رحيل صامت ومؤثر.. هشام بتاع «الجبنة».. والصحافة أيضًا
- كان الراحل المبتسم دائمًا إنسانًا جميلًا محبًا للجميع
- عاش الرجل ومات دون أن يتزوج وندم على الوحدة
«لم يُلق همومه على أصحابه أبدًا، حتى فى عز أزماته».. بهذه الجملة الملخصة لشخصيته نعى الكاتب الصحفى إسلام عفيفى، رئيس مجلس إدارة أخبار اليوم، صديقه الكاتب الصحفى والروائى والمُعد التليفزيونى المتميز هشام يحيى، الذى توفاه الله وشُيعت جنازته ظهر اليوم. عشق هشام يحيى الصحافة وأبدع فيها على مدى نحو 35 عامًا، وتنقل بين منصات صحفية متعددة كشباب الأحرار منذ عام 1984 فالأحرار، ثم عمل بالوفد، والدستور فى نسختها الأولى رئيسًا لقسم الفن، وأخبار النجوم والمقال.

سافر يحيى إلى دولة الإمارات فى مرحلة من حياته، وعمل بإحدى المجلات التراثية هناك علاوة على جريدة الوطن الإماراتية. وحين عاد إلى مصر عمل لفترة فى مجال الإعداد التليفزيونى، وكان ضيفًا مميزًا لعدد من البرامج تحدث فيها عن نجوم السينما وكواليس صناعة عدد من الأفلام. كما أنه وضع كتابًا بديعًا أسماه «أيام وراحت» يمكن أن نعتبره كتابًا فى فن السيرة المهنية، حيث سرد فيه حكايات جمعته بشخصيات وأحداث فى الوسط الفنى وعالم الصحافة.
كان الراحل المبتسم دائمًا إنسانًا جميلًا محبًا للجميع؛ إذ جمعته صداقات ممتدة مع سكان حى شبرا الذى ظل متمسكًا بالبقاء فيه، حيث علاقة المحبة مع أهل مصر المسلمين والمسيحيين، الفقراء ومتوسطى الحال ممن كان يطلق عليهم لقب نجوم الشارع أمثال عم فلفل السباك وعم عصام الترزى والكهربائى الأسطى مجدى الخواجة. تألق هشام يحيى فيما أسماه «صحافة الشارع» التى صنعت سعادته فى سنواته الأخيرة، فكتب عنها ولها عبر السوشيال ميديا، ما حرمته منه تراجع الصحافة الورقية. امتدت محبة يحيى للجميع، حتى الحيوانات، فكم حكى عن صديقته القطة التى أسماها «أنيسة»؛ لأنها كانت تؤنس وحدته، إذ عاش الرجل ومات دون أن يتزوج.
مهنيًا، أجرى الرجل حوارات وكسب صداقات مع شخصيات عامة كثيرة مثل الموسيقار محمد سلطان والشاعر أحمد الشهاوى والفنان فاروق حسنى والدكتور نبيل فاروق ورجل الأعمال العربى الكبير طلال أبوغزالة ونادية لطفى، وغيرهم. وقد سعدت إذ نسقت له موعدًا لإجراء حوار طويل مع الراقية التى تشرفت بصداقتها لسنوات الدكتورة لوتس عبدالكريم، شفاها الله وعافاها. ومن ثقة الرجل فى شخصى المتواضع منحنى نسخة من معظم تلك الحوارات لأستخدمها فى برامجى.
يعد الراحل هشام يحيى واحدًا من أفضل الصحفيين فى فن الحوار الصحفى، فيما كان يعتبر كلًا من سيد فرغلى ورشاد كامل وعمرو عبدالسميع أساتذته فى هذا الفن الصحفى. وكان يرى أن فنانى هذا العصر لا يمكّنون الصحفى من إنتاج أفكار صحفية مبتكرة كما صنع جيل الصحفيين السابق مع كبار نجوم جيلهم. كانت رسالته الختامية من خلال حوارى معه فى برنامج اسمه «أرشيف صحفى» موجهة لرؤساء التحرير الحاليين أن يتركوا لشباب الصحفيين فرصة للانطلاق، إذ إنهم ليسوا منافسين، بل تلاميذ لهم وسينسب نجاحهم فى النهاية لمن منحهم الفرصة.
أما الجانب الذى قد يعده البعض تراجيديًا فى سيرة هشام يحيى أنه اعتزل العمل الصحفى قبل سنوات وتفرغ ليعمل بتجارة محدودة برأسمال متواضع جدًا، وهى تجارة «الجبنة» التى كانت تورد له من ملوى، حيث أفضل جبن براميلى فى مصر. تعامل هشام مع الأمر بخفة دم مبالغ فيها.ورغم هذه المأساة المتمثلة فى أن تجبر الظروف وتراجع المهنة رجلًا لأن يترك قلمه ويسعى لأى عمل يحفظ له كرامته ويصونه من الاعتماد على غيره، إلا أنه احتفظ بفضيلة الرضا. ومثله فعل كثير من صناع الإعلام حين تقاعدوا ولم تفِ معاشاتهم فى توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة فعملوا سائقى تاكسى، وفتح آخرون محل بقالة متواضع وباع بعضهم- فيما يُروى- السبح كباعة متجولين فى الشوارع، وتلك مأساة أخرى ينبغى أن يُلتفت إليها ويتصدى لها كل من كان له قلب أو كان من أصحاب الضمائر الحية.
ورغم هذا ظل هشام يحيى متمسكًا بخفة الدم وبالحس الإنسانى الراقى وبصفات أولاد البلد الشرفاء.
كان يسمى ما يتاجر فيه «المصلحة»، كشفرة بينه وبين زبائنه، بدأ تجارته بتوزيع «المصلحة» بنفسه على الزبائن فى أنحاء القاهرة. ثم استعان بأحد الشباب اسمه أحمد كمساعد له ليقوم عنه بتوصيل الأوردرات. الظهور الأخير لهشام يحيى على صفحته كان أواخر أغسطس الماضى، ولم يظهر كهشام يحيى الصحفى الكبير صاحب الخبرات، ولكنه ظهر كهشام بتاع الجبنة!! يتاجر فى المورتة وزيت الزيتون والبتاو والكشك الصعيدى!! ويعمل الرجل مبتسمًا ابتسامة عريضة لم أستطع تفسيرها أبدًا، فهل هى ابتسامة رضا وسعادة، أم ابتسامة سخرية مما آل إليه حال مهنة عشقها ثم تراجعت إلى أن اضطرته لهجرانها بحثًا عن مصدر دخل كريم فى ميدان مختلف تمامًا عما عاش له من حب للصحافة وعشق للقلم؟!

ثم تم حجزه فى المستشفى وقضى به عدة أسابيع قبل أن يعلن شقيقه الإذاعى الكبير ماهر عبدالعزيز رئيس شركة راديو النيل الأسبق نبأ وفاته ويشيع اليوم من مسجد خالد بن الوليد بالكيت كات.
كانت له عبارة مؤثرة جدًا كتبها فى بداية رحلة مرضه الأخيرة قائلًا: «الوحدة قرار خاطئ باندم عليه دلوقتى وأنا مسجون فى البيت مع الألم الرهيب وأربعة جدران، لولا تردد مصطفى وماهر، إخواتى على... كنت شعرت بالجنون». ولا أدرى هل فعلًا كانت الوحدة هى التى ندم عليها الرجل، أم قراره بهجرة الصحافة بلا رجعة، أم أن القرار القديم بالعمل بالقلم ومع القلم وإخلاصه الشديد له هو الأولى بالندم. رحم الله الكاتب القدير وخالص عزائى لكل أفراد أسرته، خاصة الإذاعى القدير ماهر عبدالعزيز، ولكل من تعامل معه صحفيًا قديرًا متمكنًا حريصًا على مراعاة قواعد المهنة وأصولها اسمه هشام يحيى صنايعى الصحافة القدير، أو من تعامل معه تاجرًا أمينًا صدوقًا بشوشًا اسمه عم هشام بتاع الجبنة!!

