الجمعة 02 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

قادم من الستينيات.. المفكر اللبنانى خالد زيادة: ما زلنا ندفع ثمن نكسة 67 حتى الآن!

حرف

- استقلال وبروز القومية العربية والانقلابات العسكرية غيّرت وجه المنطقة

- فرادة عقد الستينيات لا تنفى الإنجازات التى تحققت فى عقود سابقة

- أفكار التنوير فقدت قوّتها بعد انشغال الحكومات بتحقيق المساواة الاجتماعية

قبل أسابيع وعن دار «رياض الريس» للنشر فى بيروت، صدر للمفكر والكاتب، الدكتور خالد زيادة، سفير لبنان الأسبق بالقاهرة، كتاب جديد بعنوان تحت عنوان «عقد الستينيات الفريد».

فى كتابه الأحدث يشير خالد زيادة إلى أن عقد الستينيات من القرن العشرين شهد تغيرات كبرى فى العالم أجمع، حيث كان العالم قد بدأ يتقدم منذ عصر النهضة، وكانت الاختراعات والأفكار تتطور بوتيرة متناسقة أو مضطربة.

فى حواره مع «حرف»، يكشف خالد زيادة عن أسباب اختياره عقد الستينيات دون غيره من عقود القرن الماضى لاستدعائه والكتابة عنه، ولماذا يعتبره عقدًا فاصلًا فى تغيير نمط الحياة وتحرر المرأة والحياة السياسية والاجتماعية وغيرها.

■ لماذا عقد الستينيات دون غيره من العقود، رغم أن العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين قد شهدت النهضة فى المنطقة العربية؟

- هناك سبب شخصى وهو أن وعىّ ومعرفتى تكونا خلال هذا العقد. ولأن العالم العربى قد شهد تطورات بارزة وخصوصًا حصول عدد من الدول على استقلالها وبروز القومية العربية والانقلابات العسكرية. ولكن الأهم ما كان يجرى فى العالم من تغيرات على كل المستويات السياسية والفكرية والأدبية والفنية والعلمية. وهو عقد ساده التفاؤل بأن الحرية ستنتصر على الاستعمار، وأن العلم سيهزم الجهل، وأن المرأة ستتحرر، وأن السياسة ستنفصل عن الدين إلخ.. لكن فرادة عقد الستينيات لا تنفى الإنجازات التى تحققت فى عقود سابقة.

■ على نقيض بعض المثقفين، وصفت الستينيات بالفرادة رغم ما جرى عام ١٩٦٧.. لماذا؟

- ما جرى عام ١٩٦٧، من هزيمة عسكرية هو أيضًا أمر فريد لاعتبارات متعددة، أولًا: لأن الحدث شكّل تحوّلًا ما زلنا ندفع أثمانه حتى هذه اللحظة. وثانيًا: لأن هزيمة يونيو قد أدّت إلى تبدّل فى الأفكار والسياسات، وثالثًا: لأن الهزيمة كانت هزيمة لفكرة القومية العربية والوحدة العربية.

■ ألا يُعّد تبلور الأفكار والاتجاهات الأوروبية والسياسية فى عقد الستينيات حصيلة تراكمية لما سبق من عقود؟

- طبعًا بالتأكيد، فلا شىء ينشأ من الفراغ أو يحدث فجأة. لا فى مجال العلم أو السياسة أو الأدب. ولكن بإمكاننا استعارة المنهج الجدلى الذى يقول بأن التراكم الكمى يؤدى إلى تغيير نوعى، بمعنى أن النضالات الشعبية قد تؤدى إلى تغيير فى النظام السياسى، وأن التجارب الأدبية تؤدى إلى ولادة الشعر الحرّ أو الرواية الجديدة. وهكذا فإن ما شهده جيلى فى الستينيات من تغيرات كبرى هى حصيلة تراكمات فى المجالات المتعددة.

■ كيف أسهمت قيم التنوير والانفتاح التى سادت القرن العشرين فى تشكيل الوعى العربى؟ وما الذى بقى منها فى واقعنا الراهن؟

- الواقع أن أفكار التنوير ترجع إلى القرن الثامن عشر فى أوروبا. مع المفكرين والفلاسفة خصوصًا فى فرنسا، الأمر الذى أدّى إلى قيام الثورة الفرنسية الكبرى عام ١٧٨٩، وانتشار أفكار الحرية والمساواة والأخوّة فى دول أوروبا ووصولها إلينا فى بدايات القرن التاسع عشر، ولعل رفاعة الطهطاوى فى كتابه: تلخيص الإبريز فى تلخيص باريس، أول أثر يعرض لأفكار التنوير وخصوصًا فى ترجمة الدستور الفرنسى، وما تضمنه من مبادئ مؤسسة على الحرية والمساواة.

ومع مطلع القرن العشرين نشأت أفكار وتيارات فى العالم العربى، تأسست على مبادئ التنوير، وخصوصًا فى مصر مع أمثال لطفى السيد وطه حسين وآخرين من دعاة التنوير. كذلك فإن النظام السياسى الذى قام فى عدد من الدول العربية مثل مصر ولبنان وسوريا والعراق، كان نظامًا ليبراليًا دستوريًا تعدديًا يضمن حرية الأحزاب والأفراد. لكن قيم التنوير تعدّلت مع الأنظمة الانقلابية التى تستند إلى أفكار قومية او اشتراكية، التى رأت بأن مبدأ المساواة يتقدّم على مبدأ الحرية. وأنه ينبغى أن تضحّى بالحرية فى سبيل التضامن والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفقر والاستعمار.. إلخ.

لقد انطوى زمن التنوير، أى فقدت أفكار التنوير قوّتها فى زمننا الراهن دون أن نحقق الحرية ودون أن نحقق المساواة والتنمية وتكافؤ الفرص.. وهذه هى المعضلة الراهنة فى العالم العربى.

■ تستعيد فى كتابك «عقد الستينيات الفريد» ذاكرة تربط بين المنزل والمكتبة والمسجد والكنيسة والمدرسة، كيف أسهمت هذه الفضاءات فى تشكيل وعى جيلك؟

- كان لبنان يشهد تحولات عميقة فى عقد الستينيات مع ولاية الرئيس فؤاد شهاب الذى اعتمد سياسة بناء مؤسسات الدولة ونشر المدارس فى كل المناطق وافتتاح كليات الجامعة اللبنانية. وانعكس ذلك على حياة اللبنانيين فى ظل الرخاء والازدهار. وكانت مدرستنا الثانوية الرسمية هى نتاج هذه السياسة التعليمية الحديثة. وكان زملاء الدراسة يأتون من كل المناطق. الأمر الذى أغنى علاقاتنا. وأدّى إلى انفتاح عقولنا واستيعاب التعددية الدينية. وبالنسبة لى فإننى حظيت أكثر من أغلب زملائى بأجواء عائلية سمحت لى بالاطلاع المبكر على المؤلفات فى التاريخ والأدب والفكر والسياسة. الأمر الذى أثر على توجهاتى المستقبلية.

■ كيف انعكست آثار الحربين العالميتين على الفكر الأوروبى؟

- السنوات الخمسون التى سبقت الحرب العالمية الأولى تعتبر فى أوروبا وفرنسا خصوصًا «الحقبة الجميلة La Belle Époque»، نظرًا للسلام الذى ساد أوروبا والتقدّم العلمى والصناعى والتقنى والأدبى والفنى «السينما». ولكن الحرب العالمية الأولى أحدثت خيبات أمل لدى المفكرين، وظهرت حركات أدبية دفينة تعبّر عن الرفض، والفترة ما بين الحربين شهدت صعود الشيوعية والفاشية الإيطالية والنازية الألمانية، وانحسار أثر الليبرالية السياسية والفكرية، ومن هنا، فإن الحرب العالمية الثانية وما شهدته من فظاعات ودمار وملايين القتلى أدّت إلى مراجعة فكرية عنوانها: كيف للعقلانية وأفكار التنوير أن تؤدى إلى حرب مدمرة؟

انشغلت أوروبا بعملية إعادة البناء، ولكنها عملت على إنتاج فكر أكثر إنسانية ومساواة وظهرت النزعات التحررية ونقد للأيديولوجيات الصارمة، وانطلقت النزعات الوجودية والسوريالية. ويمكن أن نعتبر عقد الستينيات من القرن العشرين فى أوروبا تتويجًا لمرحلة ما بعد الحرب. فقد شهدت أوروبا الحركات الشبابية اليسارية الرافضة للحرب والتى تدعو إلى التحرر، وخصوصًا تحرر المرأة وتحرير الفنون من الرقابة وانطلاق هائل للفن السينمائى والروائى والميل على الحياة الرخوة بدل التقاليد الصارمة.

■ ما أبرز التحولات الاجتماعية والثقافية التى شهدها العالم خلال الستينيات؟

- كانت الستينيات قد شهدت الثورة الثقافية فى الصين وثورات الشباب فى أوروبا، والتظاهرات العارمة فى الولايات المتحدة الأمريكية ضد حزب فيتنام، وانطلاق حركة الحقوق المدنية مع مارتن لوثر كينج وأزمة الصواريخ الكوبية واغتيال كندى.

وفى الستينيات بدأ غزو الفضاء مع يورى جاجارين من الاتحاد السوفيتى وصولًا إلى هبوط المركبة أبولو ١١ على سطح القمر.

والتطور الذى شهدته السينما فى أوروبا وأمريكا ومصر فى العالم العربى. وفى الأدب جان بول سارتر الوجودى فى فرنسا، وإرنست همنجواى فى أمريكا، وحركة تحرر المرأة إضافة إلى دخول التليفزيون على الحياة المنزلية.

■ ما العلاقة التى ربطت الشعر والثقافة والسياسة والثورة، وكيف انعكس ذلك على الحياة العامة؟

- فى المشرق العربى حضر الشعر بقوة وأصبح العلامة الفارقة للأدب مع بروز الشعراء مثل: نزار قبانى، وأدونيس وبدر شاكر السيّاب وشعراء المقاومة مع محمود درويش ورفاقه.

أما فى مصر، فإن الرواية كانت أكثر تأثيرًا مع نجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس ويوسف السباعى وغيرهم. أصبح الشعر والرواية الجزء الأساسى من التغيرات الوجدانية والوطنية، ومن خلالها اكتسبت اللغة العربية طواعية تتناسب مع التطور والتغيير. فلم تعد الفصحى لغة الخاصة ولكن الفصحى المبسّطة أصبحت لغة الثقافة الأدبية.

■ كيف وظّفت تجربتك الشخصية وذاكرتك فى بناء سردية تتجاوز الخاص على العام وتقدّم صورة عن تحولات العالم العربى؟

- أعتقد أن حياة الإنسان الخاصة لا تنفصل عن الأحداث العامة. كنا نذهب إلى المدرسة فنجد أن الطلاب يضربون عن الدراسة لأسباب مطلبية أو وطنية.

وفى المنزل وخلال قراءة دروسنا كنا نستمع إلى خطاب جمال عبدالناصر، أو نسمع أخبار الانقلاب فى سوريا والعراق. وكانت هذه الأمور جزءًا من يومياتنا، وتملك تأثيرًا على سلوكنا وأفكارنا. وللتعبير عن ذلك اخترت أسلوبًا فى الكتابة ينتقل من الخاص إلى العام فى أسلوب هو أقرب إلى السرد الروائى. ولعلنى بذلك قد وجدت طريقتى فى الكتابة التى تفصل المذكرات الشخصية عن الأحداث العامة التى هى جزء من التاريخ. وليست لدىّ مشكلة فى هذا التنويع والانتقال من الخاص إلى العام، أى أن أسلوبى هو نوع من التجريب الذى يأخذ به آخرون.

■ كيف يمكن فهم الستينيات بوصفها مرحلة الانفتاح والتجريب فى مقابل عودة العنصريات والنبذ والحروب فى عالمنا؟

- إذا كان التحرر هو سمة الستينيات، فإن ذلك لم يمنع من الحروب الاستعمارية، كالحرب البلجيكية على الكونغو، واغتيال المناضل الإفريقى تريس لومومبا. ولم يمنع التحرر من الحرب الأمريكية فى فيتنام. وبقدر ما كانت الستينيات قد شهدت حركة عدم الانحياز، إلا أن الستينيات قد شهدت وعرفت أيضًا الانقلابات التى أطاحت بزعماء عدم الانحياز: سوكارنو فى إندونيسيا وأحمد بن بلاّ فى الجزائر ونكروما فى غانا، وهزيمة «عبدالناصر».

■ كيف انعكست خبرتك فى الأحداث على رؤيتك للعلاقات بين العواصم فى بيروت والقاهرة ودمشق خلال تلك الفترة؟

- فى بداية الستينيات كانت العلاقات بين العواصم المذكورة منسجمة. ولكن الانقلاب على الوحدة المصرية- السورية عام ١٩٦٠، عقّد العلاقات بين القاهرة ودمشق، أما العلاقة بين بيروت والقاهرة فكانت منسجمة تمامًا بالرغم من الاختلاف بين النظامين السياسيين.

أما من الناحية الثقافية، فإن إنتاج القاهرة الثقافى كبير، وكانت أسماء مهمة مثل نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وسلامة موسى وطه حسين حاضرة ومنتجة وكتاباتهم تنشر فى كل البلدان العربية. أما بيروت فقد مثّلت آنذاك الانفتاح على الثقافة العالمية وخصوصًا الغربية. وكانت دور النشر ومجلاتها الثقافية تعبيرًا عن تعددية فكرية فى ظل أجواء من حرية التعبير والرأى.

■ ما الذى تكشفه التحولات العمرانية فى المدن والتحولات الاجتماعية والسياسية؟

- بالإمكان أن نتحدث عن بروز الطبقة الوسطى فى أغلب المدن والبلدان التى قلّصت الفروق الثقافية والاجتماعية بين الفئات والطبقات الاجتماعية. ترافق ذلك مع الأذواق، فصار الغنى يلبس مثل المتوسط الحال والفقير، وانتشر نمط جديد من العمران ترافق مع تطور اجتماعى وهو انتشار نمط العائلة النواتية «أى زوجين وأولاد» على نمط العائلة الممتدة. وحصل انتقال عن العائلة الأبوية، مما أدى إلى عمران يتناسب مع هذا التحوّل الاجتماعى. وقد تعزز ذلك مع تملّك واسع للأدوات المنزلية التى تعمل على الكهرباء، والتى خففت الأعباء عن المرأة. لكن هذه التحوّلات على أهميتها المؤكدة، كانت فى أغلب الأحيان شكلية لم تدخل إلى تبديل عميق فى القيم والمفاهيم.

■ ألا ترى أن الربع الأول من القرن الـ21 شهد تحوّلات وتغيرات تفوق غيرها من العقود المنصرمة؟

- تبدو الستينيات إذا نظرنا إليها الآن، وكأنها تنتمى إلى عصر غابر. وقد حدثت من ذلك الوقت تحولات فى المفاهيم، فقد غابت الأنظمة الاشتراكية عن المشهد. وتبدّلت مفاهيم القومية لصالح التعددية وانتقلنا من زمن الحداثة إلى ما بعد الحداثة، فأصبحت مفاهيم الحرية والمساواة جزءًا من الماضى وتراجعت أفكار عصر التنوير.