر الفصحى من جوائز الدولة التشجيعية لعام ٢٠٢٧.
وهذه المفارقة تطرح تساؤلات حول مكانة شعر الفصحى فى منظومة الجوائز الثقافية، خصوصًا فى ظل ارتباط اللغة العربية الفصحى بالهوية والثقافة المصرية والعربية.

عمرو البطا: زعزعة لمكانة مصر

بيان المجلس المشار إليه هو فى حد ذاته كاشف عن الأزمة. هذا بيان لا يصدر إلا عن موظفين غارقين فى البيروقراطية، يتحدث عن الإجراءات واللوائح دون رؤية ثقافية. وهو يثير تساؤلات عديدة: لماذا لم ينشر قرار اللجنة العليا فى ٢٠٢٤ وقت صدوره؟ ولماذا لم يصدر هذا البيان العام الماضى وقت الاعتراض على إلغاء فرع شعر العامية؟
الغريب أننا كنا نطالب بزيادة القيمة المادية لجوائز الدولة، فهى بنفس القيمة منذ مطلع الألفية. كنا ننتظر أن تصدر لائحة جديدة ترفع قيمة جوائز الدولة المادية بحيث تليق بمكانة الدولة المصرية، فإذا بهم يقررون تقليص فروع الجوائز توفيرًا للميزانية! يحدث هذا فى وقت تتنافس فيه دول عربية أخرى فى تأسيس جوائز ثقافية مرتفعة القيمة لتعزيز مكانتها على خارطة الثقافة العربية، فكأن المسئولين عن الثقافة لدينا يبذلون ما فى وسعهم لزعزعة المكانة التاريخية لمصر فى الثقافة. الأمر لا يتعلق بفرع شعر الفصحى فقط، ثمة مشكلة كبيرة فى صياغة عناوين الفروع. ما معنى «رواية وسائط الاتصال الحديث؟» ولماذا تحدد نوع الرواية «الخيال العلمى» ولا تفتح المجال لكل الروايات؟ أظن أن وراء هذه الصياغة رغبة فى ادعاء الاهتمام بالتقدم التكنولوجى ومواكبة العصر، لكنها للأسف كشفت عن أنهم غارقون فى العصور الحجرية!
كريم عبدالسلام: «افتكاسة» من صنع «الموظفين الميح»

منذ أن تم تغييب المثقفين الحقيقيين والمبدعين الكبار عن إدارة الثقافة والتخطيط لها، كان لابد أن نتعرض لما نراه من مهازل وكوميديا سوداء، على مستوى صناعة النشر والصحافة الثقافية والتخطيط لإدارة المؤسسات الموروثة من العصر الذهبى للثقافة.
مصر دولة عظمى ثقافيًا، هذه حقيقة مؤكدة، ولا يجب ولا يصح أن يتولى أمور التخطيط الثقافى ومؤسسات النشر والفعاليات الثقافية، الأنصاف والأرباع والموظفون الميح المصابون بعقد النقص والكارهون للثقافة، كما لا ينبغى تصدير الأراجوزات والفاسدين والصحفيين التافهين ليحلوا محل المبدعين.
لكن لا يمكن أن نلوم الأرباع والأنصاف والأراجوزات المنتشرين فى كل مفاصل الثقافة ويتحكمون فى الخيال العام وصناعة الوعى، لأنهم لا يملكون إلا أمراضهم النفسية والفساد الموروث وشعار «شيلنى وشيلك ومش عايزين وجع دماغ، ثقافة إيه بلاش قرف»، لا نلوم وننتقد وندين ولا نسامح من أتى بهؤلاء الأرباع والأنصاف والأراجوزات من الموظفين الميح ليديروا مفاصل ومؤسسات الثقافة المصرية، ليجعلوا منها خرابات خاوية ومسارح للهلس والكوميديا السوداء وعِزَبًا لهم ولأشباههم من الأدعياء، لأنهم لا يملكون إلا الفشل الناتج عن الجهل. ومع وجودهم تحولت الثقافة المصرية من ثقافة قائدة لمحيطها العربى ومؤثرة فى محيطها الإفريقى والمتوسطى، إلى ثقافة مريضة طاردة تابعة لكل غُلامٍ من الشرق أو عِلْجٍ من الغرب. الثقافة المصرية بحاجة إلى شركة لرش الحشرات ومقشة كبيرة، تقضى على الأشكال التى ابتلُينا بها وتكنسها خارج السياق الثقافى وتعيد الاعتبار إلى المؤسسات الثقافية ودورها فى تشكيل الوعى العام وحماية الأجيال الجديدة من التطرف والقبح والانحراف الذى نلمس مظاهره فى الأفكار «العبيطة» التى تخرج من المجلس الأعلى للثقافة وسائر المؤسسات الثقافية الأخرى، ولن تكون «افتكاسة» إلغاء جائزة الدولة التشجيعية فى شعر الفصحى آخرها، رغم هوان جوائزهم وفراغها من القيمة.
ميسرة صلاح الدين: حرمان لشريحة واسعة من المبدعين

أرى أن لجان الجوائز قد وضعت نفسها فى مأزق عسير، وتحاول الدفاع عن موقفها، رغم ما يبدو من ضعف بعض مبرراته. فـشعر الفصحى، وشعر العامية، والقصة القصيرة، والرواية تمثل فروعًا أدبية رئيسية، ورافدًا هادرًا فى نهر الإبداع المصرى، ولا يمكن الاستغناء عنها بأى حال من الأحوال، كما يمثلها عدد كبير من شباب المبدعين.
وفى المقابل، هناك فروع أخرى من الإبداع يمكن وصفها، من الناحية التنظيمية، بأنها فروع أكثر تخصصًا؛ وليس فى ذلك أى انتقاص من قيمتها الإبداعية أو من أهمية ما يُكتب فيها، مثل: القصة القصيرة جدًا، والرواية التاريخية، والرواية المعاصرة، والحوسبة اللغوية وغيرها.
ومن ثم، فإن فكرة إضافة هذه الفروع إلى جائزة الدولة التشجيعية ليست مرفوضة فى حد ذاتها، بل يمكن أن تكون خطوة إيجابية تواكب تطور المشهد الإبداعى وتنوعه. لكن توسيع مجالات الجائزة لا ينبغى أن يعنى اقتسام المقاعد المخصصة للفروع الأدبية الأساسية معها.
وهنا تبرز خصوصية شعر الفصحى وشعر العامية على نحو خاص. فهما ليسا مجرد فرعين يمكن التناوب بينهما وبين فروع أخرى وفق اعتبارات تنظيمية عابرة، وإنما يمثلان مكونين أصيلين من مكونات الإبداع المصرى، ولهما حضور تاريخى ومستمر فى الثقافة المصرية، فضلًا عن أنهما من أكثر الفنون التصاقًا بالتجربة الإبداعية فى المرحلة العمرية التى تستهدفها جائزة الدولة التشجيعية أساسًا.
كما أن الشعر، بفصيحه وعاميه، يواجه مشكلة أخرى لا ينبغى تجاهلها: الفرص المتاحة أمام المبدعين الشباب للحصول على جوائز مؤسسية كبرى فى الشعر أقل اتساعًا، من حيث عدد المسارات المتاحة، من الفرص الموجودة فى بعض أشكال السرد، التى تحظى بمسابقات وجوائز متعددة ومتنوعة.
ومن هنا فإن استبعاد شعر الفصحى أو شعر العامية من دورة معينة لا يعنى فقط تغيير فرع فى جدول الجائزة، بل يعنى عمليًا حرمان شريحة واسعة من المبدعين الشباب من إحدى أهم فرص الاعتراف المؤسسى بإبداعهم فى ذلك العام.
محمد أبوزيد: الشعر عمومًا مظلوم

الشعر عمومًا مظلوم، سواء فى النشر أو الجوائز. ففى الوقت الذى تُخصص فيه مؤسسات كثيرة، رسمية وخاصة، جوائز للرواية والقصة القصيرة، وحتى المسرح، لا نجد اهتمامًا مماثلًا بالشعر، ولا جوائز كافية تحتفى به وتدعم شعراءه، باستثناء بعض المبادرات الفردية والخاصة، مثل جائزة أحمد فؤاد نجم لشعر العامية، وجائزة محمد عفيفى مطر للشعر الفصيح.
الشاعر الشاب، الذى «يدوخ سبع دوخات» حتى يجد دار نشر تقبل نشر ديوانه، سيجد نفسه أمام رحلة أخرى لا تقل مشقة حين يبحث عن جائزة يمكن أن تمنح مشروعه الشعرى دفعة معنوية حقيقية.
هنا تبرز أهمية جوائز الدولة التشجيعية، التى تستهدف فى الأساس المبدعين الشباب، وتمثل بالنسبة لكثير منهم تقديرًا مهمًا، ودعمًا معنويًا كبيرًا لمواصلة الطريق.
لا أعرف القوانين واللوائح المنظمة لهذه الجوائز، وواضعوها أدرى بتفاصيلها وآليات تطبيقها، لكن ما أرجوه هو أن تكون هناك جوائز حقيقية ومخصصة للشعر، الفصيح والعامى، وأن تشمل مختلف أشكاله من شعر التفعيلة إلى قصيدة النثر.
هناك عشرات بل مئات من الشعراء الشباب الذين ينتظرون مثل هذا التقدير، ويمثل لهم دفعة تساعدهم على مواصلة الطريق، رغم ما يواجهونه من صعوبات اقتصادية ومعنوية، وأخرى فى النشر والحضور والوصول إلى القارئ.
سامح محجوب: قيمتها المادية «أقل من الضعيفة»

يا ليت المجلس الأعلى للثقافة صمت أو استدرك الأمر واعتبر ما حدث خطأ غير من مقصود ولا بد من تصويبه تقديرًا لمثقفى ومبدعى مصر الذين تحدثوا فى الأمر حرصًا على هيبة وأهمية جوائز الدولة بالنسبة للمبدعين الشباب الذين يعتبرون وجودهم فى قوائم جوائز الدولة التشجيعية حتى وإن لم يحرزوها تقديرًا واعترافًا لا بد من الحصول عليه فى بداية مشوارهم الإبداعى حتى وإن كانت القيمة المادية للجائزة تحت الضعيفة، وهذا ما يجب طرحه فى سياق آخر، أما ما ورد فى تبربر أو توضيح إدارة المجلس من أن هناك لجانًا نوعية تقرر هذه الآليات قبلها بثلاث سنوات! فهذا ما يجب تقديم شرحه وتأكيده للرأى العام بالدليل القاطع، خاصة أننى كنت عضوًا بلجنة الشعر فى دورتين سابقتين ولم أسمع بهذه اللجان!
ولا وجود مبرر لها فى ظل وجود لجان المجلس الرسمية التى تغطى جميع مجالات التسابق على الجوائز جميعها، ثم هذه هى المرة الأولى فى تاريخ المجلس الأعلى للثقافة التى يتم فيها حجب «تشجيعية الفصحى» حتى ولو لعام واحد بالتناوب مع أى فرع آخر وهو الأمر الذى لا يمكن تبريره تحت أى مسمى!
ومنذ سنوات طويلة وأنا وغيرى من المثقفين نطالب بتحديث وتجديد وتصويب اللوائح والآليات المنظمة للجوائز، خاصة ما يرتبط بتحديد موضوع للتسابق كالرواية التاريخية أو روايات الخيال العلمى أو ترجمة العلوم أو الفنون إلى آخر كل ما يحدد إطارًا أو يضع سقفًا للإبداع.
هذا إلى جانب النظر فى آليات التصويت على جوائز التفوق والتقديرية والنيل، التى تسمح لمسئول غير متخصص أو معنى بالأمر بالتصويت على جوائز ذات طابع أدبى أو فنى وهو متخصص مثلًا فى العلوم التجريبية.
رشا الفوال: الحل زيادة الفروع لا التناوب

جوهر أزمة جائزة الدولة التشجيعية لا يتمثل فى استبعاد شعر الفصحى من المشاركة هذا العام، كما لم يكن فى استبعاد ديوان شعر العامية العام الماضى، بل تكمن الأزمة الحقيقية فى فكرة استبعاد أى فرع من فروع الجائزة وفقًا لمنطق الاستبدال والتناوب بين الفروع.
جوائز الدولة ينبغى أن توسع منصة الإبداع، لا أن تجعل فروعه وفئاته تتناوب كل عام، خاصة أنه من منظور «سيكولوجية» الإبداع، لا توجد كتابة إبداعية حقيقية زائدة عن الحاجة أو يمكن استبدالها والاستغناء عنها، فكل فرع يمثل مساحة من الوعى، ويكشف جانبًا من تحولات المبدع والمجتمع والذاكرة الثقافية.
بالتالى غياب فرع ما عن خريطة الجائزة، حتى ولو بشكل مؤقت عن طريق التناوب، يعنى غياب هذا الوعى عن دائرة الاعتراف المؤسسى.
أتفهم أن اللائحة تتيح تحديد الفروع مُسبَقًا، وأن الهدف المُعلَن من قبل وزارة الثقافة والمجلس الأعلى للثقافة هو تحقيق التنوع والتوازن، لكن لماذا تكون إضافة فرع جديد للجائزة مرهونة باستبعاد فرع قائم بالفعل؟
إذا كان إدراج فرع المسرح الشعرى مع استبعاد ديوان العامية العام الماضى، وإدراج فرع شعر الأطفال مع استبعاد ديوان الفصحى هذا العام، يعبر عن رغبة حقيقية فى توسيع دائرة فروع الجائزة، فالحل الأكثر اتساقًا هو زيادة الفروع لا استبدالها.
أخشى أن يؤدى منطق التناوب بين فروع جائزة الدولة التشجيعية إلى إدخال المبدعين الشباب فى دائرة انتظار تمثيل إبداعهم على خريطة الدولة. الأجدر بجوائز الدولة أن تواكب اتساع المشهد الإبداعى، الذى هو أكبر بكثير من أن تستبدل فروعه وفقًا لمنطق التنوع.

جمال القصاص: قرار مؤسف يعكس ضحالة فكرية

الأمر برمته مخجل ويضعنا أمام صورة مظلمة لمجلس من المفترض أن يكون العقل الحارس والداعم للثقافة المصرية، لكنه فجأة يتحول إلى هادم لها، بقرارات مؤسفة، تعكس مدى ما وصل إليه من التخبط والعشوائية، وتكشف عن ضحالة القائمين على أمره، ومدى وعيهم بالفعل الثقافى، أحد المكونات الأساسية للهوية الوطنية، وله دوره الفاعل فى بناء الإنسان والوطن.
فبدلًا من أن يوفر هذا المجلس المناخ الصحى والموضوعى، لكل الأنواع الأدبية، لتتبارى بحرية فى نيل جوائز الدولة، نراه يقيدها فى نوع أدبى محدد، ويحيط هذا التقييد بمبررات وقرارات هشة، لا علاقة لها بالإبداع والثقافة، بل تعكس مدى ضحالة الرؤية، وخلط الأدوار، وكأن الفعل الثقافى هو مجرد تسديد خانات فى أجندة هذه المجلس، للحفاظ على وضعه ووضع أعضائه، الأمر الذى يضعنا أمام حقيقة لا لبس فيها، وهى أننا أصبحنا أمام مجلس لا مبرر لوجوده، ولا معنى له.
رحم الله المجلس الأعلى للثقافة، الذى لم يدافع عن المبدعين، وحريتهم فى التعبير، ولم يقف بجوارهم حين تعرض بعضهم للعسف والمصادرة والسجن أحيانًا.. ولا عزاء للثقافة المصرية.
إبراهيم جمال الدين: غياب رؤية عند واضعى الخطط

يبدو أن الثقافة والفن أصبحا عبئًا اقتصاديًا على المؤسسة الثقافية، حيث بات الترشيد سمة واضحة، ربما ينظر من يديرون هذه المؤسسات إلى قيمة الجوائز باعتبارها أرقامًا لا قيمة لها، خاصة أن كثيرًا من المكافآت تتم ماليًا تحت بند الإعانات، المشهد يبدو كذلك، من الأوبرا وتدنى أجور العازفين إلى تأخر صرف مستحقات المنح والنشر، ولعل حجب شعر العامية العام الماضى وحجب شعر الفصحى العام الحالى خير دليل على غياب الرؤية عند واضعى خطط ٢٠٢٥- ٢٠٢٦- ٢٠٢٧ بينما يتم وضع جائزة لرواية الخيال العلمى، إن تشكيل اللجان نفسه عليه علامات استفهام كبيرة وكذلك اللجنة العليا لجوائز الدولة، أعتقد أن المجلس الأعلى نفسه فى حاجة إلى تجديد الدماء والرؤية حتى يخرج من شيخوخته.
رومانى صبحى: مؤشر مقلق على تراجع الاهتمام بالشعر

حين يقرأ الشاعر بيان المجلس الأعلى للثقافة، يتولد لديه شعور مزدوج بالدهشة والاستفزاز، فالاستناد إلى «القوانين واللوائح التنظيمية» و«الخطط ثلاثية السنوات» لا يحل الإشكال الحقيقى، بل يزيحه إلى منطقة أخرى تتعلق بفلسفة التخطيط الثقافى نفسها. استبعاد ديوان شعر الفصحى، الذى يمثل الديوان الأكبر للعربية وحامل هويتها، ليس مجرد إجراء إدارى عابر، بل مؤشر مقلق على تراجع «الأولوية الشعرية» فى سلم اهتمامات المؤسسة الثقافية الرسمية.
تغييب شعر الفصحى يعكس نظرة مقصورة تتعامل مع الشعر باعتباره ترفًا أو عنصرًا يمكن تدويره بالتناوب كل عدة أعوام، متناسية أن الشعر الفصيح هو عصب الثقافة المكتوبة ووعاء الوجدان الجمعى. الجوائز التشجيعية وُجدت أساسًا لدعم الأصوات الشابة والجديدة. عندما يُحرم شاعر الفصحى الصاعد من فرصة الاحتفاء الرسمى بديوانه الأول أو الثانى، فإن ذلك يوجه رسالة محبطة لكل من يكرس جهده للذود عن لغة الضاد وإتقان بحورها وأدواتها.
والحديث عن «التنوع والتوازن» عبر توزيع الفروع لـ٣ سنوات يبدو نظريًا جميلًا، لكنه فى الممارسة يفقد معناه الحقيقى إذا أدى إلى «محاصصة» أو تهميش للجنس الأدبى الأهم.
التوازن الحقيقى لا يكون بإسقاط فن لحساب فن آخر، بل بضمان الحد الأدنى من الحضور الدائم لأجناس الكتابة الكبرى «الشعر، الرواية، النقد» فى كل دورة، خاصة أن الإنتاج الشعرى فى مصر أضخم وأكثر كثافة من أن يُحشر فى خانة «الدورات المتباعدة».
وضع خطط لـ٣ سنوات مُقدمًا دون مرونة تمتص التحولات، أو تراعى الكثافة الإنتاجية الفاعلة، يعكس عقلية إدارية بيروقراطية تدير الثقافة بمنطق «الموظف» لا بمنطق «المشروع الثقافى».
إذا كانت اللجنة العليا قد اعتمدت هذه الفروع لسنوات «٢٠٢٥، ٢٠٢٦، ٢٠٢٧»، فإن الباب يجب ألا يُغلق أمام المراجعة والاستدراك. فالثقافة الحية مرنة، ولائحة الجوائز يجب أن تخدم الإبداع لا تقيده.
حسام جايل: خطوة ضد القوة الناعمة

هذا الأمر لا يعكس حقيقة الإبداع المصرى، وإن كان صادرًا عن لجنة أو هيئة عليا، لأن شعر الفصحى ركيزة أساسية فى الإبداع الأدبى المصرى، ومصر حافلة بالشعراء. بدلًا من خلو الجوائز من ديوان شعر الفصحى، كنت أتمنى أن تتضاعف الجوائز، ماديًا وفى عدد المتقدمين، وأن يكون من الثوابت ديوان الفصحى، والمسرحية الشعرية، وشعر العامية، وشعر الأطفال إضافة إلى القصة والرواية والترجمة. على المجلس الأعلى للثقافة مراجعة هذا القرار حفاظًا على قوة مصر الناعمة ومكانتها وريادتها الأدبية والثقافية.
رضا أحمد: «بيروقراطية» لا تحقق التنوع

بصراحة، لا أفهم «التنوع» بالشكل الذى تتحدث عنه الجائزة. كل عام يستبعد فرع ليحل محله آخر. بينما داخل فرع الشعر نفسه هناك أشكال وتجارب لم تكن ممثلة فى نتائج الجوائز بصورة عادلة.
كشاعرة تكتب قصيدة نثر، لا أعتقد أن القضية هى وجود شعر الفصحى أو غيابه هذا العام، الجائزة نفسها لم تعد تعنينى، لأن قصيدة النثر، فى رأيى ومن واقع تجارب كثير من شعرائها، لم تحظ بحضور، ولم تُعامل باعتبارها طرفًا فى المنافسة، ما جعلنى أتساءل: لماذا لا يكتبون فى شروط التقديم أن الجائزة مخصصة للقصيدة التقليدية؟
المشكلة، فى رأيى، أوسع من إلغاء فرع فى سنة واستعادته فى أخرى. هناك تمييز فى المساحة التى تُمنح للأشكال الشعرية المختلفة داخل المؤسسات والجوائز والفعاليات الثقافية.
التنوع لا يتحقق بمجرد التناوب بين الفروع. شعر الفصحى نفسه يضم العمودى والتفعيلة وقصيدة النثر، وهذه تجارب مختلفة فى اللغة والبناء والرؤية والعالم الشعرى. وتغيير اسم الفرع من عام إلى آخر لا يعنى بالضرورة أن هذا التنوع حاضر فى طريقة قراءة الشعر أو تقييمه. التناوب بين الفروع يعنى استيعاب تحولات المشهد الأدبى، لا أن يرتبط بتوزيع عدد محدود من الجوائز على تخصصات مختلفة عبر السنين.
هناك أيضًا مسألة تسمية «ديوان شعر الفصحى» نفسها. شاعر قصيدة النثر يخدع من شمولية هذا العنوان ليضم ديوانه، فيتقدم للجائزة على هذا الأساس, بينما قد تكون آليات الجائزة أضيق من هذا الفهم. إذا كان المقصود بالشعر هنا فى إطار القصيدة التقليدية من الأفضل أن يكون ذلك مُعلنًا بوضوح منذ البداية، حتى يعرف الشعراء طبيعة التجربة المريرة التى يتقدمون إليها.
أنا لا أطالب بأن تفوز قصيدة النثر لمجرد أنها قصيدة نثر، لا أعتقد أن شكلًا شعريًا ينبغى أن يحصل على أفضلية و«ألتراس» داخل لجان التحكيم كما يحدث الآن، الأمر الذى يجعلنا بسهولة نتوقع شاعر الديوان الفائز بين مجموعة معروفة من شعراء القصيدة التقليدية.
ما يهمنى هو أن تصل الدواوين المختلفة إلى مساحة قراءة حقيقية. تخيل أن تكون أقصى أحلامى أن تُقرأ دواوين قصيدة النثر المُقدمة، وأن يكون الحكم عليها مرتبطًا بما تقدمه من شعر!
من هنا لا أتعامل مع غياب شعر الفصحى باعتباره قضية تخصنى أو تزعجنى، بقدر ما يعنينى أن تكون قواعد الجائزة وتعريفاتها واضحة، وأن تتسع قراءتها للتجارب الشعرية.
لا يمكننى أيضًا قراءة بيان المجلس الأعلى للثقافة إلا بوصفه «تكريسًا لبيروقراطية فجة»، تُدار بها المنظومة الثقافية بعقلية حسابية تقسم الإبداع وتوزعه.
حتى لو تسامينا كشعراء قصيدة نثر عن هذا التعنت والتمييز، لا يمكننا القبول بحرمان شعراء القصيدة التقليدية من التنافس بقرار إدارى، بشرط أن يعترف المنظمون أن هذه الجائزة مخصصة للقصيدة التقليدية.
عاطف عبدالمجيد: هل يصح أن ننحى أهم فن إبداعى؟!

الأصل فى الجوائز أنها وُجدت لتشجع المبدعين فى كل المجالات الإبداعية، وحثهم على مواصلة مسيرتهم الإبداعية بغية الوصول إلى قمتها. لكن ما يحدث فى دهاليز الجوائز بمختلف جنسياتها يصيب باليأس والإحباط.
أصبحت الجوائز تذهب كثيرًا إلى من لا يستحقونها، وكأن الذين يقدمونها يريدون أن يقولوا لمن يستحقونها تنحوا قليلًا عن أماكنكم واتركوها للمتواضعين.
ما يُحزن أن الجوائز صارت موجَهة فى كثير من الأحيان، وبدأنا نرى اعتبارات أخرى كثيرة يجعلونها سببًا فى منح الجائزة، بعيدًا عن قيمة الحاصل عليها، ورغم تواضع أو ضحالة منجزه.
باتت الجائزة تذهب إلى الكاتب المريض مساهمة فى تكاليف علاجه، وكأن مانحى الجائزة أرادوا أن يقوموا بدور الشئون الاجتماعية.
وبالطبع لا ننسى أن كثيرًا من الجوائز باتت تذهب لـ«أساتذة التربيطات»، ما يعنى أنه ليس مهمًا أن تكون مبدعًا حقيقيًّا تستحق الجائزة، فى حين أن المهم الأهم هو براعتك فى جذب أصوات من لهم حق التصويت، واختر أنت الطريقة التى تجيدها.
أما فيما يخص تأجيل جائزة ما فى عام ما لتحل محلها جائزة أخرى، فأنا لا أفهم كثيرًا فى مسألة التنوع والتوازن التى يتحدثون عنها هنا.
لكن ما أعرفه وأستوعبه جيدًا هو أن الشعر «فن العربية الأول» و«سيد الفنون». لذا لا يجب بأى حال أن ننحى جائزة الشعر، فى دورة أو أكثر، لتحل محلها جائزة فن آخر.
وليسمح لى القائمون على الجائزة أن أقول لهم متسائلًا: هل يصح أن ننحى أهم فن إبداعى من أجل أن يحل محله فن آخر؟ هذا لا يعنى أننى أقبل بتنحية جائزة تخص فنًّا إبداعيًّا آخر تاركة مكانها لجائزة أخرى، بل ما أعنيه هو أن تظل الجوائز كلها فى كل عام وتمنح لمن يستحقها تشجيعًا لهم ومباركة لما يبذلونه من مجهود على طريق الإبداع.
أمينة عبدالله: إنصاف لـ«العامية» أمام «عامية قريش»

الجوائز منطقة مُلغَمة، ما إن يتم إعلان شروط جائزة تبدأ اعتراضات وتأييدات، وكذلك الأمر عند عرض النتائج، وبينهما لا يسمع مسئول رأى المثقف الذى كان يزامله حتى الأمس القريب، بل أحيانًا يصدرون لنا أن المثقف ورأيه يشكلان عبئًا على أصحاب القرار.
هنا لأول مرة أنتقل من خانة المُعارِض والمُنتقِد إلى مؤيد لقرار استبعاد ديوان شعر الفصحى من جائزة الدولة التشجيعية، بل أراه خطوة تصحيح مسار، بعد أن ظُلِمت العامية المصرية فى التقدير الرسمى، وحُجب مركزها الأول من قبل، وكأن مصر الولادة أصبحت عقيمة فجأة.
لا شىء يبرر أن تترك عاميتك المُشكِلة لأفكارك وإبداعك لتتبنى «عامية قريش» لمجرد أنها ناقل النص المقدس، خاصة أن قريش لم تكن أفصح العرب، بل كانوا يرسلون البعض لليمن لتعلم العربية البليغة.
العامية المصرية هى الحافظة للهوية المصرية، والتى يتواصل بها العرب من المحيط للخليج عند صعوبة التواصل بينهم لاختلاف اللهجات.
أما السبب الثانى فهو أن شعراء الفصحى على الساحة، معظمهم من رعايا دولة خليجية فى مصر، يشاركون فى برامجها، يحصلون على جوائزها، ويلمعون فى الإعلام، وهذا حقهم كمبدعين، لا أحد يلوم عليهم، ولا يجب إجبارهم على تبنى مواقف فكرية أو أيديولوجية مناهضة لهذه الدول المتعاونة مع الكيان المحتل والداعمة له ولكل ما يؤثر سلبًا على الدولة المصرية.
نجاة على: إجراء طبيعى بسبب الميزانية

لا يوجد أى موقف من المجلس الأعلى للثقافة ضد شعر الفصحى بهدف استبعاده، ولا يوجد استبعاد من الأساس. الموضوع ببساطة أن الميزانيات تبدو محدودة، كما حدث مع شعر العامية فى العام الماضى. محدودية الميزانية دفعت المجلس الأعلى للثقافة إلى إقرار تناوب بين العامية والفصحى، مثلما يحدث فى مؤتمرات الرواية والقصة، حيث تكون الرواية فى عام والقصة القصيرة فى آخر.
هذا التناوب نتيجة لتوزيع الميزانية، ولا علاقة له بالاستبعاد أو بغيره. وكان موجودًا حتى فى السابق، قبل أوضاع الميزانيات والظروف الاقتصادية الحالية.
ما حدث يدخل فى ظروف الدولة نفسها، والمجلس لا يستطيع تجاوز هذا الإطار. من أين سيأتى بالدعم؟ خاصة أنه لا يحصل على دعم من أى جهة. إذن، الموضوع له علاقة بالميزانيات والتناوب، وليس استبعادًا. الدولة تمر حاليًا بظروف حرجة، ووزارة الثقافة نفسها لا تستطيع طلب ميزانية أكبر، وهو ما يتضح بصورة جلية الآن فى أزمة الأوبرا ومهرجان الموسيقى العربية، فالأمر كله مرتبط بالمال. أغلب أعضاء «لجنة الشعر» بالمجلس الأعلى للثقافة شعراء فصحى، وبالتالى فإن الانحياز يكون للفصحى، لكن كما سبق أن ذكرت، الموضوع ليست له علاقة بالاستبعاد أو بموقف معين، بل بالمال وفكرة التناوب فقط.







